رحيل روبير فوريسون آخر “مزوّري” التاريخ / أحمد عيساوي

ليس الحديث عن شخص كروبير فوريسون أمراً عادياً في فرنسا، وليست مسيرته الحافلة منذ ستينات القرن الماضي وشخصيته المركبة أدبياً وفكرياً مجرّد صورة ذاتية لكاتب وناقد ومؤرخ عادي. لكنّ التفاصيل الكثيرة في حياته جعلت منه التفصيل الأبرز في حقل الجماعة التي ربحت فكرة السلام في أوروبا والاستثناء الأقوى- إلى جانب أترابه وملهميه وتلامذته- في جيل نحا نحو مصالحة الذاكرة وإنصاف الضحايا.

لروبير فوريسون اسم واحد لا غير، هذا الذي اكتسبه على مراحل زمنية في عمله الدؤوب لإنكار المحرقة النازية بحق يهود أوروبا فأصبح سيّد “الإنكاريين” (Négationniste) وملهمهم حتى جعل منه البعض أيقونة، “انتصرت للحق الفلسطيني” في طريق انتصارها لنازية الرايخ الثالث ووطنية حكومة “فيشي” وأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا. تلك مقتلة أصابت مئات المفكرين في الغرب (وقبلهم قوميون عرب كرشيد عالي الكيلاني وشكيب ارسلان وأمين الحسيني تزلّفوا للنظم الفاشية والنازية)، جعلتهم يرضخون لإبتزاز مزدوج يرتكز على مبدأ “عدو عدوي هو صديقي”، فأصبح عداؤهم للصهيونية ومساندتهم للحق الفلسطيني لا يبلغ مداه إلا في تنكّرهم لغرف الغاز والإبادة الجماعية ومعسكرات الموت الرهيبة.

من التعليم الجامعي والنقد الأدبي إلى “تزوير التاريخ”

ولد روبير فوريسون عام 1929 في مدينة شبرتون الإنكليزية لأب فرنسي وأم اسكتلندية وعاش سنوات طفولته الأولى، متنقّلاً بين سنغافورة وشنغهاي وأوساكا نتيجة ظروف عمل والده في الملاحة البحرية، والتي حكمت على العائلة بالعيش لفترة زمنية وجيزة في دول الشرق الآسيوي. بعد العودة إلى فرنسا أنهى روبير فوريسون المرحلة الابتدائية والمتوسّطة في مرسيليا وأنهى تعليمه الثانوي في ليسيه هنري الرابع في باريس حيث زامل على مقاعد الدراسة المؤرخ الكبير بيار-ڤيدال ناكيه.

بعد تحصيله شهادة الماستر في الآداب بدأ فوريسون مسيرته التعليمية في القطاع الثانوي وتنقّل من ليسيه ڤولتير وكارنو في باريس إلى ليسيه دي سيليستان في ڤيشي فبليز باسكال في كليرمون فيران حتى أنهى رسالته الجامعية التي تناولت “الكونت لوتريامون” (ازيدور دوكاس أول من كتب قصيدة النثر) وأصبح محاضراً في جامعة جان مولان (ليون 3). مطلع الستينات ذاع صيته في الأوساط الأدبية بعد مطالعته النقدية في دورية Bizarre السوريالية “هل قرأنا حقّاً آرثر رامبو؟”، ثمّ في مشاجرة في مدينة ليون تهجّم فيها على عناصر الشرطة وكال الشتائم لشارل ديغول وللدولة التي كانت على حد رأيه “غير حرة، تخدم تارة ليون بلوم وطوراً فرحات عباس”.

تعود بدايات أبحاث وطروحات فوريسون “الإنكارية” إلى الفترة الممتدة بين عامي 1964 و1967، تلك التي كان فيها على احتكاك مباشرة بپول راسينييه، الناشط الاشتراكي والمقاوم الفرنسي الذي اعتقله النازيون والذي أصبح عرّاب التيار الذي أنكر الهولوكوست. عجّلت وفاة راسينييه عام 1967، انكباب فوريسون على تفكيك خطاب النفي والشكوكية في كيفية خلاص 6 ملايين يهودي في الحرب العالمية الثانية. وكان لموريس بارديش (التيار الفاشي) ونظريته التي سادت منتصف السبعينات عن “الاختراع اليهودي” للمحرقة كذريعة لتأسيس دولة اسرائيل الأثر الأكبر في دفع فوريسون لطرق باب صحيفة “لوموند” الشهيرة التي تلقّفت طلبه بإيجابية بعد أن أصبحت قضية “إنكار المحرقة” قضية رأي عام.

من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار: علاقات متشعّبة اجتمعت على إنكار المحرقة.

عرف فوريسون مبكّراً أنّ خطاب الشكوكية بغرف الغاز الذي بدأ يأخذ مداه في الأوساط الأدبية والفكرية يشكّل حالة إجماع بين تيارات هوياتية يمينية ويسارية على حد سواء، لذلك نسج شبكة واسعة من العلاقات في معسكري اليمين المتطرف (Droite identitaire) واليسار الراديكالي (ultra gauche) بدأها بالناشط المعروف في صفوف الجبهة الوطنية فرانسوا دوپرا، صاحب شعار “مليون عاطل عن العمل = مليون مهاجر إضافي”، الذي اغتيل بسيارة مفخخة عام 1978، ثمّ بكلّ من سيرج تيون وبيار غيّوم المحسوبين على تيار اليسار الراديكالي، واللذين كانا صلة الوصل مع المفكر الأميركي نعوم تشومسكي الذي دافع عن حرية فوريسون في التعبير عن رأيه عام 1979، بعد تعرّضه لحملة شرسة تهدف إلى منعه من الكتابة في الدوريات الفرنسية.

انتظر فوريسون أشهراً عدة قبل أن يتوجّه إلى لوموند، وكان يعلّل ذلك قائلاً: “الوقت ليس مناسباً والأمور لم تنضج بعد” لكنّ مقابلة لويس داركييه – الذي شارك في حملة ترحيل يهود “ڤيل ديڤ” وعمل مستشاراً لدى بيار لاڤال وحظي بحماية الجنرال فرانكو شخصيا بعد فراره إلى إسبانيا إبّان تحرير باريس من الحكم النازي – في الإكسبرس التي حلت بعنوان “في أوشفيتز لم نستخدم الغاز إلا للقضاء على القمل” دفعت فوريسون إلى كتابة مقالة نشرتها لوموند يتحدث فيها عن “كذبة غرف الغاز” وموت يهود أوروبا من المرض والمجاعة.

بحسب المؤرخ بيار- ڤيدال ناكيه فإنّ لوموند سقطت سقطة شنيعة في تشريع منبرها لطروحات فوريسون بخاصة أنّها حوّلت النقاش إلى قضية رأي عام فدخلت مرحلة “إنكار الهولوكست” عصراً جديداً يشبه إلى حد ما “محاولة إقناع باحث لعالم فيزياء فلكية أنّ سطح القمر مصنوع من جبنة الروكفور” كما ذكر في كتابه “قتلة الذاكرة” (Les assassins de la mémoire). وكان لا بد من انتظار بداية الثمانينات حتى يصبح البحث عن سؤال المحرقة وحقيقتها، وظروف الإبادة التي تعرّض لها مئات آلاف اليهود، غزير الإنتاج وغير محصور بمركز التوثيق اليهودي المعاصر فحضرت كتب “ڤيشي واليهود” لميكائيل ماروس ورويير باكستون و”فيشي-أوشفيتز لسيرج كلارسفيلد والترجمة الفرنسية لكتاب راؤول هيلبرغ “تدمير يهود أوروبا”.

وعلى رغم ظهور كلمة “هولوكوست” بمعناها اليهودي “الشوعاه” في وقت سابق لتأسيس دولة إسرائيل، فإنّ اليهود الناطقين باليديّة استخدموا بشكل متواز كلمة Churbn، كمرادف للمحرقة، وإذا كان لإيلي فيزيل الفضل الأكبر في ترسيخ الكلمة وتفصيلها على قياس ديني وسياسي وفصلها عن أي إبادة من الإبادات الأخرى، فإنّ الحركة المعاكسة التي يعدّ فوريسون واحداً من عرّابيها لجأت إلى تفكيك “مصطلحية” الهولوكوست وفردانيتها كي تجعل من الإبادة حالة تطاول جماعات متعدّدة في ظروف زمانية ومكانية مختلفة. قبل الإنكار والنفي، لجأ فوريسون إلى التشكيك وقبل التشكيك أعدّ مرحلة هدم للمبالغة في أرقام الضحايا. يصعد فوريسون في طروحاته من القاعدة إلى رأس الهرم، من يوميات آن فرانك “الكاذبة” إلى “غرف الغاز التي لم توجد أصلاً” إلى ربط مأساة اليهود في أوروبا بنهاية طبيعية وحتمية يسمّيها المجاعة والأمراض.

تعرّض فوريسون لهجوم جسدي عام 1989، من مجموعة يهودية متطرّفة فقد خلالها الصف الأعلى من أسنانه، وتبعتها موجة من الرسائل الواضحة بتصفيته جسدياً من شبكات صهيونية ناشطة في أوروبا، ما جعله يحظى بدعم وتضامن مئات الكتّاب والمفكّرين الذين اتفقوا واختلفوا مع طروحاته. لكنّ فوريسون أصبح أول فرنسي يمثل أمام القضاء ويحاكم استناداً إلى قانون غايسو Gayssot (1990) الذي يمنع كل نص شفهي أو خطي فيه رسالة تحضّ على الكراهية والعنصرية ومعاداة السامية.

واجه فوريسون عشرات الدعاوى وتم طرده من مركزه الأكاديمي وأصبح مع الوقت يبحث عن انتصار هنا وهناك بعد أن خفت نجمه مع صعود شخصيات أدبية وفكرية بديلة تنوّعت انتماءاتها الايديولوجية بين يسارية واسلامية ويمينية (روجيه غارودي، آلان سورال،..) حملت لواء الـnégationnisme، في المحافل والمعارض وانتهى “مزوّراً للتاريخ” كما وصفه وزير العدل الأسبق والرئيس السابق للمجلس الدستوري روبير بادينتر ومكرّماً في حضرة الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد ومهرّجاً على مدرجات مسرح لديودوني ومصفّقاً لكلمة جان ماري لوبان في تحيته لمناضلي الجبهة ذات احتفال، وقد شاءت مهازل القدر أن يسلم الروح في مدينة “ڤيشي” التي دافع عن “وطنية” حكومتها العميلة للنازيين فأبى أن يفارقه هذا العار في مماته كما لازمه طيلة حياته.

عن موقع درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق