حدود حرية التّعبير.. تجارب بعض الكتّاب السعوديين (2-2)

1

إذا كنّا قد توصلنا إلى أنّ عدم تأويل الرّقيب يشبه تأويله في أنّهما قد يقودان إلى المنع فما هو الحال مع التّأويل اللاّمتناهي؟

في الواقع يدفع هذا النّوع من التأويل الرّقابة إلى حدودها القصوى؛ بحيث تعني ما يرغب الرقيب أن يعْنيه من غير أيّ اعتبار للسياقات؛ أي أنّ الرّقابة تصبح بلا حدود أو قواعد سوى رغبات الرّقيب في أنّ هناك معنى غير مقبول قيل بطريقة ملتوية. يتعلّق الأمر بإبراهيم الفلالي نفسه، الّذي اشترك في استفتاء لمجلّة المنهل موضوعه الطريقة المثلى لتحسين الاقتصاد، فاقترح أن توظّف الزكاة في مشروعات تجارية أو صناعية أو زراعية بحيث يعمل العاطلون. ردّ الرّقيب ” الكاتب شيوعيّ” ثمّ عدّل الرّقيب المقال، ونُشر بعد أن شُوّهت الفكرة[1].

أوّل ما نلاحظ في هذه الحكاية روح المرحلة التاريخيّة الّتي حدثت فيها؛ أعني حين كان كاتب اليسار ممثلا لخطاب كونيّ. في تلك المرحلة “أن يكون المرء مثقفا معناه أن يكون إلى حدّ ما ضمير الجميع [2]“.  كما أنّها تذكر القارئ بالموقف الرسمي الّذي اُتخذ لكي لا تنتشر.

يتعلّق الأمر بمحاربة الشيوعيّة، وهو موقف مألوف في صراع الوصول إلى الجماهير وتحريكها من أجل أن تكون مع أو ضدّ. وبدهي أن تتناغم الرّقابة وتتلاءم مع توجهات السّلطة، لكن ما هو غير بدهيّ هو تأويل الرّقيب اللاّمتناهي ليصل إلى المعنى الّذي يريده.  تكمن الخطورة هنا في أن كلّ التأويلات تصبح عند الرّقيب مقبولة وصحيحة ومشروعة، ولا حدود ولا سند إلّا رغباته.

لقد تصرّف الرّقيب بدلا من الكاتب، فعدّل وحذف وأضاف، ثمّ نشر المقال.  يشير تصرف الرّقيب إلى اعتقاده أّن هناك معنى غير مرغوب فيه دسّه الكاتب يتعارض مع التوجهات الّتي تحميها الرّقابة، وأنّ الكاتب غير مؤهّل لأن يعيد ما كتبه. وأخيرا إلى ممارسات السّلطة الّتي تحذف وتعدّل. ما يلفت النّظر أنّ الفلالي اعتبر تدخل الرقابة تشويها لمقاله، وهو ما يعكس القضية؛ أي الرّقيب كاتبا، والكاتب رقيبا، والنتيجة واحدة؛ تظهر وهن الرقّابة من حيث الحدود والقواعد.

2

قد يؤدي غياب حدود الرّقابة وقواعدها إلى ازدواجيّة في الحكم؛ فيسمح رقيب بنشر محتوى معين، بينما يمنع رقيب آخر المحتوى ذاته. حدث هذا لأحمد السباعي الّذي يعرف المجتمع، فلم يرد أن يواجهه بأفكار لا يتقبّلها؛ لذلك تخيّل أنّ جماعة من جنّ الربع الخالي أصدروا جريدة (المرصاد) وأنّ هذه الجريدة وصلت إليه فأحبّ أن يشارك القرّاء في بعض مقالاتها. وبالفعل نشر عدّة مقالات إلى أن تعين رقيب آخر (قاض في المحكمة) فعُرض عليه مقال منها فسأل “هل يعرف السباعي لغة الجنّ؟ قيل له: لا. هذا خيال. ها، خيال. يعني كذب. أنا لا أوافق على نشر الكذب [3]“.

أوّل ما يلفت انتباهنا في هذه الحكاية علاقة الرّقابة بالكتابة. يوجد في الحكاية كاتب مستقلّ فكريا لا يستطيع نشر أفكاره مكتوبة. وفي المقابل يوجد رقابة تمنع الكاتب المستقلّ. ما هو غير غريب أنّ الرّقابة تستطيع أن تمنع التّعبير علنا، أمّا الغريب فهو أنّ الرّقابة ذاتها لا تستطيع أن تمنع التّعبير علنا. ليست (تستطيع الرّقابة ولا يستطيع) لغزا يستوجب الحلّ إنّما هي قدرة الكاتب أو عدم قدرته على أن يحتال على الرّقيب “فالنسبة لصاحب الاستقلال الفكريّ بإمكانه أن يعبّر علنا عن آرائه، ويبقى سالما شريطة أن يتحرّك بحذر، بل يستطيع أن يدونها في مطبوعات منشورة دون أن يتعرض لأي خطر، شريطة أن يكون قادرا على الكتابة بين السطور[4]“.

احتال السباعي، وتخيّل عالما لا يربطه بالواقع سوى كونه رمزا له. نجحت الحيلة مع رقيب لكنّها فشلت مع رقيب آخر. حين نجحت مع الرّقيب الأوّل فهذا يعني –إن أحسنا الظّن – أنّ الرّقابة يمكن أن تكون إبداعيّة، والرّقيب تنويريا، ويعني –إنّ أسأنا الظّن- أنّ الرقيب غبيّ يمكن التّحايل عليه.  وحين فشلت الحيلة مع الرّقيب الثاني فهذا يعني أنّ الرّقابة والرّقيب عكس ذلك.

الفرق بين الرّقيبين هو قدرة أحدهما على التّفاوض وعدم قدرة الآخر. لقد حدث صراع بين معتقدات وفرضيات الرّقيبين وبين معتقدات وفرضيات السباعي. الرّقيب الأوّل كان قادرا على أن يتفاوض مع ما يتعارض مع أفكاره، بينما فشل الرّقيب الثاني. وهكذا لكي يكون الرّقيب “عادلا” عليه أن يكون متناقضا؛ من جهة يدافع عن معتقداته وفرضياته، ومن جهة أخرى ينفتح ويتفاوض مع معتقدات وفرضيات مغايرة، وهو ما نجح فيه الرّقيب الأول وما فشل فيه الرّقيب الثّاني.

هناك قسمة في الحكاية. يتعلّق الأمر بالتّعارض بين الواقع والخيال؛ فالرّقيب نظر إلى الخيال على أنّه كذب، وأنّ الخيال يشوّش النموذج المعتاد في مطابقة الواقع. والخوف من الخيال فيما يبدو أنّه يمكن أن يكون قوّة تحرير في كونه يربك المطابقة ويعمل ضدّها.

           3

يفضي التّحليل إلى نتيجة أوليّة هي أنّ ” إنتاج الخطاب في أي مجتمع هو في نفس الوقت إنتاج مراقب، ومنتقى، ومنظم، ومعاد توزيعه من خلال عدد من الإجراءات الّتي يكون دورها هو الحدّ من سلطاته ومخاطره … أكثر (هذه) الإجراءات بداهة، وأكثرها تداولا هي المنع [5]“.

لكن نتيجة كهذه لا تضيف إلى ما هو معروف ومتداول منذ دراسات ميشيل فوكو الرّائدة عن الخطاب؛ لذلك ومن وجهة نظر أخرى يمكن أن يفضي التّحليل إلى سؤال يأتي في وقته المناسب وهو: هل يمكن لنصّ أن يغيّر الواقع؟ دون شكّ إذا ما فكرنا في نصّ مقدّس كالقرآن، أو نصّ ثوري كالبيان الشيوعي لماركس وإنجلز أو نصّ فلسفي كنصّ خطاب في المنهج لديكارت.

لكن ماذا عن نصّ عادي كقصيدة حمزة شحاتة، أو مقال السباعي، أو مقال فلالي؟. لا يمكن أن نجزم بما يمكن أن تحدثه هذه النّصوص في الواقع؛ فنص مّا – أي نص- يمكن أن يقود إلى ما لم يكن يهدف إليه في الأصل. والمثال النّموذجي هو النّصوص المقدّسة، والفظائع الّتي اُرتكبت باسمها.

إذن من الممكن أنّ النّص الّذي يمنع من قبل الرقابة -كقصيدة شحاتة أو مقالي السباعي والفلالي-ليس هو النّص الّذي يجب منعه، وربّما كان العكس هو الصّحيح.  ومن هذا المنظور “فالرّقابة الوحيدة الفعّالة قد تكون تلك الّتي تمنع كلّ أنواع القراءة [6]“.

هل تغير القراءة الواقع؟ دون شك إذا ما فكرنا في قراءة القرآن وما ترتب على قراءته من أحداث تاريخيّة، أو قراءة ماركس لهيجل ولينين لماركس. وهكذا من منظور النّص والقراءة يظهر التّحليل أنّ الرّقابة تظنّ أنّ بعض النّصوص تغيّر الواقع، لذلك يجب ألا تُنشر لكي لا تُقرأ.

بناء على هذا يعتقد الرّقيب أنّ هناك مفعولات خفيّة للنّصوص، فيقيم علاقة سببية بين النّص وبين الواقع. من وجهة نظر الرّقيب؛ النّص الّذي يتضمّن أفكارا جديدة يمكن أن يزعزع الواقع الّذي يريد الرّقيب أن يبقى كما هو. ربّما يعي الرّقيب أنّ النّص لن يحدث انقلابا مباشرا، لكنّه يعرف أنّ النّص يؤثّر في عقول القرّاء، ويحدث ما يخشى منه حين تتراكم النّصوص والقراءات.

***********

[1] – القشعمي، ص 99 . استخدم المؤلف الفعل المبني للمجهول ” أُدخلت تعديلات على المقال ” ، لكن السياق يوضح هذا المجهول، فلا يمكن أن يكون عدله صاحب المقال لأنه نشر مشوها، ولا يبقى معلوما هنا إلا الرقيب.

[2] – فوكو، ميشيل، المثقف والسلطة، ترجمة: عزالدين الخطابي، مجلة رؤى تربوية، العدد 26، ص 73 .

[3] – القشعمي، ص 101.

[4] – شتراوس، ليو، الاضطهاد وفن الكتابة، ترجمة: مهند نجار، مراجعة ريوف خالد . https://nthar.net/persecution-writing/

[5] – فوكو، ميشيل، نظام الخطاب، ترجمة: محمد سبيلا، ص 4.

[6] – نيتر، روبرت، ص 147 .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق