لم تكن حياتنا كلها في الكومونة… كنا في المسرح أيضاً وكان هناك موت كثير / وائل السوّاح

على أن الجدل والحوار والنقاش المرتفع النبرة لم تكن كلّ حياتنا في الكومونة. فالكومونة كانت أيضا مرتعا للشعر والمسرح والجمال. من بين زوار الكومونة الدائمين كان فرج بيرقدار وجميل حتمل وبشير البكر وخالد درويش. ومن بينهم ايضا كانت الدفعة الأولى من طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية. تعرّفت على هذه الدفعة عن طريق الصديق والفنان الحمصي الأصيل غسّان سلمان، الذي سيفجعنا برحيله المبكر في التسعينات. تعرّفت على غسّان في فرقة فرحان بلبل، أستاذ جيلنا الأول في حمص. كنت وغسّلن عضوين في فرقة فرحان المسرحية، وكان للرجل تأثير جارف علينا. تعرفت عليه عندما كنت في الخامسة عشرة في نادي دوحة الميماس الحمصي، حين كنت أعدّ نفسي لأغدو ممثلا مسرحيا باهرا. غير أنني لم أقف على خشبة المسرح ابدا، فالمسرحية الوحيدة التي تدربت عليها، وكان لي دور صغير فيها، لم تظهر على الخشبة. علّمني فرحان أن الثقافة جهد وتعب وحفر في الصخر، وأن المسرح حياة والحياة مسرح. عنه أخذت ستانسلافسكي وتذوقت إبسن وأحببت جيرودو وآنوي وكاسونا ولوركا. تعلّمت منه الحوار والإصغاء، وتأمّلت نبله ووسامته وأخلاقه وترفعه. تأثرت باحترامه العميق للمرأة وانتمائه الحقيقي للعاديين من البشر ورفضه الدائم للسوبرمان. فرحان ليس شخصا بل عالما كاملا، ومن “معطفه” تخرج كثيرون: فطمة ضميراوي ونجاح سفكوني وأحمد منصور وصباح ضميراوي وعمر قندقجي ومنصور قندقجي وعبد القادر الحبال وعفراء بلبل وزينب سواح وغيرهم كثير. ولا تزال رائحة “العيون ذات الاتساع الضيق” في أنفي، وذائقة “الممثلون يتراشقون الحجارة” تحت لساني. لا تزال “لا تنظر من ثقب الباب” و”لا ترهب حدّ السيف” تراودانني كلما رجعتْ إليَّ حمص أو رجعتُ إليها. في السجن، استرجعت “الممثلون يتراشقون الحجارة” وأخرجتها، في مهجع مساحته 24 مترا مربعا، يقبع فيه أربعون رفيقا. ويومها أخرجنا فرحان من الزنزانة إلى عالم من نور وبهجة.
غسّان سلمان كان يشرب المسرح مع قهوة الصباح، ويتنفسه مع الهواء. كان يتحدث بجسده وبروحه وبعينيه. وحين يكون على خشبة المسرح كان يحتلّ الخشبة بأكملها، رغم أنه لم يلعب دور البطولة إلا نادرا. لكي ينضمّ إلى المسرح العالي للفنون المسرحية الذي افتتح في عام 1977، كان عليه أن يزوّر تاريخ ميلاده، فالعقل الفذّ للبيروقراطي الذي أنشأ المسرح وضع حدا أعلى لعمر الطلاب المتقدمين، وكان غسّان أكبر من تلك السن بسنة أو اثنتين.
في مساء يوم صيفي بحمص، جاءني مرّة يقول: “إن لم أُقبّل ستنتهي حياتي المسرحية.”
“وماذا ستفعل؟” سألت بتعاطف وقلق.
“لا خيار لدي: سأزوّر سنة الولادة.”
وفعل! لا أدري كيف، ولم أسأل. ولكن غسّان كان بين الدفعة الأولى لطلاب المسرح العالي التي تخرجت سنة 1981. لكي أحضر مشروع تخرجه، غامرت مرّة أخرى بالظهور في مكان علني كان يعجّ بالفنانين ورجال المخابرات، وكنت متخفيّا ومحظورا عليّ ذلك. كانت المسرحية “سهرة مع أبي خليل القباني” تأليف الراحل سعد الله ونوس وإخراج الراحل فوّاز الساجر. وحين دلفنا إلى كواليس المسرح نهنئ الطلاب المتخرجين، صاح بي غسّان بقلق، “شو عم تعمل هون؟ واحد من كل تنين هوني مخابرات. روح! روح!” نشوة العرض والانتصار والتخرج وتحقيق الحلم لم تمنعه من القلق عليّ. حين خرجت من السجن، كان غسّان ككل أصدقاء دفعته قد تحوّلوا عن المسرح إلى التلفزيون. وغسّان الذي لم يحب التلفزيون ابدا، أصيب باكتئاب وقلّ إنتاجه الفني. تحوّل إلى الإخراج والقراءة والطعام اللذيذ الذي كانت زوجته تجيده. ولكنه في النهاية لم يعد يحتمل، فرحل في نوبة قلبية، وترك خلفه المسرح وزوجته وأطفالا ثلاثة وجيشا لا نهاية له من المحبّين.
عرفني غسّان على جمال سليمان وعبد الحكيم قطيفان ووفاء موصللي وأمانة والي وأيمن زيدان وطلال نصر الدين. كلّهم كانوا أصحاب بيت في كومونة اليرموك. أقربهم إليّ كان جمال سليمان. لاحقا سيصبح الممثل الأبرز في الدراما السورية. كان جمال يمرّ بنا بدماثته وأناقته وذرابة لسانه، فيترك في البيت بعد ذهابه عطرا خفيفا واحساسا بالبهجة. أيمن زيدان كان يعصف بالبيت عصفا، رامياً بنكاته يمنة ويسرة، وهو يقلّد استاذه ومعبوده المخرج الراحل فوّاز الساجر، أو يحكي لنا عن مغامراته في بعض القرى النائية أثناء عمله ممثلا في فرقة سعد الدين بقدونس، وكيف هرب والفرقةَ في آخر لحظة من جمهور كاد أن يبطش بهم. يستطيع ايمن أن يحوّل أيّ مأساة إلى مهزلة، وهو في الحياة اليومية أمهر منه على خشبة المسرح أو التلفزيون. كانت أمانة والي تصحب أيمن أحيانا فتخفّف من غلوائه وتنشر عبقا من أنوثة لطيفة ومودّة أصيلة.
يلعب الحظّ أحيانا دورا أكبر من الموهبة. ومن حسن حظّ خرّيجي الدفعة الأولى من المعهد العالي للفنون المسرحية طويلا أستاذهم الأول فوّاز الساجر، الذي ألهب خشبات مسرح دمشق والمدن السورية الأخرى بعروض لم يعرف المسرح السوري مثيلا لها من قبل أو من بعد. غادر فوّاز الساجر قريته النائية في ريف منبج شرقي حلب، ابنا لبدوي أعطاه الصلابة وقوّة البأس وشركسية أعطته البشرة الفاتحة والعينين العسليتين الجميلتين والقدرة على التحمّل. وعاد من موسكو إلى دمشق في مطلع السبعينات كفاتح للمدينة. كان يحمل في داخله نارا مشتعلة بالفن والحب والثورة. قدّم في منتصف السبعينات مع فرقة المسرح الجامعي مسرحية “رسول من قرية تميرة للبحث عن قضية الحرب والسلم”، فأذهل السوريين بمسرح لم يكونوا يعرفونه، وتعامل مع مجموعة من طلاب الجامعة الذين سيتحلون جميعا إلى ممثلين من الصف الأول: عباس النوري وبسام كوسا وسلوم حدّاد. وفي عام 1977 أسّس مع سعد الله ونوس المسرح التجريبي وقدّم مسرحية “يوميات مجنون” عن نصٍّ لنيكولاي غوغول، وقد حوّل الساجر ممثلا رتيبا مملا كأسعد فضة إلى وهج متحرّك على خشبة متحرّكة في صالة متحرّكة. على أن الثورة المشتعلة دائما في قلب فوّاز لم تجد لها مساحة كافية في مدينة دمشق، وفي ظلّ مؤسسات كانت تقمع كلّ محاولة حقيقية للتجريب او التغيير، ففجأنا جميعا في ساعة مبكرة من صباح أيّاري حزين، حين انفجر ذلك القلب الذي كان أكبر من مدينة. جاءني خبر وفاته وأنا في سجن صيدنايا، فانتظرت حلول الليل، لآوي إلى فراشي وأنتحب بصمت، ألا أزعج الرفاق من حولي.
بعد إطلاق سراحي التقيت بجمال سليمان وأيمن زيدان. كان جمال محافظا على ودّه القديم وجمال روحه وثقافته. جلسنا مطوّلا في قهوة فندق الشام، نشرب البيرة ونراجع أنفسنا وذكرياتنا ونحكي عن المسرح والتلفزيون والأخلاق التي تغيّرت. أيمن في المقابل، نظر إليّ وكأنه لم يعرفني. كان وأمانة والي يعرضان على مسرح الحمراء، وقد ذهبت إليهما خلف الكواليس لأهنئهما. وحين ذكّرته بنفسي، نظر مرّة أخرى، وقال مجاملا: “آه، طبعا.. طبعا.. شو اخبارك؟”. وسرعان ما انشغل عني بمن هو أهم. أما أمانة فعانقتني مطولا بضحكتها المجلجلة، رغم أنني لم أكن واثقا أنها تذكّرني بالفعل. لم ارَ أيمن بعد ذاك. لقد صار صاحب شركة عملاقة للإنتاج التلفزيوني، ولكنه لم يرتقِ أبدا عن مرحلة سعد الدين بقدونس. جمال بالمقابل، استمرّ بالارتقاء وبتثقيف نفسه، وحين اندلعت الثورة، وقف مع السوريين، بينما اختار أيمن من كان يقمعهم على مرّ المعقود. ويظلّ عبد الحكيم قطيفان أصدق الجميع. دفع سبع سنوات من حياته في سجون الأسد، ولم يفقد يوما ابتسامته ولا تألّقه ولا مودّته لمن حوله.
شهدت الكومونة كثيرا من قصص الحب والانفصال والهجر. في الكومونة تعرّف فاروق على هند قهوجي، ليصيرا زوجين لسنوات، قبل أن ينفصلا، بسبب خلاف في الطباع. فجأة وجدت هند نفسها في جوّ عاصف لم تالفه، ولكنّها أحبته وانغمست فيه بكلّ كيانها، ودفعت ثمنا كبيرا لذلك: سنوات في السجن. وفي الكومونة، تعرّف محمود على صبيته العربينية اللطيفة التي ستغدو زوجته، قبل أن ينفصلا بسبب السجن. وفي الكومونة أيضا أشرقت صبية نحيلة ولطيفة في سنتها الجامعية الأولى، جاءت من مدينة قرب دمشق، تفوح منها رائحة نظافة لم تكن مألوفة في وسط طلاب الجامعة. لم تكن سلام جميلة بالمعنى الحقيقي للكلمة. كانت نحيلة اقل بقليل من اللازم، بثديين صغيرين وتقاطيع غير أنثوية. في عينيها الصغيرتين الضيّقتين اللتين تتسعان بفعل نظارة طبية حزن شفيف مقيم، ولكنّ فيهما أيضا طغيانا لا يقاوم، سحرا هادئا مسيطرا، كان يجعلها قادرة على أن تلوّن أي مكان بحضورها. وقع أكثر من مقيم أو زائر في هواها، ولكنها رفضتهم جميعا، بلطف وحزم، دون أن يجعل أيا من طلابها يغضب أو يعاديها.
“لا أحب الجنس،” كانت تقول، وتضيف: “صدّقوني!”
وصدّقناها، ولكنها فجأة بعد ذلك وقعت في غرام أحد زوّار الكومونة، وعلى موقف الباص، حين كانت وأحدَ طلَابها السابقين ينتظران، أمسكت بيد الشاب، وكتبت على راحة يده حرفي S وA في رمز لاسمها واسمه. وشعرنا جميعا بالغيرة من هذا الفاتح البوهيمي الذي قنص قلب أميرة الكومونة. لم تَطُل علاقتهما، على أي حال. وحين انفصلنا، فاديا وأنا، دخلتُ وسلام في علاقة عنود جامحة، علاقة كانت تحاذي دوما حافّة الهاوية. نهوي فيها ثمّ نحلّق ثانية من جديد. ومعها تعرفّت على أسرار مدهشة في الجسد البشري الباذخ لم أكن أدركها من قبل. ولطالما اسرتني أكثر من أي شيء آخر رائحة النظافة المنبعثة دائما من جسدها اللدن اللطيف.
ومن الكومونة، خرجت ذات مساء آذاري ماطر من عام 1978، وأنا ارتدي بدلة جديدة أنيقة وقميصا أبيض منشّىً وربطة عنق، وبيدي باقة من أزهار عصافير الجنّة، وأخذت سيّارة أجرة، متجها إلى طلعة شورى في المهاجرين لأطلب يد فادية. كانت ظروف فادية في البيت تزداد تعقيدا ويزداد التضييق على حرية حركتها. وكانت الخطبة وعقد القران الحلّ الوحيد المتاح أمامنا. كان الرفاق قد ساعدوني في لبس البدلة وعقد الربطة التي عقدناها وحللناها عشرات المرّات قبل أن ترضي الجميع، ثمّ شيّعوني إلى الباب في مظاهرة تشبه زفّة العريس. التقيت بأخوتي فراس ومها وسحبان في بيت فراس، ثم ذهبنا جميعا إلى بيت فادية. بعد ساعتين خرجنا، يضغط على إصبعي محبس غريب. لم يكن قد بقي معي أي نقود بعد أن دفعت ثمن الخاتمين وطاقة عصافير الجنة والبدلة، فقررت أن أركب في سرفيس “سوزوكي” عائدا إلى المخيّم. وكانت شاحنات السوزوكي وقتها تعمل كسيارات للنقل العام، فتحشر في صندوقها الخلفي عشرة اشخاص يجلسون في حضن بعضهم بعضا. وصلت موقف الساحة، حيث مفرق الكومونة، ونزلت من الشاحنة، بيد ن السائق لم ينتظرني لأكمل نزولي الأنيق، وسار، فسقطت على الأرض الموحلة، وتلوّثت بدلتي الجدية الوحيدة الأنيقة بوحل المخيم. مشيت صوب البيت، في عيني خجل وغضب. كان الرفاق ينتظرون بترقّب. حين دخلت، شهقوا جميع، وصاح بي برهان وهو يرى إلى بدلتي المتّسخة:
“شو عملوا فيك بيت اللاذقاني؟ قلّعوك؟”
عرفت كثيرا جدا من الأصدقاء، ولكني لم أعرف أحدا بطيبة برهان الزعبي وصدقه وإخلاصه. اتفقنا كثيرا واختلفنا كثيرا، ولكنه يبقى دائما الرجل الذي عرفته في أواخر 1977، وعشت معه نحو سنة، ثمّ اعتقل نحو عقد ونصف. لم نكن متفقين سياسيا. كان أمْيَلَ دائما إلى النقاء الثوري، وكنت أمزج هذا النقاء بشيء من البراغماتية. وحين خرج من السجن، زرته في درعا عدة مرات. شربنا عرقا وتذكرنا الكومونة والبيانات والنقاشات، وهو يضحك تلك الضحكة التي سمعتها منه أول مرّة قبل أربعة عقود، وفتنت بها منذئذ. هنالك اشخاص لا تحتاج حقّا لأن تراهم كلّ يوم لتعرف كم أنت قريب منهم. برهان واحد من هؤلاء.
حين أعود اليوم إلى أربعة عقود خلت، أشعر بشيء من السخرية من جيلنا وأوهامه ومآلاته، ولكنني أشعر أكثر بشيء من الغبطة الداخلية الخفية، شيء، ربما، من الفخر. فبينما كان الجنس والخمر والشعر والفن يستغرقان جزءا من حياتنا، فإن جزءا كبيرا آخر كان منغمسا بقضايا الثورة والوطن والفقراء. من بين كلّ سكان المخيم وزواره، لم يبق في سوريا إلا برهان ومحمود. مات ياسين الراضي وياسين أبو خضّور ونور الدين بدران وعدنان
في أمسية باردة نادرة، خَلَتْ فيها الكومونة من كثير من أهلها وروّادها. كنت أقرأ في سريري، ومن مسجّلة كاسيت عتيقة، كانت تتناهى، وكأنْ من بعيد جدا، “بوليرو” موريس رافيل، التي تتصاعد بدون توقّف من الجواب الهادئ إلى القرار الهادر، حين رنّ جرس الباب، رنات طويلة. قفزت من سريري كملسوع، وكان أوّل ما تبادر لذهني أن الأمن يداهم البيت. حمدت الله أن البيت كان خاليا وفي نفس الوقت تمنيت لو أنّ معي أحدا من الرفاق يشدّ أزري. فتحت باب الشقة الداخلي وارتقيت الدرجات إلى السطح. اقتربت من الإفريز بتلصص، ومددت طرفا من رأسي لأرى من الطارق. لم يكن الأمن. كانت فادية. وكان معها حقيبتان كبيرتان.
انحدرت سلّم الدرج ثلاثا، ثلاثا. وفتحت الباب:
“فادية!” هنفت.
“خلص، ما بقى فيني. تركت البيت. جئت لأقيم معك”
لم تُفِد الخطبة ولا المحبس ولا أزهار عصافير الجنة ولا عقد القران. وفي الداخل كانت دوّامة البوليرو توالي تصاعدها نحو اللانهاية.

موقع درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. ابراهيم عنان

    كلما قرات جزءا من هذه السلسلة اجد نفسي اغرق في حياة عشناها سابقا مع خليط من مشاعر الحزن والدهشة فما يكتبه وائل نعرفه لكننا لم نعتد – ربما – على البوح الشخصي فيدهشني انه بوح حقيقي اكثر من ان يكون قابلا للاحتمال ومع ذالك على احد ما ان يكتبه وليكن هو – وائل – نفسه واظنه وسط مشروع كتابة لم يعد قادرا على التراجع عنه لذلك فسوف يواصل التقدم بالكتابة ورايي انه طالما وصل الى هنا فعليه ليس ان يكمل الكتابة وحسب بل ان يرتفع اعلى فاعلى وصولا الى مالات الثقافة في 2011 والمنفى بعدها

  2. أحمد عزيز الحسين

    تابعتُ هذه السلسة حلقةً حلقةً بمتعة وشغف، وما فتحتُ ” الأوان ” مرة إلا وأنا متلهف للعثور على حلقة منها.
    شدني وائل بحميميته وموران عاطفته، وأكبرت وفاءه للراحلين من أصدقائه، وما اجترحوه للمساهمة في إعادة تشكيل وطنهم القتيل والمعذب .
    مسّتْ شغافَ روحي مهارتُهُ في نسج التفاصيل وحبكها، واستعادتها مضمّخة بعاطفته الجياشة، وقلبه المُترع بالمحبّة، وإعادة سبكها بقالب لغوي بسيط بعيد عن التكلف، وكنتُ كلما تابعت حلقة منها أهتف من أعماق نفسي: يا لسورية الخضراء الزاهية والحرون التي حلمنا بها، ثم انطوينا على أنفسنا قانطين بعد أن اكتهلنا، وغدا حلمنا نائياً وقصياً وبعيد المنال !!
    في كل مرة أردد: يا لَعظمة ما صنعه الشباب، وَيَا لَروعة ما حلموا به، وَيَا للخيبة؛ لأنّ الرياح عصفت بأحلامهم، ورمتها في هاوية سحيقة ليس لها قرار.
    وأردّد من مهجري : هل سأكحّل عيني بمرأى سورية البهية بعد أن تستعيد عافيتها، أم سأبقى أنا الآخر مكلوم الفؤاد كوائل، وجريح الروح كجميل حتمل؟؟
    وائل السواح : شكراً لك لأنك أبكيتني على وطن جريح وأم ثكلى .

أضف تعليق