الحنين إلى سنوات سورية الديمقراطية / رضوان زيادة

أصبح الاستبداد العربي موضوع بحث كبير من قبل الباحثين العرب والغربيين، إذ اشتركت الأنظمة السياسية العربية في طبيعة النظام التسلطي الذي حكمها لسنوات طويلة منذ مرحلة ما بعد الاستقلال. واختلف هؤلاء الباحثون في التوصيف الأنسب أو التعريف الأدق “للاستبداد العربي”، أو “التسلطية العربية” (Arab Authoritarianism)، فالدراسات الغربية المتخصصة تطلق عليها عدة مفاهيم، مثل “الأنظمة السلطانية”، بمعنى إلغاء كل أشكال التعددية وبناء حكم فردي مطلق. بعد ذلك، بدأت في التسعينيات محاولات تصنيف الأنظمة التسلطية العربية، عقب الفشل التفسيري للتصنيف القديم القائم على التمييز بين أنظمة شمولية وأخرى تسلطية، فبدأ الحديث عن ما يسمى الأنظمة الهجينة، وهي الأنظمة التي تحافظ على سمْتها التسلطي، لكنها تدخل عناصر مختلفة من التعدّدية السياسية المحدودة، مثل الانتخابات التعددية الشكلية، سواء على مستوى البرلمان أو الرئاسة، أو تعددية حزبية شكلية بدون سيطرة مطلقة لحكم الحزب الواحد، ثم بدأنا في داخلها التمييز بين أنظمة هجينة تنافسية وأخرى تسلطية غير تنافسية، ووجدنا ذلك في العالم العربي من خلال انفتاح جزئي على الانتخابات التعددية في مصر واليمن، مثلا، لكنها لم تغير بنية النظام السياسي.

لكن معظم هذه الدراسات كانت تغفل أو تتجنب دراسة سنوات الديمقراطية، التي أعقبت الاستقلال والتي حاولت خلالها النخب الوليدة تأسيس بنية دولة مؤسساتية تقوم على أسس الشرعية الحديثة ممثلة في الانتخابات واحترام نتائج صندوق الاقتراع عبر انتخابات حرة ونزيهة، ومن أبرز هذه التجارب على الإطلاق تجربة سورية الديمقراطية في الخمسينيات، إذ تُعرف سنوات 1954-1958 في سورية باسم “السنوات الديمقراطية”، وهي فترة قصيرة من الحكم المدني قبل توطيد الحكم الاستبدادي ممثلًا في حكم حزب البعث الواحد في عام 1963 الذي حكم سورية منذ ذلك العام وحتى اليوم.

يحاول كيفن مارتين في كتابه الممتع “سنوات سورية الديمقراطية: المواطنون، الخبراء والإعلام في الخمسينيات” أن يقدم تاريخًا ثقافيًا لهذه الفترة، ويجادل بأن ولادة الاستبداد فيما بعد عبر سيطرة حزب البعث على السلطة لم تكن سوى أمر حتمي.

وفي إطار بحثه عن حرية الإعلام والتعبير عبر وسائل الإعلام المطبوعة، ركز على ثلاث شخصيات عامة، وعلى الخبراء في مهنة القانون والجيش والطب، وكيف لعبوا دورًا في ولادة الحداثة في سورية.

لقد ولت هذه التجربة، وفي النهاية مهما كانت نتيجة هذه الممارسة ومهما حكم عليها بالفشل إلا أنها تقدم نموذجًا للحكم من خلال التجربة التاريخية السورية التي يمكن أن تكون بديلًا عن الديكتاتورية وتبعث أملًا للسوريين بأنه كانت لديهم بذور تجربة ديمقراطية تدعو للفخر يمكن البناء عليها في المستقبل بالاستفادة من الأخطاء التي جرت في الماضي بهدف تجنبها في المستقبل.

كان انجراف العالم العربي إلى الاستبداد في خمسينيات القرن الماضي موضوع مجموعة كبيرة من الكتب والبحوث والنظريات كما قلنا، ويحاول كيفن مارتين في هذا الكتاب تقديم رؤية ثقافية للحالة السورية من خلال تفسيره العميق للمطبوعات الورقية التي ازدهرت في سورية بين سقوط نظام أديب الشيشكلي في عام 1954 وإنشاء الجمهورية العربية المتحدة في عام 1958.

لقد كان أساس دراسته هو بحثه المكثف في مجموعة المكتبة الوطنية السورية من المجلات الأسبوعية والشهرية ونسخ البرامج الإذاعية، وعبر البحث في كتبة الأعمدة والمقالات الأسبوعية واليومية، وهو لذلك لاحظ وجود نوع من الخطاب يطالب بتمثيل من يسميهم بـ”الخبراء” الذين لعبوا دورًا في تطوير مجموعة من القيم كانت تعتبر ضرورية لسورية كي تزدهر في العالم الحديث، إذ يفترض هذا الخطاب إجماعًا حول “التنمية الوطنية” كهدف جماعي، وضرورة أن يعطي المواطنون الأولوية لـ”الواجب” و”التضحية”، بدلًا من الحرية والحقوق الفردية. وهكذا أنتجت الفترة الأكثر حرية في التاريخ السوري خطابًا حدد المواطنة بطريقة تناسب الحكم الاستبدادي عبر التركيز على مفهوم الواجب الجماعي مقابل “حرية الفرد” بالمعنى الحديث وكما تطور مع الفلسفة الليبرالية.

دراسة عن كثب

لثلاث شخصيات

يعتمد الكتاب على دراسة عن كثب لثلاث شخصيات: محام، ضابط عسكري، وطبيب، يمثل كل منهم نوعًا معينًا من الخبرة.

نجاة قصاب حسن محام بارز في دمشق أصبح شخصية عامة مألوفة من خلال إذاعاته في الإذاعة الوطنية وعموده في مجلة مخصصة لتثقيف الجمهور حول النظام القانوني الوطني الجديد. ويعتبر “المحامي الإذاعي” أن الدولة يجب أن تكون محايدة ومنصفة في تنفيذ القوانين.

لقد كان قصاب حسن سوريًا “يعمل من أجل بناء دولة حديثة” من خلال غرس قيم المواطنة في عقول السوريين. إنه كما يصفه مؤلف الكتاب محامي الإصلاح الاجتماعي الذي بنى مهنة في مثل هذا التعليم العام. وطوع التكنولوجيا المتاحة من أجل بناء وإصلاح القوانين التي تبني العلاقات الاجتماعية وبالتالي إصلاح الفرد والأسرة والأمة.

غير أن العديد من السوريين، كما يذكر مارتين، لم يفهموا كيفية عمل القانون وبالتالي لم يكونوا جاهزين للعب دورهم في الحفاظ على نظام اجتماعي مستقر وتقدمي. أخذ قصاب حسن على عاتقه أداء دور أستاذ القانون في الأمة. وكان لبرنامجه الإذاعي “المواطن والقانون” شريحة خاصة، كان يفسح المجال للقراء من أجل طرح بعض الأسئلة في القضايا المتعلقة بالملكية وقانون الأسرة. كما كانت بعض المحاور البارزة من وجهة نظر المحامي هي واجب المواطنين في الإلمام بالقانون وضرورة الاحتفاظ بالوثائق لضمان حقوقهم القانونية؛ كما المسؤولية الخاصة التي يتحملها الرجال للحفاظ على شؤون الأسرة؛ والأخطار على الاستقرار الأسري والاجتماعي الذي يفرضه الرجال على ضعف الشخصية والأخلاق.

لقد ظهر قصاب حسن في كثير من الأحيان في برنامجه الإذاعي وعبر الصحافة ومنشورات أخرى، محاميًا وقاضيًا يحكم في قانون الأسرة (الزواج بشكل رئيسي، والطلاق، والوصاية، والميراث)، وقانون الأحوال الشخصية الساري خلال سنوات الديمقراطية والذي كان يعتمد على الشريعة الإسلامية لمختلف طوائف المسلمين، والقانون الكنسي للمسيحيين واليهود، ومن أجل الأقلية الدرزية.

الشخصية الأخرى التي يدرسها الكتاب كان عدنان المالكي، فقد كان العقيد عدنان المالكي نائبًا لرئيس أركان الجيش السوري عندما اغتيل في نيسان/ أبريل 1955. وتثير دراسة هذه الشخصية الدور البارز الذي لعبته وسائل الإعلام في إثارة الهستيريا الوطنية، وضعف المؤسسات المدنية عندما تتعرض لضغوط لا هوادة فيها من قبل القيادة العسكرية، وتخريب القانون من قبل المحكمة العسكرية الخاصة، ولا سيما اللجوء إلى التعذيب لانتزاع اعترافات. هناك تحول ساخر من شخصية قصاب حسن وإيمانه بالقانون باعتباره دعامة للقوة الوطنية إلى شخصية المالكي ودفاعه عن الوحدة ودور الجيش في تخريب القانون. يتتبع الكتاب هنا المالكي بوصفه بطلًا قوميًا، ثم شهيدًا، ومواطنا مثاليا لا يمكن استبدال تضحيته إلا من خلال اليقظة ضد الخونة والأعداء الأجانب. وكان أحد الآثار الهامة لقضية المالكي هو عسكرة التعريف السوري للمواطن.

لقد لاحظ علماء الفكر القومي منذ أمد طويل أن التضحية، وهي مفهوم ديني، استخدمت بكثرة وعلى نحو خاص في المجال السياسي، لتصبح عنصرًا جوهريًا للهوية الجماعية. إن قوة التضحية تفسر جزئيًا على الأقل السبب الذي يدفع الأيديولوجيين القوميين لاستخدامها بوصفها “دينهم المدني”، فغالبًا ما يفضلون “الموت على الحياة”، ونظرًا للانقسام المفاجئ وانقسام المجتمع السوري ما بعد الحرب العالمية الثانية، فإن النخبة السياسية في البلاد كانت تتجاوب بشكل مضاعف مع روايات الشهداء التي أكدت “التضامن الجماعي”، وبالتالي استبدال الغموض وعدم اليقين بـ “التماسك والمضمون”.

ففي 5 أيار/ مايو 1955، نشرت جريدة “الجندي” في وزارة الدفاع السورية المحاضرة الإذاعية لنجاة قصاب حسن والتي كانت بعنوان “صاحب الراية” في إشارة إلى نائب رئيس أركان الجيش السوري، العقيد عدنان المالكي، الذي اغتيل في 22 أبريل / نيسان 1955، أثناء حضوره مباراة لكرة القدم في الملعب الوطني بدمشق على يد أحد رجال الشرطة العسكرية المكلفين بحمايته. على الرغم من رتبته العالية ومسؤولياته الهامة، لم يكن المالكي شخصية عامة رفيعة المستوى في وقت وفاته. في غضون بضعة أشهر، كان اسمه ووجهه من بين أكثر الشخصيات المألوفة في سورية، حيث احتلت إعادة بناء حياته وموته مركز الصدارة في الدراما المدبرة من قبل الدولة.

ولذلك يبدأ قصاب حسن مقاله بوصف احتفال رسمي في يوم الاستقلال السوري الأول، 17 نيسان/ أبريل 1946. وفي تلك اللحظة التاريخية كرم الرئيس السوري شكري القوتلي مجموعة من الضباط من ضمنهم الملازم أول عدنان المالكي. وبحسب قصاب حسن، فإن الرئيس القوتلي كرم في هؤلاء الضباط مجموعة القيم التي يحملونها.

أما الشخصية الثالثة فهي الطبيب الشهير صبري القباني، الذي كان طبيبًا ومعتمدًا للطب الحديث. فقد كانت الإيرادات من الإعلانات التي تضعها شركات الأدوية الغربية تدعم نشر مجلته اللامعة. وليس من المستغرب أن يكون القباني قد تبنى المنتجات المعلنة كجزء من نهجٍ للصحة يؤكد على معرفة أحدث التطورات الطبية والعلاجات. يقوم الباحث هنا بالتحقيق في أعمدة قباني المخصصة للنصح في المسائل الجنسية، ويتناول في المقام الأول مخاوف المراسلين الذكور، مع التركيز على تعزيز الأخلاق العامة من أجل تحقيق الاستقرار الجماعي. وعبر نصح السوريين بأن الزواج ليس فقط منفذًا طبيعيًا مناسبًا للرغبة الجنسية بل أيضًا يعتبر مفيدًا للفرد والمجتمع.

لم يكن هناك داعٍ بارز للتقدم العلمي في الشرق العربي أكثر من صبري القباني (1908-1973)، الذي شجعت دعوته العامة للتنمية وبناء المواطن من خلال تطبيق العلوم الحديثة والطب على الفترة الأكثر اضطرابًا في تاريخ سورية، من عهد الدكتاتوريين العسكريين، فالتجربة الوجيزة مع الديمقراطية، ثم الاتحاد الفاشل مع مصر، وهيمنة سورية في نهاية المطاف من قبل حزب البعث وحافظ الأسد.

فقد احتلت القضايا الجنسية والإنجابية مكان الصدارة في تبادلات صبري القباني مع قرائه. وإن الجدية التي يسعى بها هؤلاء القراء إلى الحصول على أحدث المعلومات الأولية غالبًا ما تكون مؤثرة جدًا، وتعكس في نفس الوقت حالة عامة من الجهل، وتعرض مجموعة من الطموحات الحديثة النموذجية. كان الجنس سمة بارزة بشكل خاص في هذه التبادلات، حيث كانت أشكال الجنس الأنثوي التي لا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإنجاب غالبًا ما يتم غلقها أو حتى اعتبارها مرضية بحد ذاتها، وكان هذا الاتجاه يتماشى مع بناء المواطن المثالي كموضوع رجولي. وكانت إحدى نتائج هذا البناء إعادة تشكيل مفهوم “الذكورة”.

إن هذا الكتاب على صغر حجمه يدرس ببراعة التفاعلات الثقافية التي كانت في سنوات سورية الديمقراطية، وكيف لعبت دورًا رئيسيًا في تشكيل الوعي الجماعي للمواطنين، وكيف بالنهاية انتهت هذه الثقافة الديمقراطية لتدافع عن قيم الجماعة، التي كان الاستبداد هو أول المستفيدين منها.

Syria’s Democratic Years: Citizens, Experts, and Media in the 1950s

KEVIN W. MARTIN

Indiana University Press, 2015

الكتاب: سنوات سورية الديمقراطية: المواطنون، الخبراء والإعلام في الخمسينيات

المؤلف: كيفين مارتين

مطبعة جامعة إنديانا، 2015

———————————–

عن ملحق ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق