شكري المبخوت؛ الأدب العربي يعاني من لعنة طه حسين (2/3)

’’ بعد إجاباته عن “«الطلياني»” التي شغلت القرّاء والكتاب نقدًا وسجالًا، ننتقل الآن إلى الجزء الثاني من الحوار مع الأستاذ شكري المبخوت، ونتناول السيرة الذاتيّة بشكل خاص، سيرة الفرد وسيرة الجماعة، السيرة الذاتيّة والحريّات الفرديّة، وذلك بعد التطرّق إلى رواية “«باغندا»” وتجربته في الترجمة،،

بين التأمّل النقدي والهدوء والانعزال من جهة، والصّخب والنّشوة والاحتقان من جهة أخرى، بلورت هذا التّناقض في رواية «باغندا»، هل تؤمن بالقطيعة بين الأدب والرياضة، خصوصًا أنّ الرواية هي الأدب الأوّل كما هو الحال في كرة القدم والرياضة؟

دعني أوضّح أمرًا قبل إجابتك: أعتقد أنّ هذه الرواية قد ظلمتها رواية “«الطلياني»”، تعرّف القرّاء على «الطلياني» قبل «باغندا» رغم العلاقة ما بين العملين، لأنّ القارئ حين اطلع على «الطلياني» وانشدّ إليها كان يعتقد أنّ كل الروايات ستكون مثل هذه، وكان ينتظر مثل شخوصها، في حين أنّ فكرة الرواية تقوم على محو شخصية «باغندا» باعتباره تشييئًا للاعب كرة قدم، ضمن منطق هيمنة رأس المال وتحويل الرياضة الى بضاعة ضمن سوق. إذن ظلمت الرواية لأنّ الكثيرين قرؤوها وفي أذهانهم نمط الكتابة في «الطلياني»، وظلمت أيضًا لأنهّا رواية لا تخلو من التجريب، ليست رواية تجريبية فأنا لا أحبّ الكتابة التجريبية التي تكسّر الزمن والشخصية، هي تجريبية لأنها أرادت من الجنس الصحفيّ أي التحقيق الاستقصائي أن يمدّه بمكوّنات رواية، فبين الجنس الصحفيّ والرواية آصرة هي السرد، ربّما لم تمرّ الفكرة كما ينبغي، الأمر الأخر الخطير في الرواية أنّها جمعت فعلًا بين أكثر فنون الأدب شعبية وهي الرواية وأكثر الألعاب الرياضية شعبية وهي كرة القدم، لكن هنا المفارقة، رغم هذه الشعبية للأمرين، فإنّ نقاط الالتقاء بين الشعبيتين محدودة لأنّ قرّاء الرواية في العالم ينتمون عمومًا لطبقة ما وهي تحتقر كرة القدم، وجمهور كرة القدم لا يقرؤون الرواية رغم أنّ «باغندا» مدارها على لعبة كرة القدم، بل هي حول سوسيولوجيا كرة القدم، وإن وجدت فيها جوانب فنية وكروية.

ورغم أنّ الكتابات عن رواية «باغندا» قليلة، فإنّ بعض القرّاء النبيهين اعتبروها رواية جيّدة، الكتّاب الذين كتبوا عنها كان رأيهم فيها إيجابيا، عكس «الطلياني» التي شهدت مواقف متناقضة من قبل النقّاد، ربّما لم تكن فاتنة فتنة «الطلياني».

بالإضافة إلى السيرة الذاتية والرواية، كانت لك اسهامات في الترجمة، ماذا عن محاولة ترجمة ’”الشعرية”، لتدوروف؟

كنت مازلت طالبًا آنذاك بدار المعلمين العليا، حين ترجمت كتاب الشعرية لتودوروف بالاشتراك مع رجاء بن سلامة، لم تبد لنا في وقتها مغامرة، بدت لنا أمرًا بديهيًا ونحن نتطلّع الى تحديث السرد الـ”أدبيّ” ووسائل تطويره وربطه بالحداثة، ما شجّعنا على ذلك أنّه كتاب تأليفيّ يقدّم البنيوية ومفاهيم مهمّة، وأيضًا في حجم صغير، لذلك لم نتهيّب تلك المغامرة. الترجمة هي تعبير عن وعي آخر بالحداثة، الأمر الثاني أنّ البنيوية كانت في تراجع، وهذا من نظرة تأريخية وليس من نظرة علمية، لأنّ مكتسبات البنيوية لا يمكن أن نلقيها هكذا بظهر اليد، فبين تحليل انطباعي للدروس السردية وهو التحليل السائد حتى في الدرس الجامعي، وتحليل يعتمد تصوّر السرديّات كالشعرية وغيرها، لم تتعوّد عليها الثقافة العربية في تلك الفترة، لم تستوعب بعد جوانب القوّة في التصوّر البنيويّ. في نهاية الأمر تبقى الشعرية ضمن الافتراضات البنيوية الكبرى، حين نعود بهذا الكتاب إلى فترته التي صدر فيها، فهي فترة بداية ترجمة أعمال الشكلانيين الروس والشعريين الغربيين، فقد كان متناسبًا مع زمنه الثقافيّ بالنسبة للعالم العربي.

من الرواية والترجمة إلى السيرة الذاتية، لقد راكمت ثلاثية نسقًا نقديًا في علاقة بالسيرذاتي سواء فكريًا في أحفاد سارق النّار أو ذاتيًا في الزعيم وظلاله أو سيرة الغائب/الآتي في دراسة كتاب الأيام لطه حسين، هل تكمن أهميتها في إضاءة مساحات ملتبسة، أم من أجل الاحتفاء والتكريم.، هل كان تناول هذا الجنس “الأدبيّ” من أجل شخص بعينه، أم كجزء لا يتجزأ من مجتمع بأسره؟

في الجانب الأول، اهتمامي بالسيرة الذاتية ليس حديثًا، أوّل كتاب ألّفته ونشرته في بداية التسعينات، هو كتاب عن طه حسين، هذا الكاتب أراد الكثيرون التحقير من شأنه فيعتبرونه كتابا مدرسيا، وهذا ليس صحيحًا، أعتقد أنّ من يقرأ الكتاب يجد فيه البعد البيداغوجي الذي لا أنفيه، لكن ينسون البعد الأخر وهو تحليل كتاب الأيام نفسه، وهذا التحليل لم يكن تحليلًا مقتضبًا، لا أعرف كتابًا تضمّن مقاربات وتناولا مدقّقا لفصول وقضايا الكتاب ومن معالجة له جماليًا و”أدبيّا” وفكريًا مثلما فعلت، حتى أنّ حسين حمودة وهو ناقد من أهمّ النقاد المعاصرين اعتبره في السنة الماضية أهمّ كتابٍ في تلك السنة، هذا التحقير جاء بعد الحصول على جائزة الملك فيصل، لا أعرف تحليلًا يضاهي ما ورد في كتابي عن طه حسين.

علاقتي بالسيرة الذاتية قديمة، وظلّت متواصلة رغم انشغالاتي الأخرى، أنا أشتغل في أكثر من قضية في أكثر من فترة، كنت في الآن نفسه أطالع السير الذاتيّة كثيرًا، فلفتت انتباهي أعمالٌ كثيرة تتصل بالسيرة الفكرية وكانت لي ملاحظات عنها، شيئًا فشيئًا كنت أكتب بعض التقييدات وأتركها، أحيانًا لأجرب على نصًّ ما منهجًا أو نظرية نقدية، مثل نظرية النقد الجغرافي، وهي غير منتشرة للأسف في العالم العربي، أحيانًا لأختبر العلاقة بين نص ما وبين ونظرية البناء الاستعاري في القول، كنت أضع هذه المحاولات جانبًا إلى أن تشكّل منها كتاب أحفاد سارق النّار، حينها أصبح التفكير في السيرة الذاتية الفكرية والذي أعتبر –وهذا ما لم يدركه الكثيرون- أنّها هي الخطّ الأساسي في السيرة الذاتية العربية، لنا نموذجان كبيران في السيرة الذاتية، نموذج طه حسين في الأيّام ونموذج محمد شكري في الخبز الحافي، نموذج الأخير يقوم على البوح والفضح والحديث عن التمثل الشبقي للجسد، لا نجدها في كلّ السير، لأنّ السيرة الذاتيّة العربي سيرة قائمة على الحياء الاجتماعي والأخلاقي، لا أعرف إلّا القليل مثل سيرة عبد القادر الجنابي التي تندرج بقطع النظر عن قيمتها الفنيّة في خطّ محمد شكري، وجلّ السير الذاتية العربية تعيش ما أحب أن أسميه بـ”لعنة طه حسين” على معنى أنّه كتب سيرة ذاتية في ظاهرها ينبغي أن تقوم على ما تقوم عليه السير الذاتية من بوح وإفصاح ولكن حين نتأملها في عمقها، أراد ببساطة أن يصرّح “هذا الفتى الّذي كنت، صنع حياته بفضل قوة العقل والإرادة والمعرفة” فهو أنموذج لجيل كانت الدراسة بالنسبة إليه مصعدًا اجتماعيًا، وكلّ جيل طه حسين كتب بهذا المعنى، ـأي أنّهم كتبوا في الحقيقة سيرا فكرية والّذي يكشف عن هذا النّمط أو الخطاطة الكبرى، خطاطة الباحث، هذه الخطاطة رأيت أنّها تقوم على أنموذج “برومثيوس” في الأسطورة اليونانية، فهذه الشخصية، القاع الاسطوري الذي سرق نار المعرفة من أجل التبصّر  على أنظار الناس وانتهى مظفّرًا، هذه الملامح الكبرى للسير الذاتية، ما يدلّ على ذلك هي سير ذاتية فكريّة حقيقة،  لم تكتب على سير حياة، بل على سير حياة الفكر إن صحّ التعبير، مثل سيرة عبد الوهاب المسيري، مثل سيرة الحبيب الجنحاني، هنالك سير أخرى لم أكتب عنها، لأنّني لم أجد الوقت ولا الرغبة أحيانا..

لماذا الاهتمام بالسيرة الفكريّة، أنا لم أفكر بهذا النوع، لكل باحث وكاتب حدوس، والسيرة الذاتيّة تطرح سؤالا أساسيّا إلى مدى يستطيع المجتمع والثّقافة والايدولوجيا السائدة أن تكون متسامحة مع الأفراد الّذين يغامرون ليصنعوا مساراتهم الفرديّة وتجاربهم الخاصّة بعيدًا عن ضغوط المجتمع الأخلاقيّة والإديولوجية، أي أنّ المجتمع يريد أن يقدّم نفسه على أنّه محكوم بمنظومة قيم ترسّخ الفضائل وتبعد الرذائل، وكاتب السيرة الذاتيّة قد يعرض مخازيه وعيوبه ونقائصه، وموقفه المتمرّد من المجتمع.

لماذا وصلت إلى ذلك السيرة الذاتيّة، هنالك تفسيرات كثيرة لا أريد مناقشتها، لكن ما يهمني أن هنالك شيئين وقعا في التاريخ، هما نشأة الفرد والذّات الّذي أصبح يحقّ له أن يخرج عن المجتمع ونمط تفكيره وحياته وقيمه وأخلاقها التي يدعيها، وهذا الفرد لم يعد أنموذجًا للفضيلة بل أصبح يتردّد بين الألوهيّة والحيوانيّة، بين الفضائل والرّذائل، ببساطة لأنّه بشر  فرد، إذن الاهتمام بالسيرة الذاتيّة علاوة على هذه الأبعاد الفكريّة والنقديّة والفنيّة الجماليّة، هو في حقيقة الأمر تساؤل عن حظّ مجتمعاتنا العربيّة من الحرّيّة، هل استقر عندنا مفهوم الفرد الحرّ.

إنّ المواطنة الّتي ندعيها هي في نهاية الأمر عقد بين الفرد الحرّ والدولة فهل نحن أسّسنا لهذه المواطنة انطلاقًا من الحريات الفرديّة، فتصبح القضية نقدية مواطنيّة وحقوقيّة وسياسيّة، ولست مّمن ينفي أنّ العمل النقديّ والفكريّ له بعد سياسيّ، بالعكس، هذه ميزاته لأنّ السياسة هي الاشتغال على الشأن العامّ في المدينة، ولأنّ الأدب وخاصّة السيرة الذاتيّة ليست مجرّد عمل فنيّ، وإن كان تدرج في تصنيفها على الجنس الروائيّ المعنى الواسع، ولا تكون السّير الذاتية حقيقة إلّا إذا كانت محكمة البناء فنّيا وجماليا على مقتضى ما تستدعيه الذاكرة. هي في الآن نفسه تتراوح بين داخل النّص والمرجع التوثيقي باعتباره قصّة حياة الفرد، فهذا المجال، مجال السيرة الذاتيّة يسمح للدارس بأن ينتقل من الاجتماعي الثقافي العام إلى السياسي.

إذًا تراكم هذا التّكامل ليس بالضرورة تكامل مخطّط له ولكن هاجس من الهواجس الّتي تعتمر في نفسي شخصيا ونفوس أفراد كثيرين من جيلي، قضية الحريّات، والحريّة ليست الحريّة السياسيّة فقط، بل الحريّة الفرديّة.

ألا ترى أنّ بعض التابوهات والحياء الأخلاقي في مجتمع محافظ تمثّل عائقًا أمام بلورة سيرة ذاتية واضحة ونقية وصادقة، بعيدًا عن الحياء والموروث الاجتماعي؟

أولًا، لا يمكنني أن أضع نمطًا أو قالبًا للسيرة الذاتية، وأقول إنّ هذه هي السيرة الذاتية، هذا موقف غير نقديّ، فيكون انطباعًا ذاتيًا وشخصيًا، فمهمّة الناقد ما يصدر ويبحث في اتّجاهات وخطوط السيرة، ما قدّمته ليس حكمًا سلبياً رغم أنّ عبارة “لعنة طه حسين” لا تخلو من استفزاز، بقدر ما هي معاينة لحال السير الذاتية، فهي إذ وجدت باعتبارها جنسًا حديثًا في الكتابة – حتّى في الغرب نسبيًا- فوجودها في حدّ ذاته لا يخلو من طرافة، من كتبوا سيرهم الذاتيّة في البداية هم أبناء جيل طه حسين وجلّهم من الليبراليين…الفكرة الليبراليّة في العالم العربي هي الّتي تبنّت مسألة الحريّة وللأسف قمعتها الإيديولوجيات الإسلاميّة والماركسيّة والقوميّة على اعتبار أنّ هذا المفهوم الليبرالي هو مفهوم غير مناسب للمجتمعات العربيّة. هذه الملاحظة ليست ثانوية لأنّ نشأة السيرة الذاتيّة وتطورّها عربيًا سيكون مرتبطًا بالتّفاعلات العقليّة والذهنيّة والثقافيّة والاقتصاديّة والسياسيّة في العالم العربي، هذا من ناحية، من ناحية أخرى، السيرة الذاتيّة بالمعنى الثقافي العامّ كما ذكرت لك هي محرار لمدى تطوّر العقليّات ولمدى ترسّخ مفهوم الفرد أولًا وحريّة الفرد ثانيًا في هذه المجتمعات. ثالثًا، مسألة التابوهات الاجتماعيّة والمحرّمات الدينيّة والممنوعات، هذه بطبيعة حال جزء من صراع الحريّة وتطوير هوامشها، لكنّ جزءا آخر هو حين نتساءل عن الجانب الديموغرافي لهؤلاء الذين يكتبون السيرة الذاتيّة، لنأخذ جيل طه حسين مثلًا، كلّ من خطّوا منهم سيرهم كتبوها بعد الستينات من عمرهم – طه حسين كتبها قبل ذلك لأسباب يطول شرحها- وهؤلاء في الأغلب جامعيون ومثقفون وأعلام مشهورون، إذن لم يغامروا بهدم رصيدهم الرمزي المتأتي من المنصب الاجتماعي لكي يكتبوا السيرة الّتي يفترض سؤالك أن يكتبوها، وهو جانب البوح والحميمية والتعامل بتمثّلات مغايرة مع الجسد، المرأة، الدين، لنتصوّر أنّ فنّانًا أو فنّانة، لاعب كرة قدم، رجل مسرح، مغني إلخ، لنفترض أنّ راقصة قد كتبت أو أملت سيرتها الّتي عاشتها، كيف سيكون الأمر، بطبيعة الحال سنجد صنف أخر من السير الذاتيّة، هذا إذا تمّ الالتزام بمعيار البوح في السيرة الذاتية، قدّمت لك هذا المثال لنتبيّن أنّ الانتماء الاجتماعي والانتماء إلى جيل ما هو نفسه يفرض قيودًا ويحتّم ويحدّد عليك  موقف الكاتب من هذه المحرّمات، لكن في الآن نفسه ما يكتب اليوم من روايات –وأنت تعرف أنّ هنالك مشكلة كبيرة أنّ السيرة الذاتية يعترف فيها المؤلف منذ البداية قصد التّعبير، فيما يرى الروائيّ أنّه يكتب رواية مهما كانت واقعية-  حيث كانت من ناحية المبدأ تتحدّث لا عن حياة الكاتب وإنّما عن بعض جوانبه ربمّا. لعلّه من الضروريّ أن يستلهم الكاتب من نفسه ومن حياته وشخصه أجزاء من أعماله الروائية كثيرًا ما يخفيها أي يقوم بعملية تغطية لكل ما هو شخصي وذاتيّ بأساليب معروفة في الكتابة الروائية.

إذا أخذنا هذا وقرأنا الكثير من الروايات، نجد فيها جرأة لم تكن موجودة في كتابات نجيب محفوظ، أو في كتابات عبد الرحمن منيف، ولا في كتابات جبرا ابراهيم جبرا، ثمّة في الرواية العربية جرأة ما تتشكّل خاصة مع الأجيال الجديدة في الرواية العربية، أحيانًا ناجحة وأحيانًا تكون مستفزّة دون أيّ قيمة فنيّة، ومعنى ذلك أنّ الكتّاب الّذين يتجرؤون في الرواية، كيف ستكون سيرهم الذاتية يوم يقرّرون كتابتها، هل ستكون بنفس مقدار الحياء والخجل والتوجّس من مصادمة منظومة القيم الاجتماعية والايدولوجيا السائدة، أربط بين الرواية والسيرة الذاتيّة لأنّ السيرة الذاتية صنف من السرد الروائيّ وليس أمرا آخر.

القضيّة في النّهاية هي جزء من تطوّر المجتمعات والعقليات والذهنيات في عالمنا العربي ومدى قبولنا بهذا البوح والتّجارب والحريّات الفردية، ليس هذا فقط ولكن مدى تغيّر منظومة القيم نفسها، خذ الآن نظرة قارئ أو حاول أن تتخيل الفرق بين نظرتك وأنت مازلت شابًا ومدى تمثّلك للجسد وللمرأة في عالم رقميّ كلّ شيء فيه متاح، وتحوّلات العالم أمام ناظريك بصورة آنية ومباشرة، وبين نظرة أبيك أو جدّك، فالفرق شاسع، هي فجوة بآسرها، وما كان بالنسبة لأسلافك وأبيك وجدّك من العيب أصبح بالنسبة إليك من حيث لا تشعر ولا تدري ولا تريد أحيانًا أمرًا عاديًا وبديهيًا. هذا كلّه يوم تقرّر كتابة سيرتك الذاتية، هل ستجد الحرج بنفس الوطأة الذي كان يواجه أجيالًا سابقة، لا أظنّ.

هنالك عقلية جديدة تتشكّل، هنالك عين أخرى، تجارب حياتية مخالفة، يعيشها النّاس في العالم العربيّ اليوم، حتّى في المجتمعات الّتي تزعم المحافظة والتّطابق مع المعايير الدينيّة.

في نفس السياق، أنت ترى أن تناول هذا الجنس “الأدبيّ” يمثّل مدخلا للمجتمع بأسره، باعتبار أنّ سيرة الفرد قد تختزل ربّما سيرة الجمع؟

بطبيعة الحال، فأنا مازلت أعتقد أنّ هذا الفرد هو مجمل العلاقات الاجتماعيّة كما قال ماركس يوما، هذا لا ينفي التفرّد بالبصمة الشخصية ولكن أيضًا هناك علاقات سلطة تبني الفرد وشخصيته الفرديّة، هناك هذا الانتماء الطبقي، المستوى الثقافي، الجانب المهنيّ. المجتمعات –خاصة في مرحلة التحديث- على قدر ما تفكك الأسرة الواسعة فتجعلها أسرة نواة، تفكيك البنى التقليدية، فإنّها تقوم على نوع من عَكْسٍ لتحوّلات المجتمع والبنى والأنظمة الاجتماعيّة، الشّارع التونسي اليوم هو ليس الشارع التونسي قبل ستين عامًا، وهذه التحوّلات في الشارع تؤثّر على الفرد، المدرسة نفسها، ما نتج عن الاختلاط في المدرسة هو قرار قد يبدو بسيطًا  لكنّ نتائجه أكبر ممّا تتصوره، بالنسبة لنظرتك أنت أو نظرتي أنا إلى المجتمع، إلى المرأة، إلى الجسد، إلى الذات. هذه ظواهر معقّدة، تتشابك وتتقاطع بين الفردي والشخصي، لتصبح سيرة الفرد سيرة الجماعة.

******

الصورة لضحى عبد الحق.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق