في عيوب الانتقائية وأدلجة التراث

 (1)

إنّ التحيّزٌ لا بدّ منه، هو لا يخلو من فائدة، عبر توليد مناظير متعدّدة في تفسير مصالح النّصوص والحوادث وتقييمها، لكن ينبغي تبيّن وجود درجات متعدّدة للتحيّز لا يجوز المساواة بينها، ويمكن التمييز بينها، كأن نميّز بين تحيّز اجتهاديّ مُتوقّع وغير مقصود، وتحيّز إيديولوجي عقيم، وتحيّز انتهازيّ لتحقيق مصالح غير مشروعة. ينبغي تمييز الانتقائية الّتي تكون جزء من إجراءات البحث عن الانتقائية المزاجية، أو الانتقائية لغرض تبرير جوهر عقائدي صلب، سواء أكان جوهرا خيّرا يُرضي غرور المؤمنين أنفسهم أو جوهرا شرّيرا يُرضي غرور خصوم المؤمنين!

الانتقائية -الّتي أقصدها- هي انتقائية مشروطة بدلالة أولويات الحياة والعدل والحريّة …واحترام حقوق الانسان. انتقاء بعض الشيء يعني بالضرورة ترك بعضه الآخ، وفي كلّ شيء سواء أكان إنسانا أو حانوت خضّار أو عقيدة دينية أو نظريّة علميّة،  ثمّة جزء أو أجزاء تستدعي التَّرك لأسباب مختلفة، منها عدم مناسبة العصر أو الظرف لها، أو ثبوت خطئها أو تطويرها وحضور بدائل أفضل…وهذا قريب من مبدأ الاستبعاد والإضافة في تفسير نموّ العلم في مبحث الأبستمولوجيا.

(2)

برهان العقائد الدينية واللا- دينية يكون في صلاح المؤمنين بها، وليس في علميّتها أو إمكانات اختبار مقولاتها تجريبيا على طريقة العلوم. العقائد الدينية ليست علوما بل هي معارف (أستعير هذا التمييز من الوضعية المنطقية) ومعيار الصَّلاح – في هذا السياق-  ليس عقائديّا فئويّا خاصّا بالجماعة المؤمنة، بل ما يوافق أولويات الحياة والعدل والحريّة، فالصّلاة أو الصّيام أو حلق اللحية مثلا هي أعمال صالحة بمعيار عقائدي فئويّ معيّن، بينما حُرمة القتل وحرمة الرّشوة والصدق والنّظافة ومساعدة المحتاجين مثلا هي أعمال صالحة بمعيار إنسانيّ يشمل عامّة النّاس عبر العصور والمجتمعات. في المصالح العقائديّة لا تكون الأولوية لبرهان الحدوث (التجريبي) بل لتعزيز أولويات الحياة والعدل والحريّة. من المُفترض أن تكون علّة وجود العقائد الدينيّة وسريانها في الأفراد والمجتمعات هو تعزيز هذه الأولويات، وعمليا هذا لا يتمّ دون الاستفادة المشروطة والمدروسة من مبدأ الانتقائيّة. لا يوجد جوهر ثابت للعقائد الدينيّة واللا- دينيّة بما يشمل الإسلام أو غيره، فقط توجد أشكال وصيغ متعدّدة للإسلام تشكّلت في الماضي ومازالت تتشكّل وسوف تتشكّل مستقبلا في سياقات تاريخيّة اجتماعيّة اقتصاديّة سياسيّة. أي لا يوجد جوهر ثابت شريف يحتكر الاسلام، كما لا يوجد جوهر ثابت وضيع يحتكر الاسلام أيضا، فقط ثمّة أشكال مُتعدّدة للإسلام متفاوتة الحيويّة. كلّ هذه الأشكال العقائديّة للإسلام سواء أكانت سنّية، شيعيّة، خارجيّة، أشعريّة، معتزليةّ، زيديّة، سلفيّة، إخوانيّة، داعشيّة، علويّة، إسماعيليّة … أو حتّى اصلاحيّة كما نجدها عند جمال الأفغاني وجودت سعيد وعلي شريعتي مثلا، كلّ هذه الأشكال تقوم على مبدأ الانتقائيّة ولكنّها تُنكر ذلك وتدّعي أنّها قبضت على روح الاسلام الصّحيح مع اختلافها في تعيين مقصدها بالإسلام الصحيح! إذن ليست المشكلة في مبدأ الانتقائيّة بحدّ ذاته، فكلّ قراءة للإسلام هي بالضرورة قراءة انتقائيّة حتّى لو أنكر القائمون على العقائد ذلك! المشكلة كلّ المشكلة في انكارهم وعدم استبصارهم بهذا وصولا في توهّمات الكمال. القراءة الانتقائيّة للعقائد والموجّهة بدلالة الخير العامّ ثمّ وعي صفة الانتقائيّة يفيد النسبيّة والتّواضع بما يخفّف الغلو العقائدي واحتكار حقائق العقيدة من قبل المؤمنين. مثلا يجب ترك عقوبة قطع يد السّارق أو عقوبة الجلد أو الجزية أو تعدّد الزوجات أو تشريعات ما ملكت أيمانكم في أي قراءة حيوية معاصرة للإسلام اليوم، هذه انتقائية مطلوبة بغية تعزيز فهم حيوي للإسلام يلائم العصر واحتياجات المجتمعات المسلمة قبل غيرها، كما ينبغي ترك ما يُسمّى بحدّ الردّة أو ما يُسمّى بنواقض الإسلام العشر مقابل تعزيز أولويات الحياة والعدل والحريّة. لنتوقّف قليلا عند هذه الآية القرآنية: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) سورة الزمر، الآية القرآنية تستخدم صيغة التّفضيل (أحسنَ) حيث يمكن تفسير الآية القرآنية بكونها دعوة إلى ترك الأقلّ حُسنا من نصوص القرآن والدين مقابل الأحسن.

(3)

ثمّة اعتراض وجيه، أنّ الانتقاء الإيجابي ينقل صورة غير شفافة للعقائد الدينيّة، حيث يقوم بتجميلها وإخفاء عيوبها! وفي ذلك يمكن القول طالما لا يوجد جوهر شريف للدّين كما لا يوجد جوهر شرير أيضا، لذلك كلّ فهم أو تفسير للدّين هو شكل انتقائي مُنحاز، يؤكِّد بعض النّواحي ويهمل بعضها الآخر! ولا سبيل إلى تجاوز ذلك من غير تعزيز الخيارات الأكثر حيوية للمؤمنين، دونما إلزام لغيرهم.

يستطيع بعضهم أخذ الجانب الإيجابي من خطابات هتلر وفق رؤية انتقائيّة، والقول إنّ هتلر زعيم جيّد ومُفترى عليه! لكن من يقوم بذلك هو مُطالب بالشفافيّة، وهو مُلزَم بتقديم تفسير وجيه عن سبب إهماله الجانب السلبيّ من خطابات هتلر وتقديم اعتذار لضحايا الهتلريّة! عندما يتحوّل هتلر- أو غيره – مع تقادم الزّمن إلى زعيم فئويّة عقائديّة دينيّة أو سياسيّة، وهذا موقع تفرضه صيرورة التّاريخ والمجتمعات دونما اختيار من الباحث، في هذه الحالة سوف تتحوّل خطابات هتلر إلى نصوص عقائديّة ذات فاعليّة اجتماعيّة، عندئذ لا يسعنا سوى تذكير المؤمنين بالنازيّة بفائدة وضرورة تقديم التّأكيد على الجانب الإيجابي، وترك أو نسخ أو إعادة تفسير الجانب السلبي من خطابات هتلر! قد يبدو ذلك مُستهجنا للبعض!  ولكن بالدراسة المُتأنّية لتاريخ الكثير من مؤسسي الأديان والعقائد القوميّة والسياسيّة في نسخها الأقدم لن نجد فيها اختلافا كبيرا عن سيرة هتلر والنازيّة.. وفي هذا الصدد يمكن قراءة التجربة الناصريّة أو أنبياء العهد القديم في اليهوديّة والمسيحيّة، أو حتّى وقائع غزوة بني قريظة أو سرية أوطاس مثلا! لا نستطيع حذف مئات الملايين من المؤمنين بالعقائد الدينيّة والسياسيّة! ولكن نستطيع سنّ قوانين عادلة في المجتمع تلزم إدارات المجتمع باحترام حقوق الإنسان وتجريم العنصريّة، ونستطيع أيضا تقديم النّصيحة أو التّشجيع أو العمل على تعزيز فهم حيوي -هو بالضّرورة انتقائي-  لعقائد الشّعب، بما يوافق أولويات الحياة والعدل والحريّة.

هل تصوراتي الذهنيّة عن والدي (رحمه الله) هي تصورات غير انتقائيّة؟! هل ينظر الإنسان- أي إنسان- إلى والدته ويتعامل معها بغير مبدأ الانتقائية! لا قد يكون الإنسان مُطالبا بذلك على الصّعيد العاطفيّ! وكذلك يمكن القياس على وطن الإنسان وعقيدته الدينيّة.

(4)

إذا قصدنا الأدلجة تبنّي تصوّرات جوهرانية تجاه موضوع مّا، تصورات رغبويّة مُنفصلة عن منطق المجتمع والتاريخ، بالتّأكيد سيكون لهذه الأدلجة مفاعيل سلبية في تفهّم المشكلة وتجاوز القصور الحضاري موضوع التّجاوز. لكن ليست كلّ مقاربة للتراث العربيّ الاسلاميّ هي مقاربة مؤدلجة ضمن هذا المنظور، مثلا القول بأنّ النّبي محمد كان ديمقراطيا ومؤسّسا للدولة العلمانيّة- المدنيّة هي قراءة مؤدلجة للإسلام! كذلك القول بأنّ النّبي محمد كان مُستبدا ومؤسّسا للإرهاب العقائديّ هي أيضا قراءة مؤدلجة للاسلام! القول أنّ الإسلام بطبعه اشتراكيّ أو ليبراليّ والاستدلال على ذلك بنصوص وأحداث بعينها هو أيضا يتماشى مع الأدلجة سابقة الذّكر. عناصر القراءات المؤدلجة يمكن اختصارها في:

  1. رغبة جارفة في تجميل أو شيطنة الموضوع.
  2.  نقص الشفافيّة وعدم الاعتراف بالطبيعة الانتقائية لهذه القراءة.
  3. الادّعاء بكونها القراءة الصحيحة الصادقة.

من أمثلة القراءات المؤدلجة للاسلام وللتّاريخ العربي الاسلامي نذكر كتاب محمد حبش (النّبي الديمقراطي) كتاب (اشتراكية الاسلام) لمصطفى السباعي، كتاب زكي الأرسوزي (العبقرية العربية في لسانها) كتاب (قسّ ونبي) للمُلقب بأبو موسى الحريري ونحوه كثير. إنّنا نعيش الحاضر وليس في الماضي والأحياء أولى من الأموات، ومن هنا يكون النّضال ضدّ الاستبداد وطرح قضايا الانتقال الديمقراطي والعلمانيّة وحقوق الانسان هو في على رأس الأولويات. في الحقيقة كثيرٌ من المثقفين العرب يتستّرون خلف عباءة نقد التراث والإسلام الماضوي لتبرير سكوتهم أو حتّى تأييدهم للأنظمة المُستبدّة في العالم العربيّ. وفي هذا يمكن إبداء الملاحظات التالية:

1- لا ينبغي الاهتمام بالماضي لكونه ماضيا، ولكن ينبغي الاهتمام بالطريقة الّتي يتظاهر فيها هذا الماضي ويمارس مفاعيله السلبية في الحاضر! مثلا، مقولة نواقض الإسلام العشر وحدّ الردّة، هي نتاج مجتمع وفكر الماضي! ولكن حضور هذه المقولة وتبنّيها من قبل تيّارات سياسيّة واجتماعيّة فاعلة يجعل من مقاربتها هدفا مشروعا بامتياز! ويُدخلها في باب الرّاهن والمُضارعة.

2- المقاربات يجب أن تكون متعدّدة ثقافيّة تنمويّة تشريعيّة سياسيّة، والمقاربة الفكريّة- الثقافيّة ليست ببديل عن المقاربة السياسيّة.

3- مقاربة ( الماضي المُتجسّد في الحاضر) ليست هي المشكلة، ولكنّ المشكلة -كلّ المشكلة- تكون في استخدام مناهج  عقيمة، وأدوات فقدت صلاحها، بما يؤدي إلى تكريس القصور والدوران في حلقات مغلقة، إذن السّؤال هو حول طريقة المعالجة وليس حول مشروعيّة المعالجة نفسها.

النّظر إلى الحاضر كمجرّد تراكم للماضي هو اختزال بسيط ، كما أنّ القطيعة المعرفية أيضا بدورها هي اختزال بسيط، هناك صيرورة تاريخيّة- مجتمعيةّ مستمرة تتدخّل فيها الارادة الانسانيّة بشكل متغيّر النّوع ومتفاوت الحجم، وعملية التّجاوز الإيجابي للتّاريخ تكون عبر استيعاب القانون التّاريخي – الاجتماعي وتقوية المناعة الذاتيّة والاستفادة من التّجارب السّابقة والمعاصرة للآخرين. لم تتجاوز أوروبا نتائج الحرب العالميّة الثانية دون المرور بهذه التجربة، المريرة واستخلاص الدروس منها، مثلا قام الألمان بمراجعة شاملة لتاريخهم بما يتضمّن تجفيف منابع النازية ثقافيّا وسياسيّا وقانونيّا، وتصميم النّظام السياسي بما يمنع أو يحدّ من وصول حركات شعبويّة عنصريّة إلى السّلطة في أوروبا! وربّما لم يكن يمنع وقوع حرب عالميّة ثالثة غير امتلاك السّلاح النّووي والتّهديد بحدوث كارثة كونيّة في حال نشبت! كما ينبغي أن لا نبالغ ولا نهمل أيضا أهمّية الاصلاح أو التّنوير الدينيّ، العلمانية مبدأ صالح وملح في الحالة العربية لعلاج تداخُل السياسيّ بالدينيّ، لكن لكي تنجح العلمانيّة ينبغي مواكبتها وتعزيزها بالإصلاح الديني لتحقق الاستدامة، ينبغي أنّ تتحوّل العلمانية إلى ثقافة شعب تتوافق عليها غالب النّخب الثقافيّة والسياسيّة، إذن أهميّة الإصلاح الديني تأتي من كونه معزّزا للعلمانية.

*ملاحظة المحرّض على كتابة هذا المقال هو حوار فيسبوكي مع الصديق ناصر سفّان في تموز 2018.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق