الفكر الإسلامي إحتاج إلى عقل محمد أركون ومناهجه أي إلى رؤيةٍ علمانيّةٍ وتقدُّميّةٍ تاريخيةٍ للدين

علي زيعور: نشكو من المبالغة في الاستناد غير الضروري إلى المفكِّر الأجنبي فتلك حالة "عُصابيّة" تخفي ميلًا قسريًّا نحو القاهر

قدم علي زيعور، أستاذ التحليل النفسي والفلسفات النفسية، في أعماله ومؤلفاته، نتائج علمية مبهرة وجديدة في الفلسفة العربية الراهنة وحقول علم النفس والتحليل النفسي وعلم الاجتماع. اقترنت كتاباته بالمنهج التحليلي المتعدد التخصصات، مما سمح له بالنفاذ إلى الأفكار وواضعيها والأعلام والظواهر التاريخية في المجالين العربي والإسلامي، ضمن رؤية موسوعية تأخذ من حقول عدة.

في هذا الحوار مع “المعلم” – كما يفضل أن يُسمَّى- يتحدث زيعور عن فلسفة الحداثة في المدرسة العربية الراهنة، مصنفاً إياها في خمس نظريات. أجرى صاحب “الفلسفة المحضة والفلسفات النفسية والطبيعية”  دراسة “في العمق” لبعض “الحداثويين” يتقدمهم عالِم الإسلاميات محمد أركون (1928-2010) والفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري (1935-2010)، بالاضافة إلى قضايا أخرى ترتبط بأطروحته في “فلسفة الوعي”.

يعتبر زيعور أن “أركون يستحق الشهرة التي نالها. طالما كررتُ، أنا، هذا الحكم. فالرّجُل قد درس الثقافة العربيةَ الإسلامية وأدواتها العقليّة تبعاً لطرائق المقارنة بين “الغربي” والإسلام وهو علماني وتاريخاني (…) وأعماله مترابطةٌ متماسكة، نافعة ومفيدة، منفتحة ونقديةُ المنزِع والمقصد، كما الغرضِ والرؤية”.

وفي ما يلي تفاصيل الحوار:

  • ما هي أبرز النظريات التي أسست لها المدرسة العربية الراهنة في فلسفة الحداثة؟

تنقسم فلسفة الحداثة في المدرسة العربية الراهنة وفق وجهة نظرنا إلى خمس نظريات:

  1. النظرية الأولى:

الحداثة وما بعد الحداثة، بحسب ما تقوله المدرسة العربية، فلسفةٌ أخلاقيّة خاصةٌ بعصر الثورات الراهنة؛ أو وِعاظةٌ محورها تمجيد الفردانيَّة الحرّة المستقلة، وتعبّدٌ وألهَنةٌ للعقل، ورفضٌ للمُتَخيَّل، وخطابٌ في التفكّر والتفكير المحلِّل. وهي التخلّي عن التراث والماضي؛ أي هي الإنقطاع عن الفكر السائد، والسلطة البائدة. وهي التنوّر بالطرائق والأدوات التي تصقل الذات، وخصائصها البشريةَ المميَّزة وقيمها المسكونية، ووجودها المتعيِّن المنغرس في المجتمع والتواصليّة، وفي العقلانيّة والحرية، والنظامِ السياسي العلماني والديموقراطي والساعي إلى العدالة وتحقيق معنى الإنسان. تُعدّ مقولات هذه الفلسفة مكرَّرةً ومُبسَّطة، ومعروفةً أو غير أصيلة؛ فهي بلا عراقة أو إبداع، ومنتَجٌ موصولٌ مشحونٌ بقيم المجتمع الصناعي جدًّا وجيّدًا، أي الصناعوي والآلياني، العابِد للعمل والمال والسلعة، للمصنع وقوانين السوق، ولنظام النقود والحكْم الليبرالي والسياسة الرأسمالية، أو الدستور المُمَرْكَز الحامي للثروة والإستهلاك، أو الأغنياء الناجين والمتحكِّمين…

2- النظرية الثانية:

فلسفة إعادة التنظيم والبَنْيَنة، ثم إعادة التسمية والمَعنية، الذاتاني المحلّي يَجْرح الحداثة وما بعد الحداثة.

هنا، أيضًا، نظريةٌ هي التشخيص الكُلّي أو الإدراك بعقلانيةٍ وتحرّرٍ من المسبق والجاهز أو النقلي والموروث؛ أي هي دراسةُ المعنى، والنظرُ في كنهه وفحواه، ووظائفه اللُّغويّةِ والنفسيّةِ الاجتماعية ومكانته داخل النظرية الفلسفية في الذات والشخصيّة، والنحناويّة والطبيعة والمعرفة، والأيْسِ واللَّيْس، والغنى والجمال والفنّ.

3- النظرية الثالثة:

هي المدرسة العربيّة في “التصوّف العقلائي”؛ وهي تبخيس كلِّ تصوّفٍ عند الحَرْفاني وفي الفكر الآحادي، وعند المتعصِّب أو المنحازِ القسري الإنتحائي إلى اللاهوتي. هنا نلحَظ ثورةَ التصوفِ والمتخيَّل.

التصوّف “الحداثوي” مبخّس عند “ناقدي” العقل العربي ومبخِّسيه. ومُسفَّل من حيث هو، في نظرهم، نقيض الفلسفة ومُعادٍ للعقل وأهل البرهان. وعلى سبيل الشاهد، هنا يسوق محمد عابد الجابري أدلةً، ويبسط براهين وحججًا على أنّ “أهل القوم” غير عقلانيّين، ولا “تُقبَل شهادتهم”، وخسيسون أو نافرون منفِّرون… ربّما يكون، رحمه الله، مُحِقّاً؛ وأنا أفضحُ ما هو، أحياناً، شديد الإقصاء والإبتعاد عن الحقيقة والمنطق بحق “العرفانيين”. لا بأس! لكنّي، من جهتي الخاصة، لا أدافع عنهم؛ ولم أقُل قطّ إنّهم صالحون، أو قد تَرْفض الحداثةُ غسلهم أو تطهيرهم، ومن ثمّ القبول بهم كمنتِجين في عالم الفكر العالمي، والنظر الكوني، والنور والعقل المسكوني أو حيث القيم الإنسانويّة البُعد والمدى والمعنى. لكنّي، بموجب رؤيتي المُحاكِمة، قد أحصيتُ أيضاً، إلى جانب “المرذولات”، “مجلوباتٍ” أو “مقولات مقبولةً” عديدةً للتصوّفات أو العرفانيّات… فضحتُ واكتشفتُ “مرذولات” كثيرة؛ وقلتُ إنّ الرافض للتصوّفات والعرفانيّات مُحقٌّ فيما يُثبِت، ومُخطئٌ مسرفٌ فيما ينفي. فأَنْ تقول إنّ العرفان نجاسةٌ أو نجسٌ ورجسٌ قول صحيح؛ ولكنّه قولٌ فاسدٌ إنْ قلنا إنّه ليس سوى بخاسةٍ أو ضلالٍ، وغثاثةٍ أو رثاثةٍ، وسفالةٍ أو تخريفات، ورطانةٍ أو هوَس. وفي جميع الأحوال، قد يكون الأجدى، في الفصل بين الداحض والمحايِد كما المؤيِّد، الاهتمام بموضوعاتٍ ذاتيّة النزعة أو محجوبةٍ عائدةٍ إلى مبخِّسي العقل العربي ظُلماً وعدائية، أو جهلاً و”غفلة”، أو لذةً وانتقاماً.

بين المقولات التي ألحفتْ عليها مدرستنا الفلسفيّة الراهنة تعرفةُ تعريفاتِ التصوّف (ومن ثمّ العرفانيّات) العديدة؛ أي حقوله المتداخلة، وغرَضه ومعناه، وأوهامه كما حقائقه، ومناهجه ومنجزاته المخصوصة والكونيّة الأعماق والقيم… فقد ميّزنا التصوّف النفسي أو المعرفي، الإستسراري أو الإيزوتيري، والباطني والفِيَّاويّ (مِن: في) والداخلي والجوَّاني، والقطباني والعرفاني… ذاك هو التصوّف (المَشاعيّ المُشيِّع للنّفس، وهو المُشَيْعَوي، المنذور، المسَيَّب الذي باع نفسه (أو المبايعِ) لله حبّاً مجانِيًّا للكعبة أو أهل الكعبة، لمكة وأهل مكّة والعالمين والناس أجمعين (را: الجذر ش و ع؛ المشَيْوَع أو المستَشْيع الجاهلي).

وهناك، أيضاً، التصوّف المشاعي، والمُشيعِ أو المشيِّع للملكية والأرض والمال. وفي هذا التصوّف السياسي الاجتماعي لا يَمْلك الإنسان ولا يُمْلَك؛ وهو إنكارٌ للسلطة والدولة، وللثروة والأغنياء والملَّاك. فهنا رفضٌ للمِلكيّة الفرديّة، ولامتلاك الأرض وأدوات الإنتاج (قا، في التصوف: وحدة الكائنات والطبيعة والألوهيّة، رفضُ الحكْم بحجّة أنّه مُفسِدٌ وفاسدٌ، ومتسلّطٌ، وضد العدل والمساواة…).

وهناك التصوّف الصوفوي نسبةً إلى صوفة المكّي الجاهلي؛ ونذكر أيضاً الصوفية نسبةً إلى صوف الغنم، الصوفاوية نسبةً إلى صوفا، أي المبارك المقدّس، المضحّي والطاهر، الحامي والحارس؛ ثم: التصوّف الصَّفائي نسبةً إلى إخوان الصفا، أي الإخوان الطاهرين الأوفياء أو الميامين والمبارَكين والصفاويين، أو أصحاب التصوف الصَّفاوي.

علاوةً على ذلك، ثمّة تصوّف منسوب إلى الصفوة من الناس؛ (قا: إخوان الصّفا)؛ وهم، أصلاً، أهل مكة أو أهل الكعبة؛ وذلك هو التصوّف الصفوتي. وآخر منسوبٌ إلى أهل الصُّفَة (ولعلها الصُّفَّة)؛ وهم الصوفيّون الصُّفَّيّون المقيمون في صُفَّة المسجد المبايعون على الموت دفاعاً عن قضية الدين، وأهله، وربّه. وهؤلاء، هم أيضاً، مُسيَّبون، منذورون، يُقدّمون أنفسهم كضحيةٍ مرفوعة مجاناً لله، وحبًّا بالله خالصًا، أي فداءً وقَرْبَنة (قربانًا، قربانيَّة) للكعبة وربّ الكعبة، ومن ثمّ لربّ مكة وأهل مكة والعالمين أجمعين.

لعلّ المدرسة العربية الرَّاهنة في التصوُّفات والفلسفة أبرز من أثبت أنّ التصوُّف العربسلامي هو الذي أكَّد وزخّم فهم أو حقيقةَ خطاب الإنسان المنجرح ومن ثم في مشاعيّة المِلكية؛ أي في مشاعيَّة الأرض والمال، وفي رفض الحياة السياسيّة الاجتماعية التقليديّة، وفي التنكُّر للسلطة القائمة؛ ولدولة الأغنياء، ورجالِ التديّنِ وأصحابِ النفوذ، وشتَّى رجال الدولة وبطانتها ووعّاظها.

ويذكَر، بَعدئذٍ، أنّ المدرسة الراهنة في التصوّفات والحكمة والفكر الكوني اعتنت بأن تَقْرأ قول الأسلاف في مقولاتٍ كما أشخاصٍ تاريخيّةِ المكانةِ والقيمة، استناداً إلى مفسّري الأحلام أو الأساطير والاستعارات. وعلى سبيل الشاهد، إنّنا نقرأ موسى أو عيسى ومقدَّسين آخرين استناداً إلى المناهج التي اعتُمدت في تفسير الحلم أو الإستعارة واكتشافِ الرمز والمطمور… المراد هو أننا، في وجهٍ آخر، نحوّل الموضوع أو المقولة المراد دراستها، إلى حلمٍ أو استعارةٍ؛ ومن ثمّ نقوم بالتفسير أو التحليل والتعليل، وبالفهم والتأويل والقراءة غير الحَرْفانية.

4- النظريّة الفلسفية الرابعة:

فلسفة الوعي أو الذاتِ الحاضرةِ أو الأنا الظاهرة. الوعيانية والمَعْنَية على سبيل الشاهد والعيِّنة. الوعي والمعنى أساس فلسفةٍ رخوةٍ مائعة لكن سهلةٌ أو سريعة الهضم ونافعة.

ثمّة نظريات راهنة عديدة تعتبر الفلسفةَ خطاباً في الذات الحرّة الفاعلة أو في الوعي المعرفي، وفي الحرية والديمقراطية، أو في العلمانية والعلمية والعِلموية المؤحِّدة المؤلهِنة للعلم وحده دون سواه… فالنظرياتُ الفلسفية الراسيةُ على الوعي، أي على الذات الحاضرة الكاملة، مؤدّاها وقصدها اعتبار الإنسان كائناً حرًّا مُترَعًا، والسّيّد بكل قوةٍ ومنعة على غرائزه وجسده، أغوارِه وظلماته، تضاريسه وتلافيفه… هنا يُظَنُّ، أيضاً، أنّ الأنا تكون سيّدة نفسها، وتتعامل بتفاؤلها وطيبتها على الهواجس والتصورات المرَضيّة كما الهوامية، وعلى الوهميات والمتخيَّلات، وعلى قطاع الأنا الأعلى في الشخصية أي حيث النظُم العليا والقيم، القوانينُ والسلطة، الأخلاقُ والواجبات.

5- الفلسفة، حسب نظريةٍ خامسة:

هي الإستراتيجية الراهنة لكن غير المحكومة لِمبادئ وقيم نابعة أو متلائمةٍ مع عصر الرَّقْمَنَة، أو الشبكةِ وثورة وسائط التواصل والإلكترونيّات. فهي رؤيةٌ وتصوراتٌ عقلانيّةٌ وشمولانيَّة، وأعمّاويةٌ تتدبّر الإنسان والناس والمذهب الإنسانوي (=الأنسنة) بشكلٍ ناصع وكُلِّيَّاني. وذاك خطابٌ قوامه ونسغه الوعي والحرية، وسائر المدنيّات المغروسة في اللقمويّات والسياسة، وفي الثقافة والأرض، كما في المجتمع والتاريخ والتوق لمستقبلٍ خصائصه الكبرى التحسينُ والتعزيز، ومن ثم التوكيدُ والتزخيم للمعيشة الأكثر عدالةً وتكافلاً، وللحضارة والثقافة الأكثر إشباعاً وتحقيقًا للحقوق الكونيّة، والقيمِ المسكونية والطموحات البشرية المعافاة والمعافية نفسيًّا واجتماعيًّا، أخلاقيًّا وروحيًّا، فنِّيًّا وجمالِيًّأ، تواصليًّا وخيرانيًّا…

في ضوء هذه الفلسفة الإستراتيجيّة، الديناميّة والمعْنيّة بالأخلاقي والعادل والمحبّاوي، نُحاكِم الفلسفات المادية، والبيولوجية الأحاديةِ والعنيفة المستبِدّة. وعلى هذا نقول: ليست هذه الفلسفات الجافّة القاسية عميقةً أو متفائلة. إنّها، كما أيّ أيديولوجيا، مهتمّة بالمصلحة والمنفعة فقط. إنّها فكر أو سلوكٌ ذرائعيّ، وفهم آليّ [ميكانيكي] أو صناعوي، “وسِلَعي” أو بضائعي للإنسان والبشريّة، والمذهب المؤَنسَن المؤنسِن أو الحداثوي كما التنويراني… إنّها فلسفاتٌ بلا عواطف أو تآلف، بلا قلبٍ أو صداقة، بلا تعاونٍ أو تراحُم أو فضائل. في جميع الأحوال، إنّ النظريات البيولوجية المحضة غير كافية؛ ولا هي قادرة على تفسير الإنسان، أو على إعادة مَعْنيته… ذاك ما نقوله أيضاً في صدد النظريّات المادية، والنفعانية كما المَصالحية… إنّه غير ممكنٍ ردّ المعنى إلى الحسّي أو العياني، المادي كما الجينيائي، الزماني أو المكاني، البيئي كما المجتمعي…

فبَيْن الأرض أو الطبيعة تفاعلٌ متواصل متناقح مع الثقافي والعواطفي، أو مع الأخلاق والواجبات وقيم الإنسان والإنسانَوية. بين القطاعَيْن كَرْفَرة، وعطا أَخْذِية، وذهابيابِية؛ هما معاً في متكافئةٍ متلازمةٍ، وفي تداوليةٍ وتبادلية.

  • أود الانتقال من أبزر نظريات فلسفة الحداثة في المدرسة العربية الراهنة إلى إجراء قراءة لبعض “الحداثويين” العرب وسأترك لك حرية الاختيار.

_ تنفعنا قراءةٌ تحليليّة لِنفرٍ من “الحداثويّين” المغرقين في التأثُّر بالتصورات الغربية عن الغَرب والعرب؛ أو بالصورة التي يريدها الغربي للآخرين أو للفلسفة ومعنى البشريّ، ولمستقبلِ الحضارة في العالم؛ أو بالصورة والمعنى للعقل والأنوار، وللحرية والقَطْعِ مع الماضي والنقليّ، القديم والغابرِ أو التراثيّ والتاريخيّ. ليكُنْ محمد أركون عيّنةً مُمثّلةً للفكر المحلي، الخاصّ المخصوص، في فهم الإسلام والعقل الإسلامي؛ ثم في فهم “جماعة” محمد عابد الجابري للعقل العربي مُبَخَّسًا و”مرذولًا”، أي معتبراً حاجزًا وعائقًا بُنيويًّا أمام التقدم الحضاري، وإنتاج العلم والفلسفة والإبداعات المطِّورةِ للمسيرة البشرية.

(…) استجلب الالتزامُ العام عند الطالب العربي في باريس حالة شابةٍ جزائريةٍ اسمها عائشة، كانت تعمل في فندق (جادة سان ميشيل، قرب السوربون) في أوائل الستينيات. بكت عائشة لأنها أُرغِمت على الاختيار بين تركِ عملها و(بين) التكثْلُك. لم أستطع أن أكون مفيداً؛ فأنا مُراقَب. والفرنسي ظالم يقسو بعنفٍ قاتمٍ وغير ناعم. وسبق أن ذكّرتْ حالة “جماعتنا” بحالة محمد أركون الذي كان يصعد على سُلَّم الأمجاد؛ وغير مهتمّ بالضعفاء. لا تفاصيل. ولا تفضيلات هنا بيننا وبينه؛ لكنّي أعود، للمرّة الثالثة ربما، إلى تذكُّر ردّ مُتَرجِم كُتب أركون، هاشم صالح؛ فقد قال (وأنا أسامحه): في انتقاد محمد أركون يجب أن تكون الأسلحة متكافئة. كان الحق مع أحدنا…

غضب جورج طرابيشي؛ ولم يبتسم بشير الداعوق (دار الطليعة، بيروت، مجلة دراسات عربية) أمام نعومة “المعركة” غيرِ المكشوفة بيني كطالب في النفسانيات وبين أركون، المدرِّس في السوربون… أنا أعترف، اليوم، أنّي تسرَّعتُ يوم قلت عن هاشم صالح – أركون إنّهما دون كيشوت ودون سانشو دي بانثا، أو عنترة وشيبوب… الأهم، الذي بقيَ وسوف يبقى، أنّ البطل ومساعده نجحا جدًّا وجيداً. ولمرةٍ أخرى، أنا ندمت؛ وهاشم صالح رفض مرارًا وبِحدّة كل مصالحةٍ… والآن، لقد صار السؤال عن القول في الكنز الذي أهداه أركون للعربي، للمسلم الأوروبي، بل للإنسان في العالم الراهن.

احتاج الفكر الإسلامي إلى عقل أركون ومناهجه، أي إلى رؤيةٍ متقدّمةٍ علمانيّةٍ وتقدُّميّةٍ تاريخيةٍ للدين. فهو قد أنتج بلغةٍ أوروبيةٍ انجازاً معرفيًّا أو تطويريًّا ذا مستوى رفيع، وحلّل موضوعاتٍ وقضايا تاريخية يحتاجها المسلم في فرنسا، وأوروبا، بل في العالم أو داخل الدار العالمية للدين والإيمان، وللأيديولوجيا، وللفلسفة الكونية والإنسان[i]. انتصر أركون في كل حقل: فهو قد هزم المستشرق والاستشراق، وغيّر الاتجاه الفلسفي الوسيطي، وقدّم الفكرَ الإسلاميَّ فكرًا عالميًّا وغير مُعادٍ للحرية والسلام، ولِما هو اقتصاد عالمي، وسياسة كونية، وحركات سلامَوية وسَلْماوية، حداثية وتنويرانية، اجتهادانية وإنسانوية، مؤنسَنة ومؤنسِنة…

منتَجات أركون مميَّزة. وإنجازاته جديرة، وعالميةُ القيمةِ والمكانة والمستوى. لعلّها أجدى وأبقى وأهمّ من كتابات معظم اللاعبين على الساحة العربية – الغَرْبية الراهنة. ذاك نفسُه هو ما يدعونا إلى أن نبدأ هذه “التبصرة” أو الحوارية بالكلام على ما لم يحلله أركون، أو ما أهمل وأغفل. هنا نقول: لعل الإستنفاع لم يكن قليلاً إذا قرّبنا بين المناهج أو العقل الإنتاجي عند المؤلف الموسيقي، وعند الحارث أو الزارع في حقول الفلسفة والفكر، والتصوّفات السياسيةِ الاجتماعية، كما الإستسراريّة أو النفسيّة والمعرفيةِ بل العرفانية. إنّ طرائق التفكير أو التوليد أو الصُّنع الفني والموسيقي عند بليغ حمدي أو الموجي أو محمد عبد الوهاب، كشاهد، هي عينها ما اعتمده في الزمان عينه علي سامي النشار أو إبراهيم مدكور، مصطفى زيوَر أو عبد الرحمن بدوي. بعد ذلك، الأهم في صدد المنهجية، في قواعد العمل والحَرْث، عند الملحِّن والفيلسوف، هو أنْ نتعلّم اعتماد المتخيَّل أيضًا، والتحرر التلقيني والتلقي… وهذا كلّه بغير أن يعني ذلك أنّهما يُغمِضان العين عن إعطاء المكانة الأولى للمناهج المألوفة الناجحة إنْ في العلوم الوضعيّة (الطبيعيّة، الدقيقة…) وإنْ في علوم الإنسان داخل المجتمع ومغروساً في الوجود والتاريخ أو في الطبيعة والثقافة.

قد يُسأل عن رأيِ ((من)) لا يَنْظر بعينٍ واسعة هنيّةٍ إلى ما قيل إنّه تكرار محمد أركون لنفسه؛ ومن ثم في مؤلفاته المتنوّعة الحقول. ذاك تكرار يقال أيضاً عن الجابري، والعروي، وبخاصة حسن حنفي وأصحاب العقلانية والتفسيرانية، وجماعة المدرسة العربية في الفلسفة والتصوف كما في الفكر والرقم والمستقبلانية (فلسفة المستقبل الاستراتيجيّة، الكونيّة). إنّ تكرار الأفكار، في الحالة الراهنة للفكر، لا يعني تبسيطها وتمييعها؛ أو لا يعني السرعة، وبالتالي الإهمال والإستسهال والإسالة. أو التسييخ

يستحق أركون الشهرة التي نالها. طالما كررتُ، أنا، هذا الحكم. فالرّجُل قد درس الثقافة العربيةَ الإسلامية وأدواتها العقليّة تبعاً لطرائق المقارنة بين “الغربي” والإسلام (العقيدة، التاريخ، الرِّجال العِظام، الخبرة، الحضارة…) وهو علماني وتاريخاني، “وجهازُ مقارنة”، “وأدواتُ” تحليلٍ وتفسير ومرونة… وأعماله مترابطةٌ متماسكة، نافعة ومفيدة، منفتحة ونقديةُ المنزِع والمقصد، كما الغرضِ والرؤية.

يوضع أركون، بحسب ما أكّدته وزخّمته المدرسةُ العربية الراهنة في الفلسفة، بين خاموس أو سادوسِ كبارِ الفكر العربي الراهن الذي سبق أن صقلنا الخطاب الفصل في أنّهم، جميعهم أو برمّتهم، برعوا في مناصرة النظريات الفلسفيّة الموصوفةِ المميَّزةِ بتأجيجها وتحرّكها بالقيم السلامويّة والسّلمانية، الحداثانية والتنويرانية، الكونية والإنسانوية، والكينونية والمسكونية، العالمية والعالَمينية…

وفي مطلق الأحوال، إنّها لَضَرورية ثم نافعة هي هذه “الأفكار” العريضة الباسقة، الأشمل والأوسع أو المعتبرة بمثابة الأقدر والأبقى والأصلح، والمفسّرة لكل شيء في الوجود والتاريخ. في عبارةٍ أقصَر، إنّه ممكنٌ ثم صالحٌ الإسرافُ نفسه في تفضيلِ العقلانية والقيمِ الإنسانوية، وتكريم الفكر المتوقِّد المتأجّج، المتوهّج.

  • في الكتاب الأخير لمحمد أركون “قراءات في القرآن” ثمة حوار أُجري معه لم يتم فيه الإشارة إلى المُحاور بحيث نُسب ذلك في الهامش إلى أحد الطلاب، ما هو برأيكم السبب وراء التجهيل؟

_ السؤال الأصح هو كيف استنتجنا، إنْ لم نقل كيف افترضنا اسمَ الطالب المحاوِر لأركون. بل لماذا لم يورِد أركون اسم ذلك الطالب، واكتفى بإيراد أسئلةٍ يودّ أركون نفسُه أن تُلقى عليه، وأن يضع أجوبةً عنها جيدة، مُعتنىً بها وحلوة؟ في الواقع، لم يجْرِ حديث، لا قديماً ولا جديداً، بيني وبين أركون. فأنا نفساني يحلِّل الخطاب، والشخصيةَ أيضاً، وبخاصة عند شخصياتٍ مؤثِّرة، فلسفية هي أو نفسانيّة، واجتماعيّة أو تاريخيّة. كنتُ طالبًا مراقَبًا زمان كان أركون يطال فيه النجوم. وكان شائعاً أنّ أركون غير ودود، غير انبساطي، أي أنّه كان من النمط الانكفائي وما قد يلحق بهذا النمط من صفاتٍ غير تعاونية، ووجهٍ أو سلوك يستكفي بما عنده ويشبه الإستعلائيّين؛ كأنّ فيه قسوة “الماكيزار” الجزائري حينذاك. لم يكن لشخصٍ من هذا القبيل، ربما، أن يُحِب ويَعشق، أن يرتاح أو يهنأ، أن ينفتح على صداقاتٍ أو يقيم تعاطفاً. هذا لا يفيد أنّي لم أحترم موقعه ومُنجَز. ومرّ أنّي قد أكّدتُ أنّه باحثٌ مفيد. وعَمِل بدقةٍ؛ وبصرامة لازمته طيلة عمره.

قد ينفعنا، إلى حدٍّ ما، النظر في طرحٍ آخر للطالب المحاوِر منسِيِّ الاسم، مجهول الهوية.

الجواب، كالسؤال، شأنٌ غير ميسور؛ والتبسيط يقتله. الأهمّ هو أنّي، كما ذكرتُ في قراءتي القديمة لأركون، سألتُ كثيرًا، في جلسة حوارٍ أكاديمي، أحد الزملاء، مهدي فضل الله، الذين كانوا يشكون من “جلافةٍ” (!) أو عدم لطافةٍ، عند أركون، في استقباله الطلّاب الراغبين في الإفادة منه كمشرفٍ على رسائل دكتوراه الدولة بعد أن دخلوا سلك التدريس الجامعي… ردّ الزميل على سؤالي الأوّل بالقول: كلا! لم ألاحظ أنّه يتبسّم أو “يتنازل”. كان كالمتعنّت. كان عاجزاً عن أن يبدو مبتهِجاً، طليق المُحيَّا، بشوشاً، استقباليًّا واستضافيًّا.

  • كيف تنظرون إلى الكتابات أو الموضوعات الحداثوية الراهنة وتمثلاتها على مستوى الأعلام والخلاصات؟ لنأخذ محمد عابد الجابري مثالاً، هل يصح أن نجري له “محاكمة حداثوية”؟

_ لا حقّ، ولا معنى لأن تُسرَدَ مرذولاتٌ أو شوائبٌ في العالم الفكري للمرحوم محمد عابد الجابري. يهمُّنا في هذه الرُّقعة، الضيّقةِ مساحةً وحماسة، ما لم يُدرَس عنده بحماسٍ حداثاني؛ أي موضوعات هي كالتعليم والتربية؛ وامتناعه عن قبول خوضنا الخاص في المذاهب السياسية في الفكر العربي – الإسلامي؛ وفي المذاهب الاقتصادية؛ ولا سيَّما في المذاهب الأخلاقيّة المميَّزة المنفصِلة عن الدين والروحاني… نكتفي، أدناه، بالقراءة الحداثانية المقارِنة للأخلاقيّات؛ ثمّ سننتقل إلى الحداثة في قطاع “فلسفة التربية والفكر التعليمي والتعلُّمي”.

الكتابات العربية المعاصرة، ثم الحالية الراهنة، غنيّةٌ مميَّزةٌ بكثرة الذين زرعوا في حداثية الأخلاقيّات العامّة والتطبيقيّة، أو العائليّة والمدنيّة… لقد كثرت أيضاً حقولها، وتَفَرَّعت أغصان دوحتها؛ فكان منها ما أسميناه في مشروع “إعادة الإدراك”: الواجبية، الأمريات، اليَنْبَغِيَّات، الآدابية، الوِعاظة والنصائحيّة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

التعليم والتعلّم إحدى المتكافئات التي، بحسب الحداثة النَّقدانيَّة، تبحث في إنتاج المعرفة وإنمائها ونقلها. فهنا منهجٌ يعتمد السير المعرفي على قدمَيْن؛ أي خَلْق المنظور الجديد، وتفسير المحصّل الحاصل طبقًا لقُطبَيْن يوجدان معًا؛ من ذلك: الحياة والموت، النور والظلام، الجهل والمعرفة، العقل والنقل أو الحاضر والغابر… ذلك مبحثٌ معرفيٌّ سابق؛ اشتهر داخل الفلسفة اليونانية – العربية – اللاتينيّة، وسطع بنجاحاته ومهاراته عند الصوفيين الذين أكثروا في اعتماد إثْنَيْنِيَّة المعنى المزدوج للعاطفة أو القيمة أو الشخصية الواحدة (الفناء والبقاء، الصحو والسكر، الجمع والتفرقة…).

قدّمت المدرسةُ العربيّة الراهنة في التربية – التنمية، والفلسفةِ والفكر، المادةَ الخام التي هي، في حقول التعلُّم والتعليم أو نقلِ المهارات والخبرة والثقافة، نصوصُ الزارعين المؤسسين للتربويات داخل الوعي الفكري الاجتماعي العام في التاريخ عند العرب؛ ومن ثمّ في البُعد العربي – الغربي لتطور الفكر والفلسفة والتصوّف، ولتنامي آدابيات العلم والتعلُّمات والتعليم والتدبير.

تلتقط المحاكمة الحداثانية لمنتجات محمد عابد الجابري في التربية والتعليم، النقصَ أو الإنجراح في فهمه وقراءته للعقل التربوي والتعليمي وليس فقط السياسي والأخلاقي. ثمّ إنّها ترى أنّه لا بدّ من تغيير الأنظمة التربوية، في شتى الدول العربية، بل في كلّ مجتمع أو وطنٍ في العالم الراهن، وبخاصةٍ في المجتمعات الصناعوية المعقّدةِ جداً وجيّداً، والمشَغِّلةِ آلة صُنعِ الآلات، أي في دولِ ثورات العلوم والتكنولوجيا، والشاشة والإلكترونيات، والحاسوب والصورة، والرقمانية والزرَّانِيّة ووسائط التواصل الاجتماعي… التغيير الحداثاني هو المرتجى والمأمول، بل هو المطلوب المتناقِح والمستدام، المرتَضى والمبتغى المصطفى. التغيير أفهومٌ كبيرٌ باسق. هو أكثر من نشاطاتٍ أو تشغيلاتٍ اسمها التحديث أو التجديد، التحويل أو إعادةُ الضبط كما المَعْنَية والتأويل، التَّمْدِين أو المفاعلة والتضافرية مع الأنواريَّات والتنويرانيّة، كما الحداثات والحداثانية في العالم الراهن المؤلهِن للآلة والضوء والتقنية، وللعلم والبيولوجيا والصورة…

ينقل التغيير الحداثيُّ المنزعِ والرؤيةِ مركز الثِّقَل في التعثُّر الحضاري والتصوّرِ الأصولي إلى الإجتهادانيةِ من حيث هي منهج وسِمْخٌ أو خميرةٌ وفلسفة، أو آليَّاتٌ وقوانين، أو تكييفَانيَّةٌ إسهاميَّة إيجابيّة، وتأويلانيَّة خلّاقة ومنفتحة؛ ذاك أنّ الاجتهادانيّة، التأويلانية، كما الحداثانية، ضراميَّةٌ وحيَّة، وكونيَّةُ النظر والعمقِ أو البدايات والنهايات. إلى ذلك، تُدرَك التغييرانيّة، أي النظريةُ الفلسفيّة المتساوقة المتماسكة في التغيير الشمولاني والمستدامِ والكُلَّاني، على بساطٍ مشتركٍ مع التفسيرانيَّة. وهنا، أيضاً تُدرَك الحداثةُ مع ما بعد الحداثة في متلازمةٍ متناذرة…

  • ما هي شوائب الحداثة العربية من وجهة نظر المدرسةُ العربية الراهنة؟

– يحفل “المقعَد الفلسفي العربي الراهن” بموضوعات عديدة جديرةٍ لم تُدرس تبعاً للرؤية والمناهج الفلسفيّة الحداثانية. ففي كتبٍ موسوعيّة عدّة، مخصّصةٍ للنظريات كما الأعلام في “المدرسة العربية الراهنة”، لا نعثر على دراسة إحصافيةٍ كرّسها الباحثون للمذاهب الأخلاقيّة أو السياسيّة، والتربوية كما الاقتصادية… ولا نلاحظ، من جهةٍ أخرى، اهتماماً خاصاً بالتحليل والتفسير، أو بقطاع الفهم والتغيير والتأويل في حقولٍ مهمّةٍ، لكن مهملة، نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر الجماليات أو علم الجميل والقبيح؛ الفنّيات أي حيث قطاع الفنون المتنوّعة المتكاملة.

وهناك، بعدُ أيضاً، حقول أخرى لم تنل بعد ما تستحقه من تفكيك وإعادة أشكلة، أو من اهتمامٍ واعتناء. فالفكر الفلسفي المعاصر، والراهن كما المستقبلاني، يتوسع ويغتني بامتصاصه لتياراتٍ فلسفيّة أنغلو – أميركيةِ الطبيعةِ والطريقة والوظيفة؛ ذاك هو على سبيل الشاهد: الرقمانيّة والزّرّانيّة، الحاسوبيات والالكترونيات، الشاشَويّات وثورات العلم والتكنولوجيا بل والصورة والتواصل.

  • يلاحظ أن الفلاسفة العرب الحداثانيين (أركون، الجابري) لم ينتجوا في حقول الجماليّات والفنّيّات. ما رأيك في ذلك؟

– إنّ الاهتمام بالشريط السينمائي، بالممثّل المسرحي والرسام اللوحاتي (التشكيلي)، والمغنّي كما المصوِّر في حقول الفن، سديد. وهو مفيد، وذو مردوديّةٍ ثقافيّةٍ نافعة ناجحة إنْ للمثقف الملتزم، وإنْ للمواطن الأمّي أو منخفضِ الذكاء والمستوى المعرفي…

ما زال عادل فاخوري بلا نظير، من حيث الإنتاج في القصيدة الإلكترونية. ولوحاته “السيليكونية” إبداع. أنا حلّلتُ لوحات المستشرقين مربوطةً بجمال الشناعة، والفنون الشعبية الصوفية. “علم البطولة والخلاص” في الفنون العربيّة الراهِنة، يَدْرس ويُجابه البطل الملحّن والمؤلفَ الموسيقي، ويحلِّل العقليّة والعقل المنتِجَ أو أداة الإنتاج للفكر والمحاكمة عند بليغ حمدي، أو كمال الطويل كشاهد، بقدر ما يَدْرس ويحلل المنتَج المنجَز وأدواتِ التفكير أو المناهج والأساليب في عالم المسرح أو النقد والشعر عند عثمان أمين في الجوّانيّة، أو عند أحمد لطفي السيّد، أو حسين مروّة، وغَيْره، وغيره.

  • ما هو وجه النفع في نظريتك في فلسفة الوعي أو ما تطلق عليه “الوعيانية”؟

– الوعيُ أساسيٌّ ومحرّك في السلوك والعلائقية، كما في الفكر والمجتمع، وفي الأخلاق واللغة. وهنا الأهم هو الوعي بالدلالة العميقة والمطمورةِ المنسية للقيم والحقوق، والواجبِ والسلطة، والحقيقةِ والآخر وكل فعلٍ أخلاقي. إلى جانب هذا المعنى المحجوب، أي اللاواعي أو المتضمَّن يقوم لصيقاً وبتفاعلٍ جدليٍّ ما قلنا إنّه المعنى الواعي أو البادي… تلك التفاعلية أو المتكافئةُ المتلازمةُ تُحرِّك وتُغذّي وتُؤَثِّر في التنظيمات الشريعَويةِ والتشريعات، وفي القوانين والمحاكمات النقدية للحرية والعدالة، المساواة والديمقراطية، الكرامة الشخصية والعلمانية وكافّة المدنيّات. وعلى سبيل الشاهد، قد لا يبدو فاعلًا أو مؤثِّرًا محرِّكًا التمييز، عند الحداثانيين المذكورين أعلاه، بين المعنى البادي والمتطور للسلطة ومعناها العميق المخفي، أو اللا واعي والثاوي الصادم. ذاك ما نقوله أيضاً في صدد فلسفة ومنهجةِ المعنَية حيث المعنى المزدوج للعدالة أو الواجب، السياسةِ أو الأخلاق، الدينِ أو المجتمع؛ ومن ثمّ: المعرفة، الخير، الوجود، الإنسان، السببية، الحقيقة…

  • يلاحَظ في المدرسة الفلسفية العربية الراهنة التمركُز حول المعنَيَيْن للقيمةِ أو العاطفةِ الواحدة. هذه النظرية القائمة على التحليل النفسي في أريكته المحلية هل هي، أيضاً، ذات أسُسٍ أو “قوائم” وأعمدة أخرى تؤكدها وتزخّمها؟

– ذاك سؤال ينقلنا إلى سندٍ متينٍ هو قراءة المتسلِّلِ إلى الجذر اللغوي، أي قراءةُ المتعقّبِ المنقِّب لما هو غير المنظور؛ أي المطمور والمنسي. أي فهذه قراءة تُلحَظ عَبْرَ الاستئناس بالمعنى المتضمّن والمحجوب، الأقدم والموغل الغائر؛ ومثاله قراءة النهر أو الجَبَل من الكلمات التي نحصل عليها انطلاقاً من (ش و ع) أو من (ش عَ ر)، ومن (ص و ف) أو (ق ر أ)… وفي جميع الأحوال، إنّ الأمر البالغ الشأن هو الضلع الثاني الدفينِ لهذه القراءة أو “السبيل” حيث الانتقال إلى العميق المحجوبِ حين تحليل كلمةٍ مفتاحية أو أفهوم (أفهومة، مفهوم)… ذلك، وكشاهدٍ أخير، إنّ كلمة باع نفسه، (بايَعَ، المبايعة…) ذات معنًى عميقٍ ومَنسي هو تضحوي تعبّدي مُرعِب وخطير؛ وذات معنى ظاهر هو مصافحة شكلية وعادة موروثة وسطحية.

هناك، إذَن، مرحلة الانطلاق من الجذر؛ ثمّ مرحلة التحليل الإناسي الألسني والسيميائي للكلمة المراد الغوص والخوضُ في أعماقها… إننا لواجدون غنًى وكنزًا في تفحّص أو جراحة كلمة المبايعة أو بيع النفس لله، مجانًا وفداءًا، تسييبًا ونذراً حبًّا بالكعبة وربّ الكعبة، وبمكة وأهل المكة، وبربِّ مكة ورب الناس (والعالمين).

  • ما رأيكم بالكتب العربية الصادرة في الأعوام القليلة الماضية والمتخصِّصة بتقديم الأعلام في الفلسفة أو في علم النفس أو في علم الاجتماع، وفي الشِّعر أو الرواية ؟

– قراءة طبيعية لكتاب يجمع عدّة شخصيات، أو نظرياتٍ فلسفيّة راهنة، يكشف ما فيها من ثقة بالفلسفة، وزعمٍ أو ادّعاءٍ عند الباحثين بالمهارة الشخصيّة في التحليل، وبامتلاك الحقيقة الفلسفيّة مع سيطرةٍ “كاملةٍ” على التاريخ الفلسفي. من جهةٍ أخرى، في كتبٍ ظهرت مؤخّرًا مكرَّسة للفلسفة الأمريكية أو للحداثة، وللعدالة أو البُعْد الاقتصادي في تكوين الخطاب الفلسفي، نكتشف بل يتجلى أمام البصر أنّ أسلوب الكتابة إنشائي ولفظاني، أدبي وأدبيات؛ ولا يخلو من الرخاوة وحتى الرتابة والمكرورية.

من المؤسف أنّنا ما زلنا نشكو، في المدرسة العربية الراهنة، من المبالغة في الاستناد غير الضروري، وغير النافع، إلى الكتاب الأجنبي أو المفكِّر الأجنبي المتواضعِ القيمة. فتلك حالة “عُصابيّة”، مَرَضية؛ وهي تخفي ميلًا قسريًّا أو شبه انتحائي نحو القاهر، بل نحو المعتدي المسيطِر بعنفٍ مقنّعٍ، وسياسةٍ محجوبةٍ، وأيديولوجيا بعيدةٍ عن الفلسفة أو الانعتاقِ والقيم الإنسانيّة.

****

[i]  ذاك ما فعلته الأريكة العربية في التحليل النفسي، وفضائها الفلسفي والاجتماعي، عبر انكفائها إلى الاهتمام، تحليلاً وإشفائياً، للمسلم القاطن في أوروبا، أي أصلاً خارج إقليمه الجغرافي – النفسي – الاجتماعي.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. معمر عطوي

    نحن في هذا المقال الذي كتبته الزميلة ريتا فرج وهي كاتبة متخصصة في الإسلاميات، نجد أنفسنا أمام عملاقين يتصدران عرين الفلسفة في الفضاء العربسلامي، زيعور وأركون. الأول كان لي الشرف أن أتلقى على يديه دراستي في الفلسفة العربية والعلمنفسانية في الجامعة اللبنانية، والآخر كنت من قراءه النهمين ووضعت خلال دراستي بحثاً حول أهمية استخدامه للمناهج الغربية والتاريخانية في تطوير فهم النص الإسلامي.. لدينا بالفعل فلاسفة مثل زيعور وأركون نحتوا مصطلحات جديدة وفتحوا مدارك طلاب الفلسفة والمهتمين بالفكر المقارن، على أفق واسع أغنى الفضاء العربسلامي بمناهج الغرب وقيمه، ووضع أمام الغربيين نصاً جديداً غير تقليدي من وحي تراثنا.

أضف تعليق