الأب يواكيم مبارك: نحو التّحرر من “لاهوت الخلاص”*

"المنحنى الشّخصي للحياة هو الّذي يحدّد المسار الدّاخلي والخارجي لكلّ ذات بشريّة"؛ (المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون عن الحسين بن منصور الحلاج)

يعتبر الأب يواكيم مبارك[1] (1924-1995) شخصية اِستثنائية[2] في تاريخ الكنيسة المارونية، أتت ألمعيته، كرجل دين وعلم، من القضايا الكبرى التي تناولها في مؤلفاته الصادرة –غالبيتها- بالفرنسية والتي ناقش بعضها أسس وآفاق الحوار الإسلامي– المسيحي. إن هذا الراهب الماروني الذي تجلبب بعباءة الإسلام تجاوز طائفته باتجاه المجال الإبراهيمي؛ تبرزه أعماله مفكراً ذا نزعة إنسانية حقيقية بملامحه النبيلة وإخلاصه العميق لمشروعه خارج المرجعيات الاختزالية.

ساهم مبارك في صوغ وتطوير ما أطلق عليه “الأرومة الإبراهيمية” المشتركة بين الديانات التوحيدية الثلاث، انطلاقاً من معرفته وإيمانه بأهمية التلاقي والتحاور في المجال الإبراهيمي[3]. أسس لتنظيره حول الحوار بين المسلمين والمسيحيين ودراساته عن الإسلام، بدءاً من أطروحته الأولى في اللاهوت عام 1958 “إبراهيم في القرآن” (Abraham dans le Coran)، يُضاف إليها أطروحته للدكتوراه حلقة ثالثة في جامعة السوربون (Sorbonne): “الفكر المسيحي والإسلام منذ البدايات حتى سقوط القسطنطينية” (La pensée Chrétienne et l’islam, des origines jusqu’à la Prise de Constantinople ) 1969؛ والتي استكملها لاحقاً ببحوث تقدم بها لدكتوراه دولة في الآداب تحت عنوان “الفكر المسيحي والإسلام منذ سقوط القسطنطينية حتى المجمع الفاتيكاني الثاني” (La pensée Chrétienne et l’islam,de la Prise de Constantinople à Vatican 2) 1972.

لم تكن هذه الأعمال الأكاديمية وحدها التي نهض بها الأب العالِم، لبناء معرفته حول الديانات وأرضية تحاورها؛ ثمة كتب ومقالات أخرى تؤسس لمشروعه الفكري، وهو المؤمن عن حق بإمكانات الحوار الديني حيث يشكل لبنان أحد فضاءاته. تطرق مبارك إلى العلمانية ناحتاً ما أسماه “لاهوت التعددية الدينية” في سبيل توفير أطر العيش المشترك بين الديانات في لبنان وجواره. أتى هذا المفهوم تطويراً لبقية أفكاره التي تضمنت رؤيته تجاه القضية الفلسطينية أولاً، و”العُربة” (Arabité) ثانياً، والمسيحيين وقضاياهم في المشرق العربي ثالثاً، وكيفية إحياء النهضة العربية رابعاً.

تسعى هذه الورقة إلى الإضاءة على الأب يواكيم مبارك، كعلم من الأعلام المبدعين في الكنيسة المارونية والمجالين العربي والأوروبي، فتتناول محورين:

أولاً: الحوار الإسلامي– المسيحي في تنظير الأب العالِم يواكيم مبارك

ثانياً: التحرر من “لاهوت الخلاص” وبناء لاهوت التعددية الدينية

الخاتمة

أولاً: الحوار الإسلامي– المسيحي في تنظير الأب العالِم يواكيم مبارك

من الصعب تحديد المبادئ العامة للحوار الإسلامي– المسيحي التي عمل عليها الأب يواكيم مبارك ضمن مؤلف واحد له؛ يمكن القول: إنه قدم مشروعاً متكاملاً أو هماً معرفياً واحداً تفرعت عنه بقية كتبه، فالدعوة إلى “فقه التحاور والتآلف” في المجتمعات المتعددة دينياً أو “لاهوت المساواة” (La Théologie de l’égalité)[4] على حد تعبير مشير عون (أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية)، تستوجب على كل ذي علم، اطلاعاً عميقاً على تاريخ وأصول وعقائد الديانتين، وهذا يعني أن مؤلفات مبارك خصوصاً تلك التي وضعها عن الإسلام، والتي سبقت وأعقبت خماسيته في المسيحية والإسلام، تشكل جزءاً أصيلاً من الحوارية التي دعا إليها. إن عمق المعرفة لدى مبارك عن الإسلام التي كرس لها عمراً علمياً لا تقل عن معرفته في المسيحية، إذ ثمة توازياً دلالياً وعلمياً بين عالِم الإسلاميات (Islamologue) وعالِم اللاهوت. وليس هذا فقط، بل يمكن القول أيضاً: إن القضايا العربية الكبرى ومن بينها تنظيراته حول القضية الفلسطينية والقدس والعُربة والعودة إلى الكنيسة الإنطاكية وإحياء النهضة العربية تستكمل مشروعه ولا تنفصل عنه.

في مستهل موضوع الحوار الإسلامي– المسيحي في تنظير الأب يواكيم مبارك لا بد من توضيح المقصود بالمجال الإبراهيمي، فالنسبة إلى إبراهيم الخليل أبي الديانات التوحيدية الثلاث، البطريرك/ أب التوحيد[5]. رأى مبارك في إبراهيم[6]رمز الوحدة” بين اليهودية والمسيحية والإسلام؛ فالمرجعية الإبراهيمية أصبحت قاعدة لاهوتية بامتياز في اللقاء الإسلامي- المسيحي. لقد سعى لتأسيس صلة وصل وحدوية بين أبناء إبراهيم[7] مؤسساً لفرضياته وإشكالياته حول “المجال الإبراهيمي” في “الإسلام والحوار الإسلامي– المسيحي” وهو الجزء الثالث من خماسيته الحوارية، دافع فيه عن الإسلام كدين إبراهيمي (L’Islam est un abrahamisme)[8] بوصفه طريق الخلاص المستقل أو الموازي لما يسميه “التدبير الكتابيّ/ البيبليّ” (économie Biblique) أو “التدبير الخلاصي” (économie de Salut)، يقول: “علينا أن ندرك ونعرف ببساطة، أن “إيمانه (أي الإسلام) هو إيمان إبراهيم، ويشكل جزءاً من سلالته الروحية”[9].

  • المسيحية والإسلام في لبنان: الحصيلة التنبؤية

في محاضرة ألقاها مبارك باللغة العربية في الندوة اللبنانية في بيروت يوم 31 مايو (أيار) 1965، تحت عنوان “المسيحية والإسلام في لبنان: أضواء وتأملات” يحدد الخطوط العريضة للحوار الإسلامي– المسيحي في صيغته اللبنانية، مستشهداً بمقال لعالِم السياسة اللبناني حسن صعب (1922-1990)، نشرته صحيفة الشرق الأوسط في واشنطن، من المفيد هنا إطلاع الحاضرين عليه لأهميته: “بعد أن هدد الإسلام المسيحية طوال أجيال ثم خضع لها خلال فترة الاستعمار، حان الوقت الذي أصبح فيه كل من الإسلام والمسيحية حراً تجاه الآخر. لقد حان الوقت الذي أصبح فيه الإسلام والمسيحية مستعدين، في هذا الجو من الحرية، للدخول في حوار مجدٍ ومفيد. وبعد أن تقاتلا وتجاهلا بالرغم من اتصالات قاصرة وأحياناً خلاّقة، فقد حان الوقت لهما أخيراً كي يتعارفا ويعملا معاً، إذا أمكن من أجل توازن للعالم الجديد”[10].

يطرح الأب مبارك فهماً جديداً في مقاربته للعلاقات الإسلامية– المسيحية في لبنان وعلى ضفتي المتوسط، بعدما استقرت المسيحية على الشاطئ الشمالي منه بينما استقر الإسلام، منذ استقلال الجزائر، وتوطد على الشاطئ الجنوبي. يتحدث عن “الاندماج المتآلف النامي“، في صيغته اللبنانية: “إن لبنان يبدو كأنه الحصيلة التنبؤية لتاريخ طويل من القرون، وبادرة التآلف لهذه الشعوب المتوسطية، وقد عركها تمخض العلاقات والنزاعات بين المسلمين والمسيحيين. إنه الابن البكر للتعايش السلمي بين الإسلام والمسيحية”. ويعتبر أنه “في لبنان -إذن- ينبغي أن تُعانى وتُعاش مجموعة العلائق الإسلامية والمسيحية، لا للبنان فحسب، بل أيضاً وخصوصاً لسائر العالم. وفي لبنان يجب أن يكون ذلك موضوع تفكير وتنظيم. وفي لبنان يجب أن تُدرس وتُسكب في قالب الواقع صيغ الحياة الطائفية المشتركة والدولية بمقدار ما هو تطور العالم الراهن الذي لا يزال مرتكزاً على هذين العاملين الأساسيين في تطوره ألا وهما: الإسلام والمسيحية”[11].

إن رأس قضايا الحوار الإسلامي– المسيحي –عند مبارك- في لبنان، التواصل على مستوى الفكر، بهدف التمييز العادل بين الروحاني والزمني، بين المقدس وغير المقدس (…) “بغية سكبه، فيما بعد، في الأفكار والعادات والأنظمة”[12]. وبعد أن نجحت المسيحية في الفصل بين الدين والدولة، فالإسلام من أجل إتمام مسيرته وتطوره –على الرغم من الصعاب العميقة– قادر على دخول رحاب العلمانية؛ فهو “على أتم الاستعداد ليخطو هذه الخطوة الحاسمة نحو التمييز الدقيق بين الروحانيات والزمنيات؛ ولأنه اتجه نحو ذلك على صعيد المبادئ نفسها، فبالأوْلى أن يتجه على صعيد التطبيقات الاختبارية. وأعتقد مخلصاً أنه جدير ومستعد، كالمسيحية، للانسياق في تطور “المجتمعات المتعددة العناصر” وإنشاء نظام سياسي للدول لا يكون فيه العنصر الديني عقبة في سبيل التقدم (…) أرى أن الإسلام مستعد لكي يحوّل نظام الحاضرة الإسلامية، ويسمو به إلى مناخ أمة إسلامية تتعايش مع غيرها من الأمم”[13].

اقترح مبارك مجموعة من الخطوات لتعزيز التعايش الإسلامي– المسيحي في لبنان، إذ دعا لإنشاء “مجلس إسلامي– مسيحي” “لضمان احترام التمييز الشرعي ما بين الروحيات والزمنيات من جهة، ولإحلال الانسجام اللازم بينهما من جهة أخرى”. طالب بإنشاء “كلية مزدوجة للعلوم الدينية الإسلامية– المسيحية” في الجامعة اللبنانية، على أن يحتل أستاذ مسلم منبراً مختصاً بالمسيحية، وأن يحتل -مقابل ذلك- أستاذ مسيحي المنبر المختص بالأنظمة الإسلامية. إن هذا العمل لا يكون دليلاً على النية الحسنة المتبادلة فحسب، بل يكون أيضاً شهادة قاطعة على الاهتمام العميق الإيجابي الذي يكنه للآخر كل قسم من الأمة في شخص الباحثين من أفراده المشهودين”[14]. يحدد مبارك المطلب الثالث بوضع “بيان مشترك عن المسيحية والإسلام” يسهم في صوغه مسيحي ومسلم، ثم ينشر على أوسع مدى في سواد الشعب وفي المدارس، وبين أوساط النخبة المثقفة[15]. إن لغة هذا البيان المشترك هي العربية، لغة القرآن الكريم، ولغة الإسلام بنقائه البكر؛ لقد آمن مبارك بالتلازم بين العُربة واللغة العربية في سياقهما الحضاري والثقافي، فهو كمسيحي مشرقي، شعر بأن كل عرق من روحه الدينية يرتبط بلغة الوحي الإسلامي وطقوسه، “تلك اللغة التي كانت لغة الحيرة وغسان ونجران قبل أن تصبح لغة أشرف العاملين من المسيحيين على النهضة العربية”[16].

يؤرخ مبارك لتجليات اللقاء الماروني- الإسلامي عبر التاريخ خصوصاً في رافده الدرزي، على الرغم من عدم اعتراف المؤسسات التقليدية الرسمية في الإسلام بالموحدين الدروز كشركاء لهم في المصير. إلى ذلك يتطرق الأب العالِم إلى الأبعاد التاريخية التي حكمت العلاقات بين الموارنة والمسلمين، في بعدين: علمي وعلائقي، ويلفت إلى معلومة هامة عند حديثه عن “مساهمة الموارنة في عملية تشرُّق الغرب تتجلى من خلال إثارة انتباهه [أي الغرب] على الشرق العربي المسيحي أولاً، ثم على الشرق المسلم. فباعتراف المستشرقين أنفسهم (…) يعود الفضل إلى الموارنة في وضع حدّ للشتائم والأقوال المستهجنة التي كانت تتلفظ بها أوروبا بصدد الإسلام. ويظهر هذا مع أول ترجمة جدّية للقرآن في العصور الحديثة قام بها الراهب والمستشرق الإيطالي لودوفيكو مراتشي (Ludovicco Marracci) (1612-1700) الذي كان يتعلم السريانية والعربية على يدي راهب ماروني في روما”[17]. لقد قرأ الأب مبارك العلاقات المارونية- الإسلامية في عمقها التاريخي والوطني والثقافي، لذا كان شديد الحرص على تمتينها، محذراً مسيحيي لبنان، وذلك إبان بدايات حرب 1975، من “النزعة التطرفية للانعزال” لأن ذلك سيكون مناقضاً لتاريخهم النضالي فــــ”في حقيقة الأمر، إن الوجود الماروني ليس مقاومة وتمرداً، وفي حالة الغضب القصوى انفصالاً بالنسبة إلى الإسلام فحسب، وإنما هو أيضاً سعي دؤوب في سبيل التضامن معه”[18]. يتسق هذا التنظير مع ما أطلق عليه مبارك “العُربة” والمقصود بهذا المصطلح الذي نحته، المحتوى الثقافي والحضاري الغني للعروبة مصنفاً هذه الأخيرة في أبعادها السياسية، إذ ينتقد المفاهيم التي أُسست عن الوحدة العربية إبان القرن التاسع عشر، معتبراً أنها في الزمن الراهن لم تعد صالحة ولا بد من تجاوزها نحو الفضاء الثقافي المتمثل بالعُربة. نظر مبارك إلى تاريخ لبنان الحديث والمعاصر كأنه “ولادة توأمية” مارونية/ إسلامية مركزاً على العيش المشترك في حاضنة متعددة دينية، وأظن أن تاريخ البطريركية المارونية يشهد على ذلك، لا سيما في أزمنة الحروب والأزمات وكذلك أنماط التلاقي، “إن التاريخ الماروني، كمسار لكنيسة وشعب ساهما بعمق في النمط الإسلامي للعيش الجماعي، يمثل أعظم استمرار للشرق العربي”[19].

  • الهجرتان والتحرر من فضاء الظهور: إنطاكية والمدينة

أدرك مبارك –عن كثب- أن اكتمال المسيحية والإسلام بعدما “بلغا مرحلة توازنهما الدولي وتواجههما السلمي، ولا سيما حول المتوسط؛ ضروريان أحدهما للآخر (…) فلا يستطيع العالم المسيحي الاستغناء عن العالم الإسلامي، كما لا يستطيع العالم الإسلامي هو أيضاً الاستغناء عن العالم المسيحي (…) إن المسيحية والإسلام ضروريان إذن، بعضهما لبعض لأنهما ضروريان لسلام العالم واتحاده”[20].

إن التصورات المغلوطة بين الإسلام والمسيحية متبادلة بين الديانتين، وعلى الرغم من أن المعطيات أو المعرفة العلمية السليمة بينهما متأخرة، فمن غير الجائز ربط تاريخ العلاقات الإسلامية– المسيحية بتاريخ الآراء المسيحية حول الإسلام أو العكس. فبعد ثلاثة عشر قرناً من المواجهة السياسية والاجتماعية، التي لم تعطِ إلاّ القليل من النتائج، ليس من المفيد تجاهل نوعية التاريخ الثقافي والروحي المتقاطع جراء هذه المواجهة[21].

ثمة مقارنات بديعة يقدمها الأب مبارك حين يقارن بين المسيحية والإسلام، خصوصاً عندما يتحدث عن هجرة المسيحية المبكرة إلى إنطاكية وتحررها من فضاء ظهورها التاريخي، وهجرة الرسول محمد نبي الإسلام إلى المدينة/ يثرب الجديدة. أتت مقارنته هنا في إطارها المعرفي التحرري، فماذا يقول؟ “لم تحقق المسيحية ذاتها إلاّ يوم خرجت من البيئة اليهودية في أورشليم، تلك البيئة المغلقة على نفسها قومياً وقانونياً وثقافياً، لتستقر في إنطاكية، ومن هنا انفتحت على العالم مع اليهودية الهيلينية المهاجرة (…) ففي إنطاكية حمل رسل المسيح، للمرة الأولى، اسم المسيحيين، وقد أصبحوا حقاً مسيحيين بهذا الانتقال المحرر والمسكوني العالي. ومن إنطاكية إنما انطلقت مع بولس وبرنابا الإرساليات المسيحية الأولى. إن هذا الزمن وهذا التحرك في تاريخ المسيحية ومسكونيتها العالمية يقابله تماماً زمن وتحرك إسلامي مسكوني، كلاهما محرر، إذ بدء العهد الإسلامي يؤرخ بهجرة[22] النبي لا بولادته. لم ذلك؟ لماذا يبدأ العهد الإسلامي يوم ترك النبي مسقط رأسه وهاجر مع بعض صحبه ملتحقاً بالأنصار في يثرب؟ لأنه يوم قطع محمد روابط الدم والقبلية ليحيك روابط جديدة وميثاق شرف وحق لأناس غرباء عن وطنه، يومذاك برز إلى الوجود مجتمع جديد وولد الإسلام (…) وتراني أقول: إننا في استمرار الحاجة كمسيحيين إلى الخروج من أورشليم والاستقرار في إنطاكية، وإننا بحاجة كمسلمين إلى مغادرة مكة لتجديد الهجرة إلى المدينة”[23].

  • الإسلام كإبراهيمية أصيلة

تأثر الأب مبارك في منهج المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون (Louis Massignon) (1883-1962) والنتائج التي خرج بها؛ فسعى -قدر الإمكان- إلى دراسة الإسلام بعقلانية وهدوء بعيداً عن الأحكام المسبقة والجاهزة التي أسس لها العديد من المستشرقين. لقد نظر الغرب إلى الإسلام كما يلاحظ المؤرخ التونسي هشام جعيط وفقاً لرؤيتين: رؤية العالم الشعبي، ورؤية العالم المدرسي. الأولى، تغذت من الحروب الصليبية، والثانية، من المواجهة الإسلامية– المسيحية في إسبانيا، واحدة انتشرت على المستوى الخيالي، والأخرى على المستوى العقلاني. إن الأدبيات والحوليات والوثائق الأوروبية المعنية بالدين الإسلامي، كانت حتى القرون الوسطى تستخدم مصطلحات مثل: “الإسماعيليون” أو “السراسنة” (Sarrasins) أو “الهاجريون“، حين كانت تتحدث عن المسلمين، ولم تستعمل عبارتي “مسلم” أو “إسلام” قبل القرن السادس عشر.

أصر الأب مبارك دائماً على النظر إلى الإسلام كدين انبثق من المجال الإبراهيمي، إيماناً منه بالترافد بين الديانات التوحيدية وعمقها المشترك حول العقائد الإيمانية الكبرى. اجترح ما أسماه “الساميّة الروحانية” (Sémites Spirituels) متأثراً بمقالة لماسينيون (Soyons des Sémites spirituels) “لنكن ساميين روحانيين” نشرت عام 1938. وأتت تنظيراته حول الحوار الإسلامي- المسيحي متكاملة الزوايا، حيث دعا إلى تأسيس هذا الحوار على قواعد صلبة تأخذ بالاعتبار الميادين الدينية والثقافية والسياسية والتربوية[24].

مستحضراً نصوص المجمع الفاتيكاني الثاني[25] التي تطرقت بإيجاز شديد للمسلمين، على الرغم من اعترافها بهم، كرس مبارك العديد من الدراسات ومن ضمنها كتابه الصادر بالفرنسية عام 1977 (Recherches sur La pensée Chrétienne et L’Islam dans le temps Modernes et à L’époque contemporaine)[26] “أبحاث في الفكر المسيحي والإسلام في الأزمنة الحديثة والتاريخ المعاصر” لدحض الترسبات المغلوطة حول أن الديانة الإسلامية ليست سوى ديانة إسماعيل ابن هاجر “الأمة/ الأميرة المنبوذة”؛ فرأى أن “هذه النسبة إلى إسماعيل هي محاولة تلفيق وتأسيس نظري للإسلام على نص وارد في العهد القديم، وهو نص غير أساسي (…) فالديانة الإسلامية ليست مختصة بسلالة ومكان وحدود، وإسماعيل ليس جذر الإسلام بل محمد، ودعوة محمد ليست مبنية على إرث دموي أو سلالي عائلي، بل هي اختيار واصطفاء لشخص محمد (النبي)، ومن هنا لقبه المصطفى، فالإسلام كالمسيحية دعوة عالمية مفتوحة لجميع الشعوب”[27]؛ وعليه لا يمكن النظر إلى الإسلام إلاّ بأصالته الإبراهيمية.

يضع الأب مبارك العلاقات الإسلامية- المسيحية تحت معنى “الاختبار”؛ أظن أن لهذه الكلمة/ المفتاح دلالات هامة، لاهوتية ومعرفية. يتجلى الاختبار عنده بدعوة “الفكر المسيحي المعاصر” إلى أن يتخذ من الإسلام مواقف ثلاثة: المحاولة العلمية، المشاركة العلمية، الدعوة الروحية[28]. ضمن “المحاولة العلمية” يطرح مبارك سؤالاً محورياً: ما محاولة اللاهوت المسيحي بغية الإقرار بنوع من المشروعية الإسلامية؟ وما الصعوبات التي تعترضها؟ يتحدث عن محاولات ثلاث: الأولى في وجهة المشروعية الإسلامية: هي التعريف بـــ”الإسلام كإبراهيمية أصيلة“، فمن البديهي أنها تناقض النظرة المتوارثة في النصرانية من أيام (يوحنا الدمشقي) والتي تعتبر الإسلام بدعةً، كما أنها تناقض “الجاهلية المسيحية” التي امتدت غياهبها إلى يومنا، وهي ترمي الإسلام في ظلمة الوثنية البدائية”[29]. والثانية: “غيبية” –إذا جاز التعبير- وهي “المحاولة المسيحية الثانية حول مشروعية الإسلام عندما تنظر إليه كغيبية صادقة، أي كتوحيد معادٍ لكل شرك وتنزيه يترفع عن الحلولية، فعلاوة على أن هذا التعريف يناقض وضع الإسلام بين البدع المسيحية أو الملل الوثنية، فإنه يناقض الإسلام نفسه، عندما يرفض الإسلام في غيبيته هذه تاريخانية المسيحية، ويستنكر عليها ثالوثها وصلبوتها على حد سواء، فإن نظرة الإسلام إلى العلاقة التي تربط الكون بالخالق ترفض ارتباط الخالق بالكون، وتنزه جلاله عن كل انخراط في صلب التاريخ ومحنته. فلا يستحيل عليه التجسد والفداء فحسب، بل يُستنكر عليه تعالى أن يطّلع من سره المكنون على هذا التاريخ[30] [هنا أعتقد أن تفسير الأب مبارك تأثر باتجاه المعتزلة وبعض فلاسفة الإسلام الذين رفضوا تدخل الله في التاريخ]. أما المحاولة الثالثة، “فهي إظهار الإسلام في حلة مقبولة، والإقرار له بلون من المشروعية الدينية، عندما يتسع نظر المراقب إلى امتداد الإسلام تاريخاً وشعوباً وإبداعاً فيتصور اللاهوتي، عطفاً على إبراهيمية الإسلام وغيبيته، إن هذه المسكونية الإسلامية مظهر ساطع، وبرهان قاطع لدعوة عبقرية، ومصير فريد، كتبت له الديمومة، إن لم نقل الأخروية إلى يوم القيامة. ومن الواضح أن هذه النظرة إلى مسكونية الإسلام تناقض ظاهراً وحدوية النظرة اللاهوتية التي تردّ إلى الخط اليهودي- المسيحي كل الخطوط، وتفرض إخضاع كل ركبة في السماء والأرض وما تحت الأرض، لا إلى الإقرار بوحدوية الخلاص فحسب، بل بوحدوية المشروع الكنسي المستند إلى هذا الخلاص”[31].

إن هذه الخلاصة قد تكون الأهم في نقاش الأب مبارك، إذ تطرق إلى موضوع ديني لاهوتي إشكالي وهو في العمق يرى أن الخلاص لا يقتصر على المسيحيين واليهود وإنما ينضوي المسلمون فيه؛ سأتطرق إلى ذلك في المحور الثاني من الورقة، وأردت هنا التدليل على البعد “الخلاصي الإبراهيمي” كما صاغه “الأب العالِم” أو لفت إليه على عجالة، وإذا اعتبرنا أن ثمة “خلاصاً أخروياً” ما، فهو “خلاص فردي” بعيداً عن الديانات التوحيدية وشروطها الانتقائية. أريد التشديد على خمسة استنتاجات ثورية صاغها مبارك ولم أتمكن من منع نفسي عن مشاركتكم بها، اخترت منها ثلاثة: الاستنتاج الأول: يتناول “تحوير الذهنية الكلامية في المسيحية حيال الديانات الأخرى، ويقتضي تحويلها من الأحكام القاطعة، إيجابية كانت أم سلبية، إلى تساؤل متواضع يليق بالذهنية العلمية والروح الإنجيلية في آن”[32]؛ والثاني: رفضه “لإسماعيلية[33] الإسلام من خلال إبراهيميته، “فقد أصبح أيضاً موقف رفضٍ لإسحاقية المسيحية، أي النظر إليها كمجرد وراثة للأفضلية اليهودية على حرمان الشعوب”[34]. والثالث: ضم الإسلام إلى المسيحية الجامعة[35]، أي النظر إلى الإسلام في مصيره المستقل، باستقلاله الإبراهيمي والتعانق معه ودعوته إلى المسيحية الجامعة ببعدها الإنجيلي.

في “المشاركة العلمية” يشير مبارك إلى أزمتين أو معاناتين في الإسلام [كان قد تحدث عن محنة العقل الإسلامي ومعاناته في كتبه]، المعاناة الأولى: هي أزمة العقل الإسلامي، والثانية: المعاناة الصوفية، سأركز على الثانية لأنها أكثر قرباً من تجليات الحوار الإسلامي- المسيحي كما نظّر الأب العالِم، فإلامَ خلُصَ؟ “وإذا ما كان من مجال هنا لذكر من تتلمذتُ على يده في الإسلاميات والروحيات، فيطيب لامتناني أن يلاحظ أني لم آخذ عن لويس ماسينيون تساؤلاته العلمية واللاهوتية عن ظهور الإسلام في تاريخ المسيحية، وتحدياته الكبرى للكنيسة، بقدر ما انتبهت لهذا الشغف العجيب الذي جعل ماسينيون يعود إلى الإيمان المسيحي بوساطة صوفي مسلم سني، جنى من وراء قربه من الله، على سُنيته، شرف الشهادة القصوى في نعمة الاستشهاد والامتثال بالمصلوب. ففي هذا الامتثال الماسينيوني بمعاناة الحلاج من وصفها اقتداءً بالناصري المعذب، من خلال الإسلام السُنّي، وتمسك الحلاج الشديد بالوحدانية، أظن أننا قد بلغنا ذروة ما هو مقدر للحوار بين الإسلام والمسيحية، حيث لا ينصت النصارى إلى أدعية الأذان وتراجع التجويد، بقدر ما ينصتون إلى ما تعاني النفوس الإسلامية في الأعماق”[36]. في “الدعوة الروحية” يتناول مبارك اندماج الكنيسة المشرقية في العالم الإسلامي ولغته، عبر مراحل، قاصداً بذلك تدرجها نحو الاستعراب؛ أي الانتقال من اللغة الأصلية (السريانية) إلى اللغة العربية، الذي ينظر إليه كما لو أن المسيحيين المشرقيين تمت دعوتهم “من ضفاف النيل والرافدين ومن هضاب العاصي ومنحدرات الأرض إلى متاهات تلك الأرض التي قيل عنها إنها غير ذي زرع. فانطلاقاً من سريانيتنا وقبطيتنا ويونانيتنا وأرمنيتنا، ومن اختلاف لهجاتنا وتجاوب ألحانها، هذه هي هجرتنا الكبرى، وهذا هو اللقاء الأخير مع إنسان الهجرة (…) ثمة في استعراب المسيحية المشرقية انقياد مسكوني خفي إلى هذه الغربة التي كُتبت على الإسلام في عُربته”[37]. لقد وضع مبارك اللغة السريانية في قلب العروبة “كلغة أخت للعربية تشتركان معاً في سامية واحدة (…) فالسريانية إذاً، في قلب العروبة ليس كتذكير بأصولهما السامية المشتركة فحسب، وإنما هي القناة التي تطلّبها الخيار الحر الذي اتخذته العروبة في عصرها الذهبي، عندما كانت تنهل من المنبع اليوناني”[38].

قدم مبارك ثلاث مقاربات في سبيل التأسيس لحوار حقيقي بين المسيحيين والمسلمين: الأولى: ما يسميه “الصواب الأخلاقي” (Certitude Moral)، أي التحرر من كل الأحكام المسبقة والكلام المبتذل، والثانية: قبول “أشكال الشراكة الوجودية” (Formes de Partage existentiel)، بمعنى الاعتراف للآخر بأنه جزء من الخطاب الإلهي لنصل إلى ما يسميه “المحاكاة الروحية” (émulation Spirituelle ) في البحث عن الله[39].

  • القدس وعودة الكنيسة إلى إنطاكية

كانت فلسطين جزءاً أصيلاً من كتابات الأب مبارك وبذل جهوداً كبيرة لإعطاء الحقوق للفلسطينيين، مشدداً على أهمية التعايش اليهودي- المسيحي- الإسلامي في القدس، لا سيما في كتابه “القدس: القضية” الذي أرّخ فيه لتاريخ المدينة في عصورها المختلفة، داعياً اليهودية إلى “الاعتراف بالإسلام كوريث ذي حصة كاملة لا كمحروم” معتبراً أن “الشرط لقبول اليهودية في القدس هو أن تعترف للإسلام فيها بالدور الذي رفضته إلى الآن. فالإسلام في القدس هو كالأخ البكر يضيف إلى الديانات الأخرى، على الرغم من إنكار أخوته”[40]، ومطالباً المسيحيين فيها بالتخلي عن خلافاتهم العقائدية والتحرر من انتماءاتهم الأجنبية، “لتتحلى النصرانية بتواضع الناصري، دونما إنكار له في التماثل مع إخوته، في مدينته وفي بلده”[41].

نظر مبارك إلى القدس كـــ”مكان تعايش في المساواة“؛ بهذا ننتقل من التسامح (…) إلى الاعتراف بمساواة جذرية بين البشر، لا لكونهم مختارين أو مفضلين على سواهم بل لكونهم بشراً”[42]؛ داعياً إلى “فتح عهد مسكوني جديد للعالم”، “يشمل جميع المؤمنين المنتمين إلى ملة إبراهيم ومن والاها؛ لا تدرك أبعاده الحقيقية إلاّ في التخلي نهائياً عن إضافة نوع من القدسية إلى طبيعة الإنسان على المستوى المدني والسياسي، وفي الاعتراف بكرامة كل إنسان بمجرد أنه خليقة الله”[43]. لقد دافع الأب مبارك عن سلام إسرائيلي- عربي[44] قائم على الأنموذج اللبناني “للعيش المشترك الأنيس[45] في سبيل تجاوز العقبات التاريخية والعقائدية والسياسية والتأسيس لتاريخ جديد بين اليهود والمسيحيين والمسلمين في فلسطين. واِعتقد أن حل القضية الفلسطينية يكون بإقامة دولة فلسطينية علمانية، عربية، يهودية.

اهتم مبارك بشؤون الكنيسة المارونية وأصدر “الخماسية الإنطاكية/ أبعاد مارونية” التي تضمنت أطروحاته تجاه كنيسته بدعوتها للعودة إلى جذورها الإنطاكية والتوحد بالإنسان وتجاوز الخلافات العقائدية واستعادة الوضع المشترك الذي شهدته الألفية الأولى “حيث كنا نشكل في الصلاة كنيسة واحدة على الرغم من نزاعاتنا”؛ وتعني العودة عنده “أن نتيح للكنيسة العالمية الظروف لكي تشاركنا الشغف بحرية الإنسان العربي”[46]. جعل الأب العالِم اللغة العربية عموداً أساسياً لإحياء النهضة العربية: “لأن الإسلام ظهر باللغة العربية ووهبها أسمى عباراتها ونشرها لدى الشعوب غير العربية التي اعتنقت الإسلام، فإن إحياء النهضة العربية هو أن نسلم بأن المسيحيين الذين كانوا طرفاً في هذا التحول قد دخلوا بكل ثبات في التيار الإسلامي للعروبة وأصبحت ثقافتهم، حسب أمنية كمال جنبلاط. فقدموا بهذا دليلاً فريداً على حرية الكنيسة المسيحية وسط الأديان والثقافات الأخرى”[47].

ثانياً: التحرر من “لاهوت الخلاص” وإرساء لاهوت التعددية الدينية

رفض الأب مبارك “لاهوت الخلاص” اليهودي/ المسيحي وتجلياته خصوصاً حين نادى في خماسيته بما أسماه بـــ”التدبير الخلاصي[48] (économie de Salut)؛ يقول بثقة إيماناً منه بأحقية “الإسلام الجريح” كي يكون شريكاً إبراهيمياً في فلسطين التاريخية والدينية: “إن الإسلام القرآني انتفاضة أممية تتحدى تهوّد المسيحية وتفرض عليها الانعتاق من الادعاء بالأفضلية على أساس الوعد والانفراد بالميراث؛ ميراثاً لا يدخله إلاّ من طأطأ الرأس وعفَّر الجبين أمام العنفوان الكنسي الموروث عن العنفوان اليهودي والمتجدد اليوم في البطر الصهيوني”[49].

  • الإسلام في “التدبير الخلاصي”

يناقش مبارك هذه الفرضية: “نقترح على نحو إرادي للإسلام، المعتبر ضمن (التدبير الخلاصي)، خط البحث الآتي: يمكن تعريف الإسلام بمثابة إبراهيمية سلبية أو صحراوية [بالمعنى الهيغيلي]، أُخرج على نحو خاص ليوجه إلى اليهود والمسيحيين وفيه تبليغ ملائكي، أخروي ومسكوني؛ وهذا التبليغ يضع الإسلام على الرغم من صرامة وشدة وثبات توحيده، في حال توتر دائمة. وقد جرى إشباع هذا التوتر في متطلباته النهائية من خلال بعض الأتباع بمنحهم الرسالة القرآنية، وهذه حملت الإسلام إلى أبعد من الذخر الديني الأولي، حيث حدده مؤسسه ليعيش وحدة الحب مع الله، وليس من دون مرجعية المسيح المتألم وقيامته”[50].

إن الأصالة الإبراهيمية في جذور الإسلام وإدراجه في “التدبير الخلاصي” دفعتا مبارك إلى النظر إليه بكونه “الاعتراض العربي على كل تفرد عرقي أو عشائري [أو ديني]. فهو دين أبناء إسحاق وأبناء إسماعيل ودين كل المؤمنين”[51] أي إن القرآن بنقائه التوحيدي هو في العمق والجوهر خلاصي ورحماني، فالخطاب القرآني أُرسل للناس جميعاً وهو بذلك يقدم “لاهوتاً” إبراهيمياً مضاداً لـــ”لاهوت الشعب المختار” والأيديولوجيات الدينية الاصطفائية التي يختزنها “اللاوعي الديني“.

من المفيد أن نعي أن “الإسلام هو الدين التوحيدي الثالث والحفيد الأخير الذي يعتز اعتزازاً شديداً بانتمائه إلى التاريخ التوراتي ونبوة الأنبياء والتوحيد الأكثر نقاء”[52]، لذا علينا أن نعي أيضاً أن المؤمنين به ليسوا بعيدين عن الخلاص، فهم شركاء في التوحيد وفي بناء ثقافة العيش معاً، وقد يكون من المفيد أن نقترح ما يمكن أن نطلق عليه “الخلاص الفردي“؛ أي ذلك الخلاص غير المشروط بالانتماء إلى المجال الإبراهيمي، وهذا ما يمكن أن نلحظه في الكلام المضمر والعلني لدى الأب مبارك، الذي كان من الدعاة الأوائل لتحرير الكنيسة من “لاهوت الخلاص” إلى “لاهوت الإنسان” المتعدد والمتجدد، أي “لاهوت التعددية الدينية“؛ لقد كسر لاهوتيو التجديد في الكنيسة مقولة: “لا خلاص خارج الكنيسة” وهذا ما أدى –برأينا- إلى النهوض بقيامة جديدة قوامها “تدبير خلاصي” رحب مفتوح على كل الأمم.

  • مجمع الفاتيكان الثاني والتعددية الدينية

أقرت المسيحية، خلافاً لمنظور علم اللاهوت المحافظ التقليدي، بعد المجمع الفاتيكاني الثاني بالتعددية الدينية، وذهبت أبعد من ذلك حين تبنت “أطروحة التعددية الخلاصية” إذا جاز التعبير؛ جاء في وثائق المجمع ما نصه: “ولكن تصميم الخلاص إنما يشمل الذين يعترفون بالخالق، ومن بينهم أولاً المسلمون الذين يقرون بأن لهم إيمان إبراهيم، ويعبدون معنا الله الواحد الرحيم، الذي سيدين البشر في اليوم الأخير، وحتى الذين يفتشون بعد وتحت الأشكال وفي الصور عن إله يجهلونه، ليس الله ببعيد عنهم، لأنه هو الذي يمنح الجميع حياة ونفساً وكل شيء، ولأنه كمخلص يريد أن يقود كل الناس إلى الخلاص. وأيضاً دون خطأ منهم يجهلون إنجيل المسيح وكنيسته”[53].

إن واقع التعددية الدينية فرض على اللاهوت المسيحي تعديل تصوراتها تجاه مسألة الخلاص الذي تقاطع مع توسع أطر فلسفة الدين. يمكن الإشارة –عموماً- إلى اتجاهات أربعة طبعت الفكر الديني المسيحي بخصوص مسألة الخلاص: “التعددية”، “الشمولية“، “الإقصائية” و”التقييدية[54]. هنا أود التركيز فقط على اتجاه التعددية التي تفيد “بأن أديان العالم الكبرى كلها تنطوي على سبيل مخلّص يوصل إلى الحق الإلهي. وتقوم التعددية على ثلاث حجج. أولاً: الحجة الأخلاقية التي تعتبر أن التعددية هي السبيل الوحيد لتكريس العدل في عالمنا المتعصب المليء بالاضطهاد. ثانياً: الحجة التي تعتبر أن التجربة الدينية تفوق الوصف، مما يعني استحالة كون رأي أي دين مطلقاً. ثالثاً: الحجة المستمدة من النزعة التاريخية التي تعتبر أن الظروف الثقافية والتاريخية المختلفة تحول دون الإدلاء بالمزاعم الدينية المطلقة”. إن “أديان العالم كلها تتصل بالحق المطلق، لكن بطرق مختلفة. فقد أنتجت الظروف التاريخية والثقافية المختلفة وسائل خلاص مختلفة ومفاهيم مختلفة عن الحق أي الله”[55]. وهذا يعني أن الخلاص/ التحرر ينطبق بالتساوي على جميع الناس من مختلف الديانات، بل وعلى الملحدين أيضاً كما يشدد الفيلسوف واللاهوتي البريطاني الراحل جون هيك[56] (John Hich) (1922-2012).

عارض الأب مبارك “لاهوت الخلاص” وهنا أسرد مقطعاً من الكلمة التي ألقاها في ندوة أواخر ثمانينيات القرن المنصرم جاء فيها: “إن الحاضرين هنا يعرفون جيداً أنني أعارض بشكل أساسي، لاهوت الخلاص. أمضيت ثلاثين عاماً من عمري وأنا أسعى إلى أن أجعله مقبولاً، بالقول: إن التاريخ الخلاصي اليهودي– المسيحي ليس حصرياً ولا يُقصي أحداً منه، ويُفترض به، على الأقل، أن يتسع ليشمل الإسلام أيضاً. لمدة ثلاثين عاماً ولم نفعل شيئاً سوى التبشير بالإبراهيمية. عليَّ اليوم أن أعلن، من دون أن أحرق ما عبدته طوال هذه السنوات، أنني أجد هذه الترسيمة ملتبسة تماماً. تبدو ترسيمة الخلاص هذه حتى لو اتسعت للإسلام أيضاً، غير فاعلة، وذلك للأسباب التالية: على الصعيد العملي أولاً: لأن هذه الترسيمة لم تفعل شيئاً سوى أنها غذت نزاعات فظيعة منذ البدء وحتى اليوم، مما يدعو للتساؤل حول جدواها. ليست القضية قضية لاهوت، بل قضية صراع قاتل بين الإخوة وإجحاف خطير الشأن. إن هذا المفهوم الخلاصي هو الذي غذَّى كل هذه الصراعات، وهو المسؤول عن الاستعمار: لدي تاريخ وأنت لا، وأريد أن أدمجك في تاريخي. هذا هو لاهوت تاريخ الخلاص: لديّ الحقيقة وأنت لا. أنت في الخطأ وأريد أن أُدخلك في حقيقتي”[57].

لا يظن أحدٌ أن هذا الكلام الذي أدلى به مبارك هو انسحاب من جهاده الفكري المديد ومن إيمانه بالحوار الديني في المجال الإبراهيمي. علينا أن ندرك أن الأنموذج اللبناني الذي نظّر له كانت قد أهلكته الحرب منذ عام 1975 وهذا ما أرهق مبارك دون أن يدفعه إلى التخلي عن مشروعه اليوتوبي/ المثالي. ولم تكن الحرب اللبنانية وحدها المسؤولة عن “النكسة النفسية” التي شعرها بها، فانفجار الأصوليات وسيادة الاستبداد السياسي والتطرفات الدينية في العالم العربي وأكاد أقول العالم، آلت إلى عدم إمكان تحقيق هدفه، بعدما “قامت المدن المقدسة -تلك التي تسنّ قوانينها انطلاقاً من التشريعات الدينية- التي كان يخشاها، تلك التي تقتل التعددية وتسيء بذلك أشد الإساءة إلى الإنسان”[58].

الخاتمة

عندما فكرت في الكتابة عن الأب العالِم يواكيم مبارك تجاذبني دافعان: الأول: أن هذه القامة العلمية تركت تأثيراً كبيراً في “منظومة المعنى” ؛ والمقصود بذلك المشروع الفكري الذي ناضل من أجله في سبيل إحلال قيم العيش المشترك والحوار والتواصل العميق؛ والدافع الثاني: تكثيف التعريف به في العالم العربي، فالكثيرون لا يعرفونه، بسبب أن جلّ مؤلفاته التي تتجاوز الثلاثين وضعها بالفرنسية نتيجة إقامته الطويلة في فرنسا وتدريسه في جامعاتها، وهنا دعوة لتعريبها خصوصاً تلك المتخصصة في دراسات الإسلام وقضايا الحوار الإسلامي- المسيحي وشؤونه، كي لا يبقى أسير اللغة الفرنسية وكي يستطيع العرب ممن لا يُجيدون هذه اللغة قراءته واكتشاف أهمية الأفكار والأطروحات التي قدمها، والتي نحن بأمس الحاجة إليها اليوم في ظل التطرفات الدينية والصليبيات الجديدة، لا سيما تنظيراته حول سبل التلاقي والخروج من مقولات الاصطفاء الديني/ الخلاصي إلى رحاب لاهوت التعددية الدينية.

ليس قليلاً أن ينافح راهب ماروني بعين الحب والعلم عن الإسلام وهو الذي كان له تأثير كبير في المجمع الفاتيكاني الثاني من أجل اعتبار الفاتيكان الإسلام في مثلث الديانات التوحيدية، مما شكل خروجاً تاريخياً على تراث الحروب الصليبية وسياسة التنكر الكامل للمسلمين.

أنتهز هذه المناسبة في هذا المؤتمر لكي أدعو المشتغلين في العلوم الدينية والإنسانية، وتحديداً المتخصصين في الأديان المقارنة، إلى إيلاء أعمال مبارك الأهمية المرجوة للكشف عن نباهة أفكاره في ما كان يطلق عليه “المجال الإبراهيمي”. لقد تمتع هذا الرجل/ القامة الذي أجاد خمس لغات: السريانية والفرنسية والإنجليزية واللاتينية واليونانية إلى جانب لغته الأم العربية، بتواضع كبير كما يشهد عليه العديد ممن عرفوه، فالراسخون بالعلم يملؤهم العالم؛ عالم المعنى بعدما أدركوا كُنه الحياة.

ثمة ملمح إنساني عظيم الأثر في شخصية وأعمال الأب مبارك، فهو يُعد ضمن سلسلة الإسناد الإنسانية/ الفكرية في التراث الإبراهيمي الممتدة من أبي حيان التوحيدي إلى يومنا هذا. يقول محمد أركون (1928-2010): “كان صديقي يواكيم مبارك هو بالذات ذا نزعة إنسانية حقيقية. وكان يندرج بكل وضوح وبلا أي قطيعة داخل ما أدعوه اليوم بالنزعة الإنسانية لـــ”الإسناد الفكري” والمرجعيات المتعاقبة عبر القرون. كان إحدى حلقات هذه السلسلة الإسنادية الطويلة ذات الإنسانية والتي يشكل ماسينيون إحدى ذراها (…) إذ ناضل في سبيل إنعاش الفضاء التاريخي، والمعنوي، والمصطلحي المفهومي، والوجودي، للشهادات واللغات والتراثات والذاكرات الجماعية المتفاعلة في ما بينها، والمتنافسة بشكل محاكاتي من طريق تقليد بعضها بعضاً”[59].

إن الأطروحات التي قدمها الأب مبارك تتمتع بصفة “المتانة المعرفية والعلمية“؛ أي إنها تتميز بدقتها وديناميتها وراهنيتها وضرورتها، وعلينا أن نولي مؤلفاته عن الإسلام وسبل الحوار الاهتمام الكافي. وضع هذا الراهب الماروني نظريات جديدة ومفاهيم إشكالية ونتائج مبهرة في مجال “العيش المشترك الأنيس” بين الديانات في فضائها الإبراهيمي.

كان المستشرق الفرنسي جاك بيرك (Jacques Berque) (1910-1995) قد طالب بالحوار بين الثقافتين، الأوروبية المسيحية والعربية الإسلامية، وراهن على تحول منطقة البحر المتوسط إلى “بحيرة للمعنى” من خلال إعادة بناء الشراكة المتوسطية الأوروبية– العربية والحوار الديني الإسلامي– المسيحي؛ أظن أنه من المفيد تأمل هذه العبارة والأخذ بها في عصر النكوص الذي نعاصره.

*****

*    أُلقيت هذه الورقة في المؤتمر الدولي الثالث: “المصادر التاريخية لمسيحيي الشرق الأوسط” الذي عقده المركز الثقافي الفرنسيسكاني للدراسات القبطية في القاهرة تحت رعاية مركز المسبار للدراسات والبحوث في دبي، بين 15 و 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، وكان عنوانها الأصلي “الأب يواكيم مبارك: الحوار الإسلامي – المسيحي في المجال الإبراهيمي”.

[1]– ولد يواكيم مبارك في قرية كفرصغاب شمالي لبنان لعائلة مارونية، بعد إتمام علومه في إكليريكية غزير المارونية وفي جامعة القديس يوسف اليسوعية في بيروت، أُرسل إلى فرنسا لمتابعة تحصيله الجامعي عام 1945، وفي 1947 سِيم كاهناً. في العام نفسه عاد إلى فرنسا لإكمال دراساته العليا في الجامعة الكاثوليكية في باريس، وعُيِّن خادماً لكنيسة سان سيفرين في الحي اللاتيني حيث استمر بالخدمة لمدة (18) سنة. بين عامي 1950 و1962 عمل مبارك أمين سر للمستشرق الفرنسي الكبير لويس ماسينيون، الذي يعد أباه الروحي. شارك بين عامي 1962 و1965 بأعمال المجمع المسكوني الثاني في الفاتيكان ضمن الوفد اللبناني. بعد عام 1965 كرس مبارك جهوده للحوار بين الديانات وللدفاع عن القضايا العربية لا سيما القضية الفلسطينية؛ بدءاً من عام 1969 درس في الجامعة الكاثوليكية مقرر “الإسلام والمسيحية”. وبين عامي 1971-1972 أضاف مقرر “لاهوت الديانات غير المسيحية”. وبعد عام 1985 عمل على اكتشاف الجذور السريانية للكنيسة المارونية. وبين عامي 1987 و1992 عاد إلى لبنان وكُلف بالتحضير لمجمع ماروني، لكن جهوده في هذا المضمار لم تأخذ حقها بسبب عدم انعقاد هذا المجمع وتأخره إلى أن عقد جلساته بين عامي (2003-2006) أي بعد وفاته وقد تركت تحضيراته تأثيراً فيه. توفي الأب مبارك في مونبلييه في فرنسا في 24 مايو (أيار) 1995 ودُفن في فرنسا ونقلت رفاته عام 2008 إلى مسقط رأسه (لبنان) ودفنت في كنيسة القديس يوسف في مرح كفرصغاب. وضع مبارك مؤلفاته التي لم يُعرب منها إلاّ القليل بالفرنسية نذكر منها: “الأسماء الإلهية في القرآن” (Les Noms divins dans le Coran ) 1956، “الإسلام” (L’Islam) (في العربية والفرنسية) 1962، “معالم الأدب العربي” (Anthologie de la littérature arabe) 1963، “مقارنة بين الروزنامة العبرية والمسيحية والإسلامية” (Calendrier Synoptique, juif, chrétien, musulman, ) 1966، “المسلمون: التشاور الإسلامي- المسيحي” ((Les Musulmans : consultation islamo-chrétienne, 1971، “تاريخ الدولة الإسلامية للذهبي” (مترجم) 1971، خماسية في المسيحية والإسلام والتي تضم: “أعمال لويس ماسينيون” (L’Œuvre de Louis Massignon) (الجزء الأول)؛ “القرآن والنقد الغربي” (Le Coran et la critique occidentale) (الجزء الثاني)؛ “الإسلام والحوار الإسلامي– المسيحي” (L’Islam et le dialogue islamo-chrétien) (الجزء الثالث)؛ “المسيحيون والعالم العربي” (Les Chrétiens et le Monde arabe) (الجزء الرابع) ؛ “فلسطين والعُربة” (Palestine et arabité) (الجزء الخامس). إلى جانب هذه الخماسية وضع مبارك “الخماسية الإنطاكية/ أبعاد مارونية” (خمسة مجلدات في سبعة أجزاء).

[2]– راجع:

Corm, Georges, youakim Moubarac, Un Homme d’exception, librairie orientale, Beyrouth, 2004.

[3]– أركون، محمد، نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 2011، ص348.

[4]– انظر:

Aoun, Mouchir, Le dialogue islamo- chrétien comme lieu Théologique ; Youakim Moubarac, Dossier H, l’âge d’Homme (Lausanne – Paris), 2005, p 9.

[5]– نحيل على ما تقدم به أستاذ علم النفس العلاجي في جامعة باريس، فتحي بن سلامة، في كتابه “الإسلام والتحليل النفسي”.

[6]– Moubarac, Youakim, Abraham dans le Coran, Paris, Vrin, 1958.

[7]– Aoun, Mouchir, Le dialogue islamo- chrétien comme lieu Théologique, ibid.

[8]– Moubarac, Youakim, Pentalogie Islamo _ Chrétienne, L’Islam et le Dialogue Islamo – Chrétienne, Tome 3, éditions du cénacle libanais, Beyrouth, 1973, p 104.

[9]– Ibid p 104.

[10]– مبارك، يواكيم (الأب)، حول لبنان وفلسطين والحوار الإسلامي– المسيحي، مختارات، تقديم: جورج قرم، تعريب: سلام دياب، دار الفارابي، بيروت، الطبعة الأولى، 2014، ص164-165.

[11]– المرجع نفسه، ص165. من المفيد الإشارة إلى أن هذه المحاضرة نشرها الأب مبارك بالفرنسية ضمن خماسيته (الجزء الرابع) “المسيحية والعالم العربي” (Les Chrétiens et le Monde Arabes) .

[12]– المرجع السابق، ص167.

[13]– نفسه، ص168.

[14]– نفسه، ص177.

[15]– نفسه، ص177.

[16]– نفسه، ص178.

[17]– نفسه، ص47.

[18]– نفسه، ص61.

[19]– نفسه، ص69.

[20]– نفسه، ص185.

[21]– Moubarac, Youakim, Pentalogie Islamo _ Chrétienne, L’Islam et le Dialogue Islamo – Chrétienne, p 95.

[22]– ذكرني كلام مبارك هذا بحديث للمرحوم السيد هاني فحص، رجل الحوار في الإسلام والذي غادرنا فجأة عام 2014، حين قال في ندوة تكريمية للشيخ الجليل العالم عبدالله العلايلي بما معناه إنه كان على الإسلام عدم الخروج من الجزيرة العربية إلى الفتوحات الإسلامية قبل اكتمال تجربته في الداخل، أي قبل أن تكتمل أُطره الإيمانية وتتواءم في بيئتها.

[23]– حول لبنان وفلسطين والحوار الإسلامي– المسيحي، مرجع سابق، ص187-188.

[24]– Moubarac, Youakim, Pentalogie Islamo _ Chrétienne, L’Islam et le Dialogue Islamo – Chrétienne, p 131.

[25]– Moubarac, Youakim, Pentalogie Islamo _ Chrétienne, l’islam et le Dialogue Islamo – Chrétienne, Tome 3, P 100- 101.

[26]– Moubarac, Youakim, Recherches sur la pensée Chrétienne et L’Islam dans le temps Modernes et A L’époque contemporaine, Publication de L’université libanaise, Sections des études Historiques, Beyrouth, 1977, pp 398-405.

[27]– Corm, Georges, youakim Moubarac, Un Homme d’exception, ibid.

انظر أيضاً: سعيد، خالدة، يوتوبيا المدينة المثقفة، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 2013، ص49.

[28]– هذا الطرح هو في الأساس محاضرة عرضت للنقاش في لقاء مجمع الكنائس في الشرق الأوسط، المنعقد في برمانا (لبنان)، فبراير (شباط) 1975، حول موضوع الكرازة والحوار.

[29]– مبارك، يواكيم (الأب)، الكرازة والحوار في ضوء الاختبار الإسلامي– المسيحي، منشورات النور، لبنان، د. ت، ص12-13.

[30]– المرجع السابق، ص14.

[31]– نفسه، ص15-16.

[32]– نفسه، ص18.

[33]– Moubarac, Youakim, Pentalogie Islamo _ Chrétienne, l’islam et le Dialogue Islamo – Chrétienne p, 106 – 107.

[34]– مبارك، يواكيم (الأب)، الكرازة والحوار في ضوء الاختبار الإسلامي– المسيحي، ص19.

[35]– نفسه، ص20.

[36]– نفسه، ص29.

[37]– نفسه، ص39-40.

[38]– مبارك، يواكيم، حول لبنان وفلسطين والحوار الإسلامي– المسيحي، مرجع سابق، ص88.

[39]– Corm, Georges, Youakim Moubarak; un Visionnaire du dialogue Monothéiste ; 5-3-2009, papier dans une conférence donnée à l’université saint – Esprit de Kaslik. Voir : Moubarac, Youakim, Recherches sur la pensée Chrétienne et L’Islam dans le temps Modernes et A L’époque contemporaine, pp 18-19.

[40]– مبارك، يواكيم، القدس: القضية، تعريب، مهاة فرح الخوري، مجلس كنائس الشرق الأوسط، الطبعة الأولى، 1996، ص123.

[41]– المرجع السابق، ص122.

[42]– نفسه، ص136.

[43]– نفسه، ص136.

[44]– وجّه الأب يواكيم مبارك مجموعة من الرسائل خلال حرب يونيو (حزيران) 1967 وردت نصوصها في كتاب “فلسطين والعُربة” في الخماسية المسيحية- الإسلامية، أول رسالة كتبها إلى الفاتيكان قبيل وقوع الحرب بأيام، أي مع احتدام الصراع الإعلامي والتعبئة الإسرائيلية في العالم والتهويل بالخطر العربي. وفي هذه الرسالة يطرح مبارك موضوع وحدة فلسطين. وبتاريخ 3-4 يونيو (حزيران) وجه رسالة إلى الفيلسوف جاك ماريتان (Jacques Maritain) والمثقفين المعنيين بالصراع العربي– الإسرائيلي. وفي الرسالة نقد للنظام الإسرائيلي القائم على التمييز الديني. ويعتبر في الرسالة نفسها، المغامرة الصهيونية ومصالحها انتهاكاً لمكانة اليهود بين الديانات. ويميز بدقة بين معاناة اليهود في التاريخ وفي الحرب العالمية الثانية خصوصاً، وبين المغامرة الإسرائيلية. راجع: سعيد، خالدة، يوتوبيا المدينة المثقفة، مرجع سابق، ص52.

[45]– مبارك، يواكيم، حول لبنان وفلسطين والحوار الإسلامي- المسيحي، مرجع سابق، ص29.

[46]– نفسه، ص20-22.

[47]– نفسه، ص23-24.

[48]– Moubarac, Youakim, Pentalogie Islamo _ Chrétienne, l’islam et le Dialogue Islamo – Chrétienne, p 103.

[49]– مبارك، يواكيم، الكرازة والحوار في ضوء الاختبار الإسلامي– المسيحي، مرجع سابق، ص21.

[50]– Moubarac, Youakim, Pentalogie Islamo _ Chrétienne, l’islam et le Dialogue Islamo – Chrétienne, p 103.

[51]– مبارك، يواكيم، حول لبنان وفلسطين والحوار الإسلامي– المسيحي، ص152.

[52]– قرم، جورج، شرق غرب الشرخ الأسطوري، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 2003، ص143.

[53]– وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني، دستور عقائدي في الكنيسة، نور الأمم، الفصل الأول: سر الكنيسة، غير المسيحيين، 16-4140.

[54]– الخلاص المسيحي، اتجاهات أربعة في عالم تعدّدي، مجموعة من الباحثين، ترجمة: ديما معلم، دار المعارف الحكيمة، بيروت، الطبعة الأولى، 2015.

[55]– المرجع السابق، ص33-34.

[56]– يفوق جون هيك، كل التعدديين نفوذاً وشهرة. وقد بدأت مسيرته عام 1972 عندما دعا إلى ثورة كوبيرنيكية في مجال الأديان. منشئاً أرضاً خصبة لنمو التعددية التقريرية. وتقديراً لدوره في علم اللاهوت المعاصر، نال جائزة غراويماير عن كتابه (An Interpretation of Religion). كان عضواً في معهد البحوث المتقدمة في العلوم الإنسانية في جامعة برمينغهام، وأستاذاً فخرياً في جامعة كليرمونت للدراسات العليا. المرجع نفسه، ص26.

[57]– انظر نقلاً عن، قرم جورج:

Moubarak, Youakim, Les Chrétiens du Monde Arabe, préface de pierre Rondot, Maisonneuve et Larousse, Paris, 1989, p 124.

 [58]- فليفل، أنطوان، يواكيم مبارك، النزعة العلمانية في الفكر المسيحي في لبنان “1”، جريدة الأخبار اللبنانية، الأربعاء 17 فبراير (شباط) 2010.

[59]– أركون، محمد، نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، مرجع سابق، ص349.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق