معرض يوسف عبدلكي والاحتفاء بتبرع “مجموعة لوماند” / أسعد عرابي

يعرض الفنان المعروف يوسف عبدلكي أعماله الفنية من التصوير والحفر والرسم بأقلام الفحم لأول مرة في متحف معهد العالم العربي. وقد أقيم المعرض في السادس من أكتوبر/ تشرين الأول الفائت مستمرًا ما يقارب الشهر. وأغلبها طبيعة صامتة تعانق ستة من مجموعة أشخاص كلها منجزة خلال العقدين الأخيرين، هو مختزل لمعرض استعادي لا تتجاوز لوحاته الثلاثة والعشرين، ولكنّها متباعدة تواريخ الإنجاز. فهي جزء من “مجموعة كلود لوماند” الألف وثلاثمئة عمل فني (حفر ونحت وتصوير وتقنيات مختلطة) تبرّع بكاملها مؤخرًا إلى متحف معهد العالم العربي. إذًا معرض يوسف مقدمة للاحتفاء بالمجموعة، وإنجاز معارض مماثلة تدريجيًا عن أسمائها وعمل كاتالوج عام عنها.

هناك ترحاب في المعهد بالطبع بهذه الخطوة الانعطافية، خاصة من قبل جاك لانغ، رئيس المعهد الذي كان وزيرًا للثقافة في عهد الرئيس ميتران، ثم وزيرًا للتربية. وسيحتفي باستقبال المجموعة في الخامس من نوفمبر/ تشرين الثاني. وإقامة المعرض أيضًا بمثابة احتفاء بجائزة الإبداع العربي 2018، التي فاز بها عبدلكي في القاهرة بأغلبية المحكمين وتدعى “جائزة النيل”، وكان أول عربي يحصد الجائزة. ومنحها المجلس الأعلى للثقافة.

إذا عدنا إلى معرض يوسف عبدلكي الراهن وجدنا أن اختيارات الأعمال (على اختزال عددها) بالغة الذكاء والإحكام والتوازن، تغطي الاتجاهين الأساسيين اللذين يعالج تقنيتهما منذ سنوات: الأبيض والأسود، سواء بالحفر أو الرسم المتراكم بأقلام الفحم، أما الثاني فيعتمد على ألوان الباستيل وهشاشتها النقدية الساخرة. عرض منها ستة أعمال، أحدها كان استثنائي البلاغة التشكيلية في أصالة توزيع اللون. يستجيب الاتجاه الأول لموهبته الكرافيكية (بما فيها دراسة الخط العربي لدى المعلم الدمشقي بدوي الديراني مثل زميله منير الشعراني)، فهو سليل فناني رسوم مخطوطات (المنمنمات) العصر العباسي (مثل محمود بن سعيد الواسطي في رسوم مقامات الحريري)، هم الذين يعتبرون العالم أو الفراغ “ورقة” (مرآة أو جدار مسطح ثنائي الأبعاد متعدد زوايا الرؤيا، ومتعدد مصادر الضوء وفق منظور عين العنقاء). ثم يقوم بعقد زواج توليفي فراغي مع تراث التعبيريين الألمان ما بين كروز وكييفر عبورًا من غيتاغولفيتس، بالغًا خصوصيته الأسلوبية الكرافيكية، هي التي تتقمص أحوال الدراما السورية، بشجنها السيزيفي المستديم وعذابات حصاد مناجل الموت اليسير (أقرب من حبل الوريد).

ازداد فناننا شهرة في إثر اعتقاله للمرة الثانية بذريعة تعسفية لا أساس لها، فقامت قيامة المثقفين من شتى الأطياف والبقاع مناصرة له، مما سارع في إطلاق سراحه. وتضاعفت معارضه وتعددت مواقعها بين أوروبا والبلاد العربية، كان آخرها في هامبورغ (ألمانيا)، ورافقت خصوبة إنتاجه وتفرغه للإنتاج عمودية تجربته وعمق شهادة فنه.

عرف عنه سابقًا، إضافة إلى موهبته كرسام، المستوى المتفوق في ميدان طباعة الحفر المعدني، وعرف عنه لاحقًا التصوير العملاق على الورق (بأنواعه كثيفة الملمس وبالغة العناية في تحضيرها) والتهشير الموهوب بأقلام فحم العنب (الفوزان) مع استخدام مفرط ودائم وصبور للمثبتات البخارية بواسطة النفخ، مما سمح له بتراكب طبقات عديدة من العمل والبناء، ترجع في أصولها الكلاسيكية إلى عصر النهضة وبالذات إلى تقنية “السفوماتو” التي اختبرها واخترعها المعلم ليوناردو فانسي، هو ما يهلل ضوئية السطح بغلالة ضبابية تتدرج في الاقتراب من التضاد (الكونتراست) دون أن تبلغ منتهاه. يقود هنا التأني الصبور في حياكة السطح إلى واقعية تفصيلية محتدمة بالرموز السيزيفية المتحرقة، ودون أدنى تعثر في نمطية وصفية المرئي (كما هو لدى الهبيرياليزم الأميركي المتسم بالبرود الآلي الحيادي) تتأجج طقوس يوسف بالعكس بشهيق وزفير عاطفة “فضيلة الرسم”، كما يسميها قطبه المرحوم المعلم نذير نبعه.

يصوّر فناننا مجتمع القيامة الشامية: أشلاء عضوية بشرية أو حيوانية، ما بين الشهيد المسجى على الأرض بطريقة صلب المسيح، رؤوس وأعضاء النعاج المبتورة المضرجة بدمائها تيمنًا بذبائح رامبرانت وسوتين: نحر وذبح وسلخ سادي لرؤوس مجزوزة بسكين سوقية وبأعين حية يقظة لم تنلها غفوة الموت بعد، تراقب بصمت قدري استسلامي مثلها مثل السمكة التي تغرس في رأسها سكين مطبخية بازارية، لامست مع الأحداث المروعة منذ سبع سنوات أعناق أطفال بعمر دهشة الزهور والفراشات. عرف أيضًا بقراره الشجاع بالبقاء في محترفه في دمشق القديمة (حارة الورد من سوق ساروجة) في الحي الذي عانى من أول بلدوزر تنظيمي مشبوه يدعى أيكوشار منذ الستينات. وهو ما قصده زكريا تامر بكتابه “دمشق الحرائق”.

العلاقة المتنافرة بين الكرافيزم والتصوير

لا شك بأن التفوق التقني الكرافيكي لعبدلكي ما هو إلا نتيجة أو ثمرة استثنائية لازدهار مادة الحفر والطباعة في كلية فنون دمشق (الجامعة السورية) حيث درس. ابتدأت إضاءتها مع تدريس هذه المادة من قبل المعلم محمود حماد عندما كان عميدًا في إدارتها في بداية الستينات مع فترة التأسيس إلى حين استقدم المختص من إسبانيا غياث الأخرس، إضافة إلى زميله الفرنسي المختص بدوره وهو غوتييه، ثم شاركهم في التدريس برهان كركوتلي، ثم برز من الجيل التالي المتخرج من نفس الكلية، إضافة إلى يوسف عبدلكي، عز الدين شموط (أكمل دراسته في باريس عن المانيير نوار)، ثم مصطفى فتحي الذي اشتهر محليًّا وعالميًا باستثمار الطباعة التقليدية المحلية للأقمشة وتطويرها. لن نجد بمستوى هؤلاء في السنوات التالية إلا ياسر صافي بمناخاته الصبيانية الكابوسية، وعندما تحول إلى اللوحة واللون كان بليغًا في الفصل بين المادتين.

نصل هنا إلى الازدواجية في ازدهار فن الحفر السوري وخلط محترفيه بين قواعده النوعية وسيولة المادة الصباغية في نحت موادية ألوان اللوحة. فإذا كان المعلم شموط يمارس الفنَّين فهو أقرب إلى الشخصية الثقافية التربوية التعددية، يعلم مادة نادرة “المانيير نوار” ودكتور في مادة علوم الفن من السوربون، وكثيرًا ما يغلب على لوحته التوليف القصدي بين الكرافيزم والملصقات المعاد طباعتها (عن طريق المونتاج)، مستحضرًا أشباح المدينة القديمة وأحايين ماضيها (لأنه مولود في حي الشاغور العريق)، يستثمر بالتالي بعض تجارب ذات حساسية تكعيبية غائمة مما يبرر حيادية ألوانه. كذلك فإن مصطفى فتحي يستخدم اللون كتبصيمة للكليشيه الخشبية التي تمثل الموتيف الأساسي، فضلاً عن تعقّد تقنية الأصبغة والأقمشة لديه. أنا أستعرض نقيضين، الأول ومثاله النموذجي ياسر الصافي الذي ينتقل إلى مطبخ اللوحة متناسيًا خلف ظهره مختبر الحفر، سواء المعدني أو سواه. يصوّر باللون ويخطط باللون ويصرخ معترضًا وساخرًا وناقمًا باللون. أما فناننا فقد أصبح كذلك بالتدريج وبلغ ذروة بلاغته في التصوير واللون في مجموعة شخوصه الأخيرة رغم ما هي مشحونة بإدانة عهر جلادي العسكرتاريا وفساد مجتمعهم، ووحشية معتقلاتهم. لا شك في أن متانة اللغة التشكيلية لدى يوسف تجعل خطابه معتدلًا. وبين مقامات ألوان فنه المسالم وصراخ ضميره المعذب المشاكس، تجاذبًا وصدامًا، يغذي قوة تعبيره بديناميكية تقف إلى جانب أصالته وليس بالعكس.

شارك هذا المقال 4
مقالات اخرى للكاتب
تشكيل5 نوفمبر 2018
معرض يوسف عبدلكي والاحتفاء بتبرع “مجموعة لوماند”

تشكيل19 أكتوبر 2018
معرض “تمزقات” ومأساة الحرب السوريّة

تشكيل13 أكتوبر 2018
أوابد نصبية من الوهم البصري للفنان راشد في لندن

تشكيل24 سبتمبر 2018
سمير سلامةوملحمة الفن الفلسطيني

مقالات مختارة
مدينةمدينة”قد لا يبقى أحد” لهيثم حسين:تأملات في المنفى والخوف”قد لا يبقى أحد” لهيثم حسين:تأملات في المنفى والخوفكان بإمكاني أن أكون أفضلكان بإمكاني أن أكون أفضلدار النمر تقيم معرضا بعنوان “الجدار/ بيروت”دار النمر تقيم معرضا بعنوان “الجدار/ بيروت”
كلمات مفتاحية
الفن العربي المعاصر التشكيل التصميم الغرافيكي
صدر حديثا
عدد جديد من “الثقافة الجديدة”
عدد جديد من “الثقافة الجديدة”
تضمن العدد ملفاً عن الحرف التقليدية بين الجمالي والاقتصاد الوطني، بعنوان “محلاها الإيد الشغالة”، دراسات وأبحاث في عدد من حرفنا التقليدية الصرية، وقد شارك فيه نخبة من الباحثين والكتاب المهتمين بالحرف التقليدية

عن ملحق “ضفة ثالثة”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق