ردّ على رسالة أرندت: نحن نشهد أيضًا تفكّك العالم! / روزا ياسين حسن

كانت قراءتي مؤخرًا لورقة حنة أرندت: “نحن اللاجئين” صدمة حقيقية! فتلك الورقة لم تكن تثيرني قبلًا لقراءتها رغم تأثّري بكثير من كتابات صاحبتها عن الثورة والديمقراطية والأنظمة الشمولية! لكنها بدت أشبه برسالة خاصة لي، هذا ما اقتنعت به، أظهرت كم لتجارب اللجوء السابقة راهنية مثيرة للجدل، كأن التاريخ أنبوب أسطواني لا نهاية له، تدور فيه تجارب البشر دون توقف كالماء، تدور وتدور معيدةً الحركة ذاتها داخل الأنبوب، بشكل عبثي متكرر وبلا نهاية!

ولأن حنة أرندت أرسلت الرسالة لي، سأرد عليها الآن، واعذريني يا عزيزتي إن أتى الرد متأخرًا 75 عامًا!

عزيزتي حنة:

احتاج الأمر وقتًا طويلًا كي أعتاد على “لقبي الجديد”: لاجئة. الحقيقة أنني حتى اليوم أحتاج وقتًا كي أستوعب دخوله الطارئ وقدرته السريعة على السيطرة، والتمدد على هويتي الشخصية، حتى أصبح ملتصقًا باسمي! لم أكن أريد أن أُسمّى لاجئة، ربما واحدة من “القادمين الجدد” أو “مهاجرة”، تمامًا كما كتبتِ في مستهلّ ورقتكِ عن الحساسية المفرطة لدى اللاجئ حين يًسمّى باللاجئ، هل كان نوعًا من الإنكار؟! ربما. لكني كنت في الفترة الأولى وسأسميها فترة البرزخ، والبرزخ بالعربية يا عزيزتي هو المكان بين المكانين: بين الأرض والسماء حيث تعلق الأرواح المعاقبة. في فترة البرزخ كنت في المنفى ولم أكن فيه، عشت المسافة الفاصلة بين الوطن والمنفى كروح معاقبة مطرودة، يقتلني شعور الذنب لأني تركت كل شيء هناك خلفي في الوطن، وقدمت إلى “أرض الأمان” سالمة!

الألم العميق مصاحب لهذه الفترة، بل هو عنوانها. تمامًا كما عبّرتِ أنتِ: إذا تم إنقاذنا نشعر بالإهانة، وإذا تمّت مساعدتنا نشعر بالإحباط، ولدينا خوف من أن نصبح شحّاذين! هذا الشيء الذي شكّل عندي هوسًا حقيقيًا، وكان كل شيء حولي يرسّخه بداخلي، من همهمات سائق الباص الغاضبة، إلى البائع، فجارتي الألمانية التي ترمقني كلما التقتني كأنها ترى كائنًا من كوكب آخر! مرورًا بأسئلة الناس: هل كنتم تملكون برادات؟ هل لديكم في سورية مطارات؟ هل تذهب النساء إلى المدارس! وغيرها من أسئلة غريبة تعمّق شعوركِ بأنك قادم غريب ومجهول! وليس انتهاء بموظفة “الجوب سنتر” التي قالت لي يومًا: “الكتابة ليست مهنة، عليك أن تجدي مهنة أخرى”! ولكن كيف تشرحين لمثل تلك المرأة أني لا أجيد شيئًا آخر! وأن الثقافة الغربية الحديثة وفي جزء كبير منها هي نتاج المهاجرين والقادمين الجدد واللاجئين والمنفيين!

ولأصارحكِ يا حنة، حاولت أن أنأى بنفسي عن أهل بلدي في المنفى كي لا أشبههم، هذا ما أردت إثباته مرارًا، ولطالما رسّخت الأحكام المسبقة لدى الألمان من هذا الشعور لدي، هناك صورة جمعية تسمنا كلنا كعرب: آتون من مكان واحد، متخلف مغلق وصحراوي. حتى أن أحدهم شكا عدم قدرته على الاقتراب مني لأن لديه حساسية من وبر الجمل.. الجمل؟! ولكني لم أر في حياتي جملًا الله إلا في التلفاز! كان شعورًا قاتلًا لئيمًا ذاك الذي راح يمسك بتلابيبي: هنا لا أحد يعرفني، لا أحد يلتقط أهميتي وتمايزي، فأنا جزء من قطيع كبير متشابه! تمامًا كما كان الكلب الألماني الصغير، في رسالتك يا عزيزتي حنة، يمشي في المنفى ويقول إنه كان كلبًا عملاقًا في الوطن. على كل حال فقد اكتشفت أهل بلدي هنا، كأني لم أكن أعرفهم قبلًا. كنت أعيش في فقاعة مع مجموعة من الأصدقاء (المثقفين العلمانيين) بعيدين تمامًا عن المجتمع، لا نعرفه ولا نريد أن نعرفه. ويمكنني أن أقول لكِ إنها إحدى إيجابيات المنفى: أن تقفي أمام نفسكِ في المرآة، وتعيدي تعريف كل ما عرّفته قبلًا، وتكسّري كل الأحكام الجاهزة التي كبرت عليها، لتخلقي تعاريف جديدة ومغايرة. وهي للأسف ليست دومًا إيجابية!

ولأن الأدب هو التعبير العميق عن الهرب وفقدان الأوطان، كما عبّر معاصركِ ليون فويشتفاغن قبل 70 عامًا، فقد كانت الكتابة هي تمايزي. كتبت كالمهووسين، تمرّ الساعات وأنا أكتب وأكتب. بعضنا أصابه الخرس الإبداعي في المنفى، والبعض مثلي صارت اللغة طوق نجاته. اللغة العربية كانت القطعة الوحيدة من وطني التي حملتها معي إلى المنفى، بالإضافة إلى حقيبة قماشية زرقاء مليئة بالصور الشخصية. كانت الكتابة علاجًا، كنت أعوّض الخسارة الفادحة، كما الخواء، باللغة. هل كنتِ تعوّضين خواء المنفى باللغة كذلك؟

ما اكتشفته فيما بعد أن ليس مادة كتاباتي هي التي تغيرت بالمنفى فحسب، لكن طبيعتي ككاتبة ومعنى الحياة لدي! فاحتاج حديثي عن اللجوء وتفكّري به وقتًا طويلًا. مرت سنوات من الإنكار، فأن تقرأي عن الأمر، وتتفكّري به فلسفيًا وسيكولوجيًا أمر وأن تكتبي عنه أمر آخر. أن تكتبي اللجوء والمنفى يعني بأنه أصبح حقيقة تعيشينها يوميًا، وأنه لم يتمدّد على مساحة اسمك فحسب، بل دخل عميقًا إلى لاوعيك ليفرض نفسه كعنصر أساسي من عناصر حياتك، تمامًا كولادتك، حبك، مجيء ولدك، وفي النهاية موتك! حقيقة دامغة صار لجوئي، حتى أني صرت أرى حياتي السابقة برمتها عبارة عن نوع من المنفى غير الواعي! كأن الكون الذي كان تدمّر بما فيه! هذا ما حدث معك أيضًا يا عزيزتي أليس كذلك؟

بعد مرور سنوات الإنكار بدأت بحياء أفكر به جديًا، ثم غرقت أكثر فأكثر، حتى راحت تجارب الآخرين، الذين عاشوا في لجوئهم ما أعيشه الآن، أشبه بجذع شجرة في محيط ثائر، ثم صارت ماء أنا العطشى دومًا. حينها عرفت بأني أدركت معنى المنفى، وأعيش تقلباته وتخبّطاته وأعترف بتأثيره علي، تمامًا كما نقتنع يومًا ما بحق الزمن على أجسادنا بعد سنوات من الإنكار. رحت أتعلّق بالنجوم، تمامًا كما قلتِ بأننا نعتقد أن النجوم أشد نصحًا من الأصدقاء، ولا نتكل عليها فقط بل على خطوط أيدينا كذلك. رحت أبحث عن معالم مستقبل مجهول من خلال النجوم، بل صرت أشبه بعرافة! وتصالحت مع سكن العلمانية والمتطيرة جنبًا إلى جنب بداخلي، ذلك أن اليقين اليومي لم يعد كافيًا لوهبنا نوعًا من الأمل المفقود، نوعًا من الأمان لن نعثر عليه إلا بين النجوم!

يمكننا الانتحار ونحن

على قيد الحياة…

ثمة فكرة أخرى قلتيها في رسالتك عن الانتحار. لكن فكرة الانتحار التي تحدثتِ عنها، لا تنحصر لدي بالموت فقط، يمكننا الانتحار ونحن على قيد الحياة، بالكحول، بالمخدرات، بالعدمية! الانتحار بطريقة هادئة ومتواضعة، هذا ما يحدث معنا اليوم كلاجئين. لم نكن أحرارًا في خلق حيواتنا والعالم الذي نعيش فيه، لكننا نغدو أحرارًا في رمي حيواتنا بعيدًا ومغادرة العالم بطريقة أو بأخرى! لأقل إنه أشبه بتمرد على الحياة وعصيان لظلمها. لقد وصّفتِ الأمر بدقة يا حنة، فقد أصبحنا شهودًا وضحايا لفظاعات أسوأ من الموت، تمامًا كما عاش ناسك قبلًا، وهكذا ورغم أن الموت فقد رعبه بالنسبة لنا، فقد صرنا لا نريد ولا نستطيع أن نخاطر بحياتنا من أجل أية قضية، نحن متعبون يا عزيزتي تمامًا كما كنتم أنتم متعبون، يائسون من أهمية أي شيء سوى البقاء على قيد الحياة. ليست لنا قدرة للدفاع عن حقوقنا، ومعظمنا يتجنّب القضايا العامة ويبحث عن خلاصه الفردي. نحن ذلك النوع الجديد من الكائنات البشرية التي تحدثتِ عنها يا حنة، بشر يوضعون في المعتقلات ومراكز الاحتجاز عند الأعداء، وفي مخيمات للاجئين، شبيهة للغاية بمراكز الاحتجاز، عند الأصدقاء. هذا بالضبط ما يحصل معنا، نحن نوع جديد من الكائنات، نشبه بعضنا بالنسبة للآخرين، كتلة مصمتة تحمل الرعب معها أنّا رحلت، ننافسهم على لقمة عيشهم وأمانهم! دون أن يفكّر الكثيرون بأننا بشر مثلهم تمامًا ولا يملكون أية ميزة بيولوجية عنّا، وبأن الزمن أمر لا يمكن السيطرة عليه ولا التنبؤ به، فمن كان يظن أن يومًا سيأتي وستكون تلك مصائرنا! لا أحد يمكنه أن يرسم مصيره في حياة عبثية كحياتنا.

كيف يمكن للهوية

أن تبقى على حالها؟!

هويتنا الوطنية بدأت تتفكك كذلك، بدأنا نفقد الإيمان بالوطن! في سقوط متسارع للأمم والدول نشهده بأم عيننا، يسقط الإيمان بها أيضًا، تسقط كذلك المفاهيم التي كانت مقدسة، تسقط حقوق الإنسان وقدسيتها، فالآلاف يموتون ويغرقون ويجوعون، والعالم لا يحرّك ساكنًا! بشرفك يا عزيزتي كيف سيبقى لدينا إيمان بكل ذلك! وكيف يمكن للهوية أن تبقى على حالها؟! ولكن ما هي الهوية أساسًا؟! أنا أرى أن مفهوم الهوية الواحدة مفهوم ضيّق، والابتعاد عن روح القومية الرافضة للآخر، والتي تتعملق في المنفى وتبتلع أبناءها، كما الابتعاد عن الدين والعصبيات باتجاه مواطن عالمي وتعددّ هوياتي، هو حلّ البشرية الذاهبة باتجاه الفناء. ما رأيك؟! العالم الذي عرفتيه ماضٍ في التشظّي وخسارة قيمه الإنسانية أكثر فأكثر، نحن نشهد تفكك العالم!

نهاية، أعرف بأنك لن تردّي على رسالتي، ولكني متأكدة بأن الكثيرات والكثيرين من أمثالك سيأتون إلى العالم أو هم موجودون فيه حقًا، وسيجيبون مرارًا عن تلك الأسئلة دائمة الحضور في حياة كل لاجئ.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق