في قضيّتَي رولا وريتا… المطرقة ذكوريّة بامتياز / مايا العمّار

كومونة اليرموك 1978 / وائل السوّاح

لم يكن جبرا إذن في بيته، فغذذت السير نحو غرفتي عند أمّ وليد، وغرقت مباشرة في نوم عميق. في اليوم التالي، كنت أجالس صديقا في قهوة الإيتوال، حين دخل القهوة شاب مديد وسيم، في عينيه دماثة ومودّة. سلّم الوارد على جليسي بحرارة، ونظر إلي، مادّا يده:

“آدم متوّج،” عرّف عن نفسه.

“وائل السوّاح،” أجبت.

“وائل السوّاح؟ قرأت بعض قصصك.” قال بلهجة ساحلية مخفّفة، وجلس معنا. سألني عن أحوالي، فتبرّع صديقي وقال له إنني قد فصلت فقبل ليلة من عملي في وكالة سانا.

“ماذا؟” سأل آدم بلهجة المستنكر، ثم غرق في التفكير لثوانٍ، وقال: “ما رأيك أن تعمل في مؤسسة الإسكان العسكرية؟”

بدا الأمر لي برمّته نكتة سوريالية.

“مؤسسة الإسكان؟” سألت: “ماذا أفعل هناك.”

“لا عليك. أين تسكن؟” وأجبته، فقال مسرعا: “انتظرني غدا عند مفرق القابون في ساحة العبّاسيين. الساعة السادسة والنصف صباحا.”

ماذا يمكن أن يعمل طالب في قسم اللغة الإنكليزية أو قاصّ أو صحفي في مؤسسة الإسكان العسكرية؟ أفقت صباح اليوم التالي أبكرَ من عادتي، وسألتني أم وليد: “خير انشا الله؟” ابتسمت وقلت لها: “ادعي لي!” وسرت نحو ساحة العباسيين، متشكّكا. كنت أرجّح أن الرجل لن يأتي. وصلت الساحة وتوقفّت عند مفرق القابون متململا. خلال دقائق وقفتْ بجانبي سيارة تويوتا جيب، ومدّ آدم يده من شباك السيارة ملوحا.

“تعال! اركب!”

وركبت. نهبتْ بنا السيارة الأرضَ نحو المنطقة الصناعية التابعة لمؤسسة الإسكان العسكرية بعدرا، وترجّلنا قرب بناء مسبق الصنع أشبه بالبرّاكة العسكرية. ارتقينا سلما مرتَجَلا إلى الطابق الثاني، ودخلنا مكتبا فيه طاولتان.

“هذا مكتبك.” قال وهو يشير إلى طاولة معدنية فارغة.

“وهذا الأخ ربيع، زميلك. أنت الآن مدير مكتب المبيعات.”

كان ذلك أشبه بالمهزلة. طالب في كلية الآداب، يكتب القصة والشعر والمقالة، يغدو في أقل من ثماني عشرة ساعة رئيسا لمكتب مبيعات المنطقة الصناعية التي تنتج كلّ شيء لمؤسسة الإسكات العسكرية. كانت معرفتي في الحسابات والتجارة أفضل قليلا من معرفتي بالذرّة واللغة الهيروغليفية. شرح لي آدم ما كان علَيَّ أن أفعل، وقال لي إن الأخ ربيع سيشرح لي الباقي. ولكن الأخ ربيع لم يفعل، لأنه كان يريد الطاولة الفارغة لنفسه، ولا يريد رئيسا له يصغره بسنوات ويبدو كهيبي خارج من ثورات 1968 لتوّه أكثر ما يشبه مدير مكتب للمبيعات.

لا يمكنك أن تخفي الأمور في مدينة كدمشق. بشكل أو بآخر، يعرف الجميع كلّ شيء تقريبا عن كلّ شخص. كان آدم قريبا من جوّ اليسار السوري، ولعلّ له قريبا كان في إطار رابطة العمل، والمرجّح أنه كان يعرف أو يحدِس أنني في الإطار نفسه، فأراد أن يقوم بتصرّف بطولي ما. كان آدم يراوح في مكان ما بين الطيبة والخبث، بين النظام والمعارضة، بين المدينة والريف، وبين الذكاء وضيق الأفق. تغْلِب عليه ريفيته وطيبه أحيانا، ثمّ سرعان ما يستردّ وجهه السلطوي ويتذكّر أنه ابن النظام وليس ابن المعارضة، فيتصلّب ويتشدّد.

في مكتب المبيعات، كانت النقود تسيل بين يدّي كمياه النهر. يأتي المشترون إلى مكتبي فأكتب لهم إيصالا بطنٍّ من الحديد، أو متر من الخشب، أو بلاطا أو دهانا، وأقبض الثمن، ثمّ أودعه مساء في خزينة المحاسب. لقاء ذلك كنت أقبض خمسمائة ليرة سورية كمرتّب شهري وفوقه مائتا ليرة تعويض اختصاص. سبعمائة ليرة كان مبلغا ضخما في نهاية السبعينات. ولذلك، حين عرض عليّ صديقي الجديد فاروق العلي أن نستأجر بيتا في مخيّم اليرموك، وافقت على الفور.

تعرّفت على فاروق العلي عن طريق فادية. كان زميلها في كليّة الطب. شاب أسمر بشعر أسود أجعد ولحية سوداء جعداء وعينين جميلتين فيهما قلق دائم لا يهدأ. جاء فاروق من قرية الطيبة في سهول حوران ليقتحم دمشق وكلية الطب والسياسة والسجون وقلوبنا جميعا في غضون سنوات. ككلّ أبناء جيلنا، جرّب الشعر والعشق والسياسة، ولكن الأخيرة هي من استغرقته أكثر. عرّفني فاروق على أخيه محمود، الشاب الودود الذي في عينيه بحر من الود والدفء، وعلى برهان الزعبي، رجل يختزل الشهامة في شخصه، وأحمد الرشيدات، طالب الطب الذي كان يجيد الدراسة والمزاح. أربعة حوارنة وحمصي واحد. تركيبة غريبة أسّست مشاعيّة اليرموك الأولى في نهاية السبعينات. بيت أرضي مستقلٌ في حارة فرعية تصل ما بين شارعي اليرموك وفلسطين في مخيم اليرموك، وتصبّ في ساحة النجوم، التي احتلّها باعة الخضار والملابس الرخيصة وأحذية البلاستيك، وفي طرفها تقبع سينما النجوم، التي توقّفت عن عرض الأفلام مع قيام الحركة التصحيحية، وتحوّلت إلى ملجأ تقصده الجرذان والقطط على حدّ سواء.

ودّعْتُ أم وليد بأسى، فهي لم تكن صاحبة بيت تؤجّر فيه غرفة، بل كانت منقذتي حين كاد أن يُرمَى بي على قارعة الطريق بسبب صورة لغيفارا على الجدار، وكانت أيضا أمّا وصديقة، لطالما نبّهتني إلى ضرورة الاهتمام بصحتي وعدم التأخر في السهر. وحين كنت أعود آخر الليل ووجهي يضجّ دما من الخمر، كانت تهتف بي: “عليك أن تخفّف الشرب، يا ابني.” حملْتُ حقيبتي وكتبي، وبمساعدة فاروق، أخذنا شاحنة سوزوكي صغيرة إلى المخيّم. كان في البيت أربع غرف وصالة. أعطاني الشباب الغرفة التي كانت مخصّصة أساسا لتكون غرفة الضيوف (الاستقبال)، لها باب على ردهة البناية وباب آخر على الصالة. فاروق احتلّ الغرفة الصغيرة المطلّة على الصالة أيضا، بينما لسبب لا أعرفه آثر برهان ومحمود وأحمد التشارك في غرفة النوم الكبيرة، وبقيت غرفة نوم أخرى فارغة. ليس تماما، فنادرا ما كانت تمرّ ليلة لا يشغل الغرفة فيها شاغل. رتّبت أشيائي وكتبي، وأخفيت كراريس رباطة العمل في أحد الدروج، ولكنني أبقيت الدرج منفرجا قليلا، بحيق يستطيع الفضولي أن يرميَ نظرة فيجد الكراريس ونسخا من جريدة الراية الحمراء. ولم أفاجأ تماما حين رأيت الكراريس نفسها تتلصّص علينا من رفّ ما في مكتبة فاروق، وقد ألقيت فوقها جرائد قديمة، في محاولة لإخفائها، ولكن بدون جديّة فعلية في الأمر، وكأننا تواطأنا على إظهار المشترك المخفي بيننا. كان يلذّ لنا أن يشكّ الآخرون في انتمائنا السياسي، أن يخمنّوا أن هذا الشاب هو من يوزّع البيانات في الحارات ويسبّب الأرق للسلطة. وكان الأجمل أن يظلّ الشك والتخمين في دائرة الشكّ والتخمين، تماما كفاتنة تكشف قليلا فقط عن جسده، مرخية فوقه غلالة رقيقة، تستر العيوب إن وُجدت، وتترك للخيال أن يكمل الصورة. لذلك، رغم أننا كنا نحدس جميعا أننا بشكل أو بآخر ندور في نفس الدائرة، فلم نتحدّث مباشرة عن قضايا التنظيم إلا لاحقا، حين جرت اعتقالات أيار 1978، وتكشّفت الكثير من خيوط التنظيم.

خلال أيام تحوّلت الشقّة إلى خلية موّارة بالحركة والنشاط. صنعنا نسخا من المفاتيح بعدد الأصدقاء، وكثيرا ما كنت أدخل البيت فأجد جميل حتمل أو فرج بيرقدار أو خالد درويش أو جمال سعد الدين أو علي الشهابي أو ياسين أبو خضور في البيت وربما أحضروا معهم أصدقاء آخرين لا نعرفهم، وقد صنعوا شايا أو قهوة، أو اشتروا بيرة باردة، وغرقوا في نقاش حام حول موضوع سياسي ما، دون أن يكون بينهم أي منا، نحن أصحاب البيت.

“كومونة اليرموك”، هكذا سميّنا بيتنا في المخيم، تيمّنا بكومونة باريس. ولم يكن في التسمية تجنٍّ كبير، ففي تلك الشقّة كانت الجميع متساوين وفوضويين وأحرارا. أسّسنا جريدة حائط لا محرّر لها. يستطيع أي ساكن أو زائر كتابة موضوع وتعليقه على الجريدة إذا كان فيها مساحة فارغة، كما يستطيع أن يزيل أي مقال مرّ عليه أسبوع، ويعلّق مادته مكانه. وعلى صفحة تلك الجريدة، كنّا ننقد أفكار بعضنا بعضا بحماس وعاطفة قويين.

على صفحات هذه الجريدة، نشر فرج قصائده ونشرتُ وجميل قصصنا. وعلى صفحة الجريدة العريضة تناولا قضايا سياسية ونظرية حسّاسة، من تلك مثلا قضية دلال مغربي، الفدائية الفلسطينية التي قادت عملية “كمال العدوان في آذار 1978،”وهي في سن العشرين، حيث استولت مجموعتها على باص إسرائيلي، واتجهت صوب تل أبيب لتحرير الأسرى الفلسطينيين. قام جنود إسرائيليون بقيادة إيهود باراك بالتصدي لدلال ومجموعتها، ففجّرت دلال الباص وقاتلت حتى قُتلت هي وكلّ من معها. وعلى الرغم من كلّ عواطفي الثورية، كنت، ومعي فاروق ضدّ مثل هذه العمليات التي تستهدف مدنيين، بما في ذلك اختطاف الطائرات. على المنقلب الآخر كان شريكنا في السكن اليساري الأبدي برهان الزعبي، الذي أسمى خليته في الرابطة “خلية دلال مغربي”، والشاب التروتسكي المتحمّس نور الدين بدران، ومعهما الشاب الفلسطيني الذي سيمضي بعد ذلك ما يقرب من نصف حياته في سجون الأسد: علي الشهابي.

من بيننا جميعا، كان عليّ الشهابي متفرّدا في كلّ شيء. لم يكن عليّ جسدا. كان جُموحا وحركة وقلقا. لم يكن يجيد الجلوس المستوي على الكرسي، بل كان يميل يمنة ويسرة وينحي إلى الأمام ليقترب منك أكثر لكي تصل إليك أفكاره بسرعة أكبر، وهو يتدفّق في الكلام حتى تتراكب الجمل بعضها فوق بعض. وباستثناء سلامة كيلة وعلي الكردي لم اعرف فلسطينيا سوريا طغت سوريته على فلسطينيته كما فعلت سوريّةُ عليّ. سيُعتقل عليّ كثيرا جدا وطويلا جدا. ولدتُ وعليّا في نفس السنة، ولكنني دائما اشعر بالضآلة أمام تضحياته وقوّة حجته وفصاحة لسانه وتهدّج صوته وهو يحكي روحَه مع الكلمات. لم أعدْ اذكر عدد المرّات التي اعتقل فيها نظام الأسدين عليّا. لعلّ أول مرة كانت في 1975، حين كان دون العشرين، وأمضى في المعتقل حوالي العام، ثم اعتقل مرة ثانية في العام 1982 في الحملة الشرسة على حزب العمل الشيوعي، رغم أنه كان قد ترك صفوف الحزب. في السجن، راح يعلّم السجناء اللغة الإنكليزية، ويداري فجيعته بابنته الصغرى ليديا، التي قضت وهو في السجن. بعد تسع سنوات أفرج عن عليّ وخرج مع جملة من رفاقه سنة 1991، وكنت أنا بينهم. وفي حين آثرتُ ومعي كثير من الناجين السقف المنخفض، كان عليّ يرفع سقفه وصوته دوما، ويدور بين منظمات حقوق الإنسان الدولية ليوصل أصواتَ المعتقلين الذين نسيهم العالم، فتمّ استدعاؤه مرارا إلى الأجهزة الأمنيّة وتوقيفه بضعة أيام، إلى أن اعتقل ثالثة عام 2006 بسبب توقيعه على إعلان دمشق-بيروت ومحاولته تشكيل تيار سياسي سوري جديد تحت اسم “سوريا للجميع”، وكان بين الذين تعذيبهم بوحشية على غير ما عومل به الموقّعون الآخرون على البيان، وكأن السجّان كان يقول له “وما شأنك أنت بسوريا؟” في 19 كانون الثاني/ديسمبر 2012، داهم جنود النظام السوري منزل علي الشهابي، واقتادوه فجرا إلى فرع فلسطين، ولا يزال منذ تلك اللحظة مختفيا قسريا لا ندري عنه شيئا. وفي الحرب الشرسة التي شنها النظام على مخيّم اليرموك، تعرّض بيت أسرة علي، كما غيره من بيوت المخيم، للدمار، فهجره ساكنوه، وماتت أم عليّ، التي كانت أمّا لنا جميعا، حسرة على ابنها وأحفادها وبيتها ومخيّمها وسوريا، التي كانت تعتبرها وطنا ثانيا، أما أخته الصديقة لطيفة الشهابي فلا تزال بين باريس ودمشق تحاول كلّ جهدها الحصول على “شقفة خبر” عن أخيها الفاتن عليّ. ولا خبر!

عن موقهع درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق