المضامين الفلسفيّة في الفيزياء المعاصرة ج2 ( نموذج النظريّة الكموميّة )

نظرية الكم و الفكر الاحتمالي في الفيزياء

لا شك أن هناك تعارضا فلسفيّا عميقا بين نظرية الكم والنسبية، فالثانية رفضت المصادفة في العلم، وانطلقت من مبدأ إمكان إدراكاتنا لتكوين الكون، في حين أكدت الأولى على أن المصادفة والاحتمال هي الجانب الآخر للقانون الكوني، وأن تكوين الأشياء وتشكيل المرآة التي تعكسها يمتنع على العقل.  النظرية الكمومية تنقلنا دفعة واحدة من الحتمية إلى اللاحتمية، فالحوادث قد تقع دون سبب واضح، والجسيمات لا تتبع مسارات محددة تماماً، والقوى لا تُحدث الآثار المحتومة، فالساعة المنضبطة لميكانيكا نيوتن، تتحول إلى خليط هلامي من أنصاف الحقائق.

ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى أن نظرية الكم غيرت منطلقاتها الفكرية للمادة، فبعد أن كانت النظرية الموجية في الضوء، التي وضع أصولها الفيزيائي الهولندي هويجنز، هي السائدة على حساب النظرية الجسيمية للضوء التي تعود إلى نيوتن، تحول الأمر في بدايات القرن العشرين بالانتصار لفكرة الجسيمات من جديد، إذ انطلقت الكمومية في مفهومها عن الكوانتا، أو الانفصال في عالم المادة، كبديل لفكرة الأمواج المتتابعة. أما فكرة الكوانتا، فترجع في تاريخها إلى 24 قرناً، عندما عرض الفيلسوف اليوناني (لوسيبوس)، ثم (ديمقريطس)، ونظرية عن الذرات المنفصلة المنفردة المبثوثة في الخلاء و أطلق عليها اسم الذرّة (الجزء الذي لا يتجزأ)، وقد تبنى علماء الكمومية هذه النظرية مع إدخال تحسينات عليها متعلقة بتطور البحث العلمي في القرن العشرين، فإذا كانت الذرات عند ديمقريطس  تمثل وحدات مادية لا يمكن تخريبها أو تحويلها لشيء آخر، فإن الفيزياء الحديثة قد اتخذت موقفاً مختلفاً لمادية ديمقريطس منحازة أكثر لأفلاطون وفيثاغورث، حيث تصبح الجسيمات العنصرية ليست خالدة ولا هي وحدات مادية غير قابلة للتخريب، بل إن أي جسيم منها يمكن أن يتحول إلى جسيم آخر، وبتعبير آخر فإنه إذا تصادم جسيمان متحركان في الفضاء بطاقة حركية عالية، فإن عدة جسيمات أخرى جديدة يمكن أن تتخلق من الطاقة الناتجة عن تصادمهما، وفيزياء الكم تلتقي مع أفلاطون بفكرة أن الجسيمات العنصرية هي أقرب إلى الطبيعة الرياضية منها إلى هيولى مادية. فبدت تلك الأجزاء الصغيرة في الوقت الحاضر، عبارة عن حبات طاقة، أو ما نسميه كوانتا – على اعتبار أن الكتلة والطاقة شيء واحد كما عرفنا من النسبية – لذلك لم يُخفِ أقطاب فيزياء الكم إعجابهم بالفلسفة اليونانية، ففي أعمال ماكس بلانك، الواضع الفعلي لأسس ثورة الكم، نجد تأثر واضح بتعاليم النزعة الإنسانية للفلاسفة الإغريق. كذلك أكد هايزنبرغ، أحد أقطاب الكم، على أن المتعطش دوماً إلى التوغل نحو أعماق الأمور في كل مجال، تقنياً كان أم غير ذلك، سيصادف عاجلاً أم آجلاً تلك المنابع القديمة، وسيجد لأعماله الشخصية مزايا عديدة عندما يأخذ عن الإغريق مبادئ تفكيرهم وأسلوبهم في طرح المسائل المبدئية. كما يؤكد هايزنبرغ على التزاوج الناجح بين تعاليم هيرقليطس الذي اعتمد على الصيرورة الكونية الممثلة بالنار كعنصر أساسي من عناصر الكون، وبين مفاهيم الفيزياء الحديثة التي اقتربت بشكل كبير من مثاليته مستبدلة مفهوم النار بمفهوم آخر هو الطاقة، التي اعتبرت بمثابة الهيولى التي صنعت منها كل الجسيمات العنصرية وكل الذرات، وبالتالي فإن كل الموجودات هي هيولى طاقية لأنها بمجمل كميتها لا تتغير، ولأن الجسيمات العنصرية يمكن عملياً صنعها من هذه الهيولى بدليل التجارب العديدة التي تتخلق منها الجسيمات العنصرية، كما أن الطاقة يمكن أن تتحول إلى حركة وحرارة و نور، وحتى إلى توتر، كما أنها يمكن تعتبر السبب الأساس لكل تغيرات العالم. ولعل الأمر يدور هنا حول الصراع التاريخي بين أصحاب السكون والتقطع من جهة، وأصحاب الحركة الديناميكية من جهة أخرى، فنحن عرفنا في الفكر اليوناني أن (زينون) قد قدم مفارقاته الشهيرة حول استحالة الحركة، حيث تصور الزمان والمكان ككتلة سكونية تقفز من آن لآخر، وهو الأمر الذي حاول أرسطو الرد عليه ونقده، مفترضاً أن المكان مجموعة أنات. و بعد ألفي عام جاء هايزنبرغ ليحيي من جديد أفكار زينون في مبدأه عن الارتياب، مؤكداً على أن الجسم لا يمكن له أن يشغل موضعاً محدداً، وأن يكون متحركاً في الوقت نفسه، وعملية الرصد كما نمارسها فعلياً لا تتيح لنا أن نواصل تحليل الحركة إلى مالا نهاية، ونحن سنشعر عاجلاً أو آجلاً بأن ممارساتنا تُدخل تقطعات في كل ما نرصده مهما كان، وهذه التقطعات شكلت أساس فيزياء القرن العشرين.

تبدأ النظرية الكمومية قصتها مع الفيزيائي الألماني (ماكس بلانك) الذي أعلنت دراساته الرائدة لطبيعة الإشعاع، عن بداية عصر جديد هزت اكتشافاته أعمق أسس الفيزياء التقليدية وفلسفتها الوثوقية، وأنهت العصر الذي سمي بعصر العلم الميكانيكي، بإدخالها مفاهيم جديدة إلى بنية الفكر واللغة العلمية، كالريبة، واللاتحديد، بعد سيطرة مطلقة لمصطلحات ومفاهيم اليقيني والحتمي لمدة خمسة قرون. ففي العقد الأخير من القرن التاسع عشر، حين كان بلانك يندفع خطوة فخطوة نحو نظرية الكم، كانت الفيزياء تبدو فرعاً مكتملاً من المعرفة، خالية من الفجوات التي تحتاج لملأها نظريات جديدة، ويقوم هذا التصور على قاعدة أن التصور الميكانيكي النيوتوني، وما تلاه من نظريات، استطاعت الإجابة على كل ألغاز الكون والمادة.

لكن مع بداية القرن العشرين، ظهر جيل جديد من الفيزيائيين من أصحاب النزعة النقدية والخيال الفلسفي الذين استطاعوا أن يظهروا مكامن الضعف في هذا البناء الجميل، حيث وجدوا مجموعتين من الظواهر غير المفسرة من الوجهة التقليدية للفيزياء، يتمثل أولها في النتائج السلبية التي توصلت إليها تجارب (مايكلسون مورلي) حول سرعة الضوء، وهو الإشكال الذي ولدت عنه النظرية النسبية كما عرفنا سابقاً. بالإضافة إلى تقدم حضيض كوكب عطارد على نحو مخالف لتنبؤات نيوتن، وهو أمر قامت النسبية بحله أيضاً. أما المجموعة الثانية من المشكلات التي لم تفسر، فقد قامت على التعارض بين القيم المرصودة، والقيم المحسوبة في حالات متعددة، كالحرارة النوعية للغازات، وخواص الإشعاع الصادر عن ثقب صغير في جدار فرن (الجسم الأسود)، والخطوط المضيئة المنفصلة من طيف الذرات. ومن هذه الإشكالات غير المُفسرة ولدت نظرية الكم، حيث قدم بلانك ثابته الشهير عن كم الطاقة المسمى بثابت بلانك ( h ) [1]، و رغم صغر قيمة هذا الثابت، فإنه عنى الكثير، حيث أكد على فكرة أن الطاقة هي عبارة عن كم تواتري يقوم على شكل قفزات صغيرة إلى حد بعيد، وبهذا الثابت طعن بلاك أسس الفيزياء التقليدية بمفهوم أعتبر هرطقة في ذلك الزمان، هو مفهوم “التقطع”مقابل الدستور الفيزيائي التقليدي الذي انتقل من بديهية الاستمرار وقوانينه، كأساس لتفسير استقرار العالم المادي وانسجامه المطلق، الأمر الذي جعل بلانك نفسه – وهو من المتأثرين ابستمولوجياً وتاريخياً بالفكر الحتمي – يقلق من النتيجة التي توصل إليها، محاولاً محاولة اليائس تعديل نتائجه دون أي نتيجة، حيث قفزات الطاقة أصبحت حقيقة ثابتة شاء ذلك أم أبى. بذلك كان بلانك، قد وضع البذرة الأولى لبناء الفكر اللاحتمي في الفيزياء، رغم عدم قناعاته الفلسفية بذلك، إذ لم يكن مثله الأعلى في المعرفة العلمية يتصف بشيء من الحركية، بل إن قضية العلم كانت في نظره تمثل الانتقال من النسبي إلى المطلق فيقول: “لا يمكن أن ننطلق إلا من النسبي، إن قياساتنا وأدواتنا وتجاربنا ذات طابع خاص، ومع ذلك فإنه انطلاقا من كل هذه المعطيات، فإن المقصود هو العثور على المطلق لما هو صادق كلياً والمطلق الذي يتوارى فيه”.   لذلك جابه بلانك نحو نظرية الكم التي أسسها بعدم ارتياح، حيث قضى سنواته العشر التالية بعد اكتشافه، يحاول التخلص منها، عسى أن تتوافق نظريته مع مفاهيم الفيزياء الحتمية التقليدية دون أن تكلل جهوده بالنجاح، إذ كان قد وضع نموذجاً لبنية فكرية جديدة مختلفة كلياً عن التيار الابستمولوجي السائد في الفيزياء التقليدية، فجاء بقوانين ذات خاصية إحصائية لا تنطبق على جملة مفردة، بل على جمهرة جمل منفصلة ومتماثلة تماماً، ولا يمكن التحقق من صحتها بقياس واحد في الجملة، بل بسلسلة من القياسات المتكررة للكمّات المنفصلة.

لذلك امتلكت نظرية الكم، ومنذ تأسيسها، القدرة الابستمولوجية التي أحدثت القطيعة الحقيقية مع الفيزياء التقليدية – ممثلة بحتمية بنيوتن ثم حتمية آينشتاين المعدّلة – إذ لا يمكن أن نعتبرها امتدادا تطوريا للفكر الفيزيائي التقليدي واستيعابا له،كما كان الأمر بخصوص النظرية النسبية، بل هي بمثابة قلب منهجي وكامل للتفكير الفيزيائي الفلسفي للعالم والمادة، فإذا كانت الفيزياء الحتمية  التقليدية، تهدف في النهاية إلى توصيف الأشياء الموجودة في المكان والزمان، وإلى صياغة قوانين تنبئ عن تغيرها بمرور الزمن. فإن فيزياء الكم لا تهدف إلى وصف الأشياء منفردة في المكان، ولا إلى تغيراتها في الزمان، وليس فيها مكان للمقولات، مثل أن احتمال أن يكون هذا الشيء كذلك وأن تكون له الخاصية تلك يساوي كذا وكذا، ففي فيزياء الكم، لا يوجد مكان للقوانين التي تنبئ عن تغيرات الشيء المفرد في الزمان، بل يوجد مكانها قوانين تنبئ عن تغيرات الاحتمال بمرور الزمن.  هذه التغيرات شملت بنية المادة ذاتها ممثلة بالجسيم، فقديماً كان للجسيم المادي موقع وسرعة في آن واحد، أما الجسيم في مفهومه الكمومي، يمكن أن يكون له موقع، أو سرعة، أو وضع يغلب عليه الغموض وسرعة ضبابية. وبالتالي تحولت بنية العالم المادي من التجانس إلى الارتياب واللاتعيين، ومن الحتمية إلى اللاحتمية. إذ لم نعد نتصور وجود أنظمة متسقة خفية يعود عدم معرفتنا بها إلى قصور العقل البشري، أو ضعف التقنيات المستخدمة، بل أصبحت الأنظمة نفسها تغلب عليها العشوائية اللامتسقة بحيث تكون نسبة الخطأ فيها تراكمياً، على اعتبار أن طبيعة مادة النظام في جوهرها هي ارتيابية، وآلية الكون نفسها تخضع لهذا النوع من النظام الذي يمكننا تسميته بالارتيابي، وعليه فإن سبب قصور المعارف، لا يعود إلى قصور في العقل البشري أو التقنيات المتاحة، بل يعود إلى الطبيعة الشواشية لبينة نظام المادة، فالكون ذاته لا يعلم ما يفعله بدقة مطلقة، وبالتالي لا يمكن التنبؤ بما سوف يحدث مستقبلاً بتفاصيل كاملة، فهنالك أشياء تجري بشكل عشوائي، هي هكذا كانت وستبقى.

وهنا نجد أنفسنا ندخل عمق المضمون الفلسفي للفيزياء الحديثة، فبعد نتائج نظرية الكم الشاذة انقسم الفيزيائيون إلى معسكرين :

كان على رأس المعسكر الأول (أينشتاين)الذي أصر على أن هذه النظرية غير تامة طالما أنها تذهب لهذه المقولات غير المنطقية، و كان يأمل في أن تكون وراء عالم الكم العجيب، حقيقة حتمية للأشياء والقوى التي تتفاعل وفق الصورة التقليدية طبقاً لأسباب ونتائج،  مُفترضا أن تلك الضبابية في نتائج التجارب، إنما سببها قصور في تلك التجارب ذاتها، وأن أجهزتنا ليست مهيأة بطبيعتها للكشف عن التفاصيل الدقيقة للمتغيرات التي تكمن وراء تلك المسالك الغريبة للجسيمات دون الذرية. ففي رأي أينشتاين يمثل الكون واقعاً هندسياً، بمعنى أن المستقيم والمنحني …. وغير ذلك من الأشكال الهندسية تحققها الأجسام المادية، وعلى هذا الأساس يفهم أينشتاين أن الكون بماهيته وحاضره ومستقبله، هو واقع راهن يحقق صورة هندسية، تشكل النسبية العامة البنية الملائمة لها، وعليه فإن قوانين الطبيعة كلها، ما هي إلا نظريات هندسية (كنظريات الحقل على الأقل)، وعلى هذا النحو يصبح المستقبل معيناً ومحدداً سلفاً بكل ما سيأتي به بالضرورة، ذلك أن الهندسة لا تترك أي مجال للمصادفة والاحتمال، وعلاقاتها دائمة الصحة. وعلى ذلك يؤكد أينشتاين على واقعية وجود الحقيقة الموضوعية لأية منظومة فيزيائية بشكل مستقل عن كل ملاحظة أو قياس، وبالتالي فإنه يعزو الاضطراب وعدم الاستقرار والفوضى كلها، إلى أشياء ظاهرية تخفي الحقيقة العميق للانسجام الكوني، أما عدم رؤيتنا له، فليس إلا نتيجة عيب نظرتنا للأشياء، وبالتالي فإن غموض الرؤية الارتيابي للعالم وفق نظرية الكم، ينشأ في الواقع عن عجز في حدة بصرنا أو ضعف بصيرتنا.

أما المعسكر الثاني فكان على رأسهم (نيلز بور) وضم الذين تقبلوا تماماً المضمون غير الحتمي للنظرية، وأصروا عليه كخصيصة أساسية وجوهرية للعالم الكمومي.  فذهب بور إلى أنه ليس لهذه الضبابية سبب ما، وأن ساعة نيوتن المنضبطة قد ولى زمانها، فالمادة تخضع لقوانين الصدفة والاحتمال. وعليه فإن الاحتمال في الطبيعة الفيزيائية الموضوعية هو أمر واقع، والمستقبل ليس محدداً بالحاضر، وبالتالي هو غير حتمي التوقع، فالمعادلات لا يمكن لها أن تحدد سير الطبيعة إلا ضمن احتمال معين (في مجال الجسيمات على الأقل وهذا لا يعتبر أمرا بسيطا إذا ما عرفنا أن العالم المادي بمجمله بما فيه نحن الذين نكتب ونقرأ مكونين من هذه الجسيمات) حيث تقول بأن الحادث كذا سيقع باحتمال كذا. ولكن لا مناص من تمثيل العالم الكمومي من عبارات المفاهيم الكلاسيكية، وبالتالي فإن المعرفة تقف عند حد لا تستطيع أن تتجاوزه، فهذه الكائنات والمنظومات الفيزيائية الواقعة خلف نوافذنا، لا يمكن أبداً التفكير فيها بذاتها، وإنما دائماً بحسب حاجات المشاهد ورغباته الطيبة.

أما بخصوص العلاقة بين الذات والموضوع في موضوع المعرفة، بمعنى هل قيمة الموضوع المادي موجودة باستقلال عن المشاهد، أم أن المشاهد (الراصد) هو الذي يعطيها تلك القيمة؟ فنجد انقساماً آخر بين المعسكرين، فالمعسكر الأول متأثراً بفيزياء نيوتن، ومن بعدها فيزياء أينشتاين، كانت يميل للقيمة الموضوعية للمعرفة، أي أن القانون الكوني يوجد باستقلال تام عن الراصد، و رغم أن النسبية قد أعطت أهمية نسبية نوعاً ما للراصد الذاتي الذي أهملته فيزياء نيوتن، فأكدت على دوره في عملية الرصد، إلا أنها اكتفت بوضعه ضمن إطار المشاهد الحيادي المستقل عن العالم وقوانينه الحتمية.  أما المعسكر الثاني فقد تأثر بالكمومية التي دمجت بين الذات والموضوع في رصد العالم المادي، فالذات لها وجودها الفعلي والفاعل في التدخل في العالم وقوانينه، بل وتغيير تلك العوالم كما سنرى.

ويبدو لنا أن التجارب حتى الآن، تؤكد هزيمة معسكر أينشتاين، فالعالم يبدو ارتيابيا في جوهره. ومع ذلك بقي أينشتاين مصراً على موقفه القائل بأن ميكانيك الكم على الرغم من فائدته وصدق تنبؤاته، إلا أن مبادءه ليست مبادئ مُرضية حقاً، بل ينبغي النظر إليها كنظرية غير مكتملة، وارتأى إلى أن الطريق إلى مثل هذه النظرية الكاملة يجب أن يكون طريقاً غير مباشر، من خلال النظرية العامة مع صياغة هندسية لحقول التأثير المتبادل، إذ كان يأمل أن تظهر نظرية الكم بشكل طبيعي في مثل هذه الاعتبارات، وعندئذ سيظهر ميكانيك الكم على شكل نظرية تقريبية للنظرية الواقعية، أي في نظرية قريبة من التصور التقليدي المألوف للعالم، لكنه وكما نعلم لم يستطع الوصول إلى هذا الربط، بل إن الكمومية زادت من إرسائها للمفهوم الاحتمالي بشكل جعل من الفيزياء فرعاً أقرب ما يكون إلى التأملات النظرية الرياضية، أكثر منها علما وضعيا تجريبيا. فبنية الوجود الموضوعي في نظرية الكم، تتحول إلى رمز اصطلاحي يفيد في تقديم تصور تقريبي عن الأشياء، وهذا ما جعل أصحاب هذه النظرية وفي مقدمتهم هايزنبرغ، يتحدثون عن الذرة والإلكترون، كأشياء اصطلاحية، إذ يقول هايزنبرغ : لا يجب أن نسقط في ذلة التفكير وتصور الذرة وإلكتروناتها كأشياء صغيرة ذات كينونة خاصة، فميكانيكا الكم تمكننا من ربط مشاهدات مختلفة عن الذرة، ويجب اعتبار النظرية بأنها إجراء يربط بين هذه المشاهدات في نوع من النظام المنطقي المستقر كخوارزم رياضي، واستخدام كلمة ذرة، ما هو إلا طريقة غير رسمية للحديث عن هذا الخوارزم، أو هو وسيلة معاونة لدمج هذا المعنى المجرد في اللغة الفيزيقية، لكنها لا تعني أنه يوجد كينونة مُعرّفة تعريفاً دقيقاً وذات خصائص محددة تحديداً قاطعاً من موضع وسرعة. وبنفس المعنى يقول بور “ليست الفيزياء متعلقة بماهية الأشياء، ولكن بما يمكن أن نقوله عنها”.

لذلك نجد هايزنبرغ يؤكد على وجوب التخلي عن كل الأفكار القديمة، فالحركة لا يمكن أن توصف بلغة المفاهيم التقليدية القائلة بأن الشيء يتحرك استمرارياً من مكان لآخر، فهذه الفكرة تتحول لعبارة غير ذات معنى، إلا في حالة الأجسام الكبيرة، أما إذا ما كان الشيء صغيراً على المستوى الذري، فلا معنى لهذه الأقوال. بعبارة أخرى، يعتبر هايزنبرغ أن بعض المفاهيم – كمفهوم الذرة – هي غير عقلانية إلا حين تُعتمَد في وصف أرصادنا العملية، دون أن تؤخذ في التعبير عن آرائنا  بخصوص ما نظن أنه حدث، وبما أن الذرة لا تُرى، فهي مفهوم عديم المعنى، وهذا بدوره قاده تحت – تأثير النزعة الوضعية – إلى الشك في كل مفهوم لا يوجد له تعريف عملي يتيح قياسه، فالذرات لا يمكن رصدها، بل يمكن رصد الضوء الآتي منها، وعندها أنشئ شكلٌ جديدٌ من الأدوات الرياضية، تعتمد على تواترات الضوء المرصودة، لا على موقع واندفاع إلكترون لا يمكن رصده ضمن ذرة غير مرئية.

هذا التصور كان التمهيد الفعلي لمبدأ هايزنيرغ الشهير بالارتياب الذي يقول : إننا لا نستطيع أن نحدد بدقة موضع و اندفاع جسيم في وقت واحد، وهذا اللاتحديد لا علاقة له بالخطأ التجريبي الذي يرتكبه المرء في محاولة قياس الكميات التقليدية للموقع والاندفاع، بل إن هذا الارتياب يوجد موضوعياً في كل قياس، ومن المستحيل ضمن هذا الأساس أن نتوقع أو نعين مستقبل الكائنات الذرية، فإذا قمنا بدراسة الجسيم باعتبار خواصه الجسيمية، فهذا بالضرورة يؤدي إلى فقد خواصه الموجية، والعكس صحيح، أي إذا درسنا الجسيم باعتبار الخاصية الموجية، فهذا سيؤدي إلى فقد خواصه الجسيمية.  وإذا أردنا أن ندرس الخاصيتين معاً، فإننا سوف لا تستطيع تحديد موقع الجسيم بدقة، بل نعين احتمالية تواجد الجسيم في الفراغ، وفي هذه الحالة من عدم الدقة في تحديد موقع الجسيم، فإنه لن يفقد خواصه الموجية.  لذا من المستحيل أن نطبق الخواص الموجية والجسيمية في وقت واحد على الجسيمات المادية، فإذا اخترنا إحدى الصفتين، لا بدّ من استبعاد الأخرى. لذلك فإن مبدأ الشك يجمع الخاصيتين معاً، هذا المبدأ وإن كان ذا شأن ضئيل في دنيا المحسوسات الكبيرة، لأنها نادراً ما تأبه بالتشويشات الناجمة عن عملية الرصد، لكنه ذو شأن خطير عندما يتدخل في شؤون الإلكترون ومكونات نواة الذرة، الذين يشكلون أساس الوجود المادي في الواقع. وهذا ما أعطى المبدأ طابعة الثوري. فوفق ذلك التصور يكون أساس الوجود المادي نفسه – الذي يمثله الجسيم – عرضة للايقين، لذلك كان لمبدأ الارتياب، الوقع العميق والخطير على صورة العالم، حتى أن مضامينه لم تزل حتى الآن غير مقبولة بتمامها عند بعض الفلاسفة، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى أنه يحكم بالموت على حلم لابلاس اليقيني في بناء نظرية في العلم، ونموذج للعالم بشكل تام اليقين، إذ كيف يمكن أن نتنبأ بالحوادث المستقبلية بدقة، إذا كنا عاجزين حتى عن تعيين الحالة الراهنة للعالم بدقة. وعليه، فإنه لتحديد حالة منظومة فيزيائية بواسطة المفاهيم العادية، لا بد لنا من غض الطرف عن كل تدخل خارجي، وهذا بالضبط ما يؤدي طبقاً لمسلمات الكمومية، إلى القضاء قضاءً مبرماً على كل إمكانية للملاحظة، وإفراغ المكان والزمان من معانيهما المباشرة. لقد استطاعت ميكانيكا الكم، أن تسحب بريق الحتمية الذي ساد خلال قرون عديدة في الفكر الفيزيائي والفلسفي، فلكي تصبح التجربة ممكنة، لا بد من التسليم بوجود تفاعل بين المنظومة المدروسة ، وأدوات القياس المتخصصة، التي لا تشكل جزءاً من تلك المنظومة، وهذا بالضبط ما يجعل من المستحيل علينا بسبب طبيعة الأشياء ذاتها، إعطاء تعريف وحيد الدلالة لحالة تلك المنظومة، بسبب تدخل أدوات القياس التي لا بد أن تتفاعل بأي شكل مع المنظومة، وبالتالي تزيد من شواشها، وهذا بدوره يجعل السببية بمعناها العادي غير ذات موضوع”.

وبالمعنى الفلسفي، يمكن النظر إلى التفسير اللاحتمي للظواهر الذي تبنته الكمومية عبر مرحلتين :

الأولى : مرحلة اللاحتمية على المستوى الابستمولوجي المعرفي : التي تؤكد على عجز الذات العارفة عن الكشف على وجود تحديد كلاسيكي للمعارف. وهذا ما أطلق عليه علاقة (الارتياب).

الثانية : مرحلة اللاحتمية على المستوى الأنطولوجي : التي تؤكد على الوجود الموضوعي للاتحديد في مجال الأشياء الميكروسكوبية التي تدل الوقائع على أن سلوكها يختلف عن سلوك النقط المادية في الفيزياء التقليدية. وهو ما أطلق عليه علاقة اللاتحديد.

و للتعامل مع هذه الإشكالية تحدث بور عن نظريته والتي تدعى (بالتكاملية) أو (مبدأ التتامية)، فأكد على أن الظواهر التي تبدو متعارضة في الطبيعة هي في الواقع متكاملة، فمثلاً يمكن النظر للخاصتين الموجية والجسيمية للإلكترون (كما لجسيمات الضوء) على أنهما متكاملان كوجهين لعملة واحدة، فالإلكترون – وغيره من الجسيمات – يمكنه أن يتصرف كجسيم، أو كموجة، ولكن ليس أبداً بالصورتين معاً، كما لا يمكننا الحصول على وجهي العملة الواحدة بوقت واحد. فوفق بور، الدرس الأساس الذي يجب استخلاصه من الفيزياء الذرية، هو أن مفاهيم الفيزياء التقليدية مفاهيم محدودة بحدود الظواهر في العالم الماكروسكوبي، وبالتالي هي لا تنطبق على الميدان الذري، لذلك ينبغي تعديلها حتى نتمكن من فهم ما يجري في الميدان الميكروسكوبي، وعندها سنجد الذي نعده تناقضاً في عالمنا الظاهري العياني، يظهر لنا تكاملاً في العالم الذري، وبذلك اقترب بور في هذا التفسير من المنظور الأداتي في المعرفة.

ففي حين اتفق أينشتاين مع أرسطو باعتناق مبدأ السببية والاستمرارية أحادية الوجود للمادة، نجد أن نظرية بور كانت أقرب لتصورات زينون، عندما أكد أن الموجة والجسيم كليهما ليسا كل الحقيقة، بل يوجد عدا عن ذلك نوع من التتامية، التي تتخذ مظهر المفارقة بمجرد أن نحاول تحليلها، ومن وجهة نظر تجريبية نقول : في حال ورود إلكترون ورصده في لحظة معينة، فإننا مع أينشتاين نقول : أنه جسيم حقيقي، لكنه يتبع نظماً خفية ما زلنا نجهلها حالياً. أما مع بور فنقول : إني لا أرى الحقيقة إلا عند رصدي لها، فهي لم تكن موجودة قبل أن أشاهدها، فهناك بالتالي خط واضح يفصل بيننا كوعي، وبين الحقيقة التي نرصد وجودها خارج أنفسنا، فالحقيقة تتعلق باختيارنا لما نريد رصده، و بكيفية رصده، وهذه الاختيارات بدورها تتعلق بعقولنا نحن، أو بعبارة أدق تتعلق بمحتوى أفكارنا. أي إن المادة تتصرف بطريقتين متناقضتين ومتكاملتين معاً، فهي تظهر جسيمية ومتوضعة في الفضاء، كما تظهر موجية وغير متوضعة في الفضاء، أما كيفية ظهورها لنا، فيتعلق باختياراتنا الذهنية، إن الحقيقة هي قضية اختيار تكاملي بين أحد أشكال الأنظمة المتعددة. وبالتالي فإن العالم ليس فوضويا أو منطقيا، بل هو الاثنين معاً، وعليك حين الرصد اختيار أحدهما، ونحن لا نرى إلا أحدهما، ولا يمكن أن نرى الاثنين معاً أبداً، إذ تغدو التتامية بمعنى المثنوية في المعرفة، كالأحمر مقابل الأخضر، فعندما نلحظ حمرة شيء ما، تكون خضرته خفية علينا، والعكس صحيح، والشيء الذي هو أحمر وأخضر في الوقت ذاته، يظهر لا أحمر ولا أخضر، بل رمادياً. وبتطبيق ذلك على الميدان الفيزيائي الجسيمي، هناك طريقتان مختلفتان في مشاهدة العالم، فيمكن أن تراه من خلال جسيماته، أو يمكن أن تراه و كأنه مصنوع من أمواج، وهاتان الرؤيتان يتمم بعضها الآخر، ونحن لا نستطيع أن نشاهد المظهرين معاً في وقت واحد، وبالتالي يبدو أن كلا الصفتين الموجية والجسيمية حاضرتان في الطبيعة بشكل كامن أو بالقوة، دون أن يكون حضورهما واقعياً، ونحن على الصعيد العملي لا نستطيع أن نحسم المعرفة أبداً، بل يمكننا أن نعطيها هيئة ما تصوغها في شكل معين، فنعدّل الحقيقة الكامنة ونجعلها واقعية. يقول هايزنبرغ : “إن فكرة أن الأحداث ليست معينة بشكل قاطع، بل إن إمكان وقوع الحدث أو نزوعه إلى الوقوع هو الذي يملك نوعاً من الحقيقة، إنها شريحة وسط من الحقيقة، تجمع بين الحقيقة الملموسة للمادة، والحقيقة الذهنية للفكرة  المصوغة  كاحتمال وتخضع لقوانين الطبيعة” والصيغ الرياضية لم تعد تمثل الطبيعة، بل تمثل ما نملكه من المعرفة عنها، وبذلك نكون – مع الكمومية – قد عدلنا عن توصيف الطبيعة الذي كنا نمارسه خلال مئات السنين، والذي كان يعتبر الهدف الطبيعي لكل علم دقيق. وحتى الوقت الحاضر، علينا أن نكتفي بالقول إن هذا الموقف يمتد إلى مجال فيزياء الذرة نفسها، لأنه من الممكن أن نشرح التجربة بدقة، لكن الآراء تتفاوت بمجرد أن نحاول إيجاد تفسير فلسفي لنظرية الكم. لذلك أعلن ماكس بورن بأن الجسيمات الأولية لا يتحكم في سلوكها قوانين العلية، وإنما قوانين الاحتمال، وفي ضوء هذا التفسير، لا تكون للموجات حقيقة الموضوعات المادية، بل حقيقة المقادير الرياضية.

بذلك زعمت الكمومية أنها استطاعت أن تحل المشكلة الفلسفية الرئيسية بخصوص العلاقة بين المعرفة والوجود، فالوعي عندها يؤدي وظيفة ثنائية ذات وجهين، وذلك أدى إلى إلغاء الحد الفاصل بين فلسفة الوجود وفلسفة المعرفة، فالمعرفة عقل، والكينونة هي مادة، أما كيف يتصل أحدهما بالآخر، فتلك هي العملية السحرية التي تسمى “الوعي”، الذي هو ثمرة تفاعل مستمر بين العقل والمادة. أي أن تدخل الذات هو الذي يلغي الحد الفاصل بين الاحتمالي والواقعي، وهو الذي يلغي الفاصل بين المتخيل والملموس.

هذه النظرة هي العنوان المعبر عما بات يُعرف بـ (مدرسة كوبنهاجن)، التي يمثلها بور وهايزنبرغ وباولي، والتي ترى أننا في عملية الرصد، ما نرصده ليس الطبيعة ذاتها، وإنما الطبيعة كما تبدو لنا من خلال طريقتنا في استجوابها، فعملنا العملي يتألف من طرح أسئلة عن الطبيعة باللغة التي نمتلكها، ومن محاولة الحصول على جواب من التجارب التي نملك وسائل إجرائها. لذلك هاجمت مفاهيم المعرفة الحدسية للفلاسفة العقلانيين، لتفترض أن ذلك الحدس بدوره، ناشئ عن عادة اعتدناها، أكثر مما هو تمثيل حقيقي لعالم موحد ومتسلسل ومتجانس، وبنفس السياق انتقدت مفاهيم العالم المتجانس التي قدمها نيوتن، ورسخها كانط، فيقول شرودينغر  وهو من فيزيائيي الكم الكبار “من السهل أن نضل حين ننظر إلى عادة فكرية مكتسبة على أنها بديهية فرضها الفكر على كل نظرية تتعلق بعالم الطبيعة، وأشهر صورة لذلك يتمثل في كانط الذي دعا إلى تصور للمكان والزمان على النحو الذي يعرّفها بـ(شكليي الحدس الذهني)، فالمكان عنده شكل من أشكال الحدس الخارجي، والزمان هو شكل للحدس الباطني، وقد تبعه أكثر الفلاسفة في هذه النظرة خلال القرن التاسع عشر، وتلك الفكرة في الواقع كانت قليلة المرونة، ولا يمكن قبولها دون إدخال تغيير عليها منذ أن ظهرت ممكنات جديدة، فالمكان مثلاً يمكن أن يكون مغلقاً على ذاته، ومع ذلك بدون حدود، كما يمكن لحادثتين أن تقعا بحيث يجوز أن نعتبر إحديهما أياً كانت، متقدمة على الأخرى، هذا ما قدمته النسبية قبل ثورة الكم” أما هايزنبرغ فيقول :”إذا ما أردنا أن نتفحص مفهوم فلسفي عميق وعلاقته بالفيزياء الحديثة، نأخذ كانط الذي وضع أسس فلسفة الفيزياء انطلاقاً من مبدأي السببية والقبلية، في المبدأ الأول يرى كانط أنه عندما نرصد حادثاً ما، نفترض وجود حادث سابق ينتج عنه الحادث المرصود وفق قاعدة معينة، وهذا هو أساس كل عمل علمي، وبما أننا نطبق بالفعل هذه الطريقة، فإن قانون السببية قانون قبلي، لا نشتقه من التجربة، ولكن ما نظرة الفيزياء الحديثة إلى هذا الأمر؟  لنتخيل ذرة راديوم تصدر جسيمات “ألفا”، إن من المستحيل أن نتنبأ بلحظة ظهور أحد هذه الجسيمات، وكل ما يمكن أن نقوله هو أن جسيماً واحداً يصدر وسطياً كل ألفي سنة، وعندما نلاحظ الإصدار، لن نفتش عن حادث سابق ينتج عنه الحادث المرصود وفق قاعدة معينة، وقد يكون منطقياً ومن الممكن تماماً أن نفتش عن هذا الحادث السابق، وليس علينا أن نيأس إذا لم نجده للآن، وإذا ما تساءلنا عن سبب تغير النظرة للطريقة العلمية منذ كانط، يكون الجواب ثنائيا، فأولاً:   أقنعتنا التجربة بأن قوانين النظرية الكمومية صحيحة. وثانياً : نحن نعرف الحادث السابق ولكن ليس بدقة كاملة، نحن نعرف ماهية القوى المسئولة داخل النواة عند إصدار جسيم ألفا، بيد أن هذه المعرفة مشوشة بالشك الناتج عن التفاعل بين النواة وبقية العالم  (بما فيها أنا ذاتي كمراقب يتفاعل وأجهزته فيزيائياً مع الواقعة المرصودة) ولكي نعرف لماذا الجسيم ألفا في تلك اللحظة بالذات، يجب أن نعرف البنية المجهرية للعالم كله، بما فيه نحن أنفسنا، وهذا الأمر محال انطلاقاً من مفهوم الارتياب ذاته الذي لا يسمح بذلك، لذلك فإن حجج كانط بخصوص خاصية القبلية لقانون السببية، لم تعد صحيحة في الكمومية.

ومن النتائج الثورية على الصعيد الفلسفي والعلمي النظري الناتجة عن النظرية الكمومية : إعادة الحديث عن العوالم والحقائق المتعددة التي تعود تاريخياً للعالم الايطالي جيوردانو برونو، وقد أعاد إحياءها العالم الأميركي (أفريت) بتأثير من النظرية الكمومية.

 لقد حاول أفريت حل إشكالية ما سمي بــ (قطة شرودنغر) وملخصها : لنتصور قطة خيالية توجد في صندوق مزود بغطاء، ويوجد بداخل الصندوق زجاجة تحتوي حامض الهدروسيانيد السام ، وفي الجهة المقابلة عداد غايغر  الذي يحوي كمية ضئيلة من مادة مشعة، بحيث يكون هناك احتمال غير يقيني بتحلل ذرة واحدة خلال ساعة، فإذا ما تحقق هذا الاحتمال وتحللت الذرة فإن عداد غايغر سوف يخرج جسيمة تكسر الزجاجة فتموت القطة، فما الحكم الذي يجب أن يطلقه الشخص الواقف أمام الصندوق المغلق، هل تحللت الذرة أم لا، هل القطة حية أم ميتة، ونحن بدورنا لا نعرف إن كانت تلك القطة في أية حال، من الوجهة الكمومية القطة في حالة تداخل كمومي بين الحياة والموت، تماماً كالتداخل الكمومي بين الجسيم كموجة وجسيم، أي أن القطة في الصندوق هي الإمكانيتان معاً،  هي حية وميتة، قبل تدخل وعينا وفتحنا للصندوق حيث يترجح احتمال على الآخر).

ومن أشكال الافتراضات التي وضعت لهذه الإشكالية ما طرحه الفيزيائي الأميركي “أفريت” الذي افترض فكرة الأكوان المتعددة، فالكون وفق هذه الفرضية، ينقسم إلى نسختين متوازيتين إحداهما تمثل القطة وقد ماتت، والثانية تمثل قطة لم تمت، والكون ينقسم باستمرار إلى نسخ لا حصر لها قريبة الشبه من بعضها البعض، وكل نسخة تقابل حالة من الحالات المحتملة للتفاعلات الكمومية، وبذلك تكون نظرية أفريت افترضت نوعاً من تعدد الحقائق يتعايش فيها عدد لانهائي من الأكوان، والطريف أنه بالرغم ما في هذا التصور من غرابة، فإن الصياغة الرياضية له تتفق مع ميكانيك الكم تماماً، والحجة الوحيدة الظاهرة ضد هذه الفرضية، هي أننا نعيش ونعايش وجهاً واحداً فقط للحقيقة في كون واحد، فأين الأكوان الأخرى؟ ولكي نفهم الإجابة هنا ينبغي لنا أن نأخذ صورة أرحب عن مفهوم الزمكان، فحيث ينقسم الكون إلى عدة نسخ، فإن كل نسخة منه لا تحوي فقط على نسخ من الأشياء المادية للكون، بل على زمان ومكان أيضاً، فكل كون جديد يتكون معه فضاؤه الزمكاني الخاص به، فالعوالم أو الأكوان الأخرى ليست  (هناك) بالمعنى الدارج المتفق عليه مكانياً، وليس بالإمكان الوصول إليها من عالمنا، بل هي كيانات زمكانية مستقلة تماماً، ونحن حين نسأل عن مكان شيء، نفترض عادة أنه موجود على بعد معين واتجاه ما منا، لكن عوالم أفريت ليست من كوننا بالمرة، فهي ليست على بعد واتجاه محدد بالنسبة لنا، وإذا ما اعترض أحد الناس على هذه الفرضية بحجة أنهم لا يشاهدون في الواقع مثل هذا الانقسام، يكون جواب النظرية أن الخصيصة الأساسية لهذه الفرضية هي أن المشاهدين البشر ليسوا استثناء في عملية الانقسام التي تتم بالنسبة لهم أيضاً، ففي مثال القطة التي ينقسم الكون بصددها إلى كونين، فإن هذا الانقسام يشمل كل شيء بما في ذلك المختبر والمراقبين، وفي كل نسخة ينظر المراقب ليرى مصير القطة، فيراها أحدهم حية، ويراها الآخر ميتة، وكل مراقب يقع في الخطأ الشائع وهو أن الحقيقة تكمن فيما يراه هو. لقد ظل عمل أفريت في الأكوان المتعددة مهملاً ما يقارب العقدين (الفرضية كانت سنة 1957)، وذلك بسبب أن الفيزيائيين، وتحت تأثير التيار الواقعي الحتمي، كانوا ما يزالون يأملون اكتشاف نظرية أعمق من ميكانيك الكم تبين بأن الكون في نهاية الأمر هو كما هو تقليدياً بشكل أو بآخر، وخالي من الأحداث الشاذة رغم أن التجارب لم تستطع أن تثبت هذا الحلم التاريخي الجميل حتى هذه اللحظة.

ومن الطبيعي أن تقود هكذا فرضية إلى التساؤل حول إمكانية السفر عبر تلك الأكوان أو الاتصال بها، والإجابة هي أنه بالنسبة للمجرى العادي للأمور، فإن هذا الأمر غير ممكن، وبالتالي ليس لنا أن نلجأ لفكرة الحقائق المتوازية، لتفسير وجود كائنات لامادية أو غير بشرية أو شبحية، فنظرية أفريت مؤسسة على أن الأفرع المختلفة لكون ما، هو صورة تبادلية للحقيقة منفصلة فيزيائياً، وهذا الأمر هام لكي تحل مفارقات القياسات الكمية وتحاشي الشعور بالانقسام.

هكذا نرى أن ميكانيكا الكم تبين لنا بشكل لا جدال فيه، أن عدداً من المفاهيم الأساسية الضرورية لفهم عالمنا اليومي المألوف، تفشل في تقديم أي تفسير عندما نحاول أن نستخدمها في تفسير حوادث العالم المجهري، عند هذا العالم لا بد من تعديل كل لغتنا ومنطقنا بشكل كبير، في محاولة فهم وتفسير السلوك الغامض في المستويات الذرية ودون الذرية، يقول الفيزيائي فاينمان وهو من أهم أقطاب نظرية الكم في صيغتها المعاصرة : “تصف ميكانيكا الكم الطبيعة بأنها منافية للعقل من وجهة النظر العامة، وهي تتفق تماماً مع التجارب، ولذا فإنني آمل أن نتقبل الطبيعة على أنها هي المنافية للعقل”.

لكن هذا لا يعني استسلام الفيزياء للمبدأ الارتيابي، فقد ظل بعد الفيزيائيين النظريين الذين سلموا بمبادئ فيزياء الكم ونتائجه الغريبة، يحاولون بشكل أو بآخر التخفيف من صورته الارتيابية ليقدموا تصورات أقرب للفكر المألوف الحتمي للعالم، وهذا يعود برأيي إلى فطرة متأصلة في العقل البشري، تقوم على الرغبة بالشعور بطمأنينة المعرفة الكلية، والشاملة، والبسيطة، التي لا مجال فيها للمفاجآت والإمكانات غير المتوقعة، وقد كان شرودينغر يسير في هذا التيار فيقول: “إذا كان من المتعذر على الباحث أن يجد شيئاً يصف الشكل الهندسي للذرة حتى بأقوى المجاهر، فإنه ليمكنه أن يكشف عن الصيغة الدائمة المستمرة الخاصة بالذرة، وهي التي تبدو في طيفها حتى على بعد آلاف السنين الضوئية، ثم يتساءل شرودنغر عن تصورنا لذرة الحديد، هل هي مطابقة لذرة الحديد ؟ يجيب بنعم أي أن ذلك التصور مطابق، أما من حيث حقيقته، فالتضحية الملائمة التي يلزم طرحها ليست في كون التمثيل حقيقياً صادقاً أم لا، بل من حيث كونه قابلاً للصدق أو الكذب، وهو ربما لا يكون كذلك، وربما كنا لا نستطيع أن نطلب من تلك الصور وذلك التمثيل صفة أكثر من أن تكون مطابقة قادرة على تركيب جميع الظواهر المرصودة تركيباً معقولاً، وعلى إعطاء تقدير منطقي بالنسبة إلى الظواهر الجديدة التي نقصد ضمها أو تجميعها. كذلك صرح “دوبروي” و”بوهم” أن ميكانيك الكم، وعلى الرغم من صحة نتائجه، فإنه لا يستعرض في الواقع إلا قيم متوسط سيرورات خلفية أكثر دقة تجري خلف هذا العالم الارتيابي، وتلك السيرورات ستعيد بناء نوع من الحتمية  فيما لو كشف عنها، وهو ما دعي باسم فرضية “المتغيرات الخفية”.

و حتى كتابة هذه السطور، يبدو أن الأبحاث التجريبية تخيب أمالهم، حيث أثبتت أن اللايقين في العالم خاصة لا ريب فيها في المنظومات الكمومية، فالعملاق الكمومي حتى الآن لم يكن هشاً أبداً. فرغم تلك المحاولات ما زلنا نعرف بشكل مؤكد أن ميكانيك الكم ليس حتمي كحتمية نيوتن وأينشتاين، ومبدأ هايزنبرغ الارتيابي يؤكد هذا الأمر.

 

خاتمة

 في نهاية هذا البحث، لا بد أن نتساءل : هل تغيرت مفاهيمنا العقلية والمنطقية والفلسفية للعالم بعد ثورة الفيزياء الحديثة بشقيها النسبوي والكمومي؟ الجواب هو نعم، فالمكان  والزمان، والجوهر، والماهية ، والمادة ….لم تعد مألوفة كما في السابق، وقد عرفنا أن المكان والزمان لم يعودا كيانين أوليين مطلقين منفصلين عن بناء العالم، وأن الجسيمات الأولية عشوائية الحركة، وليست منسجمة مع الطاقة التي تكون الكيان الأساسي للمادة، وبدونهما لم نكن قادرين أن نتخيل الصورة التي نكونها عن مكان وزمان مستمرين لا عيوب فيهما، وتلك الجسيمات الأولية  كالإلكترونات وسائر الجسيمات الأساسية الأخرى لا توجد في الزمان والمكان، بل إن الزمان والمكان هما اللذان يوجدان تبعاً لوجودهما، لذلك نفت النسبية مطلق السرعة الآنية للحوادث، لتتمسك بثابت سرعة الضوء المحدودة، الذي عليه تتحدد العلاقة بين الزمان والمكان، وبالتالي فإن مفاهيم الفيزياء التقليدية، لا تستخدم كلها إلا في الظواهر التي يمكن اعتبار سرعة الضوء فيها لامتناهياً. وقد علمتنا النسبية، أننا حين نقترب من سرعة الضوء، يجب أن نتوقع في تجاربنا أن نحصل على نتائج لا تتفسر في إطار هذه المفاهيم.

وكذلك جاءت نظرية الكم بثابت كوني هو ثابت بلانك، فكل وصف موضوعي للحوادث في الزمان والمكان، لا يمكن أن يتم إلا إذا كنا إزاء أشياء وعمليات تحدث في سلم المحسوسات الكبيرة، التي يمكن اعتبار ثابت بلانك فيها لامتناهياً بالصغر، وعندما يقترب مجال تجربتنا من المنطقة التي يلعب فيها ثابت بلانك دوراً جوهرياً (والمسافة هي جزء من مليون من جزء من مليار من جزء من مليار من جزء من مليار من السنتيمتر) نتعرض لكل الصعوبات التي تخص مفاهيمنا المعتادة عن الانسجام.

بذلك حققت كلتا النظريتين ثورتهما الكبرى في الفهم الفيزيائي والفلسفي للعالم ذي المسافات والكتل والأبعاد الهائلة الذي قلبت النسبية مفاهيمه، والعالم ذو الأبعاد والمسافات هائلة الصغر الذي قلبت الكمومية مفاهيمه فهل هناك إمكانية من توحيدهما في نظرية واحدة؟

إن إمكانية التلاقي بين النظريتين، على الصعيدين الفلسفي والفيزيائي الفكري والفيزيائي، لازالت بالغة الصعوبة، فإن أزحنا الخلاف الفلسفي الجذري بين نظرية تتبنى الحتمية، وأخرى اللاحتمية، نجد أن تأكيد النسبية على ثبات سرعة الضوء بالنسبة للمراجع كافة، يشكل عقبة رئيسية أمام اقترابه من نظرية الارتياب الكمومي، فقد عرفنا أنه بموجب النسبية، لا تنتشر الأحداث إلا في مجال يتداخل فيه المكان والزمان، لينشأ عن انصهارهما معاً الزمكان، وهذا المجال ذو حدود معينة تماماً تسمى بمخروط الضوء، أي بنقاط الزمكان التي تصل إليها الموجة الضوئية التي تنطلق من مركز الفعل، فهذا المجال إذاً محدد بدقة. في حين أننا نجد في الكم أنه عندما ندقق في الموضع، ونحدد المكان بدقة، فإن السرعة تصبح غير متعينة تماماً، وكذلك الاندفاع والطاقة، وهذا يدل عملياً على أنه لو حاولنا أن نصوغ رياضياً الفعل المتبادل بين الجسيمات، يظهر لدينا دوماً عدد لامتناهي من قيم الطاقة والاندفاع، وهذا العدد يمنع أية صيغة للفعل المتبادل بين الجسيمات صياغة مُرضية، حيث يقول هايزنبرغ : “يجب علينا في الوقت الحاضر أن نكتفي بفرضية أن الزمان والمكان في المجالات متناهية الصغر، ضمن رتبة الجسيمات، يفقدان كل مدلول دقيق”. إنه تصريح يعلن نفي فكرة الانسجام الزمكاني، ويصيب قلب فكرة اليقين والحتمية في الفكر النسبوي، لذلك لا تتحدث الكمومية عن الزمان والمكان إلا مُكرهة، ولا تعترف إلا بتحولات متقطعة كتحولات الطاقة مثلاً.

لكن في المقابل فإن هذا التعارض لا ينفي رغبة العلماء بل وحتى الفلاسفة، من تقديم نموذج نهائي شامل يجمع بين النظريتين المتناقضتين، إذ يقول ليفي لوبلون وهو أستاذ فيزياء في جامعة نيس : أن هذا التعارض يمكن أن يزول عندما يُنظر إلى نظرية النسبية لا على أنها نظرية هندسية (وهذا أمر يبدو صعبا حتى هذه اللحظة، على اعتبار أن النسبية تتبنى تصوّرا ذا بنية هندسية من خلال رؤيتها للزمكان، وذلك يشكل أساس نظرها ومحوره)، وإنما على أنها مجرد نظرية من نظريات الحقل، بحيث تتحول في بحثها إلى حقائق فيزيائية، لا إلى نظريات هندسية، وبذلك يكون لها صياغات كمومية، وهو الحل يجعل من النسبية تخصصا جزئيا من مجال أعم هو النظرية الكمومية.

ولعل أقوى صياغة توحيدية في الفيزياء المعاصرة قامت بها نظرية جديدة في الفيزياء، هي نظرية الأوتار الفائقة. إن (نظرية الأوتار الفائقة) – التي ترجع تلك النظرية إلى أبحاث مايكل غرين وجون شوارتز من الولايات المتحدة، وقد قدما أول وثيقة متكاملة عن هذه النظرية سنة 1984 – تبشر من حيث المبدأ، بإمكانية تحقيق مثل هذا التوحيد الكبير، الذي يهدف من جهة أولى : نحو الوحدة المنطقية للنظريات الفيزيائية. ومن جهة ثانية : نحو نظرية تكون تصنيفاً طبيعياً لقوانين الفيزياء، بحيث يمكن اعتبارها بمثابة إعادة لحلم أينشتاين الفلسفي الذي لم يتحقق بالوصول إلى نظرية شاملة تقود التصور الحتمي للعالم، ويبدو أن هذه النظرية ( رغم عدم إمكانية إثباتها تجريبياً حتى هذه اللحظة) قد تمتلك المقدرة على إظهار أن كل الأحداث العميقة التي تجري في الكون، بداية من الرقص العشوائي للكواركات دون الذرية، انتهاء بالدوران المهول للمجرات في السماء، مجرد انعكاس لمبدأ فيزيائي عظيم وسيادة معادلة واحدة، وإذا أمكن اختبار الجسيمات – النقاط – المفترضة في النموذج القياسي بدقة تفوق مقدرتنا الحالية، فإن كل نقطة ستبدو كأنها مصنوعة من حلقة من وتر مفرد دقيق ومتذبذب، هذا الوتر يبلغ طوله ثابت بلانك [2]، وهذه الأوتار هي المكون الأساسي للمادة الكونية، إنها مقابل للذرة المفردة غير القابلة للانقسام عند الفلاسفة الذريين، وبالتالي فلا معنى أن نتساءل مما تتكون هذه الأوتار، إنها أوتار لا أجزاء لها وهذا كل شيء، ومكونات العالم تتحدد وفق توتر واهتزاز هذه الأوتار، كما تتحدد النغمات وفق توتر واهتزاز الآلة الموسيقية، وعليه فإن خواص الجسيمات الأولية كتلة وشحنة تتحدد بنسق الرنين الدقيق للاهتزازات التي يحدثها الوتر.

فالعالم إذا واحد لا اختلاف فيه من حيث المبدأ، إلا كمياً، من خلال شدة اهتزازات الأوتار حيث ينبثق من تلك الاهتزازات، الأشكال المختلفة لقوى الطبيعة الشديدة، والضعيفة، والكهرمغنطيسية، والجاذبية. لقد كان لتلك النظرية مضمون فلسفي عميق يقوم على إعادة توحيد العالم إلى مكونات جوهرية بسيطة، حيث الانسجام والنظام العميق. وقد عرفنا أنه في المنظور الأقدم، كانت الاختلافات بين الجسيمات الأولية تفسر بالقول أنه في الواقع قد صُنع كل نوع من الجسيمات من نسيج مختلف، فمع أن كل جسيمة كانت تعتبر أولية، فإن نوع (حشو) كل منها كان يُعتقد أنه يختلف، فمثلاً حشو الإلكترون أنه ذو شحنة سالبة، بينما حشو النيوترينو ليس له شحنة.

أما نظرية الأوتار فإنها تحدث تغييراً راديكالياً بأن تزعم أن حشو كل المواد والقوى هو نفس الشيء، حيث تتكون كل جسيمة أولية من وتر مفرد، وكل الأوتار هي واحدة تماماً، وينجم الاختلاف بين هذه الجسيمات من كون وتر كل منها يحدث نسق اهتزاز مختلفا، وما يبدو أنه جسيمات أولية مختلفة، هو في الواقع نغمات مختلفة لوتر أساسي واحد، وحيث أن العالم يتكون من عدد هائل من هذه الأوتار المتذبذبة، فإنه بذلك يمثل سيمفونية كونية، وإذا استطعنا حساب نسق الاهتزاز الرنيني للأوتار الأساسية بدقة، فإننا لا بد وأن نتمكن من تفسير الخواص التي شاهدناها للجسيمات الأولية، بذلك نجد، ولأول مرة، تضع نظرية الأوتار إطاراً لتفسير خواص الجسيمات التي تلاحظها في الطبيعة. وأهمية تلك النظرية إن أُثبتت بشكل قاطع تجريبياً، تكون بإرجاع البساطة إلى العالم، والعودة للإطار المريح للعقل البشري الذي ما زال يرغب بادعاء المعرفة الكلية والتامة عن عالمه المضطرب والمقلق والمشوق. حيث العقل العلمي مقتنع تماماً أن الطبيعة لا يمكن لها أن تتصرف بانتظام إلا بمجالات سببية، لذلك فهو يبحث دائماً عن القوى التي تقف ورائها، ولعل هذا ما دفع أحد ألمع علماء الفيزياء بعد أينشتاين (ستيفن هوكنغ) إلى القول “إن نهاية علم الفيزياء النظري أصبحت منظورة ” كما يقول وينبرغ “في تخميني الشخصي يوجد نظرية نهائية ونحن قادرون على اكتشافها وقد تعطينا التجارب التي سوف تستخدم المصادم الفائق (مشروع لم يكتمل) نتائج جديدة يستطيع النظريون أن يستكملوا بها المعلومات عن النظرية النهائية ”

لقد أصبحنا مع هذه النظرية العظيمة – الكمومية – نفهم أن جميع النظريات الفيزيائية، هي مجرد نظريات فعالة تصف الطبيعة عند نطاق معين من المقاييس. فلا يوجد حتى الآن شيء يسمى “حقيقة علمية مطلقة” إن كنا نعني بذلك نظرية تصلح لجميع المقاييس ولكل الأزمنة، وهكذا فإن الحاجة الفيزيائية لإعادة التطبيع بسيطة : النظرية المطلقة – أي النظرية التي نستنبطها من واقع المشاهدات بصورة اعتباطية نزولاً حتى المقاييس الصغيرة ، ليست هي النظرية الصحيحة، والقيم اللانهائية هي العلامة الدالة على هذا. يقول فاينمان : “يقول لي الناس : هل تبحث عن القوانين النهائية لعلم الفيزياء؟ كلا إنني لا أفعل ذلك، فكل ما أبحث عنه المزيد من المعرفة عن هذا العالم. فإذا تبين وجود قانون بسيط نهائي يشرح كل شيء، فليكن، فلا بد أن هذا الأمر سوف يكون غاية في الروعة لو اكتشف. أما لو تبين أنه أشبه بالبصلة ذات ملايين الطبقات، وقد مللنا النظر إلى تلك الطبقات، إذن فليكن. ولكن أياً كان ما سيتبين، فإنها الطبيعة، وسوف تظهر لنا على الحال التي هي عليه”. لقد كتب بور في جملة على لوح أسود، طُلب منه كتابتها في جامعة موسكو كتوصية إلى الأجيال القادمة، مختصراً فيها مبدأه في التتامية فقال “إن المتعارضات ليست متناقضات بل متتامات”. وفي اللوح نفسه عاد وكتب (يوكاوا) رائد نظرية التفاعلات النووية الشديدة قائلاً “إن الطبيعة بسيطة في جوهرها” . أما ديراك فكتب “يجب على كل قانون فيزيائي أن يتمتع بجمال فيزيائي” هذا ما قالته الفيزياء وما تريده الفلسفة.

*****

[1] و هو 66ضرب 0, 26صفر

[2] حوالي جزء من مليون مليار مليار مليار من السنتيمتر و هو بالتالي من الصغر لدرجة استحالة الكشف عنه على الأقل ضمن تقنياتنا الحالية

*رابط مقال

المضامين الفلسفيّة في الفيزياء المعاصرة ج1 (نموذج النظرية النسبيّة)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق