شكري المبخوت؛ مهمّة الأدب هي صياغة الواقع من ركام الفوضى (1/3)

شكري المبخوت، أكاديمي، روائي، مترجم وناقد تونسي،  يجمع بين الجانب الأكاديمي كباحث وجامعي، والجانب الإبداعي كقاصّ وروائي، تحصّلت روايته الطلياني على جائزة البوكر، فيما تحصّلت ثلاثيّته عن السيرة الذاتيّة على جائزة الملك فيصل.  يعتبر المبخوت أحد أهم الوجوه الروئية بتونس، والى ذلك فهو باحث وكاتب غزير الإنتاج، له العديد من المؤلفات والدراسات في مجال السيرة الذاتية، التكفير وتاريخه بتونس، الحقل اللغوي الدلالي وغيره.. استضفنا الأستاذ شكري في هذا الحوار للحديث عن هواجسه الروائية، الحريات الفردية، والأدب والثورة.

أنت مترجم وكاتب وناقد، أين تجد نفسك؟ ناقدا وباحثا يحمل هاجس الأدب العربي، أم روائيا يحاول صياغة سرديّة تونسية جميلة، أم جامعيا بين مدارج الكليات يسعى إلى تطوير النظام التعليمي؟

هذه الصفات المختلفة جاءت انطلاقا من الكتابات التي وضعتها، وبالفعل هذه الكتابات تبدو موجودة في مستويات وأنماط من القول مختلفة، منها ما هو مفهوميّ علميّ مثل البحوث اللغوية، منها ما هو أدبيّ إبداعيّ، ومنها ما هو من باب المقالات والدراسات، وعلاوة على ذلك هنالك المهام الجامعية التي حسب نظامنا وقانوننا، لا يقوم بها إلّا أهل البيت أي الجامعيون، شخصيًا لا أرى في ذلك تشتتًا، وإنما هي محاولة لقول أشياء متلعثمة وإن كانت لها خيوط ناظمة في ذهني، فأقولها بطرق مختلفة، وبأصناف من المقالات تبدو متنوعّة ولكنّها تعبّر عن حاجات في القول وأساليبه بأبعاد تواصلية وتخاطبية معيّنة. فمثلًا نقدّم فكرة عمّا أراه في هذه البحوث الدقيقة، التي هي مكتوبة لجمهور ضيّق جدًا، حين ننظر بعيدًا عن التدقيقات والتعقيدات التي لا تهمّ القرّاء، نجد أنّ الهاجس القويّ فيها هو هاجس أن نفهم من زاوية علمية خصائص انشاء الإنسان للقول، فهذا الفهم بالجمع بين ما وصلت اليه البحوث العلمية المعاصرة والحديثة، وفي الآن نفسه إعادة قراءة الموروث البلاغي العربي ليس كما يقال من باب تقديم هذا التراث في لغة حديثة بل يضيف للمعرفة الإنسانية وللمدوّنة الحديثة، فما يهمّني هو الإضافة للحديث وليس استعادة القديم، هي حركة جدليّة بين ما يبدو من المتضادّات ولكن هي في الحقيقة من الدينامكية الفكرية التي تنتج شيئا أخر، اذن هنا في مستوى الاشكال  أنا أنتمي لنفس الأسئلة التي عبّرت عنها في أعمالي الروائية، كيف نكون حداثيين في مجتمع محافظ؟ كيف نبني حريّتنا في مجتمع لا يؤمن بالفرد؟ اذن فمثل هذا الربط بين الشواغل الفكرية في البحوث الأكاديمية، والشواغل الفكرية في الكتابات الأدبية حين نربط بينهما أجد أنني أقول شيئا واحدًا ولكن في سياقات وبطرق وأساليب متنوّعة، يبرز هذا الشاغل بطريقة أوضح في المقالات الصحفية التي أكتبها باستمرار حيث تحمل بعضا من هذه الهواجس. في نهاية الأمر لا يمكن أن يكون المرء مختزلًا في بعد واحد، فالإنسان مركّب وحاجياته متنوّعة، وأنا أعبّر بأصناف الكتابات المتعدّدة عن موقفي باعتباري مواطنًا، باعتباري مثقفا، باعتباري أحمل بعض هواجس الابداع.. فكلّ هذا التنوّع في تقديري يعبّر عن حاجات في نفسي، لكن هذه الحاجات ليست مشتّتة كما يبدو للناظر من أوّل وهلة.

إذن أنت لا تعيش صراعًا في ذاتك، كأن تفكّر كناقد وتكتب كمبدع؟

ليس صراعًا ولا تناقضًا، بل هو إخصاب، لتجربة في الحياة ولتجربة فكرية ووجدانية، هي عوامل ثراء ولا أعيشها باعتبارها صراعات، هنالك قولة قديمة للجاحظ؛ لكلّ مقام مقال، فتعدّدّ المقامات يفرض تعدّدّ المقالات، مثلما أنّ الإنسان في حياته ليس مجرّد آلة في بعد واحد، بل هنالك أبعاد متعدّدة.

ماذا عن موسم هجرتك للرواية؟

أنا لم أهاجر إلى الرواية، بل ظللت أراوح بين أحياز فكرية وإبداعية كثيرة، ولكنّ الرواية هي التي فرضت نفسها عليّ، لماذا؟ لأنّ ما كتبته في الرواية يلبي حاجتين، حاجة عميقة وهي أن نجرّب هذا البعد اللعبي الابداعي الجمالي الموجود في بعض كتاباتي الأخرى وهذا يبرز حتى في المقالات الصحفية، ولكن حين يصبح في الأدب يتجلى أكثر لأنّ العناية به أكبر، والجانب الثاني هو محاولة طرح مجموعة من الأسئلة التي لا يمكن للمقالات أن تستوعبها، ولا يمكن أن أكتبها داخل اختصاصي في لغة مفهومية وخطاب أكاديمي.

السياق الوحيد الذي يستطيع أن يستوعب ما كان يعتمل في ذهني ونفسي من قضايا تهمّ فترة التحوّل في تونس وتعقدّ فترة الانتقال الديمقراطي، الجنس الوحيد الذي استطاع استيعاب كلّ التناقضات التي عشناها وكل الافكار المتضادّة هو جنس الرواية، لأنّ الرواية جنس متعدّد الأصوات التي تصطخب فيه، لذلك الرواية جاءت في مقام حيرة، ومقام الحيرة هو من المقامات الأساسية في الكتابة الروائية، لكنّها حيرة تقال بلغة تخييل وبناء عوالم متخيّلة وشخصيّات تحمل القيم، المشاعر، التناقضات والتردّدات والحيرة.

’’نصيحة نجيب محفوظ هي التي جعلتني لا أكتب حرفا واحدا عن حرب اكتوبر، وفيما أدركت أن الروائي العظيم عاش ومات ولم يكتب عن حرب أكتوبر، لكن ثورة1919 ظلّت تمور في كتابات حتى سمعنا صخبها في أحلامه، احتاج الأمر ثلاثين عاما لإدراك أن المسافة التي يحتاجها الكاتب ليكتب عن حدث كبير ليست مسافة زمنية، وإنما هي مسافة وجدانية أولا وأخيرا..،، هكذا تحدّث سيّد الوكيل في شهادته “ميدان الكتابة” هل تتفق مع إجابته خصوصًا وأنّ أعمالك الروائية سواء “باغندا” أم “الطلياني” تتناول أحداثا مرّت عليها أكثر من ثلاثة عقود.؟

إجابة نجيب محفوظ، إجابة عميقة لو تثبّتنا، ليست قضيّة قرب مكانيّ أو زمانيّ فقط، فالفكرة الرئيسية هي المسافة، لأنّ السرد ليس مجرّد حكاية تروى، فالحكايات كثيرة ولكن السرد الذي يرتبط بحقبة زمانية محدّدة؛ فلنقل الثورة التونسية بعد 2011، هو بحث عن معنى، السرد ليس تنظيما للأحداث فقط، بل هو التنظيم الذي يستكشف الدلالة التي تقع على نحو ما وراء ركام وفوضى الأحداث لنستخرج منها دلالة ما لتلك الأحداث، اذا كانت وظيفة السرد هي هذا البحث عن المعنى فإنّها أيضًا وبالخصوص وظيفة تأملية، فالتأمل في الأحداث بعد أخذ مسافة منها هو الذي يسمح لنا بالوصول الى معنى ما، المعنى الذي نبحث عنه.

لذلك فالكتابة الروائية ليست نقلًا لأحداث الواقع، ليست تأريخًا آنيًا [رغم كونه مهمًا ولكنّها بناء رؤية الى الواقع وإعادة تشكيل وصياغة هذا الواقع وفق مقتضيات السرد الجمالي من أجل الوصول الى هذا المعنى الخفيّ والمغمور أو شيء من هذا القبيل.

مثّلت الطلياني سجالًا ونقاشًا ووقع الاحتفاء بها نقديًا، كيف تفسّر هذا الاهتمام في وقت كانت تعيش فيه الرواية التونسية عزلة؟

أولًا علينا أن نتجنّب شيئا، هو أنّ هذا النقاش والجدل كان بسبب حصول الرواية على جائزة البوكر، حين حصلت الرواية على جائزة البوكر كانت في طبعتها الرابعة، لقد تلقفها الجمهور وعرفت رواجًا فور صدورها، طبعًا لا يمكن نكران ما للجائزة من دور في الترويج والتعريف بالعمل في نطاق أرحب وأوسع.

ثانيًا، سؤالك لماذا سجّلت الرواية نجاحًا، ببساطة، كلّ كتاب يصنع قرّاءه، واذا صنع قرّاءه لا يعني أنّه تحفة فنية، لكن على الأقل يعني أنّه استجاب لانتظارات هذا الجمهور وأثار اسئلة وطرح قضايا عدّة وشدّ بعض  الانتباه، بالنسبة لي لا أريد الدخول في تفسيرات حتّى لا أصبح ناقدًا لأثري، ولكن أعتقد أنّ من أعجبته للرواية، إنّما انشدّ لعبد الناصر وزينة، وربّما تكون الشخصيّات آسرة جدًا، وهذا ما رآه بعض النقّاد، فالرواية التونسية لا تقوم على الشخصيّات القوية  – مثل شخصيّة مصطفى سعيد في موسم الهجرة للشمال للطيّب صالح، أو عمر الحمزاوي في الشحّاذ لنجيب محفوظ، أو زكريا المرسلني في الياطر لحنّا مينا،- فباستثناء شخصيّة أبو هريرة للمسعدي، لا نجد شخصيّات قوية، مركّبة وفاتنة، فهذا الانشداد للشخصيّات مهم.

أمّا الجانب الثاني، فإنّ هذه الرواية بشخوصها تسمح لنا بالتفاعل الوجداني، فيرى فيها المراهق بعضًا من تجاربه وذنوبه فيتطهّر منها، أو من رغباته فيطابقها، أعتقد أنّ هذه اللعبة مهمّة جدًا، ولا أظنّ أنّ الأمر مقتصر على الشخصيّات اليسارية، فكثيرون، وخاصة من الشباب وجدوا في الرواية ما يشدّهم، لا أملك تفسيرًا ولكن أعتقد أنّ هذا من العوامل.

من العوامل الأخرى،  أنّ صياغة الرواية بمنطق يبدو كلاسيكيّا، ولكنّه في تقديري من صلب الرواية وهو قيامه على الحكاية والتشويق، فهذا الانشداد والتشويق للحكاية من الاشياء التي أحبّها القرّاء. اضافة الى القضايا والأطروحات، هنالك تشابه كبير بين فترة التحوّل وفترة الثورة، كل جيل يشبه جيلا آخر، جلّ الفاعلين السياسيين التي تحدّثت عنهم الرواية هم قيادات سياسية معروفة الأن، فكأن الرواية استطاعت ان تشتغل على الذاكرة الجماعية التونسية القريبة، وتكاد تتطابق مع الفترة التي عاشوها بعد الثورة، فزمن الرواية يشبه  كثيرًا سياق الزمن الذي نشرت فيه، في نظري هذا بعض ما يفسّر التفاعل والحظوة التي نالها الطلياني، وقد فاجأتني حقيقة، لقد كان جمهور هذه الرواية أكبر ممّا توقّعت ومن بينهم الفرانكفونيون الذين لا يطالعون الرواية التونسية والعربية لكنهم قرؤوا الطلياني وانشدّوا لها.

كيف تفسّر الاستياء والنقد الّذي وقع تناوله في رواية الطلياني؟

يجب أن نفصل بين ما كتب حول الطلياني قبل الحصول على الجائزة وما كتب عنها بعد الحصول على الجائزة، كل ما كتب عن الطلياني قبل الحصول على الجائزة كان ايجابيًا، على الاقل تفاعل مع القضايا التي طرحتها الرواية، ما كتب بعد تدخّلت فيه أقلام متعدّدة وليست هذه الاقلام نقديّة أساسًا، كانت تنطلق بتمشي صحفي لا نقدي، كبار النقّاد العرب الذين كتبوا عن الطلياني ولهم كتابات جديّة من بينهم المصري صلاح فاضل، صبري حافظ وغيرهما من النقاد المعترفين بهم، أشادوا بالطلياني وحلّلوها في نصوص مطوّلة، الكتابات الأخرى دخلت في منطق أخر، طبعًا لهم الحرية في ذلك، لا يزعجني أن يكون الموقف سلبيًا، لكن أن تكتب عن الرواية شيئا غير موجودًا فيها، فهذا يعني أنّك لست ناقدًا دقيقًا أو قارئًا نبيهًا، دخلت هذه الردود في التهجّم على جائزة البوكر، تهجّم على شخصي لأنها روايتي الأولى وحصلت على البوكر، ربّما هناك نزعات اقليمية وسياسية، وربّما أتخذ يوما هذه الكتابات مادّة لكتاب عن هذا الجدل حول الطلياني بحثًا عن القضايا وردود الفعل سلبًا أو ايجابًا، طبعًا بالتخلّص من الرواية وتجاوزها حتى أستطيع التحدّث عنها بطريقة أكثر موضوعية، أي أنقلب ناقدًا كتب رواية من قبل، مثل التأثّر باعتباري أكاديميّا في كتابة رواية، هنالك أسئلة كثيرة قد طرحت وهي مهمّة وأرى أنّها تصلح أن تكون كتابًا في التفكير مع القارئ ضدّ الكاتب، مثلما فعل إمبرتو ايكو  مع روايته ’’اسم الوردة”،،

أنت ترحّب بالنقد أستاذ شكري إذن، لكن بماذا تفسّر هذا الامتعاض من جائزة البوكر؟

فرح كثيرون، وامتعض كثيرون، والناس أحرار، في الأدب ليس هنالك إجماع، ليس لي ما أقول حول هذا سوى أنّ نظرتنا للجوائز الأدبية هي نظرة في تقديري خاطئة، كما لو أنّ الحاصل عليها بطل من الأبطال.

الجوائز تصنع شهرة ونجومية، وأنا مدينٌ في صفتي الروائية بجزء كبير منها الى جائزة البوكر، عليّ أن أعترف بذلك، فلولا البوكر لما بلغت الطبعات هذا العدد الكبير ، الجائزة لم تنشئ للكتاب الروائيين وإنّما أسست لتطوير نشر الرواية عربيًا أي لتحفيز الناشرين على التعامل مع هذا الفن الروائي ونشره وترويجه، الدليل على ذلك أنّ من يرشّح الجائزة هي دار النشر وليس الكاتب، وهذه الفكرة الرئيسية في الجوائز من وجهة نظر سوسيولوجيا الأدب فالجائزة حافز من حوافز تطوير النشر وتطوير المبيعات، جائزة غونكور في قيمتها المادية لا شيء، ولكن من يفوز بالغونكور ترتفع مبيعات كتابه إلى أكثر من ثلاث مائة ألف نسخة على الأقلّ، اذا نظرنا من هذه الناحية فشكري المبخوت يصبح تفصيلًا من التفصيلات وليس مركز الجائزة، وعلينا أن ننظر الى الأمور في صلبها لا بمنطق اعلامي يبحث عن السبق الصحفي والضجيج بعناوين جذّابة ومثيرة للاهتمام، هذه لا تضيف شيئًا في الحياة الثقافية والفكرية، وإنّما هي من باب الفضول.

إذًا أنت مدين للطلياني باعتباره مثّل حافزًا ماديًا ومعنويًا وخاصة وأنّه أعاد الرواية التونسية للواجهة؟

وجود شخصيّة عبد الناصر الطلياني في الأعمال السرديّة الثلاثة التي نشرتها، (الطليياني، باغندا، السيدة الرئيسة) يعود الى كونها شخصيّة ثريًة، مازلت أرى فيها ممكنات كثيرة للسبر والاستقصاء لذلك أجد فيها ما أريد تبليغه من أفكار، تصوّرات، قيم، هواجس، تردّدات، هذا هو الجانب الأول، لكن في هذا هناك خطر، خطر أن تقتل الشخصية، يجب أن توجد كثير من الحنكة وأن نضخّ دمًا جديدًا، هنالك الجانب الايجابي أي أنّ العالم الذي أكتب عنه مازال عالم الطلياني في جلّ ما كتبت باستثناء القصص القصيرة، التي فيها قصص ترتبط بالثورة وملامح ممّا عاشته تونس.

هل انتهى الطلياني؟ على الأقل روائيًا وسرديًا.؟ أخر ظهور روائي لعبد الناصر  الطلياني كان سنة 1990 آلا تفكّر الأن في استعارته لمرحلة ما بعد الثورة؟

بين فترة التسعينات وفترة ما بعد الثورة هنالك أحداث كثيرة، هنالك فترة التسعينات وتشعّباتها، بداية الالفية كانت مشحونة كذلك، إنّ بنية الرواية هي بنية منفتحة على اعتبار بنائها على عمود أساسي هو عبد الناصر، لذلك قبل الوصول الى الثورة، قد نحتاج على الأقل إلى  جزأين آخرين أو ثلاثة لكن  لا ينبغي أن يصبح الطلياني مسلسلًا مكسيكيًا لا ينتهي، فالحاجة الى استعادة هذه الشخصية تقتضيها رؤية ما لمختلف مراحل تونس الحديثة الى حدود هذا اليوم، يتطلّب هذا تفرّغًا ولا يمكن أن نكتب الرواية هكذا، إنّ الرواية جنس يكتب على فترات ممتدّة زمنيًا وليست قصيدة قد تأتي كالطلقة الواحدة، الرواية جهد، بناء، وتأمّل مرهق يتطلّب حيزا زمنيّا قد لا يتوفّر.

إذًا أنت لا تريد تحميله وزرًا سرديًا لا طاقة لعبد الناصر به؟

طبعًا، وإلّا ستنتفي هذه الشخصية، شخصية ستفشل في التعبير عن معان كبرى، الشخصيّات ليست أن نتأثر بها، اعجابا بها أو انكارًا لها، إنّ ما يعطي للشخصية الروائية قيمتها هو ما تحمله من قضايا فكرية وسياسية، وكل من يعتبر أن المسألة تقتصر على مسألة شخصية روائية مبدعة دون طرح أسئلة فكرية وثقافية ونقدية، هو أمر  ذاهب للفناء ولن يكتب له البقاء.

هل انطلقت من الواقع وأنت تخطّ مأساة جيل الثمانينات؟ أم أنّك أردت التأريخ لمنعرج هام في تاريخ تونس الحديثة.؟

في الحقيقة، لا يزعجني أن يعتبر البعض هذه الرواية واقعية، لم أفكر في أن تكون تاريخية، لكن الكثيرين ممّن عايشوا سياقها الزمني شاهدوا فيها بعدًا تاريخيًا، هذا لا يزعجني، فعند الكتابة، نستعيد بدون وعي منّا مشاهد من ذكرياتنا، فبكل بساطة ليس المسألة مسألة تخطيط، توثيق أو محاولة للتعبير عن مرحلة الثمانينات، لكن ثمّة جانب من المعايشة، لا تنس أننّي في سنوات الثمانينات كنت طالبًا فلي المام بالوضع في الجامعة وهو محور أساسي هناك، وكنت أتفاعل مع أحداث البلاد وما فيها من صراعات، تناقضات، من ظهور التيّار الاسلامي وتقويه ليصبح محورًا يكاد يكون يوميًا في مشاكل التونسيين، آخذًا حيّزًا كبيرًا من نقاشهم وتفكيرهم، فمن هذه الناحية ما قمت به هو الانطلاق ذاتيًا من تجربتي، فلم أكن أحتاج الى مراجع تاريخية، وإنّما كنت أنا نفسي أؤرّخ روائيًا بما اختزنته ذاكرتي من تصوّرات وخصائص وتردّدات الانسان التونسي بنظرة أبناء جيل الثمانينات وبوجهة نظر يسارية أساسًا. الطلياني كما أحب دائمًا أن أؤكد هي رواية كتبتها لأعرض فيها بعض هواجسي انطلاقا من التساؤل عن وضعنا بعد الثورة لكن –كما حدّثتك من قبل- من الصعب أن أكتب عن الثورة المباشرة، يجب أن تكون هنالك تلك المسافة التأملية النقدية فعدت إلى مرحلة تشبهها.

تتحدّث عن الهواجس، إذن تركت لك تلك الفترة بكل تأكيد أثرً عليك وما يعني ذلك من مواقف واتجاهات ومبادئ؟

من عايش تلك الفترة ولم تؤثر فيه الثمانينات؟ هذه فترة  مفصليّة في تاريخ البلاد، تزامنت مع شيخوخة بورقيبة، وظهور الاتجاه الاسلامي، والصراع على السلطة، فقد بلغنا وضعيّات مليئة بالخوف والتوجّس وانسداد للأفق، مرورًا الى ما سمّي “بالتحوّل المبارك” فلا يمكن لأي تونسي عايش تلك الفترة أن لا يتذكّر مثلا العنف في الجامعة بين الاسلاميين واليساريين التي انتهت الغلبة فيها لصالح الاسلاميين، وأصبحوا يشرّعون قوانينهم ويفرضون آراءهم على الطلبة واضعين محظورات وواجبات.

من لم يعش أصداء المظاهرات والصدامات بين الاسلاميين والدولة، من لا يستطيع تذكّر صورة بورقيبة المهزوزة، ذلك الأب الذي لم يعرف كيف يموت، ولم نكن نتصوّر نهايته على تلك الشاكلة، هناك أيضًا الصراع بين السلطة والنقابيين الذين تمّ قمعهم وتدجينهم بشكل من الأشكال.. كل هذا يمثّل الذاكرة الخصبة للبلاد في تلك الظرفية وفي تقديري، لم أروي منها سوى جزء يسير جدًا والحال أنّها أثرى بكثير.

لكن نلاحظ، أن هنالك شحّا في المدوّنة السينمائية، المسرحية، الأدبية في تناول أحداث مفصلية من تاريخ البلاد، على عكس باقي البلدان العربية الأخرى، تونس كانت زاخرة بالتناقضات والأزمات التي تصلح لأن تكون مادّة روائية فريدة، تحدّث حيدر حيدر عن ملحمة الأهوار جنوب العراق في روايته وليمة لأعشاب البحر، وتحدّث منيف عن البلدان العربية وسراديبها، فيما خصّ صنع الله ابراهيم الفترات المتعاقبة من الانظمة السياسية على مصر بأعماله الروائية، هذا الشحّ الذي قد لا نفسره بضرورة أخذ مسافة وحيز زماني وتأملي ونقدي هنا..؟

تتحدّث أنت عن الروايات التاريخية ربّما، وعن الرواية التي تبني الذاكرة الوطنية في تعدّدها، في الحقيقة أرى أنّ أعمال المختار جنات وكل ما كتبه حسنين بن عمّو، أيضًا البشير خريّف في بلاّرة وبرق الليل إنّما هو محاولة صياغة الذاكرة والتاريخ التونسيين، ولكن بطبيعة الحال قد يبدو لك ذلك قليلًا مقارنة بالأمثلة التي سقتها، لماذا هو قليل، هذا هو السؤال الفعلي هنا، ومردّ ذلك عديد الأسباب. علينا أن نتساءل هنا، ما هو عدد الروايات التونسية التي نشرت في تاريخنا الثقافي الحديث، هل تعلم أنّه لم توجد قبل الاستقلال أي رواية تونسية منشورة، ربّما الرواية الوحيدة كانت للعروسي المطوي سنة 1955 أو 1956 وهي ومن الضحايا، ولكن نحن ننسى أنّ عمر الرواية قصير، وننسى أنّ هذه الرواية اذا أخذناها بمعنى النضج فإنّ عمرها أقصر ليس فقط في تونس بل في العالم العربي، إنّ ما نشر في تونس منذ الاستقلال الى الأن لا يمثّل ما تصدره فرنسا مثلا في كل عودة أدبية، كميًا ونوعيًا عانت الرواية التونسية، لذلك نجد أنّ الحديث عن التوجّهات الروائية التونسية وتنوّعها هو من باب الطموح للأفضل، هنالك بعض التطوّرات الأدبية بعد الثورة، كنّا ننشر بمعدل عشرين رواية في السنة، والأن تطوّرت الى ما بين أربعين إلى خمسين رواية سنويًا، هذا التطوّر الكمّي لا بدّ أن يفرز كما يقال تحوّلًا نوعيًا، علينا أن نشهد ثورة روائية كي نتحدّث عن بناء الذاكرة الوطنية واستغلال الأحداث التاريخية لصياغة روايات تعبّر عن ذاكرتنا وتاريخنا وواقعنا أيضًا، ولكن أعتقد أيضًا أن المسألة غير خاصة بتونس فقط، كل القضايا مازالت قابلة للتناول الروائي، ربما مصر  كانت استثناءً لأنّها بنت تصوّرًا كاملًا للرؤية الروائية الوطنية، ولكن ليس الأمر مقتصرًا على تونس.

ماذا عن سرديّة تونس الجميلة؟

سردية تونس الجميلة، كتبت من قبل، وتكتب الان، وستكتب في المستقبل، لكن علينا أن ننتظر تحوّل الفن الروائي كميًا، فنوعيًا، فهذه السردية تحتاج إلى أن تكتب بتعميق تفاصيلها، لكن لا يمكن أن تضطلع به رواية أو بعض روايات، هو مشروع روائي كامل.

إذن أنت تعوّل على مجموعة من الروائيين أو الشبّاب لإنهاء السردية الجميلة؟

لا لا، أنا لا أؤمن بروائيّ شابّ، الرواية إمّا أنها رواية جيّدة فصاحبها روائيّ مهما كان سنّه، وإما أنّها ليست رواية وصاحبها ليس روائيًا مهما كان سنّه، لا معنى لكاتب شابّ أو كبير، لقد كتب أبو القاسم الشابي روائع أعماله في سنّ مبكّرة ومات في سنّ السادسة والعشرين، وشعراء آخرون عمّروا لكن لا نجد لهم أثرًا أو صدى يذكر لأعمالهم في ذاكرتنا الشعرية.

هل تتفّق مع مأثور ناظم حكمت، بأنّ الدولة تخاف من الشعر؟

هذه التعابير الشعرية مهمّة ولكن ليست مهمّة من ناحية أن الدولة تخاف فعلًا من الشعر، مهمّة في أنّ الشعر يأتي كتعبير مكثّف عن ذات الفرد، وتوق هذه الذات الى الحرية والخروج من جميع هذه القيود يزعج ذلك ما تقوم عليه الدولة من منطق التنظيم والانضباط، أفهم قولة ناظم حكمت بهذا المعنى، وليس ربّما بالمعنى الحرفي، هذا من جهة، ثمّ الدولة وأتحدث هنا عن الدولة العقلانية، لها قدرة على احتواء الشعر، هناك آرثر رامبوا مثلا، لقد كان مقصيًا ولكن الأن أصبح في صلب الدولة بعد ادراج مختاراته الشعرية في المناهج الدراسية، بعد تشذيبه وإعادة صياغته وفق مقتضيات الأيديولوجيا السائدة، فللدولة بمؤسساتها قدرة واسعة على استيعاب هذه الأصوات المخترقة للسائد والمألوف، لكن أهمية المسألة في هذه الجدلية، استيعاب الدولة عبر مؤسساتها الايديولوجية الشعر، لا ينفي ظهور شعراء آخرين مخربين للنظام القائم والانضباط والتماسك، هذا الدور التخريبي والنافي الذي يقوم به، هذه السلبية المضمّنة للشعر كما يقول بعض منظري مدرسة فرانكفورت هي قوّة الشعر وهي التي تهدّد ما تقوم عليه الدولة من قيم تنميط الناس وادراجهم ضمن العادي والمألوف واليومي وتشذيب نزعاتهم المخربة.

******

الصورة لضحى عبد الحق، بتاريخ 13 أكتوبر 2018©

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق