نساءٌ يتقلّدن السلاح / دالية غانم

الشهر الفائت، صرّح وزير الدفاع التونسي فرحات الحرشاني أنه على تونس النظر في إمكانية فرض إلزامية الخدمة العسكرية على النساء. وأوضح أن “الدستور التونسي… ينص على أن الخدمة الوطنية واجبٌ على كل مواطن… ينطبق هذا الواجب على جميع المواطنين، إناثاً وذكوراً، لذلك حان الوقت للتعمّق في هذه المسألة، ودراستها”.

ليست تونس البلد الوحيد الذي يرغب في إشراك النساء في القوات المسلحة. ففي آب/أغسطس الماضي، وافق المغرب على مشروع قانون لاستئناف العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية للرجال والنساء على السواء. وفي العام 2014، استقبلت مدرسة خولة بنت الأزور العسكرية في الإمارات العربية المتحدة، وهي الأولى من نوعها في الخليج، الدفعة الأولى من المجنّدات لأداء خدمة عسكرية طوعية لمدّة تسعة أشهر.

بات تجنيد النساء في الجيش موضع نقاش متزايد في العالم العربي، وقد بذلت بلدانٌ عدّة جهوداً حثيثة للإقرار بحقوق النساء وإشراكهن في القوات المسلحة. بيد أن اندماج المرأة في الجيوش العربية يبقى منقوصاً، فهي ليست منخرطة بالكامل في الجيوش ولامستبعَدة تماماً منها. وسيكون الطريق نحو تحقيق المساواة الكاملة طويلاً ومحفوفاً بالمطبّات، نظراً إلى أن المرأة لاتزال تواجه مايُسمّى بالسقف الزجاجي في أنواع الأدوار التي تؤدّيها.

من البلدان التي عملت على دمج المرأة وسمحت لها ببلوغ المراتب العليا، الجزائر والأردن. فقد عمد الجيش الوطني الشعبي في الجزائر إلى إرساء المساواة بين الرجال والنساء في العام 2006، ووضعَ إطار عمل لتأمين المساواة في الفرص. وقد بات حضور المرأة الجزائرية في الجيش الوطني الشعبي أكبر من أي وقت مضى، فعدد النساء في الجيش هو الآن أكبر بـ30 مرة بالمقارنة مع ماكان عليه في العام 1978. لقد التحقت النساء بمدرسة أشبال الأمة، والمدرسة العليا للدرك الوطني، والمدرسة الوطنية للصحة العسكرية، والأكاديمية البحرية. ومنذ العام 2006، رُقِّيَت خمس نساء إلى رتبة جنرال.

القوات المسلحة الأردنية طوّرت بدورها استراتيجية خاصة بالنساء بين العامَين 2006 و2016، بهدف بناء القدرات عن طريق تجنيد مزيد من النساء وتدريبهن، مايساهم في توليد مشاركة أوسع وتعزيز الفرص الوظيفية. نتيجةً لذلك، تستطيع النساء الالتحاق بالجيش بصفة موظفات مدنيات أو جنديات، سواءً برتبة جندي عادي أو ضابط أو ضابط صف. ويتساوينَ مع الرجال في الراتب والترقية ومدّة الخدمة العسكرية.

بفضل هذه الجهود، تخطّى عدد الطلبات التي تقدّمت بها النساء للانضمام إلى الجيش، احتياجات القوات المسلحة الأردنية، وفق ماورد في تقرير وطني، إذ يزيد عدد النساء في الخدمة العسكرية عن 4800 امرأة – بينهنّ 1200 امرأة ضابط، و2400 جندية، و1260 موظّفة مدنية. وهذا العدد يشكّل مانسبته 3 في المئة من مجموع القوات العسكرية في البلاد. للمرأة الأردنية حضورٌ أيضاً في سلاح الجو، والشرطة العسكرية، ووحدة الحماية التابعة للحرس الملكي، والاستخبارات العسكرية. وقد نالت العديد من النساء رتبة عميد في القيادة العامة للقوات المسلحة، ورتبة لواء في الخدمات الطبية الملكية.

كذلك بذل الجيشان اللبناني والتونسي جهوداً لتشريع أبوابهما أمام النساء. سجّلت أعداد النساء في القوات المسلحة اللبنانية زيادة مطّردة على مر السنين لتبلغ 3000 امرأة في مختلف الفروع العسكرية في العام 2018. خلال العام الجاري، تخرّجت 1640 امرأة من التدريب الأساسي المخصص للنساء المتطوّعات، وانضمت 150 منهن إلى لواء الحرس الجمهوري. ووضع الجيش سياسة جندرية لضم مزيد من النساء إلى صفوفه وإرسالهن في نهاية المطاف إلى الخطوط الأمامية أسوةً بزملائهن الرجال. وفي تونس أيضاً، ليست المرأة موجودة وحسب في الجيش، بل بلغت أيضاً مراتب عليا في سلاح البحرية وفي سلاح الجو حيث تتولّى 40 امرأة قيادة طائرات مقاتلة.

صحيحٌ أن النساء العربيات انتقلن من هامش الحياة العسكرية إلى صلبها، وأن أعدادهن سجّلت زيادة تدريجية، إلا أن اندماجهن في الجيوش العربية يبقى محدوداً. من الأمثلة على ذلك تونس، هذا البلد الذي يُعتبَر في طليعة البلدان العربية في تعامله الإيجابي مع حقوق المرأة، غير أن النساء يشكّلنأقل من 7 في المئة من الجيش التونسي. وإلى جانب التدنّي النسبي في الأعداد، تجد المرأة صعوبة في بلوغ المراتب العليا في القوات المسلحة، كما أن عدد النساء في مواقع صناعة القرار ضئيل جداً. فقد حُصِرَت المرأة إلى حد كبير، ماخلا استثناءات معدودة، في أدوار أكثر تقليدية ونمطية على المستوى الجندري، مثل العمل سكرتيرة أو مترجِمة أو ممرِّضة أو واضعة خرائط وماإلى هنالك.

علاوةً على ذلك، أُقصيَت المرأة منهجياً من المناصب القتالية، ولايُتاح لها قيادة العمليات العسكرية، ماجعل من الصعب ترقيتها إلى مناصب معيّنة تتطلب خبرة قتالية. وهكذا، لاتزال المؤسسة العسكرية معقلاً ذكورياً، ولعله العائق الأكبر أمام اندماج المرأة الكامل في القوات المسلحة العربية.

غير أن الاندماج لايعني فقط ضم مزيد من النساء إلى القوات المسلحة. بل يعني، كما يقول المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، “جعل اهتمامات النساء كما الرجال وتجاربهم بُعداً أساسياً في تصميم السياسات والبرامج وتطبيقها ورصدها وتقييمها في مختلف الميادين السياسية- الاقتصادية والمجتمعية كي تُفيد النساء والرجال بالتساوي، وكي لاتستمر عدم المساواة”. ثمة فجوة واضحة بين الخطاب عن المساواة وبين واقع المرأة في المؤسسات العسكرية العربية. وبغية ردم هذه الفجوة، يجب أن تبدأ القيادات العسكرية بالنظر إلى المرأة كجنديةٍ متكاملة.

عن موقع معهد كارنيغي

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق