حدود حريّة التّعبير.. تجارب بعض الكتّاب السعوديين (1-2)

1

يورد محمد القشعمي في كتابه (الفكر والرقيب) هذه الحكاية: أثناء إعداد مجلة (التوباد) للتوزيع، اطلع الأمير فيصل بن فهد على العدد الجاهز. يتضمّن العدد قصيدة عنوانها (ماذا تقول الشّجرة لأختها؟) للشّاعر حمزة شحاتة، ما إن قرأها الأمير حتّى طلب نزعها من العدد [1].

إلى الآن لا شيء يلفت النّظر في الحكاية؛ فليس كلّ ما يُكتب يُنشر في المملكة، وهناك قانون رقابة على المطبوعات طالما نُفذ. لكن الحكاية تثير الانتباه حين نسأل: لماذا منعها الأمير؟ ثمّ لماذا الأمير نفسه؟ ما دور رئيس تحرير المجلّة؟ هل هناك ما يريب في عمل رئيس التّحرير؟.

تسكت الحكاية عن إجابة هذه الأسئلة. وعلى أي حال ما يهمّ موضوعي من هذه الأسئلة هو سؤال واحد يتعلّق بالسبب المحتمل لمنع القصيدة من النّشر؛ ليس في هذه المجلة فحسب؛ إنّما أيضا في ديوان الشّاعر الّذي طبع بعد وفاته وبإشراف لجنة يشرف عليها الأمير عبد الله الفيصل؛ وإذا ما عرفنا أنّ الأمير عبد الله الفيصل شاعر فإنّ في هذا الإشراف ما يدفع إلى أنّ هناك شكوكا حقيقيّة في شعر شحاتة. صحيح أنّ الشّاعر مات لكن شعره لم يمت. شعر حيّ لا يأمن الأحياء ُجانبه.

على ما يبدو أنّ رئيس التّحرير (إن أحسنا الظنّ بحكم مسؤوليته) فهم القصيدة فهما حرفيا؛ أعني أنّه فهم القصيدة على أنّها مجرد شجرة تتحدّث مع شجرة أخرى. وربّما فهمها فهما جماليا؛ أي أنّه غلّب جمال القصيدة على رسالتها، وإن لم نحسن الظنّ فقد وافقت القصيدة هواه.

في المقابل فهم الأمير القصيدة فهما مختلفا. وبالفعل فالقصيدة قابلة لأن تؤوّل على النّحو التّالي: دعوة إلى الثورة على الاستبداد. تتكرّر هذه الدعوة خمس مرات في خمسة مقاطع من ثمانية (بل دعينا نثُر على تربة الضيم فإنّ الحياة فوق التلاع) (فلْنثر ولْنمت فما أكرم الموت إن لم نعش أحرارا) (آن يا أخت أن نثور فقد عشنا طويلا على الرّجاء المضاع) (فلْنثر إنّ في السّماء على الحقّ غيورا يبارك الثوار) (إيه يا أخت فلْنثر ولنحطّم كلّ قيد ولْنسْتبق للفداء).

نحن إذن أمام فهمين مختلفين لقصيدة واحدة يؤدي أحدهما إلى نشرها ويؤدي الآخر إلى منعها. فإلى أي فهْم نميل مع ما يترتب على ميلنا؟ وما علاقة ما نميل إليه بحريّة التّعبير؟ أيّا كان ميلنا فإنّ الحكاية توجّه إلينا أسئلة تتعلّق بقيمة حريّة الكلام، والحدود الّتي ينبغي أن تعيّن لحدود حريّته. وهي أسئلة إشكاليّة ما فتئ الفكر السياسي الحديث يداورها ويراودها. فالرّاجح أنّ فيلسوف الحريّة جون ستيوارت مل سيمنع نشر القصيدة؛ لأنّها دعوة إلى التّحريض على العنف[2]. لكن في الوقت ذاته فقد يسمح بنشرها؛ فحريّة الكلام الشّاملة شرط السّعادة كما يقول.

هذا التّردد الّذي دفعنا إليه الفيلسوف مرده إلى الأهميّة البالغة لحريّة التعبير من جهة، وإلى الضّعف الشّديد الّذي قد تصل إليه حدود حريّة التّعبير من جهة أخرى. فالأسئلة الّتي عرضناها والإجابة الّتي اقترحناها تظهران لنا أن الموقف في الحكاية ليس سهلا؛ فقد تظهر عواقب وخيمة لحريّة التّعبير، لكن العواقب الوخيمة تكون قد حدثت فعلا عند الحرمان من حريّة التّعبير. ثمّ إنّ هناك صعوبة تظهرها لنا الحكاية وهي صعوبة تحديد الاستثناء المقبول لحريّة التّعبير والاعتبارات الّتي قد تحبط أيّ افتراض في حقّ قانونيّ أو أخلاقيّ مطلق الحريّة.

2

لا يوجد سلطة ترضى باختراق تقاليدها. وهذا ما يعيدنا إلى القصيدة لاسيّما معجمها الثوري كالإنكار والحريّة والثّورة والظّلم والقهر والهوان والضّيم؛ وهو معجم يغير قواعد السّلطة الّتي تطبقها. ما يهمّ موضوعي من هذا المعجم هو الاستعارة حين تقول شجرة لأختها هيّا (نثر، فلْنثر، أن نثور) على اعتبار أنّ ” ابتكار الاستعارة أمر فردي، لكنّ قبولها اجتماعي [3]” لذلك من المستبعد أن تقبل السّلطة بتحوّل الفرديّ إلى جماعيّ يهدّد وجودها. كما أنّ القصيدة فرديّة لكن قبولها اجتماعي، والسّلطة لا تريد أن تظهر القصيدة لكي لا يكون لها قبول اجتماعيّ يقوّضها.

من هذا المنظور فرقابة السّلطة تعني في وجه من وجوهها أنّها غير مستعدّة لأن تمنح قبولا اجتماعيا لابتكارات جريئة كأن تتحدّث شجرة مع أختها لكي لا تمثّل تحديا للسّلطة؛ وأنّ  هناك عمليّة سياسيّة خلف استيعاب الأمير فيصل الاستعاري؛ فالاستيعاب الاستعاري إحدى الطرق التي تقرر بها السلطة  ما يهدّدها وما يخدمها؛ ذلك أنّ السّلطة  لا تريد إلّا استعاراتها، وقد لاحظ جورج لايكوف ومارك جونسون أنّ الأمر إذا ما تعلّق “بالسّياسة الوطنيّة، أو بالتّفاعل اليوميّ بين النّاس، فأولئك الّذين يوجدون في موقع السّلطة هم الّذين يفرضون استعاراتهم [4]“.

لذلك لا يمكن أن نهمل دور الأمير فيصل بوصفه قارئا وسحب ذلك على الرّقيب. فمن الواضح أنّ شجرة تقول لشجرة أخرى علينا أن نثور قول لا يتلاءم مع السّياق؛ لأنّ الشّجرة لا تتكلّم. غير أنّ عدم التّلاؤم لا يظهر إلاّ في حالة فُهم القول فهما حرفيا وهو ما لا تتحمّله القصيدة. عندئذ أخذ الأمير الكلمة (لنثر) ومشتقاتها مأخذا استعاريا لكي يزيل عدم التّلاؤم، وبهذا وسع الحالة من حديث شجرة إلى شجرة أخرى إلى حديث مواطن مع مواطن آخر يدعوه فيه إلى الثّورة.

يدفعنا هذا التّحليل لتلقي الاستعارة من وجهة نظر تفاعليّة إلى القول: إنّ الاستعارة حركت عمليّة تأويليّة كاملة أهمّ نتائجها هو منع القصيدة من النشر. وإذا ما عرفنا أنّ التأويل ” يحتاج دائما إلى نشاط تخميني … وأن ّنظرية التّأويل ليست آلة تنتج قراءات …  وأن لا وجود لنظريّة تأويل قادرة على ضمان الوصول إلى نتائج مقنعة مؤثّرة [5]“. إذا عرفنا هذا كلّه فإنّ الرّقابة معضلة حقيقيّة أخفّ ما فيها هو ما يجعل من الرّقابة عملا ذاتيا من دون أي سند موضوعي.

لا بدّ من أنّ القارئ لاحظ أنّ الأمير لم يطلب وقف توزيع العدد من المجلّة، إنّما طلب من الآخرين نزْع القصيدة من العدد الجاهز للتّوزيع. وفي خبرتي كقارئ سعودي مرّت عليّ أعداد من مجلّة أو جريدة منزوعة بعض الصور أو بعض المقالات. يشير النّزع إلى العنف المرتبط باسم مؤسسات اجتماعيّة أو دينيّة أو سياسيّة أو مجموعة من القيم؛ أي أنّ النّزع ينتمي إلى ممارسات السّلطة فهي الّتي تنزع وتزيل وتقلع وتجتثّ كلّ ما يتعارض معها لكي يصبح كما لو أنّه لم يوجد قط. لكن من حسن الحظّ أنّ أفعالا كهذه لن تحدث من دون أن تترك آثارا تشير إليها. وهكذا “فالرّقابة تشبه عمل الشّيطان، تبرهن على وجودها، وهي تعتقد أنّها لا توجد[6]

3

إذا كنّا أنهينا تحليلنا على أنّ صورة بيانيّة (استعارة) يمكن أن تحرّك قدرة الرّقيب على التّأويل ممّا يدفعه إلى مصادرة حريّة التّعبير، فإنّ صورة بيانيّة أخرى (تشبيه) قد لا تحرّك قدرة الرّقيب التأويليّة ممّا ينتج عنه المصادرة ذاتها؛ أي أنّ التّأويل أو عدم التّأويل قد يؤديان إلى مصادرة حريّة التّعبير، وهو ما يعمق إشكالية الرّقابة، ويدفعها إلى أبعد ممّا حلّلناه إلى الآن.

يتعلّق الأمر بإبراهيم الفلالي الّذي عرض كتابه (رجالات الحجاز) على الرّقابة. استدعاه الرّقيب واستكْتبه تعهدا بعدم نشر الكتاب، وإذا ما فعل فإنّ العقاب صارم ورادع. الكتاب من وجهة نظر الرّقيب فالكتاب يسيء إلى الصحابة، ومثال الإساءة جاهز. فالمؤلف الفلالي وصف ذهن الصحابي عبدالله بن عباس بـ “عدسة الآلة المصوّرة الّتي لا ترى شيئا، ولا تمرّ على شيء إلّا التقطته”. يشرح الرقيب قائلا: “أي كفر أبلغ من هذا؟! ذهن ابن عمّ رسول الله كعدسة آلة التّصوير الّتي صنعها النّصارى.. أيشبّه صنع الله تعالى في صحابي جليل بصنع النّصارى؟ هذا كفر..[7]“.

من حيث المبدأ تشير الحكاية إلى جانب من جوانب الحياة يرى أنّ الكمال الإنساني يمكن بلوغه بالمنع؛ أي أنّ الحياة الّتي يجب أن تعاش تولد من الممنوع وليس من المباح. ورؤية كهذه بطبيعة الحال تؤسّس للاستبداد والمدن الفاضلة. يبدأ التّأسيس بسيناريو كارثي يستدعي منعا، وهو سيناريو لا يختلف عن سيناريو هذا الرّقيب: الله صنع ذهن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس. النّصارى صنعوا آلة التصوير. تشبيه صنع الله بصنع النصارى عمل يخرج من الملّة، ويستدعي المنع.

من زاوية أخرى تشير الحكاية إلى أنّ الرّقيب لا يعرف العادات القرائيّة المتعلّقة بالأسلوب الأدبيّ، ولا الاستراتيجيات القرائيّة الّتي تتعلّق بقراءة العمل الّذي يتضمّن صورا أدبيّة. في الأعمال الّتي توظّف الأسلوب الأدبي لا تكفي معرفة الرّقيب باللّغة، ولا تبحره في الدّين، ولا خبرته بالعالم الّذي يعيش فيه لجعله رقيبا مدركا للعمل؛ لأنّه يفتقد إلى الكيفيّة الّتي تُقرأ بها مثل هذه الأعمال. فالرّقيب الّذي قرأ قدرا كبيرا من الأعمال الأدبيّة أكثر استعدادا لأن يفهم الكتاب من الرّقيب الّذي لم يقرأ، أو لم يقرأ كثيرا في هذا النّوع من الأعمال. وبناء على ذلك فإنّ هذا الرّقيب أقلّ استعدادا لأن يتعاون أو يدرك الأساليب والصور البيانيّة في الكتاب. ليس هذا تبكيتا للرّقيب بأنّه لا يفهم أو لا يدرك، ولا اتّهاما بقصور في لغته أو فهمه، إنّما هو تشخيص لموقفه من الكتاب، ذلك أنّ تجربة الرّقيب السّابقة في قراءة نوعيّة الكتاب الّذي سيأذن بنشره، وفكرته عمّا يمكن أن يفعله المؤلّف وهو يؤلّف الكتاب هي ما تمكنه من أن يقرأ الكتاب من غير أي تحيّز.

الكتب الّتي توظّف الأسلوب الأدبي كتب مربكة للرّقيب الّذي لا يعرف الخطاب الّذي يعتمد على الأساليب البلاغيّة والصور البيانيّة. ففهم صورة بيانيّة كالتشبيه في عبارة إبراهيم الفلالي يتطلّب من الرّقيب أن ينتقل من المعنى الحرفي للعبارة إلى المعنى الأدبي، وهذا ما لم يتحقّق.

يكمن مأزق هذا الرّقيب – إضافة إلى تجربته الضّعيفة أو المعدومة في قراءة هذا النّوع من الكتب- في أنّه اعتمد على تجربته الفرديّة وهو ما يتعارض مع بدهية مركزيّة هي أنّ “فرديّة الفرد لا يمكن أن تكون مبدأ تفسيريّا؛ لأنّها هي نفسها بناء ثقافي[8]“. بعبارة أخرى تجربة الرّقيب الفرديّة نتيجة أكثر من كونها سببا؛ فالسّبب هو البناء الثقافي، وفيما يتعلّق برقيبنا فالسّبب يكمن في البناء الثقافي كصدق العبارة (مطابقة الواقع) والموقف مع الآخر (النّصارى) وتمجيد السّلف (الموقف من الصحابة). إنّني أتساءل فيما لو كانت آلة التّصوير صناعة إسلاميّة، وأكثر من هذا فيما لو كانت سلفيّة؛ هل يكون موقف الرّقيب هو الموقف ذاته؟ هذه الأسئلة تدفع الرّقابة إلى إشكالية أكبر ممّا حلّلنا إلى الآن؛ أعني حين تكون الرّقابة ليست أكثر من البناء ثقافي للرّقباء.

تولد عن بناء الرّقيب الثقافيّ ما يمكن أن أسميه المعتقدات القرائيّة. أعني الرّصيد المتراكم من الأفكار والمفاهيم الّتي تبلورت في ذهن الرّقيب، وشكّلت استجاباته، وخلفيّة فكره، ومارسها بكلّ ثقة، وآمن بها من غير أدنى شك، وتقبلها كحقائق ذات طبيعة فكرية مطلقة. هذه المعتقدات هي موقف الرّقيب العقلي من حيث هو رقيب.  أفكار الرّقيب ومفاهيمه، أو وجهة نظره في مثل هذه الأساليب الأدبيّة الّتي تؤثّر في استجابته لهذا النّوع من الكتب، أعني ما يولّد عادات وسلوكيات نحو قراءة مثل هذه الكتب. فالمعتقدات القرائيّة ليست مجرّد أفكار ومفاهيم، لكنّها أيضا “كائنات” فكريّة تتمتّع بقوى الحياة، وعندها من القوّة ما يجعلها تستحوذ على الرّقيب.

*******

[1] – القشعمي، محمد، الفكر والرقيب (بيروت، دار الكنوز الأدبية، الطبعة الأولى، 2006) ص 74.

[2] – هذا ما يفهم من قوله ” منع الفرد من الإضرار بغيره هو الغاية الوحيدة التي تسوغ استعمال السلطة ” . انظر: جون ستيوارت ميل، عن الحرية، تعريب طاهر السباعي (القاهرة، مطبعة الشعب، 1922 ) ص 34 .

[3] –  آرمسترونغ، بول ب، القراءات المتصارعة، التنوع والمصداقية في التأويل، ترجمة وتقديم فلاح رحيم (بنغازي، دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى، 2009) ص 127 .

[4] – لايكوف، جورج، جونسون، مارك، الاستعارات التي نحيا بها، ترجمة: عبدالمجيد جحفة ( الرباط، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية، 2009) ص 160 .

[5] – آرمسترونغ، ص 22، 23 .

[6] – نيتر، روبرت، تاريخ الرقابة على المطبوعات، ترجمة: فؤاد شاهين (بنغازي، دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى، 2008) ص 14 .

[7] – القشعمي، ص 100.

[8] – كلر، جونثان، مقدمات في نظرية القراءة، في: سوزان روبين سليمان وإنجي كروسمان، القارئ في النص، مقالات في الجمهور والتأويل، ترجمة: حسن كاظم وعلي حاكم صالح (بنغازي، دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى، 2007) ص 74.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق