الإسلام الآخر في سوريا / إياد الجعفري

فيديو تم تداوله بكثافة بين السوريين، في وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أيام، كان كفيلاً بتأمين مناسبة جديدة لانفلات الغرائز المناطقية، على نطاق واسع. وقد تورط في ذلك نشطاء، يمكن وصفهم بـ “قادة رأي”، كما تورطت وسائل إعلام معارضة.
ويُظهر الفيديو سهرة نسائية، في مطعم راقٍ، تراقصت فيه بضع نساء، برقصات تقليدية، على وقع أغانٍ دينية بُثت بمناسبة المولد النبوي. وأوحى الزي السائد بين النساء المحجبات في معظمهن، أنهن دمشقيات. وتم تداول الفيديو بكثافة. وتسبب بجدل كبير كان عنوانه سردية مفادها، هذا “الإسلام” الذي يريده نظام الأسد. أو بتعبير آخر، هذا هو “الإسلام” السائد في مناطق سيطرة النظام. وكان البعد المناطقي في التعليقات كثيفاً. وظهرت ثنائية “مدينة – ريف” بصورة سلبية للغاية.
وكان الأخطر في هذه المرة، مقارنة بحالات سابقة مماثلة، هو دخول منطق التعميم السائد في الوسط الشعبي السوري منعطفاً جديداً ليؤسس تصنيفاً يجمع بين البعدين المناطقي والعقائدي، بصورة تدعم مساعي النظام الراهنة باتجاه تكريس سردية عن “إسلاميين” مختلفين في سوريا، أحدهما “مودرن” أو “معتدل”، ينتشر بين أهالي المدن الكبرى (دمشق، حلب)، وهو موالٍ وداعمٍ للنظام. وإسلام آخر “متطرف” أو في توصيف أخف وطأة، “متشدد” أو “محافظ”، ينتشر في الأرياف وأطراف المدن، وهو معارض للنظام.
استراتيجية النظام تلك، ليست جديدة. والسردية التي استخدمها منذ بداية الثورة، والتي قال فيها إنه يدعم “الإسلامي الشامي المعتدل” في مواجهة “الإسلام السلفي المتشدد”، ليست وليدة تحدّي ثورة العام 2011. وإن كانت الحُلّة التي اكتستها تلك السردية جديدة. كما أن إسقاط تلك الثنائية “إسلام معتدل – إسلام متشدد” على الثنائية المناطقية “مدينة – ريف”، كانت جديدة، وأكثر خطورة من سابقتها.
في ثمانينات القرن الماضي، وعلى وقع الصراع مع الأخوان المسلمين، ولاحقاً، على وقع ما وُصف بـ “صحوة إسلامية” شعبية انتشرت في المنطقة، وشملت سوريا، عمل نظام الأسد الأب على ترتيب تحالفات مع رجال دين مؤثرين، اعتبرهم يمثلون “الإسلام المعتدل” في مواجهة “إسلام الأخوان المسلمين” المتطرف. وكانت تلك الثنائية حينها، تقسم سكان المدن الكبرى. إذ أن الحراك الأخواني، السياسي، وكذلك المسلح، كان بصورة أساسية مدينياً. وكان نشاط مرجعيات دينية مناوئة لفكر الأخوان، تمثل بصورة رئيسية في مرجعيتي كفتارو والبوطي، نشاطاً مدينياً أيضاً.
لكن الجديد، بعد ثورة العام 2011، أن سردية النظام أخذت منحىً مزدوجاً، يجمع بين المناطقية ونمط التدين. وهو أمر سرعان ما انجر إليه نشطاء معارضون، وقادة رأي، ليعزز المناطقية في الوعي الشعبي. ومع رجحان كفة النظام، خلال العام الجاري، والتنكيل الذي يطال الحواضن الشعبية المعارضة، في الريف وأطراف المدن، تزداد معدلات الحساسية المناطقية، بين الريف والمدينة، وتأتي عملية النمذجة الدينية، لتدعم تلك المناطقية وتمنحها دوافع عقائدية، وهو عنصر غير مسبوق في التاريخ المعاصر للعلاقة المتوترة بين أبناء الريف السوري، وأبناء المدن الكبرى.
لطالما كانت السردية عن “إسلام آخر” في سوريا، يجب رفضه ومحاربته، استراتيجية دعائية لنظام الأسد الأب. وتبناها من بعده الابن. واليوم، يتم تبني هذه السردية بشكل عكسي، من جانب نشطاء معارضين، على وقع الحنق على حواضن شعبية “رمادية” وقفت في معظمها على الحياد، فاحتُسبت على النظام. واكتست تعليقات بعض المعارضين، بسمات تعميم غير موضوعية، سواء على صعيد نمذجة “الإسلام الموالي” بأنه “صوفي” حيناً، و”قبيسي” حيناً آخر، أو على صعيد تقييم هذا “الإسلام” من ناحية الالتزام. والنقطة الأخيرة، لطالما ميزت الحساسية المناطقية بين المدن الكبرى وأريافها المجاورة، في فترة قريبة قبل ثورة 2011. حيث كانت السردية الشعبية السائدة بين أهل الريف أن أهل المدن “متحررين” أو “إسلامهم مودرن”، مقارنة بـ “إسلام” أهل الريف “الملتزم”. وجاءت حالة الأسلمة التي طغت على الحراك الثوري، لتعزز هذه السمة في التفكير المناطقي. والآن، أصبح “الإسلام المعتدل – المودرن” موالٍ للنظام، والآخر، معارض له.
لطالما كان التعميم من أبرز مثالب العقلية الشعبية السورية. لكنه اليوم يأخذ مناحٍ تمييزية على أساس عقائدي – مناطقي مزدوج. والأخطر أنه يحظى بتورط من “قادة رأي” ومثقفين، كان من المفترض عليهم أن يكونوا الطرف الذي يبث الوعي في أوساط العامة من الناس. وفي الوقت الذي يسأل فيه البعض في جمهور الثورة، “ماذا يمكن أن نفعل لنخرج من النفق الحالي؟”، يبدو أن نظام الأسد يسجل المزيد من النقاط في ترسيخ ميكانيزمات سيطرته الاجتماعية، بالتوازي مع تعزيز نظيراتها الأمنية والسياسية والاقتصادية.

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق