الإيثار، الضمير، والإلزام الأخلاقي

دراسة من الوجهة التطورية والنفسية والاجتماعية

-ملخص:

تناقش هذه المقالة ثلاث مسائل رئيسية في نظرية الأخلاق، وهي: الإيثار، والضمير، والإلزام الأخلاقي، وذلك من خلال دراسة تحليلية نفسية وأنثربولوجية، في البداية عمدت لإثارة مجموعة من الأسئلة العامة خاصة بمسألة الأخلاق وإشكالاتها المعاصرة. وقد قسمت المقالة لمجموعة من الخطوط، فأولاً: ما هو السبب الكامن وراء الشعور بالذنب أو الإثمية؟، وهل يمكن عد هذا الشعور أساساً في انبثاق الدافع الأخلاقي لدى البدائي؟. أما ثانياً: بناءً على مسألة الشعور بالذنب نوضح دور العقدة الأوديبية التي تم تمايزها عبر مجرى التطور لتصبح قوة محركة يستخدمها الأنا الأعلى من أجل تحقيق نظامه (الأنا الأعلى) في الانقياد والطاعة للأنا (الفردية). ثالثاً: قمت بعرض التضمينات الفلسفية لكل من الضمير والإلزام الأخلاقي من الناحية الفلسفية مع توضيح الدور التطوري في كل منهما. رابعاً: حاولت توضيح الدور التطوري في انبثاق مسألة الإيثار الفردي والجماعي ودوره كنواة للسلوك الأخلاقي. وأخيراً تم استعراض بعض الاستنتاجات التحليلية في ما يخص الوضع الأخلاقي الراهن وجذور بعض إشكالاته في البيئة الثقافية العربية.

-مقدمة:

مما لاشك فيه أن الإنسان عبر مراحل تاريخه الطويل قد قطع شوطاً هائلاً في ما يخص تطوره البيولوجي وأيضاً الثقافي. ويحاجج الكثير من علماء الإنسان والثقافة أن التعقيد العصبي والبيولوجي قد حقق القفزة الهائلة الأخيرة  قبل نحو 40 ألف عام بظهور الإنسان العاقل homo sapiens، ومنذ ذلك الوقت وحتى تاريخه ما زال الإنسان يحيا ويتطور بفضل الثقافة، ومن هذا المنحى يمكن عد المسألة الثقافية سمة أساسية في تطور الإنسان، إذ كيف يمكن تأسيس المجتمعات وإنتاج الأخلاق والمعرفة من دون امتلاك ناصية العقل ؟..

على هذا وأكثر يجد الكثير من المحللين وعلماء الإنسان أنفسهم مضطرين للقول بأن الإشكاليات الثقافية الحالية ذات أصل تطوري اجتماعي، وأيضاً نفسي. طبعاً يندرج ضمن الهدف الأول الكثير من العوامل الاقتصادية والمعرفية والفكرية، وضمن الآخر النفسي الكثير من البنى النفسية التطورية والسلوكية، ويمكن الافتراض أن أنماط السلوك الاجتماعي من التكافل والتعاون والإيثار والضمير والطاعة والأداء الوظيفي قد تعرضت لانتخاب الأفضل منها والأصلح في سبيل الحفاظ على وحدة الجماعة وبقائها. فمثلاً يتم التخلي تدريجياً لدى الذكر المسيطر في المجتمع البدائي (الأولي primitive) عن أنانيته بتقاسمه وأفراد مجتمعه مجموع طرائد الصيد، وذلك من أجل البقاء في مكانته الاجتماعية التي تحقق مطلباً نفسياً، وبذات الوقت من أجل أن يحظى بالطاعة من قبل باقي الأفراد الذكور.!! لذلك فقد جرى تنظيم أدوار الجماعة من أجل بقائها واستمرارها، وتخطي حاجز الانقراض الناجم عن المخاطر الطبيعية المتعددة، فكانت تلك النظم السلوكية وغيرها ذات ضرورة بقائية لدى الإنسان.

إن الوظائف الاجتماعية وحاجات التكيف النفسية تأخذ طابعاً توترياً لدى الإنسان في كل أزمان التاريخ، ذلك أن الدوافع التي تهدف بشكل أساسي للحفاظ على البقاء تتعرض على نحو متواتر من قبل الطبيعة والتنظيم الاجتماعي للحد منها وكبتها مما يفسر غلبة الحاجة الاجتماعية للتنظيم الأخلاقي والسلوكي على الناحية الدافعية أحياناً.

وكما أن الطبيعة البيولوجية وتعقيدها يتنامى طرداً مع الضغوط الاصطفائية، مما يؤدي أحياناً لحدوث طفرات ذات طابع تكيفي، فإن المنظومة النفسية لدى الفرد يتراجع دورها في تأدية وظائفها وحصول الإشباع الدافعي والغريزي لدى تزايد الحرمات الاجتماعية والسلوكية مما يخلق توتراً متراوح الشدة، وهو ما يميز الإنسان على المستوى الجمعي للتنظيمات الحضرية (العصاب مثلاً، كناتج تلقائي لعملية التحضر – فرويد).

أسئلة عامة لابد منها:

مما تقدم يمكننا صوغ بعض الأسئلة:

1-هل يمكننا إيجاد صياغة لنظرية الأخلاق في المجتمعات المعاصرة بالاعتماد على علوم الانثربولوجيا التطورية؟

2-ما هي المعايير النفسية والاجتماعية التي يجب أخذها بالحسبان في كل مرحلة من تاريخ تطور الإنسان؟

3-هل يمكن الاعتماد على الموروث الحضاري وحده دون غيره في صوغ نظرية أخلاقية ما؟

4-لماذا هذا البون الشاسع بين النظرية الأخلاقية والاجتماعية في الواقع الراهن؟

5-ما هي العوامل المسؤولة عن تردي الوضع الأخلاقي والروحي في المجتمعات المعاصرة؟

6-هل حققت المجتمعات التكنولوجية قفزة معرفية انقطعت معها الروابط بين الناتج المعرفي والتكنولوجي بخط سير تطور تلك المجتمعات؟

7-إذا كان الصراع الاقتصادي هو السمة الأبرز في تفوق الأمم على بعضها، فماذا ينتج عن التنافس الاقتصادي (الطاقوي) من نماذج معرفية وأخلاقية؟

8-إذا كانت المجتمعات العربية تعيش حالة من تشظي الهوية والاغتراب الحضاري نتيجة عدد من العوامل الثقافية (الجهل، التخلف، التسلط)، وهي لا تستطيع بالوقت الراهن تمثل الهوية الحضارية لذاتها، ولا الاندماج في القيم الغربية للحضارة، فكيف يمكن لها الخلاص ونهضة شعوبها؟

9-ألا يشكل اغتراب هذه المجتمعات العربية عن واقعها المعاصر عاملاً هاماً في إحساسها بالخيبة وعدم الثقة ويدفعها للتعصب الأعمى أحياناً جراء الجهل والتسلط؟، لماذا توقف البناء الفطري فيها وساد التناقض معظم أساليب حياتها؟ حيث أنها تقتني التكنولوجيا، لكنها تجهل تاريخ الأفكار والنظريات والمعارف التي صنعت منجزاً حضارياً ما؟!

محاور عامة : التطوري – النفسي – الاجتماعي:

-أولاً : انبثاق الدافع الأخلاقي لدى البدائي:

كما أسلفنا أن الإنسان العاقل homo sapiens كان يتمتع بالقدرات اللغوية والذهنية والقصدية والخيال، ووضع الاستراتيجيات (الخطط)، إضافة للإرث الفني على جدران الكهوف في أسبانيا وفرنسا وغيرها مما عثر عليه، وباعتبار أن اللغة قد بدأت للتو وبناها الفكرية والرمزية ذات الصلة، فإنه ولابد قد انقطع ذلك الارتباط الحيوي بالطبيعة، فبعد أن كان الإنسان يعيش في تيار حيوي ومندمج بالطبيعة، أصبح منذ الآن وقد وعى انعزاله وانفصاله مغترباً عن الطبيعة الأم وعن موجوداتها.

ولا يخفى عنا أن اليد التي أصبحت حرة والقامة التي صارت منتصبة قد سمحت للدماغ بإفراد وظائف إضافية أخرى لهذه اليد، فكان التهويم والتلويح بها اللغة الإشارية الأولى، وكانت تلك اليد تطبع بانفعالها الألوان على جدران الكهوف معبرة عن القوى في العالم الطبيعي، ويمكن عد التعبير الفني البعد الروحي و(القدسي) لإنسان ذلك العصر، فقد كان يحاول أن يشخص القوى محاولاً التواصل معها أو استدماجها ضمن البنية النفسية كونها تمثل واقعاً من تلك الوجهة (أي واقعاً نفسياً).

أيضاً يمكننا القول أن البعد الأخلاقي في حياة إنسان ذلك العصر كان ذا دلالة ومعنى، ومن الزاوية التحليلية التي يقترحها (فرويد)، فإن إنتاج الأخلاق الأولى قد سبقه على الأغلب الإحساس بالذنب والإثمية، عندما كان بمقدور الأخوة في المجتمع البدائي التخلص من الأب أو الذكر المسيطر (أي الدوافع أولاً من حيث الآلية الهرمونية ذات الصلة، ومن ثم الانفعال المصاحب، وهو ما يحصل على مستوى الأفراد)، وحتى لا يسري هذا النوع من السلوك المهدد بإفناء المجتمع وفق متوالية الانتقام والقتل، وبغض النظر إن حدث ذلك أم لا، فما يهمنا أنه قد شكل واقعة نفسية في تاريخ الإنسان الثقافي، وقد تمثله الأدب في صور شتى، وعندما خالج الأخوة الشعور بالذنب أو الإثم، وندموا على ما اقترفت أيديهم، فقد قاموا بتحريم القتل في ما بينهم ومن هنا نرى سلطة (التابو) أو المحرمات تبدأ منذ الآن. وبعد أن كان الأب هو المصدر الأساسي لكبح القوى الغريزية المدمرة وكبتها، أمسى منذ اللحظة موضوعاً مقدساً، لا بل منبعاً للسلطة الأخلاقية، والتي ندعوها (الأنا الأعلى super ego).

ومنذ أن أصبح الأنا الأعلى على تلك الصورة أخذ في التموقع كقوة تدفع الأنا الفردية للالتزام بفعاليتها ووجودها. وعلى أية حال يمكننا أن نلحظ البنى النفسية الأولى، أو أن نتخيلها في تلك الحقبة من الزمن، لكنه كثيراً ما كان يسود عدم الانضباط والتناحر والتنافس بين أفراد المجتمع البدائي للدفاع عن ذواتهم أمام سلطة القانون الأخلاقي (وهذا ما يلحظ في بعض المجتمعات المحلية).

إن الكثير من إشارات السلوك البدائي للفرد والجماعة كانت بدافع الحاجة الغريزية للفرد والجماعة، فما أن تتفوق مصلحة الفرد على سائر أفراد المجتمع حتى يبادر الجمع إلى تبكيتها، وهذا لا يلغي أن بعض الأفراد كانوا يتمتعون بمكانة استثنائية بسبب من الوظائف الأخرى التي يؤدوها لأفراد المجتمع.

وعلى ما ذكرنا ففي هذا المستوى قد جرى التعاضد بين المفاهيم السلوكية والإشارات والمحرمات للأنا الأعلى في المجتمع البدائي مع ذوات الأفراد وحاجاتهم بنوع من التوازن الهش، وهذا التوازن هو فعالية توترية بين مقتضيات الأنا الأعلى ورغبات الأنا والدوافع الغريزية. إنه في العصر الذي تلا تصوير تلك القوى على أنها مفارقة، جرى بنفس الوقت تشخيصها واستدماجها في صور حسية عن بعض الحيوانات، ومن ثم تم تبجيلها والتماهي معها. لقد كانت تلك الصياغة المبدئية الفنية (صور الحيوانات في المغاور والكهوف لعصور ما قبل التاريخ)  عن العالم والآلهة بنفس الوقت (فرويد، فريزر، تايلور، إيلياد).

إن الانتقال من مجتمعات الصيد إلى حياة الاستقرار في التجمعات الحضرية الزراعية في كل مكان تواجد فيه الإنسان قد صحبه إرساء نظام أخلاقي اجتماعي ديني، وتحل فيه الآلهة والأرباب دور المؤثر، ويباشر الإنسان للتو أخذ دوره في صراعه مع هذه القوى، وهذا ما يتجلى على نحو واضح في اليونان القديمة من خلال الميثولوجيا (الأساطير). ويمكن العلم بأن أقدم تشريع بشري مكتوب قد كان حوالي 2100 ق.م (شريعة الملك السومري أورنمو)، وتمثل بداية انتقال النظام الأخلاقي نحو مفهوم (القانون المديني) في دويلات المدن السومرية.

نعلم أيضاً أن الكثير من روايات الأساطير السومرية ومن ثم البابلية تنطوي على موضوعة مهمة، وهي ذلك الإنسان المغترب عن الحالة الحيوية التي كان يحيا فيها لعصور ما قبل التاريخ، فنجد (جلجامش) مثلاً البطل الأسطوري السومري والذي بلغت شهرته وقوته وسلطته الآفاق يغامر في سبيل الحصول على الخلود، وهو في هذا يجند كل القوى والأساليب والحيل من أجل الوصول إلى مبتغاه، وحتى رفيقه (انكيدو) الممثل لقوى الغرائز الأولية (الهو Id)* يجده صديقاً وداعماً  إلى أن تنتهي الرحلة لدى التقاء جلجامش بالحكيم (أوتنابشتيم أو زيوسدرا)  ملخصاً لجلجامش معنى الحياة والسعادة وعبثية بحث الإنسان وطمعه في الخلود. هذه هي الإرهاصات الأولى للأسئلة الوجودية والفلسفة الأخلاقية.

وفق ما تقدم يمكن القول من الوجهة التحليلية النفسية على أن مغامرة جلجامش ومن بعده (مينا) ولد الحاكم الأكادي سرجون قد كانت محاولة تعويضية عن عقدة أوديب** (سيأتي درسها لاحقاً)، كون قد اتصف أبوهما بالحكمة والقوة والسلطة الجامعة، ويأتي الأبناء في ما بعد ليؤسسوا نظاماً أخلاقياً واجتماعياً جديداً ذاهبين في ذلك إلى أبعد مدى من المغامرة.

إن المسألة الأخلاقية ما كان لها أن تتبلور لولا ذلك التطور والتغير والانتخاب السلوكي لدى أفراد الإنسان، لقد كانت في مجملها استجابة انتقائية في مقابل تلك الضغوط البيئية من أجل بقاء النوع. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نجد البنية النفسية التي تطورت على هذا النحو حيث تمثل الغرائز والدوافع الأولية في صورة ما يسمى الهو Id وفق التعريف الفرويدي، وهي الساحة التي تملؤها تلك الصور والحاجات والغرائز الأولية، وتمثل التعاليم الأخلاقية الأبوية المجتمعية في صورة الأنا الأعلى*** super ego، أما الأنا الفردية**** فهي الساحة الوسطى بينهما، وهي ترغب في تحقيق متطلبات الهو وبنفس الوقت تخشى تهديدات الأنا الأعلى ووعيده فتمسي  ديناميتها دفاعاً متوازياً، على الرغم من أن كلا القوتين- الأنا الأعلى والهو ترغبان في احتلال أراضٍ جديدة من ساحات الأنا الفردية، فتحقيق متطلبات الهو هو مدعاة للشعور باللذة، والاستجابة لأوامر ونواهي الأنا الأعلى هي الشعور بالألم وسطوة الواقع الاجتماعي الأخلاقي، ومن هنا تنشأ الآليات النفسية الخاصة بالكبت والعصاب neurosis وفق منهج التحليل النفسي (فرويد).

ويبرز لدينا السؤال عن أحقية الدستور الأخلاقي وضرورته وقوامه من المفاهيم والأعراف. لقد غدت المسألة النفسية منذ الآن مسألة ثقافية على مستوى النوع البشري، فالقانون الأخلاقي يندرج ضمن حالة الإرث الثقافي لبيئة ما من البيئات. وبالرغم من التفارقات، إلا أنه لدينا مجموعة من المبادئ قد اصطلحت عليها القضية الإنسانية.

ترى بماذا يتمايز الأخلاقي عن غير الأخلاقي من الناحية النفسية؟.. هل يمكننا إقامة دستور أخلاقي اجتماعي دون أن نحدث ضرراً على المستوى النفسي للأفراد؟..

-ثانياً: الأخلاق وصراعاتها النفسية الأولى:  

من المعلوم من خلال العرض المقدم، ولأي متفحص لتاريخ البنية النفسية لدى الإنسان سيلحظ على الفور أن الحضارة قد مارست دور (الكبت والحصر)***** على الدوافع الغريزية من أجل إعلاء حاجة بقاء المجتمع، فالحاجة لبقاء المجتمع أشد ضرورة من الحاجة لبقاء أفراد محددين في تلك الجماعة، والمصلحة العامة تتفوق على المصلحة الخاصة، فحدوث (طفرة) أخلاقية إذا شئنا التعبير لدى الأفراد ونجاحها في البقاء يحتم الأخذ بها والتدرب عليها، حيث أن التضحية بالنفس مثلاً من أجل مصلحة الجماعة بالرغم من كونها تمتلك درجة أخلاقية اجتماعية مرتفعة، إلا أنها تسحق إمكانية استمرار هؤلاء الأفراد أحياء. ويمكن القول أن فعل التضحية بالنفس قد أخذ دوره في الطقوس الدينية، وهو يحدث بضغط اصطفائي حتى يكون الناتج السلوكي لذلك الفعل قد تم تمريره إلى الأجيال اللاحقة من أجل أن تحفظ الجماعة بقائها إذا اضطر الأمر.

ومن الناحية الطقوسية الدينية يعتبر فعل التضحية بمثابة قربان يقدم للآلهة، لا بل وأكثر من ذلك فأكل لحم الأضحية يشير بالحصول على القوى التي كان يحوزها لحم وجسد الأضحية، وما تلك الوليمة الطقسية إلا اقتسام هذه القوة الفائقة وتحولها باتجاه أفراد العشيرة المميزين، وهي ذات جذور موغلة في القدم بالنسبة للإنسان، لذلك يمكن الفهم بأن التضحية واقتصارها رمزياً على حيوان مقدس ذا ارتباط وثيق بمفهوم القوى المقدسة، وبذات الوقت فقد ارتبط بقاء تلك العادة بانتقالها إلى سلوك أفراد معينين ضمن الجماعة يجترعون المعجزات، وليس أدل على التضحية الفردية البطولية من أسطورة بروميثيوس الذي ضحى بنفسه وجسده من أجل سرقة النار، ولاقى مصيراً تراجيدياً جراء ذلك. ويعتبر هذا تحليلاً للقصة الميثولوجية من الوجهة الظاهرية، فحصول بروميثيوس على الشعلة (المقدسة) هو انتصار ايجابي على العقدة الأوديبية.

وتأسيساً على مفهوم العقدة الأوديبية، وإذا كان الشعور بالذنب أو الإثمية feeling guilty يعد محركاً أساسياً لظهور أنواع من السلوك الفردي يحظى بالرضا من قبل الأنا الأعلى، فهذا يعني بشكل ما أن العقدة الأوديبية تم تمايزها عبر مجرى التطور لتصبح قوة محركة يستخدمها الأنا الأعلى من أجل تحقيق نظامه (الأنا الأعلى) في الانقياد والطاعة للأنا الفردية.

ويمكن الاستطراد في ما سبق بأنه كلما زادت القوة التي يستخدمها الأنا الأعلى في تبكيت الأنا، كلما كان التوتر بينهما أشد. وهذا بلا شك يمنع ويحول دون تصريف (الليبيدو)****** في أبسط تجلياته، حيث أن زواج المحارم حظي بالتحريم والتقييد من قبل الأنا الأعلى إلى درجة كبيرة مستخدماً الأنا الأعلى مقولة: ستشعر بالذنب والندم كما شعر أوديب في سفاحه أمه وما كان منه سوى أن فقء عينيه حتى لا يرى سوءة فعله بعد أن خالجه الندم والإثم. هذا من جانب ومن جانب آخر كان الأنا الأعلى مضطراً لذلك تحت الضغط الاصطفائي بأن الزيجات والأبناء من هكذا حالة ستقوي الجينات المتنحية وتتسبب بحدوث طفرات مهلكة لأفراد المجتمع البدائي، وانحسار عدد أفراده بدل أن تؤدي إلى زيادته وتنوعه، ويبدو أن ذلك حدث بصورة ما خلال عصور ما قبل التاريخ، بهذا الشكل تبدو مسألة زواج المحارم أمراً غير مقبول أخلاقياً باعتباره إثماً يتوجب عدم الوقوع فيه. ستسعى الأنا في أن تتدبر أوامر ونواهي ذلك التنظيم الاجتماعي البسيط. وسوف يتم بناء الدوافع الذاتية لدى الأفراد بناءً على مقتضيات الفرد والجماعة معاً، وسيجري تنظيم بعضها بأنواع من السلوك الاجتماعي.

لذلك فإن الغريزة ستغدو في مواجهة مباشرة مع العقل الواعي ذو الإرادة والنية (القصدية intention)، وهذا معناه أن هنالك حرباً داخلية ضمن ذوات الأفراد، منها ما هو محسوس أو شعوري، ومنها ما هو غير محسوس مباشرة أي لا شعوري، وكلما كان التوتر أشد في التوفيق بين مقتضيات ومتطلبات الأنا وضرورات الدوافع، جرى كبت هذا الخطاب الشعوري وهبوطه إلى مستويات اللاشعور، ومن ثم سيرتبط بذات الوقت مع مجموعة من الرموز من العالم الخارجي، وستغدو لدى الإنسان تلك الحياة الداخلية اللاشعورية، التي  تمارس تأثيرها في حالات اللاوعي (الأحلام والخيالات …) وفي هفوات الوعي حال اليقظة.

هذه الرموز التي يستعين بها اللاشعور من العالم الخارجي ذات ضرورة نفسية، لأنه لا يستطيع الإفصاح بوضوح عن مكنونات الحاجات الغريزية الفجة أحياناً بشكل مباشر، لذلك فإنه يلجأ إلى التورية والتكثيف عبر الرموز، والتي تتجلى في كلمات أو أرقام أو أشكال أو أشخاص الخ .. والسبب في ذلك هو آليات الكبت، إلا أن الآلية الدينامية اللاشعورية لا تفتأ أن تعبر عن وجودها، وما يجري في ساحتها وانطباعاتها عن العالم الخارجي وذلك عبر الأحلام.

بلا ريب ستظهر تجليات الغريزة وقد حوصرت من قبل القوى الواعية في العالم الخارجي، وقد نُظمت الدوافع وفق محددات اجتماعية، ويظهر أن المسألة الأخلاقية هي حاجة (دينية اجتماعية) في المقام الأول. إن القفزة التي حققها العقل البشري في بداية الحضارة إذا شئنا التعبير هي قفزة على الغريزة (برغسون)، وفي تلك الأزمنة تم فهم مواضيع كالخير والشر والظلمة والنور والوحدة والكثرة والجمال والذكورة والأنوثة وسواها .. الخ. ويجب أن ننتبه إلى أن الفطرة الإنسانية على نحو ما يذكر (اريك فروم) هي ذات ارتباط وثيق بما يحقق التواؤم والوحدة والإيثار أكثر من التنافر والأنانية، وإن بدت تلك الفكرة عكس ما هو شائع عن عصور ما قبل التاريخ، فما أضر بهذه الفطرة الإنسانية هو وسائل التحضر (فروم)، فحينما يتواجد العقل الجمعي فإنه لا ينفي العقل الأناني الفردي، بل إنه يأخذ في التعامل معه كمعطىً طبيعي، على عكس الأنانية الفردية التي ترى في كل ما هو جمعي تهديداً لها.

إذا كان فعل الخير والإيثار يحقق الشعور باللذة والرضا عن الذات، والقيام بالإثم وأفعال الشر يحقق شعوراً بالألم واحتقار الذات، فهل يمكن عدّ الشعور باللذة والألم منبعان شعوريان لأخلاق الخير والشر ؟..

نعتقد بأن تلك المسألة حالة نسبية تتفاوت بين الأفراد وحتى الجماعات في الزمن الواحد، فما بالك بتاريخ الإنسان ؟.. ويمكن القول بدلاً من ذلك، إن أي سلوك لدى فرد ما في جماعة ما في بيئة وزمن محددين يحقق ويصون بنية الأنا وتموضعها في الوحدة الاجتماعية دون اغترابها، يمكن عده سلوكاً محموداً ومطلوباً من الوجهة الاجتماعية والنفسية، وبذلك يمكننا أن نتلمس قيماً عامة تحقق هذا العامل دون سواها، وهو ما يمكن أن نطلق عليه فعلاً أخلاقياً إيجابياً، ومعنى إيجابي هنا، أن سلوك الأفراد أمتلك القدرة والدافعية وبذات الوقت حقق المطلب الجوهري للنفس الإنسانية على نحو ما.

-تضمينات فلسفية أخلاقية  (الضمير والإلزام الأخلاقي) :

يرد في  تعريف الأخلاق moral  لغوياً: بأنها جمع خُلق، وهي العادة والسجية والطبع، وعند القدماء ملكة تصور بها الأفعال عن النفس من غير تكلف وفكر. كذلك فإن جمع الأفعال سواءً كانت محمودة أو مذمومة فهي من الأخلاق. فإذا كانت محمودة كانت أدباً، ويمكن تقسيم الأخلاق إلى الأخلاق النسبية، وهي التي تخص مجتمعاً معيناً في زمن معين، أما الأخلاق المطلقة فهي نظم وقواعد السلوك، والتي يمكن عدها مرجعاً مقارناً في كل زمان ومكان، وتشمل الناحية السلوكية بمنحاها النظري والتطبيقي. وفي ذلك فإن (ديكارت) في كتابه (مقالة في المنهج) يميز بين نوعي الأخلاق المطلقة المستندة إلى مبادئ كلية عامة، والمبنية على مبادئ فلسفية وأخلاق مؤقتة نسبية تصلح للحياة في زمن معين فقط. أما (دوركهايم) فيعتبر الأخلاقي لا يكون سوياً في مجتمع معين إلا إذا كان شائعاً في العدد المتوسط من المجتمعات الأخرى التي هي من ذلك النوع من المجتمع. (1)

ومن نافل القول أن المسألة الأخلاقية الواحدة  يجب أن تحقق مبدأ الوحدة والبساطة، بمعنى أن تصطلح عليها الكائنات الإنسانية في تعاملها مع بعضها البعض، ومع البيئة من حولها. فلا يكفي أن نقيم نظاماً أخلاقياً خاصاً بالبشر دون أن نراعي الأخلاق البيئية مثلاً، وبقدر ما تملك هذه المبادئ من البساطة والوضوح بقدر ما تكون صحيحة. إن الأخلاق البيئية هي الأخلاق التي تتولد من فهم مضمون العلاقة الجوهرية الوظيفية بين الكائنات الحية سواءً في عالم الإنسان أو غيره من الكائنات الحية، ولا يتحقق ذلك إلا وفق نظام بيئي محدد، فيكون الإنسان محسناً لأخيه الإنسان، ولكائنات وموجودات كوكبنا من خلال احترامه لهذا التوازن البيئي، فكما نحن بحاجة أبناء جلدتنا من البشر، نحن أيضاً بحاجة الأوكسجين الذي تطلقه الأشجار في غاباتنا.

على ما ذكرنا وأكثر يتولد حالة من الإلزام الأخلاقي الذاتي، والذي لا يتأتى إلا من خلال المعرفة والتفسير لجوهر النظام البيئي. إن هذا الإلزام هو الأقوى في الحضور والأكثر شمولية والصالح لكل زمان ومكان، وبقدر ما ترفد المعرفة الأخلاقية بالمزيد من المعرفة بقدر ما تكون مبدئية وجوهرية، والعكس صحيح، فإذا تخلت المعرفة عن واجبها الخلقي أمست نسبية ومحدودة أكثر. ينتج عن الإحساس بهذا الإلزام الأخلاقي حالة من المسئولية الخلقية، فعندما تتحقق لدي القيمة في ما أفعل وأفكر (القيمة الأخلاقية) فهذا يوجب أن أكون مسئولاً عن جدوى ونتائج تلك القيمة، وما التجارب البشرية عبر التاريخ إلا بلورة لهذه المفاهيم والقيم من أجل أن تُصان ويعتني بها الإنسان، وهو بذلك سيقيم نظاماً أخلاقياً يكفل العدالة والمساواة بين الجميع.

في هذا المجال يبرز لدينا السؤال عن حالة الإلزام الأخلاقي الذاتي، من أين تتأتى ؟.. لعل أبرز قضية ذات علاقة هي قضية الضمير Conscience، ويمكن النظر إليه على أنه ملكة فطرية أو (غريزة Instinct) فيها يدرك الإنسان الجميل والقبيح من الأفعال ويصاحبه القدرة على إصدار أحكام أخلاقية مباشرة، وهو الصوت الداخلي الآمر أو الناهي، يقول (روسو): “الضمير صوت النفس، الهوى صوت الجسد”. J.J. Rousseau، Emili، 4e Partie، P.384، Garnier ويمكن عدّ الضمير بأنه المسئول عن حالة اللذة والارتياح، أو الندم والألم عن جزء من الأفعال. (2)

ويمكننا أن نستطرد قليلاً في إشكالية نشأة الضمير، فقد اعتبره من قالوا بحدسيته قوة فطرية لا تقبل تفسيراً، وفي مقدمة هؤلاء (كانط)، ورأى العقليين إمكانية تفسيره عقلياً، أما من قال بفطرية الضمير بأنه كامن في طبيعة البشر ، ندرك الشر والخير حدسياً دون خبرة واقعية ، وأنه قوة عقلية ناجمة عن نمو العقل العملي، أما التجريبيون فهم يتعاملون مع الضمير بأنه الشعور بالألم عند عصيان الواجب، وقد أيد ذلك (جون سيتوارت مل J.S.Mill) وأضاف تلميذه (ألكسندر بين A. Bain 1903) أن شعور الإنسان بهذا القانون يبدأ منذ الطفولة في صورة الأوامر والنواهي الناجمة عن عملية التربية، ومنها اقتران العصيان بالألم والخوف من اقتراف الشر. وأن الضمير ناشئ عن مصلحة الجماعة التي ينتمي إليها الإنسان، وهو مرتبط بآداب المجتمع، وفي هذا يقول (كارلايل) 1881 :” إن الضمير يظهر عندما تنتهك حرمة الآداب العامة، ويرتاح أو يضيق وفقاً لالتزام الإنسان بعادات الجماعة التي يعيش فيها “. ومن الناحية التطورية يمكن القول أن القيم الأخلاقية تخضع بدورها للتنازع على البقاء لانتقاء الصالح منها، لذلك فالحياة الأخلاقية في تطور مستمر، وهذا رأي (ليسلي ستيفن 1904 وَ صموئيل الكسندر 1938). كما أن المثل العليا تتصارع وتتنازع ويبقى الأصلح منها تمشياً مع قانون الانتخاب الطبيعي، لقد بين علماء الاجتماع والتطور، أن المجتمعات البشرية قد تبينت من خلال تجربتها أن بعض الأفعال تحقق لصاحبها منافع شخصية، وتثير في نفسه وجداناً ساراً، فيمسي ذلك خيراً، وعكس ذلك كان الشر، ومع تطور الزمن توّلد في الفرد ما سمي بدافع فطري أو غريزة تجنح بصاحبها إلى استحسان أفعال، واستهجان أخرى دون تفكير فيها، ذلك أن المجتمعات البدائية عاشت تحت ضغط تقاليد وأوامر الكف والتحريم ضماناً لبقائها وصيانة مصالحها فحرمت خيانة الوطن، وأوجبت على النساء الإخلاص لأزواجهن، ومنعت الاستبداد واغتصاب الأملاك، وعلى ذلك نشأ الشعور الأخلاقي ..(الضمير). (3)

كذلك يمكن القول إن الضمير بمعنى ما – شعور بإلزام خلقي يحدد ما ينبغي إتيانه أو تجنبه من الأفعال، وهو يتمثل في الخضوع لسلطة القانون، والإنسان قانون نفسه، لأنه غاية في نفسه، واستقلال الإرادة يعني حرية الإنسان في ما يقول (كانط): فالإنسان كائن حر لأنه يشرع لنفسه، ويقيد سلوكه بنفسه، ومن ثم كان الجبر الذاتي self-determination. (4) D ، Arcy ، op، cit.، P.138-9.

لذلك يبدو الإنسان مقيد بطاعة القانون احتراماً لانسانيته، وهذا الشعور بالإلزام هو حريته واستقلال شخصيته. وعلى هذا تترتب المسئولية عن الأفعال، وبها يأتي تأنيب الضمير عند اقتراف معصية، والشعور بالندم بسبب أنه كان بمقدوره أن يختار بمحض حريته اجتناب ارتكابها. ومع أن السلوك الخلقي لدى (كانط Kant) يصدر عن العقل الخلقي وحده، وهذا مبدأ لا يتعلق بوجدان أو عاطفة مما يتصل بطبائع البشر مع أن السلوك الصادر من الوجدان قد يكون أنبل من سلوك يصدر عن العقل. ويغالي (كانط) بأن يوجب أن يؤدى الواجب بغير شعور بالمحبة، وبلا أي باعث بالميل نحوه، وهو بذلك يستبعد الوجدانات والعواطف والميول باعثاً على أداء الواجب. (5)

ويجب أن ننتبه أن الكثير من الأفعال الإنسانية في حياتنا العادية تعتبر صواباً أو خيراً لمجرد أنها استثناءات من القاعدة العامة، فالاستشهاد والفداء من أجل الوطن، هو خير بالرغم من أننا لا نستطيع تعميمه على الناس أجمعين. كذلك فالأخلاقية الصحيحة لا تستقيم إلا إذا حفظ التكامل بين الفعل والإحساس، فالقانون الأخلاقي يتمشى مع منطق العقل لا محالة، ودون أن نطلب بالحدّ من الحسّ أو إغفال نوازعه. (6)

-الإيثار، النشأة التطورية والمجتمع:

لرب قائل بأنه لو اقتصر دور الانتخاب الطبيعي على تحقيق المنفعة الفردية، لما وجدت أخلاق، لأن قمة الفضائل الأخلاقية هي: الإيثار الذي قوامه الإحساس بالمسؤولية تجاه الصالح العام. وهذا ما تناوله (هكسلي Huxlley) وكانت المشكلة هي حل لغز ظهور العمل الإيثاري بين أفراد أنانيين أصلاً، وكيف أمكن للانتخاب الطبيعي أن يحقق صفة الإيثار إذا كان هدفه تحقيق مصالح الفرد ؟ .. ومع أن (اوغست كونت) قد صك مصطلح الإيثار للدلالة على نزعة الاهتمام بتحقيق الخير للآخرين. حيث أن ممارسة السجية الأخلاقية هي فعل سلوكي يتوقف نجاحها على عاملين متكاملين هما: الغريزة ممثلة بالاستعداد الوراثي، واكتساب الخبرة– التدريب. وقد أبرز علماء بيولوجيا المجتمع sociobiology  وفي مقدمتهم (هلدين Haldane  وَ هاملتون (Hamilton  بأن سلوك الإيثار يعتبر من أفضل ثمار الانتخاب الطبيعي، لأنها مقترنة برفع كفاءة التركيبة الجينية لكلا الطرفين  (المؤثر altruist والمنتفعين بالإيثار beneficiaries كالذرية والأقارب. (7)

يلخص (ارنست مايرE. Mayer) موقفه من الإيثار الشمولي بأنه لم يندثر، بل ما زال متمثلاً في حب الأم أطفالها غريزياً، وفي تحيز أفراد الأسرة للأقارب ضد الأجانب، ويبدو أنه في حالة انحسار ليقتصر في حب الأبوين أطفالهما. ولقد أكد (دارونDarwin )  في كلامه عن عادة بعض القبائل قتل بعض النابهين من أبنائها كقربان “لو أن أمثال هؤلاء الرجال تركوا أطفالاً يرثون نجابتهم، فسوف تتحسن فرص إنجاب المزيد من النوابغ وبخاصة بالقبائل الصغر حجماً، وحتى لو لم يتركوا ذرية، فإن القبيلة تظل محتفظة برابطة الدم بينهم وبينها 1871 “. (8)

نذكر أنه لما تطورت الأسر إلى تجمعات أسرية، ثم إلى مجتمع مفتوح بمعناه العلمي، لزم أن تتسع دائرة الإيثار لتشمل الأباعد مع الأقارب، ثم بدأ الانتخاب يؤدي دوره، فتفنى تلك الجماعات التي بقي الإيثار فيها غريزياً محصوراً في الأقارب، وتبقى الجماعات التي تمارس الإيثار الحقيقي، وقبل نشوء الحياة الاجتماعية كان الضغط الانتخابي يستهدف الفرد ليولّد فيه الإيثار الغريزي المحدد بأواصر الدم، وأصبح في ما بعد يقع على الجماعة وانتخاب فضائل أخلاقية أخرى من شأنها أن تزيد قوة الجماعة، ولو على حساب الفرد. (9)

واستطراداً في مسالة الإيثار يلخص (برتراند رسل Bertrand Russel): ” إن مقارنة المعايير والأعراف الأخلاقية في العالم تكشف لنا أن أنجح المجتمعات هي التي تضحي بمصلحة الأفراد في سبيل المصلحة الجماعية، أو على الأقل تخضعها لها”. نتذكر تعاليم (لاوتسو وَ كونفوشيوس) في اليابان والصين حيث تغيب المصلحة الفردية في مقابل المصلحة الجماعية، فالجزء الاجتماعي (الفرد) يندمج في الكل الاجتماعي، ولا يرى نفسه إلا من خلال الكل. على العكس منه في البيئات الشرقية العربية، حيث تتأسس الحياة الاجتماعية والسياسية، وحتى التنظيم الأخلاقي (القانون) وفق رغبة الفرد ذو السلطان. فالأنا السلطوية الحاكمة هي المشرعة بدءاً من المنزل والمؤسسة الاجتماعية وحتى مؤسسة الحكم. وأسباب ذلك عديدة منها: أنها(الأنا السلطوية) محاطة بهالة من القدسية، وتتمتع بالنفوذ السلطوي الثقافي، إضافة للعامل الاقتصادي ومنها على سبيل المثال (مصر القديمة) ومعظم الأنظمة السلطوية الحاكمة في البيئات العربية إن لم يكن كلها، وتلك سمة ثقافية بنيوية للمجتمعات الإسلامية. لذلك تبدو المجتمعات ذوات الفلسفة الشرقية ذات قابلية أكثر في التعاطي مع المسائل الأخلاقية والاجتماعية باعتبارها ناتجاً لتطور الجماعة من خلال حركتها في التاريخ، لذلك هي تُعنى بالتجديد ورصف واحداتها الاجتماعية على مبدأ الكفاءة الفردية من اجل الكل. أي إعلاء الإيثار الشمولي وتضييق (الأثرة – الأنانية) الفردية، وبالرغم من كونها قد تبدو غير ديمقراطية، إلا أن هدف الصالح العام حاضر في ضمير الأفراد، وفي بنية فكرها الفلسفي والاجتماعي.

ومن ناحية أخرى يصّر السلوكيون على استبعاد أي دور للفطرة في تشكيل الحسّ الأخلاقي، ولكن أصحاب الرأي المضاد يرجحون وجود عامل جيني يولد مع الفرد ويوجه تصرفاته. وفي العقود الأخيرة تجمعت شواهد تبين أن القيم الأخلاقية تكون نتيجة عاملين: النزعات الفطرية، والتعليم الذي له الدور الأخير في خلق الحسّ الأخلاقي لدى الأفراد. والقدرة على التعلم تتناسب إيجابياً مع قابلية الفرد لاعتناق أعراف جديدة تسد ثغرات النقص في المبادئ المتوارثة أو تحل محلها جزئياً. (10)

وفي موضع آخر يذكر (هنتر ميدHunter mead ): “وهكذا عندما تدرس الأخلاق المعاصرة اليوم مع العلوم الاجتماعية، نجد ثلاث مواقف ممكنة إزاء هذه العلوم ومعرفتها المتراكمة، ففي الطرفين القصيين نجد المذهب الحدسي، ومذهب الشك، كليهما ينكر أن نستطيع استخلاص القيمة والإلزام من الواقع الاجتماعي أو الأنثروبولوجي (التطوري)، ولكن بينما أحدهما يعود إلى الإدراك الحدسي للحقائق الأخلاقية الفريدة الواضحة بذاتها، فإن الآخر يظل يؤكد أن هذا مذهب بائس، صوفي، غيبي في أساسه، وكليهما ينظر إلى الآخر على أنه غير صحيح”. (11)

 -خلاصة واستنتاجات خاصة بالبيئة الثقافية العربية:

بداية إذا شئنا التعبير يمكن تقسيم البيئة العربية ومجتمعاتها عامة إلى نوعين: حضرية، وبدوية، والمقصود هنا المرجعية الثقافية لنوعي البيئة، وفي ما يخص الأعراف والتقاليد والإرث الثقافي عامة. في كلا الحالين نرى أن المسألة الفطرية الأخلاقية حاضرة كلما أوغلت في البعد عن المركز المديني، وتجد ربما تشابهات في الأعراف الأخلاقية وتنافراً في غيرها، وفي الزمن الأبكر يبدو جلياً تعاضد الفطرة مع العرف الأخلاقي الاجتماعي، بمعنى أن الفطرة الغريزية المتعلقة بالإلزام الأخلاقي والإيثار مثلاً تعضدهما أنواع السلوك الاجتماعي والأعراف، فكان من السهولة بمكان أن يًنظر إلى سلوك أو عرف اجتماعي على أنه فطري وطبيعي، لكن مع تطور المجتمعات وانفتاحها على الغرب الصناعي والاقتصادي، بدا هناك تفارق واضح بينهما، لا بل كلما انفتحت تلك المجتمعات كلما تلاشى دور الفطرة، وتأكد الشكل الاجتماعي والأعراف الاقتصادية والاجتماعية للحياة المعاصرة، وذلك مرده برأيي إلى جملة من الأسباب:

أولاً:  إن الكثير من الأنماط الغريزية الفطرية الخلقية ذات منشأ تطوري بنيوي، بمعنى أن قيم الإيثار مثلاً فرضتها حاجات بقاء اجتماعية لدى أفراد الصحراء مثلاً (قيم النجدة والإغاثة والعصبية ..إلخ)، وقد عضدها الأنا الأعلى –الاجتماعي- في الأعراف الاجتماعية لدى القبيلة، ومن ثم باتت في بنية الثقافة العربية الإسلامية، وذلك بسبب أن أُس تلك الثقافة ينبع من الإرث البدوي لحملة الدين الإسلامي. لكن عندما يغدو الأنا الأعلى في الطور الحضري ، وذلك منذ تأسيس الممالك ذات الحكم السلطوي الشمولي اللاحق مصدراً لكل أنواع التبكيت (الكف والكبت) ويرتدي هذا الأنا الاجتماعي ثوب القدسية، ستغدو كل قيمة مفروضة من قبله هي بمثابة تبديد لطاقة هذه الفطرة الغريزية، وسيغدو الشك واضحاً، عندما تصطدم تلك الفطرة الأخلاقية بأنماط العلاقات الاقتصادية للبيئات الغربية في الزمن المعاصر، وسيخبو صوت العرف الأخلاقي الفطري، كلما أصر الأنا الأعلى أنه صورة قدسية لهذه المثل، بذلك تنتقل دينامية الأنا الأعلى من طور الأوامر والنواهي النفسية إلى طور الإجبار القسري  السلوكي في مجموعة من الأشكال الحركية والوضعيات والأقوال والاعتقادات الجاهزة والمعدة لكل أنواع المواقف. من هنا يفقد الأنا الأعلى تدريجياً قدرته في إقناع الأنا بأوامره ونواهيه. ويبدو من وجهة نظر الأنا الفردية أنه يسعى لالتهامها  بمجملها دون إعطائها فرصة للدفاع عن ذاتها.

ثانياً: بالنسبة لموضوعة الضمير، فعندما يتولد دافع فطري في استحسان أفعال أو استهجانها، وعندما تنحرف الحاجة الفطرية بتأثير من الخارج الناجم عن عوامل اقتصادية أو سلوكية، بحيث يظهر أن بعض المظاهر السلوكية التي يستحسنها الضمير تصبح مصدراً للشك في كونها تجلب اللذة لصاحبها، فإن أنواع السلوك هذه تكون مهددة بالألم والإبعاد من الدائرة الاجتماعية في زمنها الحاضر، كونها توصم بأنها: بدائية – غير متحضرة – فجة – غير متمدنة- غير مناسبة للشكل الاجتماعي، ويؤخذ في ارتسامها على هذه الصورة في الإعلام والتسويق الثقافي الزائف. إذ ذاك يتعرض النشء لحالة من التناقض الفكري حتى في حال تأييد بعض الأسر والمجتمعات المحلية لأنواع السلوك الفطرية، حيث ينظر لها نظرة شك وريبة، والسبب: أن هذا الضمير في طور تشكله وتطوره عبر التاريخ لم يترك وشأنه، بل كانت هناك النواميس الدينية المكتوبة، حيث يجب أن نتذكر أن الضمير مرهف – خجول – طيع، وهو بذلك يمتلك في ديناميته قدرة هائلة من التعاطف والتعاضد مع حاجات الطبيعة الإنسانية، فيثير اللذة في بعض الأفعال التي تسمى خيراً، ويؤنب بعض الأفراد على أفعالهم التي تدعى شراً، وهو بذلك قوة فوق وقبل القانون المفروض اجتماعياً. بمعنى أن ضميرنا الخلقي قدر راوح بين القبول الفطري والإجبار الاقتصادي الاجتماعي (الديني) دون أن يتبنين في موقعه من حركة التاريخ حتى يكون سيد الموقف والحكمة.

ثالثاً:  ولا يغرب عن البال أن ضياع الدور الحضاري للعرب في صناعة المعرفة، اقتضى حدوث تشظي في مفهوم الهوية الثقافية والأخلاقية بسبب اغتراب هذه الذات عن سياقها الموضوعي التاريخي، بمعنى أن البيئة العربية هي مستهلكة لكل منتجات الحضارة الغربية بدءاً من أبسط الوسائل التكنولوجية وانتهاءً بالقيم، إضافة إلى الجهل شبه التام بتاريخ الأفكار والنظريات العلمية والفلسفات والانجازات والكشوف إلا في ما ندر. وخريجو الجامعات على الرغم من كثرتهم فهم يفتقدون على نحو جوهري أسس التعليم الأكاديمي البحثي الجيد، وتغيب مؤسسات البحث في أغلب البلدان العربية، ناهيك عن أن البحوث العلمية السنوية للعالم العربي لا تصل في أعلى مستوياتها حتى لبلد مثل تركيا، ويغدو في المخيال الثقافي الشعبي دور العلم ثانوياً أو غائباً عن ساحتها الاجتماعية، لا بل تحتله الخرافة والأساطير الشعبية بدلاً من الحقيقة العلمية. يتبع ذلك أن منظومة الأعراف والأخلاق الاجتماعية لم تنجز بعد مشروعها الحضاري، بمعنى أن القيم الأخلاقية الفطرية لم تتعدل وتترسخ في صلب البنيان الاجتماعي، بسبب الانقطاع في تسلسل نمو وتطور المجتمعات العربية عند ارتطامها المفاجئ بالحضارة الغربية منذ أيام محمد علي باشا وإلى اليوم.

رابعاً: إن كان من سلطة لأي مجتمع متحضر فيجب أن تكون أولاً الولاء تجاه القانون الذي تضطلع الدولة في سنّه على النظام الاجتماعي، وهذا القانون يجب أن يكون مستوحى من جوهر التعاليم الأخلاقية (الوضعية بمعناها النسبي الزمني)، فالقانون في المجتمعات الغربية هو محصلة لتطور الأخلاق السياسية، على العكس من المجتمعات العربية التي كانت تحيى  في ظل النظام الإقطاعي لتجد نفسها فجأة مطالبة عبر نخبها الاجتماعية والسياسية بسن قانونها ودستورها للدولة الحديثة. وهذا ما أبقى العرف الاجتماعي حاضراً ذا قوة وسلطة أكثر من سلطة القانون الوضعي في أغلب البيئات العربية، فانتهاك العرف الاجتماع هو اشد تأنيباً للضمير الاجتماعي من انتهاك قانون الدولة، ذلك أن العرف الاجتماعي يرتبط عضوياً بالغريزة الفطرية لهذه المجتمعات.

خامساً: إن فقدان الهوية الحضارية بالمعنى الفكري والإبداعي، وتبدد وعود الأنظمة القومية الثورية، والإيغال في الاستبداد السياسي والاجتماعي والفكري، كل ذلك، وأكثر خلق فجوة، وهوة عميقة أصبح من المتعذر ردمها، أو تحاشيها، فبعد أن كان المجتمع يعيش حالة من الإنكار وثنائية المشاعر بين واقع مؤلم وفارغ روحياً ومادياً خصوصاً بعد انهيار السلطنة العثمانية، وبين انتظار وشوق (للمهدي أو المخلص) المنتظر، وبعد أن كان الأب راعياً وحامياً وملهماً (يتجلى ذلك في العديد من موروثاتنا الأدبية والتراثية والدينية والسياسية)، أصبحنا اليوم أمام جدار جماهيري رافض لسيد العشيرة الظالم، ويمكن أن نفكر بمجموعة من القيم والأفكار الرمزية التاريخية والشخصيات بأنها كانت حاملة لهذا القناع على غير وعي منها، أي مفهوم السلطان والسيد والأب الحامي، ذلك أن المجتمع هو من فرض حتمية هذه المسئولية الأبوية. لقد وجد هذا الأب نفسه رهين محبسين، بين واقع تتكشف فيه هزائمه في كل يوم ابتداء من تاريخ النكبة الفلسطينية، وحتى حروب الأقاليم العربية الداخلية، وبين قناع ملامحه النفسية، وهذا ما أتاح السبيل لكل أنواع اليوتوبيا (حلم بالخلاص)، التي يعلنها على الدوام أنها النجاة من كل ش. لكن النقطة المفصلية هنا.. من سيقتل هذا الأب؟.. هل الأبناء الطامحون في ظل الثورة، والذين (من المفترض) أن يعيدوا وضع أخلاق جديدة، لا للقتل، ولا للهدم، ولا لطغيان جديد؟.. أم أبٌ أقوى وأعتى من عشير آخر..!

سادساً: إن التخلص من نير التسلط والاستبداد يتم بالفعل، وليس بقوة القول، وعند اكتمال الشخصية الجمعية، فالتمكن من قتل الأب (بالمعنى السياسي) في هذه الحالة دون نضوج هذه الشخصية، سيطلق الطاقة من عقالها، فالعاطفة في هذه اللحظة (الاندفاعات) هي سيدة الموقف، وأما العقل، أو الضمير الأخلاقي فيمسي تابعاً مهذباً لها (العراق نموذجاً منذ عام 2003). إن النتيجة المترتبة على ذلك تكون بتوسع دائرة الأنا، واحتلال أراض جديدة من ساحات الأنا الأعلى. إن قسماً كبيراً من المكبوتات اللاشعورية الجمعية (اللاشعور الجمعي) ستغدو منذ اللحظة الأمل المنشود والحرية الكبرى. فالعنف المكبوت والرغبات المحرمة في نظر الأنا الأعلى (ثورة البدائي المتوحش) هي صاحبة الطاقة المنفلتة، وسيغدو الصراع هنا، وقد تجلت فيه مظاهر العصاب الجماعي ملاذاً آمناً لكل ذات خسرت موقعها (تموضعها) الاجتماعي. ولنا أن نتخيل مقدار الفوضى الحاصلة من جراء ذلك !!! وكلما كان حراك هذه الفئة الاجتماعية متواتر ومتلاحق، كلما كانت الطاقة المتبددة من أجل حسم هذا الصراع أعظم.

سابعاً: انعكاس التوجه الزمني في أغلب البيئات الاجتماعية في العالم العربي، أي أن سير الخط الزمني في المخيال الثقافي والاجتماعي متجه نحو الماضي، وليس باتجاه المستقبل، ويظهر ذلك واضحاً في مجمل النشاطات الثقافية والفكرية والتجديدية (حركات الإصلاح والتنوير العربي في القرن التاسع عشر) والمؤسسات التابعة لها. فكلما أردنا النهوض من سباتنا الحضاري، وجدنا أنفسنا في ردهات الماضي، نعيش مخاوفه وآلامه وضياعه من جديد. فالحركة عندنا منوطة بالتجديد الشكلي وحسب، دون التحلي بشجاعة نقد الذات. ونجدنا نسعى دوماً لتجديد الإطار، دون النظر إلى اللوحة ونقد هفوات وأخطاء مبدعها. ويبدو ذلك جلياً أن مذاهب التاريخ النقدية لم تلق رواجاً واستحساناً لدى الذات العربية.

ثامناً: إن مستوى البون الشاسع اليوم بين الفطرة والواقع الأخلاقي الاجتماعي يزداد يوماً بعد يوم، ويجب أن نتذكر أن القيم والأعراف الاجتماعية التي يجري التدرب والتعليم عليها من قبل الأسرة والمؤسسة الدينية لا تجد لها فعالية ووجود على ساحة السلوك الاجتماعي بسبب:

-إنها لا ترتبط اقتصادياً وثقافياً بالطريقة التي تتفاعل فيها شرائح المجتمع، فالعلاقات ضمن المؤسسات في الدولة والمجتمع قد أصابها الخلل، وتشظي حالة المسئولية العملية الأخلاقية، فأصبح الأفراد المرتبطين عضوياً بالمؤسسة التربوية الاجتماعية والاقتصادية للدولة مثلاً، متجاوزين للأعراف الأخلاقية المهنية والفطرية أيضاً، وغزا الطابع الاستهلاكي المباشر منظومة الأخلاق لديهم.

-صحيح أننا أنتجنا موارد بشرية هائلة في شتى المجالات، لكن بدون رعاية أخلاقية، حيث أن أغلب هؤلاء الأفراد لم يتضح لديهم العُرف الأخلاقي للمهنة، وواجب العمل، وغزا الشكل محل المضمون في التلقين والتدريب والتربوي.

-انكماش دور التثقيف الجمالي، وهذا لا يتأتى إلا عندما تأخذ المؤسسة الثقافية زمام المبادرة في خلق أجيال تقدر وتُثمن قيمة المعرفة وجمالها وأهميتها في الارتقاء الروحي والأخلاقي للأفراد، فبقدر ما يتعزز دور الثقافة، بقدر ما يكون لدينا نشء يُعنى بالأخلاق وجمالياتها.

-إن القيمة الأخلاقية مرتبطة على نحو جوهري بالإنجاز المادي للحضارة على نحو أكيد، ونحن هنا نعني الإبداعات والكشوف المعرفية وسواها، هذه الانجازات لم يكن لها أن تكون لولا ارتباطها بالدافعية الأخلاقية للإنجاز والفضول والإيثار في بعض الأحيان، فمثلاً (إدوارد جنر) الطبيب مكتشف لقاح الجدري مثلاً قام بتجربة المصل على نفسه وذويه من أجل أن يضعه بين يدي المجتمع، وذلك قبل أن تكون لديه مؤسسة طبية دوائية تُعنى بهذا الشأن.

-يبدو جلياً وواضحاً تأثير النمط الاستهلاكي السطحي على مستوى الإعلام والثقافة، وذلك مرده أن المجتمعات العربية لم تأل جهداً في تصفية وتنقيح ما تريده لذاتها وهويتها، إضافة لحالة من التعمية العامة والعالمية اليوم في وسائل الإعلام، فتساوى الغث والثمين، عدا عن كمية هائلة من الزيف العلمي والأخلاقي، لا بل أن أحكام التفضيل الجمالي والأخلاقي قد أصابها التشييء والتسليع، وهذا ما يحدث عندما يكون المؤثر ذو طغمة وغلبة سياسية وثقافية وتكنولوجية على المتأثر العربي، حيث يسعى المتأثر لإنكار تقاعسه بأن يرسم لنفسه شكلاً اجتماعياً وثقافياً هشاً دون أن يأخذ بعين الاعتبار القيمة الحقيقية للتحضر.

 الثبت التعريفي بالمصطلحات:

-الهو Id *: هو مستودع الطاقة والغرائز، ويعمل وفق مبدأ اللذة – أي أطلب اللذة بأية وسيلة دون اعتبار للواقع أو تفكير في عواقب وتمثل فيه الغرائز والدوافع اللاشعورية الوزن الأساسيين. وهو يمثل الجانب التاريخي القديم في الشخصية ويصاحب الشخصية كجزء منها، أو كجهاز فيها طالما ظلت حية، ولا يقيم وزناً للمنطق والتفكير العقلاني والظروف الواقعية، ويتسم بمنطق فج بدائي لا يعترف بواقع أو عقلانية. (12)

– عقدة أوديب Oedipus complex **: وهي جملة الرغبات الليبيدية والعدوانية التي يشعر بها الطفل تجاه والديه، وتبلغ ذروتها بين 3-5 سنوات من حياة الطفل، لاعتماد الطفل على والديه يتميز بثنائية الوجدان نحو الوالد من نفس الجنس، وعلاقة الحب الشبقي الحنون معاً تجاه الوالد من الجنس الآخر، ذلك التعلق الذي يتناوله الكبت repression بسبب الصراع الناشئ من اصطدام هذا التعلق بمشاعر الحب والكراهية والخوف التي يشعر بها الطفل تجاه الوالد من نفس الجنس  وهي عقدة أوديب الايجابية، أما عقدة أوديب السالبة عندما يحل التعلق العشقي محل تلك المشاعر العدوانية تجاه الوالد من نفس الجنس، وعقدة أوديب الكاملة فهي ترجع إلى الثنائية الجنسية Bisexuality الموجودة لدى الأطفال والإنسان عامة، ويسلك الطفل سلوك فتاة مبدياً اتجاهاً أنثوياً ودوداً ناحية الأب، واتجاه الغيرة والعداء ناحية أمه. وتقول المحللة الفرنسية ماري بونابرت، أن عقدة أوديب الايجابية موجودة موجبة الاتجاه لدى الصبي سالبة الاتجاه عند الفتاة. (13)

-الأنا الأعلى super ego ***:  وهو جزء من الأنا أصابه التعديل نتيجة اعتناق الشخص وامتصاصه للأوامر والنواهي والمثل العليا والمعايير التي تأتيه من أبويه، ومن يقوم مقامهم في المجتمع. وحسب فرويد فإنه يقوم بثلاث نشاطات : مراقبة الذات، وإقامة المثل العليا، والضمير الخلقي، وهو المتكلم بنزعة الكمال، وهو في حالة صراع مع الأنا بإنماء انفعالات تعلق بالوجدان الخلقي ولاسيما وجدان (الإثم) وانتقاد الذات والتحريم، وتأخذ في بعض الأحيان مبلغاً مرضياً فتجعل الحياة لا تطاق من قلق الضمير. (14)

-الأنا Ego****: إن الطفل لدى ولادته وقبل الاحتكاك بالبيئة الخارجية يكون مجرد (هو Id)، وبالنمو ينصاع لقيود الواقع حتى يتعايش معه، فلا يسحقه الواقع أو يغيره إن هو تجاهله، ويعمل الأنا وفقاً لمبدأ الواقع والقيود المفروضة من العالم الخارجي ومهمته الحفاظ على الشخصية وحمايتها وإشباع متطلباتها بما لا يتعارض مع الواقع وظروفه، ويكون نشاطه شعوري كالإدراك الحسي الخارجي والداخلي والعمليات العقلية، أو لا شعوري كحيل الدفاع أو التوافق من كبت وإسقاط وإعلاء … الخ. ويتكفل بالدفاع عن الشخصية دون (الهو) وحل الصراع بين الكائن الحي والواقع. (15)

-الكبت repression *****: وهو حيلة تلجأ إليها النفس البشرية ويقوم بها الأنا في الشخصية، وتتم بشكل لاشعوري دون وعي بها، حيث يقوم أنا الفرد باستبعاد الدافع النفسي كلية أو استبعاد الذكريات والأفكار والمشاعر من ساحة الشعور- الوعي conscious إلى منطقة اللاشعور –اللاوعي unconscious بها. ولا يحس نتيجة لذلك الفرد بتلك الأفكار. لكن هذه الأمور لا تموت في اللاشعور، بل تظل حية نشطة تعمل للولوج إلى منطقة الشعور، وتظل قوى الكبت لها بالمرصاد حتى لا تصبح شعورية، فتضطر هذه المواد اللاشعورية لالتماس الإشباع، أو التعبير عن نفسها بغير الطريق المباشر، عن طريق الأفكار والتخيلات، أو الهفوات أو مرض نفسي، والكبت مسئول عن النساوة للأفكار والرغبات والمعلومات حتى لا تسبب لنا ضيقاً أو قلقاً. (16)

-الحصر Anxiety*****: ويمكن تقسيمه إلى :

-حصر واقعي realistic anxiety: وهنا يشار ليس لأنه واقعي بنفسه، بل الواقع الذي يشكل الدافع إليه.

-حصر عُصابي neurosis anxiety: والذي ينتج تحت وطأة الدفعات الغريزية من جانب الهو.

-حصر أخلاقي moral anxiety وهو نتيجة خطر داخلي من جانب الأنا الأعلى. والحصر يثير الكبت، ذلك أن الأنا عندما تحس بأن إشباع مطلب غريزي سيثير أحد مواقف الخطر الطفلية التي يتذكرها جيداً، وهو يتصل بالعجز وقلة الحيلة وهو يناظر مرحلة العمر الأولى، وخطر فقدان الموضوع والحب في المرحلة الاعتمادية من السنوات الأولى للطفولة. ثم خطر الخصاء الذي يناظر المرحلة القضيبية، وأخيراً خطر الأنا الأعلى المناظر مرحلة الكمون، ويتحتم على الأنا أن يقمع الشحنة الغريزية الناشبة، ومع فشله فإنه يستبق الأحداث، ويقوم بمحاولة تجريبية بإشباع النزعة الغريزية، ويعينها على استعادة المشاعر الأليمة التي تتعلق ببداية موقف الخطر. (17)

– الليبيدو Libido  ******: يشير في أصله اللاتيني إلى الرغبة أو الشهوة، ويعتبر كمرادف للوجدان الجنسي، وافترض فرويد بأنه يقابل كلمة الجوع بالنسبة للتغذية بما يخص الغريزة الجنسية، أما الليبيدو النرجسي Ego libido ويؤدي تولده وزيادته أو نقصانه وتوزيعاته ما يلاحظ من ظواهر جنسية نفسية، واعتبر فرويد في كتابه (ما فوق مبدأ اللذة) بأن  الليبيدو وطاقة الدافع الغريزي للحياة التي تتوزع بين الأنا فتكون ليبيدو نرجسي وبين الموضوعات والعالم الخارجي فتكون ليبيدو الموضوع، وقد اعتبر الطاقة المتضمنة في كل حب كما يتغنى به الشعراء، إضافة للحب الجنسي، ويعتبر فرويد الأنا مستودع الليبيدو، ويرى أن العلاقة بين الليبيدو النرجسي (الأنا) وليبيدو الموضوعات علاقة عكسية، فكلما زاد أحدهما نقص الآخر. (18)

****

(1)د. جميل صليبا ، المعجم الفلسفية بالألفاظ العربية والفرنسية والانكليزية واللاتينية ، الجزء الأول (بيروت: منشورات دار الكتب اللبناني وَ مكتبة المدرسة 1982)، ص 51-50-49.

(2) المرجع نفسه، ص 764-763.

(3) د. توفيق الطويل ، الفلسفة الخلقية: نشأتها وتطورها ، ط1 (]الإسكندرية[ : منشورات منشأة المعارف بالإسكندرية، (1960، بتصرف من ص 206 إلى ص216 .

(4) المرجع نفسه، ص 223.

(5) المرجع نفسه، ص 250-249.

(6)المرجع نفسه، ص 253.

(7) إرنست ماير ، هذا هو علم البيولوجيا : دراسة في ماهية الحياة والأحياء ، ترجمة  د. عفيفي محمود عفيفي، سلسلة عالم المعرفة 277 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2002)، ص 279-278-277 .

(8)المرجع نفسه، ص 280-279.

(9) المرجع نفسه، ص 282.

(10) هنتر ميد ، الفلسفة ، أنواعها ومشكلاتها ، ترجمة د. فؤاد زكريا ، ط7  (القاهرة: منشورات مكتبة الأنجلو المصرية، 1986 [1969])، ص 345-344.

(11) المرجع نفسه، ص 248.

(12) د. فرج عبد القادر طه و د. شاكر عطية قنديل  و د. حسين عبد القادر محمد و د. مصطفى كامل عبد الفناح ، موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، ط1  ، (]د.م[ : دار النهضة العربية، ]د.ت[)، ص 477.

(13) المرجع نفسه، ص 292-291-290.

(14) المرجع نفسه، ص 64.

(15) المرجع نفسه، ص 63.

(16)المرجع نفسه، ص 374.

(17)  المرجع نفسه، ص 179-178.

(18) المرجع نفسه، ص 368.

****

مراجع  البحث:

-د. صليبا، جميل: المعجم الفلسفية بالألفاظ العربية والفرنسية والانكليزية واللاتينية. بيروت: منشورات دار الكتب اللبناني وَ مكتبة المدرسة، 1982) ج1.

-د. الطويل  توفيق: الفلسفة الخلقية نشأتها وتطورها. ط1. الأسكندرية: منشورات منشأة المعارف، 1960.

– د. طه، فرج عبد القادر وآخرون: موسوعة علم النفس والتحليل النفسي. ط1 .([د.م]: دار النهضة العربية ، [د.ت]).

-ماير، إرنست. هذا هو علم البيولوجيا: دراسة في ماهية الحياة والأحياء. ترجمة د. عفيفي محمود عفيفي.  سلسلة عالم المعرفة 277. الكويت:المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2002.

-ميد ، هنتر : الفلسفة  أنواعها ومشكلاتها. ترجمة د. فؤاد زكريا. ط7. القاهرة: منشورات مكتبة الأنجلو المصرية، 1986.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق