الوعي الأخلاقي

“للوعي الأخلاقي تاريخ فهو مرتبط بالطريقة التي يؤطرها مجتمع ما أفراده تربويا كما هو مرتبط بطريقة إصلاح وتطوير هذه التربية الأخلاقية نفسها.

يرتبط تاريخ الوعي الأخلاقي في العصر الحديث في الغرب بالإصلاح الديني في القرنين 15و16، وبموضوعة الغضب الإلهي التي هزت المشاعر والضمائر في ذلك الوقت. لكن القرن 18 ثور هذا المناخ الفكري بتطويره لنظرية حول الكون مفادها أن الخالق نفسه الذي خلق هذه القوانين التي يخضع لها العالم، يلتزم هو نفسه بها كما يلزم كل الآخرين، وكل الكائنات الأخرى بالامتثال لها. وبنفس الوقت تطورت فكرة أخرى مؤداها أن المواطن الصالح الملتزم لا يخشى غضب الله ولا عذاب جهنم، ويسلك في نفس الوقت- وكأنه ليس كائنا طبيعيا خاضعا لقوانين جامدة لا تتغير.

هذه التحويلات الفكرية تطلب إيجاد قواعد جديدة. وقد انبر لاهوتيو وفلاسفة القرن 18-19 إلى توسيع دائرة الوعي الديني، والعمل على انفتاحه، وإكساب أحكامه طابعا سبيا حتى يتلاءم مع هذه النماذج والتحولات الفكرية الجديدة.

في هذا السياق تندرج أخلاقيات الواجب كأمر أخلاقي قطعي مطلق عند كانط، وهي الأخلاقيات التي تسلم بالحرية ووجود الله وخلود النفس، لكنها ترى أن الضمير الأخلاقي ليس تبريرا لأفعال المرء أمام الخالق، بل إن الضمير الأخلاقي هو عبارة عن اكتمال وتأمل داخل الضمير أو الوعي في إطار المسؤولية الشخصية.

وبعد ذلك بدأ المجتمع المدني يولي عملية مراقبة الانفعالات والدوافع القائمة وراء الفعل انتباها واهتماما خاصين وسيتولى التحليل النفسي-في مطلع القرن العشرين مهمة الخلخلة كل هذا البناء، ودشن عملية تحديث للوعي الأخلاقي الحديث.

وهكذا فإن الانتقال من تبرير الأفعال أمام سلطة أخلاقية أو دينية خارجية إلى المسؤولية الفردية عن الأفعال تجاه المجتمع وتجاه التاريخ يبين بأن الوعي الأخلاقي هو جزء من بنية وعي تاريخي منفتح ومتطور.”

*****

المصدر:

Heinz D. Kinttsteiner, la naissance de la conscience morale, trad.fr.Cerf, 1997.p.8

(ترجمة فريق التأليف)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق