مدخل إلى علم الأنثروبولوجيا ومدارسه

ما هو علم الأنثروبولوجيا

مصطلح ” الأنثروبولوجيا ” يونانيّ مركّب من مقطعين هما : (أنثروس) و يعني إنسان ، و(لوجيا) ويعني علم . وبهذا المعنى فإن الأنثروبولوجيا تشير إلى علم الإنسان، أو المعرفة المنظمة عن الإنسان، وهي تجمع في صيغة واحدة الجوانب البيولوجية والاجتماعية والثقافية للإنسان، وميدان الدراسة الأساسي لها هو الجماعات أو المجتمعات التي تدعى “البدائية”، و إن كان هذا الميدان اتسع في الفترة الأخيرة بحيث أصبح يشمل دراسة المجتمعات العليا القديمة، وبتأثير المدرسة الثقافية الأميركية، ازداد المجال اتساعاً ليشمل مجتمعات أوروبية الأصل تعيش في ظروف تكنولوجية حديثة. وبالتالي أصبحت تدرس الأنماط الحضارية ذات الطابع المعاصر والقديم والأولي والمدني، كما تدرس المجتمعات الحديثة في الريف والمدينة وتأثير الهجرات في التركيبات الحضارية الثقافية المعاصرة.

ومن الناحية النظرية، هناك تصوران بخصوص هذا العلم:

التصور الأول: وهو التصور الأميركي، الذي ينظر للأنثروبولوجيا  كعلم يهتمّ بدراسة الإنسان من الناحيتين العضوية والثقافية  على حد سواء، فيستخدم الأميركيون مصطلح (الأنثروبولوجيا الجسمية أو الفيزيقية) للإشارة إلى دراسة الجانب العضوي التطوري الحيوي للإنسان، بينما يستخدمون مصطلح (الأنثروبولوجيا الثقافية) لمجموع التخصصات التي تدرس النواحي الثقافية والاجتماعية لحياة الإنسان، بما في ذلك الدراسات المتعلقة بالإنسان القديم (الأركولوجيا)، كذلك دراسة لغات الشعوب الأولية واللهجات المحلية، والتأثيرات المتبادلة بين اللغة والثقافة بصفة عامة، وذلك في إطار ما يعرف بعلم اللغة.

التصور الثاني: هو  التصور الأوروبي، وهنا لا نجد نمط محدد متفق عليه في مواضيع هذا العلم، بل قد تختلف مجالات تسميته بين بلد وآخر، فحتى عهد الفيلسوف كانط، كان يقصد بالأنثروبولوجيا، دراسة التاريخ الطبيعي للإنسان، ثم اتسع وتنوع مجال الأنثروبولوجيا ليشمل الدراسات المقارنة بين الإنسان والحيوان، والمقارنة بين  السلالات البشرية، بل وحتى الدراسة المقارنة بين الذكور والإناث وصلة ذلك بالأدوار الاجتماعية.

وقد أطلق الفرنسيون على الأنثروبولوجيا الاجتماعية (الثقافية في أميركا) اسم (الأثنولوجيا) و(الأثنوغرافية) ودرسوها تحت مظلة علم الاجتماع.

أما الإنكليز فأسموها ( الأنثروبولوجيا الاجتماعية ) و تعاملوا معها كعلم قائم بذاته لا يدرج تحته أي من الأركولوجيا أو علم اللغويات، و هذا ما ساعدهم على وضع نماذج نظرية تشرح أبنية المجتمعات، و تفسّر الآليات و الوظائف التي تساعد على استمرارية الحياة الاجتماعية و تماسكها . بهذا خرج إلى الوجود ما يشار إليه مثلاً بأنثروبولوجيا القرابة، أو الدين، أو الاقتصاد، أو النظم السياسية… وغير ذلك مما يسير ضمن إطار الأنثروبولوجيا الاجتماعية. فإذا كانت الأنثروبولوجيا الاجتماعية في إنكلترا – وإلى حد ما في أميركا تحت اسم الأنثروبولوجيا الثقافية – استعملت للدلالة على فرع معيّن من الأنثروبولوجيا التي تعنى بدراسة الإنسان ثقافياً واجتماعياً. فإننا نرى في أوروبا أن القاموس اللفظي مختلف، فعندما يتحدث الأوروبيون عن (الأنثروبولوجيا) فإنهم يذهبون إلى ما يسميه الإنكليز (الأنثروبولوجيا الفيزيقية الحيوية). أما ما يسميه الإنكليز بالأنثروبولوجيا الاجتماعية، يسمى في أوروبا (الأثنولوجيا أو الاجتماعيات).

و إذا ما حاولنا تجاوز هذا الخلاف و التحدث بلغة متوافقة بينهما، نجد أن الأنثروبولوجيا تقسم منهجياً إلى تخصصين رئيسيين يتشعب عنهما مجموعة كبيرة من الفروع الأخرى:

 التخصص الأول هو الأنثروبولوجيا الحيوية، أو الفيزيقية، أو الطبيعية: وهي فرع قديم ظهر في أواخر القرن الثامن عشر، تحت تأثير الأفكار الداروينية، يهتم بدراسة الإنسان من حيث سماته الجسمية والتشريحية، كشكل الجمجمة وطول القامة، كما يدرس الإنسان في نشأته الأولى، وف\ي تطوره عن الرئيسيات، وفي كيفية اكتسابه السمات والخصائص السلالية التي تميزه عن غيره من الأجناس والأنواع الحيوانية.

التخصص الثاني هو الأنثروبولوجيا الثقافية (بشقيها الاجتماعي والثقافي)  : وهي تهتم بدراسة منتجات الإنسان الثقافية، على اعتبار أنه نوع يتميز عن بقية الأنواع الحيوانية بالثقافة، وهنا يمكن الحديث عن تيارين أساسيين هما : الأنثروبولوجيا الاجتماعية والأنثروبولوجيا الثقافية، الأولى تهتم بدراسة المجتمعات البسيطة الصغيرة التي يمكن فيها فهم دراسة العلاقة بين النظم الاجتماعية جميعاً، لذلك يدرس هذا التيار المجتمعات الأولية صغيرة الحجم ذات النسيج الاجتماعي المحدود والمتكامل، والذي يمتاز ببساطة الفنون والآلية الاقتصادية وقلة التخصص في الوظائف الاجتماعية، وقد ساد هذا الاتجاه في إنكلترا بشكل خاص.

أما الأنثروبولوجيا الثقافية: فهي تهتم بشكل خاص بالسلوك التقليدي للبشر في السياق الاجتماعي، حيث تدرس أنساق الحكم والسلوك لدى الجماعات، بدءًا من المجتمعات الأولية ذات التكنولوجيا البسيطة، وصولاً إلى المجتمعات الأكثر تنظيماً. فإذا كانت الأنثروبولوجيا الاجتماعية قد نظرت للإنسان الشامل من خلال نتاجاته المادية، فإن نظيرتها الثقافية نظرت للإنسان انطلاقاً من تصوراته، وإذا كانت الأنثروبولوجيا الاجتماعية تركز على العنصر البشري – كالعلاقات الشخصية والعلاقات القائمة بين البشر داخل الجماعات – فإن نظيرتها الثقافية تركز على الإنجاز الخلاّق والأهداف والأفكار التي يتم توضيحها ونقلها من جيل لآخر. وقد ساد هذا التيار في الولايات المتحدة الأميركية.

وقد كان لهذا التخصص تفرعات واسعة حيث تندرج تحته مجموعة من المباحث الأساسية مثل : علم اللغويات الأنثروبولوجية : التي تقوم بدراسة اللغات و تاريخها دراسة بحثية وصفية بغية تحديد أصول اللغات الإنسانية.

والأنثروبولوجيا الاجتماعية: التي تنقسم بدورها إلى عدة فروع سياسية وقانونية واقتصادية ودينية … الخ .

ثم هناك علم الآثار، و ما قبل التاريخ: الذي يحاول دراسة أسلوب تطور تفكير الإنسان القديم من خلال مخلفاته الأثرية المختلفة وطرق تطويرها.

ومن منظور المدرسة الأوروبية تقسم الأنثروبولوجيا، كتخصص اجتماعي، إلى فرعين أساسين هما “الأثنوغرافية” و”الأثنولوجيا”

الإثنوغرافية : كلمة تعود إلى المؤرخ الألماني  (ب . ج . نيبور ) عام 1810، وتعني الدراسة الوصفية لأسلوب الحياة ومجموعة التقاليد والعادات والقيم والأدوات والفنون والمأثورات الشعبية لدى جماعة أو مجتمع معين خلال فترة زمنية محددة. أما الإثنولوجيا : فهي كلمة ظهرت سنة 1787 على يد عالم الأخلاق  (دوشوفان) وتهتم بالدراسة التحليلية والمقارنة للمادة الإثنوغرافية، بهدف الوصول إلى تصورات نظرية وتعميمات بصدد مختلف النظم  الاجتماعية الإنسانية. وبهذا تكون الإثنولوجيا هي نظرية الإثنوغرافية، فإذا كانت الإثنوغرافية  مثل “التاريخ” تعتمد على الاستقصاء وصياغة المواد، فإن الإثنولوجيا مثل “علم الاجتماع ” تحلل وتبرز النماذج المقامة على أساس الوثائق الإثنوغرافية، هادفة القيام بتركيب ثلاثي : الأول بيئي يقارن مكانياً بين الجماعات السكانية المتجاورة. والثاني تاريخي زماني يضع الحوادث الرئيسية الخاصة بجماعة معينة في ديمومة الزمان. والثالث منهجيّ يتوصل من خلاله إلى تفسير نمط من التقنيات والمؤسسات أو المواقف المتعلقة بجماعة ما.

فتكون الأنثروبولوجيا وفقاً لذلك، هي العلم الذي يقود إلى درجة أعلى من التعميم، لأنها تطمح إلى تحقيق المعرفة الشاملة عن الإنسان منذ بداياته حتى الوقت الحالي، وهكذا تغدو علاقة الإثنوغرافية بالإثنولوجيا هي نفس العلاقة بين الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا، حيث ترتبط الأولى بالطابع الميداني التحليلي، والثانية بالطابع النظري التوثيقي التركيبي، أما الثالثة فهي أعم، تشمل الاثنين معاً لتقدم نظرة شاملة وعمومية، بحيث لا يمكننا اليوم التحدث عن بحث أنثروبولوجي بالمعنى الأكاديمي دون أن يكون قد مرّ بتلك المراحل الثلاث.

مدارس علم الأنثروبولوجيا

وفق الترتيب التاريخي يمكننا التحدث عن المدارس التالية:

  1. المدرسة التطورية: وهي أقدم وأول المدارس الأنثروبولوجية، يغلب على روادها الطابع النظري المحض، الذي لا يرافقه البحث الميداني المطلوب في العمل الأنثروبولوجي. وتعود نشأة هذه المدرسة إلى كتابات مفكري القرن الثامن عشر، لا سيما كتاب مونتسيكو (روح الشرائع)، الذي يعتبر أول بحث أنثروبولوجي يقوم على أساس المقارنة بين الشعوب بحسب مواقعها الجغرافية والمناخية المختلفة، إذ يؤكد على فكرة أن التغيير الذي لا يأخذ بعين الاعتبار عادات وتقاليد الجماعة الموروثة، لا بد وأن يفشل، وأن الإصلاح لا يكون إلا بغرس عادات وتقاليد جديدة يوجهها المصلحون ويعملون على نشوئها وتطورها. ويمكن التحدث أيضاً عن دراسات – جان جاك روسو – التي شكلت ركيزة هامة في تاريخ الأنثروبولوجيا، نظراً لما تتضمنه من تناول للمادة الإثنوغرافية عن الشعوب المكتشفة في إطار المقارنة بينها وبين المجتمعات الأوروبية، حيث استطاع أن يخلص نفسه من التحيز الثقافي لمجتمعه، منتقداً قيمه ومشيداً بطرق حياة الشعوب في المجتمعات الأخرى.

وفي القرن التاسع عشر ظهرت الأنثروبولوجيا كعلم تخصصي أكثر وضوحاً، مع كتّاب أمثال دالمبير، وكوندروسه ، وتورغو ، ثم سان سيمون، وتلميذه  أوجست كونت.  ففي مؤلفات هؤلاء نجد الأسس النظرية لعلم الأنثروبولوجيا كما صيغت فيما بعد، بحيث يمكن اعتبارهم بمثابة الآباء المؤسسين لأول مفهوم نظري للأنثروبولوجيا الذي تبنته المدرسة التطورية.

أما المدرسة التطورية ذاتها، فقد ساهم في تكونها مجموعة كبيرة من الباحثين الذين نشروا الكتب الإثنولوجية تباعاً في كل من فرنسا وألمانيا وإنكلترا وأميركا، منها كتاب (المدينة القديمة) للفرنسي فوستيل دو كولين سنة 1864، ثم كتاب الإنكليزي إدوارد تايلور (الثقافة البدائية) عام 1871، ثم كتاب (المجتمع القديم) للأميركي لويس مورجان سنة 1877، ثم كتاب (أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة) للألماني فريدريك أنجلز سنة 1884، وأخيراً وليس آخراً نذكر الكتاب الشهير (الغصن الذهبي ) للإنكليزي جيمس فريزر الذي ظهر جزءه الأول في العام 1890.

جميع تلك المؤلفات تعكس اهتماما مركّزاً حول اتجاه فكري معين ساد إبان هذه الفترة ودفع بالأنثروبولوجيا إلى التركيز على الدراسات الإثنولوجية، حيث نشأ مفهوم (التطورية الثقافية) كمرادف لمفهوم (التطورية الطبيعية) التي جاء بها داروين في كتابه الشهير (أصل الأنواع) سنة 1859، وعليه فإن الفكرة الأساسية لتلك المدرسة تقوم على مفهوم التطور الثقافي، على أساس أنه لا يمكن فهم العقل الإنساني إلا بربطة بالتاريخ، الذي من خلاله فقط يمكن فهم الحياة الإنسانية والوصول إلى القوانين التي تحكم مسارها، فتاريخ البشر واحد، بسبب وحدة الفكر الإنساني، وقد عرّف تايلور الثقافة قائلاً : “الثقافة أو الحضارة، موضوعة في معناها الإثنولوجي الأكثر اتساعاً، هي الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعادات وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع”. وبالتالي تعبر الثقافة وفق هذا التعريف عن كلية الحياة الاجتماعية، وتتميز ببعدها الجماعي، وهي مكتسبة و لا تتصل بالوراثة البيولوجية، كما أن اكتسابها غالباً ما يتصل ببعد لاواع” . أما الفروقات الثقافية، فهي وليدة ظروف تاريخية معينة، وعليه تكوّن المجتمعات وجودا متجانسا ومتواصلا مؤلفا من طبقات تطورية وأقسام متوازية يسير فيها التطور حتماً وفق خط مستقيم، لا بد على جميع المجتمعات أن تمر به. فالتاريخ يسير في مسار خطّي، وله شكل موحد في نشأته وتجاربه وتقدمه، وهو ينتقل وفق درجات متتالية للتطور بحيث تكون كل درجة وليدة سابقتها، ومساهمة في تشكيل تاريخ ما بعدها، ويفترض هذا بالطبع وجود وحدة سيكولوجية بين جميع البشر على اختلاف ثقافاتهم، وقد تحدث مورجان قائلاً : “يتحدد الذكاء بالاختراع والاكتشاف وتطور القانون الاجتماعي ومفهوم الأسرة والملكية ، ويكون التطور بمقدار عملية إنتاج أو تطور إنتاج شروط حياة الإنسان المادية والذهنية”.

وطالما أن الفكرة المحورية التي انطلقت منها هذه المدرسة هي فكرة  التطور الثقافي، فمن الطبيعي أن تقول بحتمية نهاية العصور القديمة لصالح العصور الأحدث، فهناك قطيعة بين الثقافات الأولية، والثقافات العلمية. والثقافات البدائية تدرك نظرياً بالتحليل على اعتبارها بقايا أو عقلنه ميتة، وبالتالي يجب أن تختفي من الحياة العملية والممارسة، وذلك لارتباطها – وفق تايلور –  مع المراحل المتدنية من تاريخ البشر العقلي”. تصوّر قاد بدورة إلى إيديولوجيا قوامها مفهوم “التماثل” الذي نادت به وروجت له تلك المدرسة، وهو مصطلح يعني ضرورة أن تماثل الشعوب البدائية، أو الأقل تحضراً، الشعوب المتمدنة والحضارية، ويكون ذلك من خلال نشر لواء المدنية لدى تلك الشعوب،  من خلال القضاء على إرثها “المتخلف” وحملها على الرقيّ المدنيّ الذي يوحّد مفهوم التطور البشريّ.

ومن جهة أخرى، يعلق رواد تلك المدرسة أهمية كبيرة على ما كان يسميه تايلور “الرواسب الاجتماعية” التي تقارن بالأعضاء النافلة عند بعض الكائنات الحية، أو الحروف الخرساء في بعض الكلمات، فهذه الرواسب لا تلعب أي دور أو وظيفة أساسية، وإن كان لها وظيفة فهي ثانوية ومختلفة كل الاختلاف عن الوظيفة الأساسية، وهي  رواسب لا تعدو أن تكون بقايا زمن منصرم، وبالتالي فإنها تقدّم الدليل على أن هذه السلسلة من المراحل الاجتماعية كانت في الواقع سلسلة تاريخية،  وإذا ما تمكنا من تحديد النسق الذي تم بموجبه تتابع تلك المراحل، يبقى علينا أن نسعى إلى تحديد المؤثرات التي ولدّت الانتقال من مرحلة إلى أخرى، فهذا مورغان يدّعي أن النظام التصنيفي لقاموس ألفاظ القربى (التي تطلق لفظ أبي على من هو من جيل أبيه، وكذلك كلمة أمي على من هم من جيل أمه) تدل على أن أعضاء تلك الجماعات الغابرة كانوا قد عاشوا قبل ذلك في حالة من الاختلاط الجنسي، أو حالة شبيهة بها، كذلك أدخل مكلينان – وهو من رواد تلك المدرسة – مفاهيم الزواج والطقوس المرافقة له، كرواسب تشير إلى مرحلة مبكرة من التطور، وهي نظرة كان قد عبّر عنها الفيلسوف الاجتماعي (هربرت سبنسر) الذي كان أول من أدخل  التصور الدارويني على المجتمع – مع فارق بسيط هو تأكيده على أن التطور الاجتماعي ناتج عن وراثة قدرات مكتسبة لا عن الانتخاب الطبيعي -. كذلك تحدث كونت في قانونه عن الحالات الثلاث عن تحولات البشرية التطوري (الحالة اللاهوتية، فالحالة الميتافيزيقية، فالحالة الوضعية) التي تصاحب كل المجتمعات البشرية، وهو ما يتقاطع إلى حد ما مع ما عبّر عنه مورغان وأنجلز بالمراحل الثلاث للتطور البشري (الوحشية ، فالبربرية ، فالحضارة) وكذلك فريزر عندما قسم تاريخ الفكر وفق ثلاث مراحل (السحر – الدين – العلم). وبمثل هذا المنهج الدارويني،  سعى باحثو تلك الفترة إلى دراسة كافة مفاهيم المجتمع الإنساني المختلفة من دين وفن وعلم وأدب وسياسة….

لقد وقعت هذه المدرسة في الواقع – كأي نظرية مؤسسة – في مجموعة من الأخطاء جعلت الكثير من الباحثين ينتقدونها بشدة، وقد وجه إليها الكثير من التحفظات والانتقادات، إذ وضع موضع الشك مبدؤها القائل بالتقدم وفق المسار الخطي وحيد الاتجاه من المجتمع البدائي البسيط، إلى المجتمع العصري المعقّد، دون الأخذ بعين الاعتبار عوامل الزمان والمكان الهامة جداً في دراسة ديناميكية الثقافة، فتطور الإنسان ليس مسألة علم حياة وحسب، بل هو ترابط خصائص الإنسان الفيزيائية والثقافية حيث تؤثر كل واحدة بالأخرى، والمنظور الإنساني لا يكف عن كونه جدلا مستمرا بين البيولوجيا والثقافة ، وقد تحطمت في الواقع فيما بعد فكرة الثقافة وحيدة الاتجاه، على أيدي أقطاب المدرسة الأميركية في الأنثروبولوجيا الثقافية أمثال “بنديكت” و”هرسكوفيتز” فتساءل هرسكوفيتز قائلاً :”كيف يمكن إطلاق أحكام قيم على هذه الثقافة أو تلك ما دامت هذه الأحكام مؤسسة على التجربة، وما دام كل فرد يؤول التجربة في حدود تثقيفه الخاص”.

وقد كانت المشكلة الأساسية هي اعتماد التطوريين على مزيج من المعلومات الخاطئة وغير الدقيقة التي جمعها الرحالة والمبشرون و التجار، وبالتالي كان اعتمادهم بشكل أساسي على معارف نقلوها عن أشخاص غير مختصين ، فكان تحليلهم يعتمد على التاريخ الظنّي والتخميني بحيث لم يستطيعوا تقديم تفسير واضح عن فكرة التطور الموازي للثقافة، فكيف يمكن تفسير التطور غير المتوازي بين الشعوب والثقافات؟ وإذا افترضنا بصحة الفكرة القائلة بوحدة التكوين الفيزيولوجي السيكولوجي للإنسان، فهل يمكن القول أن مجتمع الاسكيمو قد انتقل من مرحلة الصيد إلى الزراعة المنظمة على النحو الذي نجده في مصر والشرق الأوسط؟  إن الأساس الإثنولوجي لهذه المدرسة لم يكن متيناً، ولم يجمعه أثنولوجيون مختصون

وقد حاول أصحاب مدرسة ما يسمى (التطورية الجديدة) إعادة إحياء المدرسة الكلاسيكية بتصورات جديدة، من خلال مجموعة من الإثنولوجيين بعد الحرب العالمية الثانية يتقدمهم (ليزي هوايت) و(جوليان ستيوارد). وعلى الرغم من أن تساؤلاتهم جاءت متشابهة إلى حد كبير مع الخطوط العريضة والأساسية لأفكار سابقيهم، إلا أنهم أضافوا إليها بعض التعديلات المتعلقة بميكانيزمات التغيير وآلياته، فهوايت مثلاً : تحدث عن مراحل تطور الثقافة كما لو كانت مراحل كلية عامة تميزها الخبرة الإنسانية المتراكمة، فيرى أن الثقافة تنمو وترقى وفقاً لازدياد كمية الطاقة وفق المعادلة التالية : P=E*T  حيث E  هي الطاقة وT  التكنولوجيا وP   النظم الأساسية للثقافة، وعليه فإن المضمون التكنولوجي في ثقافة ما، هو الذي يحدد الكيان الاجتماعي والاتجاهات التكنولوجية لها، ويستدل هوايت أنه في المجتمعات التي يستخدم أفرادها قدراً محدوداً من الطاقة، تنشأ عندهم نظم سياسية ودينية واقتصادية أقل وأكثر بساطة من تلك المجتمعات التي تتنوع وتكثر فيها استخدامات الطاقة. وقد مهدت تلك الأبحاث إلى ظهور تخصص جديد في الإثنولوجيا يتناول العلاقة المتبادلة بين البيئة والثقافة عرف باسم (الإيكولوجيا الثقافية). ومع ذلك لم تخل هذه المحاولة من انتقاد لا سيما من قطب المدرسة البنيوية (ليفي شتراوس) الذي انتقد نظرية هوايت قائلاً : “يبدو أن التطورية الجديدة التي ذهب إليها هوايت عاجزة هي الأخرى عن تذليل الصعوبات التي تعترض التطورية الكلاسيكية عموماً، فإذا كان المعيار الضابط الذي اقترحه هو معدل الطاقة المتوفرة للفرد الواحد لكل مجتمع، يستجيب لمثال من المثل قد يبدو مقبولاً في بعض مراحل الحضارة الغربية وفي عدد من جوانبها، فإن المرء لا يرى كيف يمكن تطبيق هذا العامل المحدد على الأغلبية الساحقة من المجتمعات البشرية، حيث تبدو هذه المقولة المقترحة لا تتخذ فوق ذلك أية دلالة على الإطلاق، فالأسكيمو يعتبرون من كبار التقنيين، ومع ذلك هم من صغار الاجتماعيين، على العكس من سكان أستراليا الأصليين الذين يعتبرون من كبار الاجتماعيين وصغار التقنيين”.

في ختام حديثنا المقتضب عن هذه المدرسة وبالرغم مما يمكن أن يؤخذ عليها، إلا أنها استطاعت في المقابل أن تقدم مفهومات هامة ساهمت ودعمت فيما بعد إرساء أسس الأنثروبولوجيا، فيعتبر باحثين أمثال مكلينان، وتايلور، ومورجان، من أوائل من نظروا إلى دراسة المجتمعات الأولية كموضوع جدي يمكن للعلماء أن يقصروا عليه اهتمامهم، كما كانوا شديدي الرغبة بتخليص دراسة النظم الاجتماعية من التفكير النظري، رغم عدم ابتعاد معظمهم عن ذلك النمط من التفكير. كما أسهموا في إدخال الكثير من الدراسات والموضوعات إلى المجال العام للأنثروبولوجيا، إدخال الدراسة المقارنة لنظم القرابة على يد مورجان، ودور النظام الأمومي والطوطمية على يد ماكلينان، وعمومية المعتقدات السحرية من خلال جمع العديد من الأمثلة عن النظام الإلهي والمقدس على يد فريزر، وعمومية المعتقدات الحيوية إلى المصطلحات الأنثروبولوجية على يد تايلور.

2. المدرسة الانتشارية: على خلاف التطورية، انطلقت هذه المدرسة من فكرة أن الثقافة كثيراً ما تكون مستعارة، حيث تنشأ في مركز واحد أساسي، تنتقل بعدها إلى المراكز الأخرى عبر مجموعة من العوامل، ويضيف أصحاب هذه المدرسة، أنه إذا ما دققنا في المسألة وجدنا أنه لم يكن هناك إلا عدد محدود من المراكز الهامة التي عملت على تنمية الثقافة ونشرها، كما أن المواصفات المنتشرة قد تخضع خلال عملية الاستعارة والاستيعاب إلى تغييرات وتبدلات كثيرة، وبالتالي فإن مفهوم الصدفة التاريخي في انتشار المساهمات الحضارية يلعب دوراً فعّالاً ومواجهاً لمفهوم الامتداد الطبيعي والحتمي للمؤسسات الاجتماعية المرافق لأفكار التطوريين.

وهناك ثلاث وجهات أساسية عبرت عن تلك المدرسة:

أولها إنكليزية: ومؤسسها هو  (غرافتون إليوت سميث) عالم التشريح الشهير، الذي انكب خلال إحدى فترات حياته على دراسة المومياء المصرية، وهذا قاده إلى الإقامة في مصر حيث أدهشته حضارتها، فأخذ يلاحظ أن الثقافة المصرية القديمة تضم عناصر كثيرة يبدو أن لها ما يوازيها في ثقافات بقاع أخرى من العالم، فقلبت نظريته الاعتبارات التقليدية للزمان والمكان، فلم يقتصر على القول بأن العناصر الثقافية المتشابهة في حوض البحر المتوسط، وإفريقيا، والشرق الأدنى، والهند ذات أصل مصري وحسب، بل ذهب للقول أن العناصر المماثلة في ثقافات إندونيسية، وبولينيزيا، والأمريكيتين، تتبع نفس المصدر أيضاً، فالحضارة المصرية بدأت على ضفاف النيل قبل 5 آلاف عام، وبعد أن بدأت الاتصالات بين الجماعات والشعوب، انتقلت بعض مظاهر تلك الحضارة إلى بقية العالم. بذلك يجعل سميث من الاقتباس الوسيلة الوحيدة تقريباً التي يمكن من خلالها أن تتم عملية التغير الثقافي، وهذا يعني أن مقدرة الإنسان على الاختراع معدومة تقريباً، وينجم عن ذلك رفض فكرة تعدد الأصول. ويتوقف الكثير من براهين سميث على تأويل المعلومات بطريقة المقارنة مع المركز، كمثال نجده ينطلق من مبدأ بناء الأهرامات، متى يكون الأهرام أهراما حقاً بالمعنى الحصري؟ هل الهرم المستخدم كقاعدة تبنى فوق المعبد،كما هو الحال في المكسيك، هو عنصر ثقافي مماثل للمبنى الهرمي الذي أنشئ كنصب لملك متوفى وخصص لكي يضم رفاته للأبد؟ وإذا افترضنا وحدة أصل جميع الأهرامات، فإن هذه الفرضية ستطبق على حالات أصغر فأصغر إلى الحد الذي تعتبر معه المصاطب الحجرية، والتلول الأرضية، في وادي الأوهايو ، هي بقايا أو أشكالاً هامشية من الأهرامات. إن تلك النظرة المتطرفة السطحية التي تهمل عناصر المكان والزمان، وتلغي قدرات الإنسان المبدعة جاعلة من الاقتباس المبدأ الوحيد للتغيير الثقافي، ساهمت في أفول تلك النظرية بحيث لم تتعدَ إنكلترا موطن منشئها.

أما الوجهة الثانية فهي ألمانية نمساوية : وهي نظرة أكثر عمقاً من التي سبقتها، ومن أبرز مؤسسيها (وولهم شميدث) و (فريتر جرايبنور)، وقد رفضوا فكرة المنشأ الواحد للحضارة، وافترضوا وجود عدة مراكز حضارية أساسية في العالم، نشأ عن التقائها نوع من الدوائر الثقافية حيث حصلت بعض عمليات الانصهار والتشكيلات المختلفة.

أما وجهة النظر الثالثة فهي أميركية : عبر عنها (فرانز بواس) الذي أكد أن المسألة الأساسية التي يجب أن تعالج في دراسة الثقافة ليست حادثة الاحتكاك الثقافي بين شيئين، بقدر معرفة ما هي نتائج هذا الاحتكاك الديناميكية المؤدية للتغير الثقافي، فاقتصرت تلك النظرة بالتأكيد على صفة الوقائع الدينامية للثقافة، أكثر من إعادة تركيبها تركيباً وصفياً، وبذلك رفض هذا الاتجاه الزعم بعدم إمكانية التطور المستقل، وبأن الناس بطبيعتهم غير مبتكرين،  إذ يؤكد بواس على أن تسجيل العناصر المتماثلة في ثقافات متباينة لا يمكن له أن يشكل بحد ذاته برهاناً مناسباً عن الاحتكاك التاريخي، بل يجب أن تتضمن التشابهات عناصر متماثلة مرتبطة فيما بينها بصورة متماثلة لكي تعتبر دليلاً على الانتشار، زد على ذلك أن هذا يجب أن يكون ضمن منطقة محدودة فقط، حيث لا يصعب افتراض قيام الاتصال بين المقتبسين والمقتبس عنهم.  لذلك أكد هذا الاتجاه على ضرورة دراسة الثقافات اللاكتابية، وإتباع طرق البحث الميداني ذي المعايير الدقيقة، وذلك من وجهة نظر أعضاء الجماعة المدروسة، لا من وجهة نظر الإثنوغرافي بحيث شجع على دراسة اللغات الوطنية واستعمالها بالبحث، وبهذا الاتجاه حصل دفع بخصوص أهمية الدراسة الميدانية للأنثروبولوجيا دفعاً جديداً. كما دفع البحث الأنثروبولوجي إلى تأكيد دراسة المجتمعات الأولية لذاتها، لا كما نراها نحن، وهذا شجع على ظهور اتجاه جديد في الأنثروبولوجيا قائم على إدخال الآليات النفسية في الدراسات الأنثروبولوجية ممثلاً بالمدرسة التاريخية النفسية.

3. المدرسة التاريخية النفسية: جاءت كرد فعل على المدرسة الانتشارية والوظيفية، فانطلقت من مبدأ إمكانية فهم الثقافة عن طريق التاريخ إلى جانب الاستعانة ببعض مفاهيم علم النفس، وبشكل خاص تقنيات التحليل النفسي، فوسعت (روث بيندكت) – وهي من رواد هذه المدرسة – المفهوم التاريخي بتطبيق مبادئ علم النفس، بحيث غدت أي سمة من السمات الثقافية تضم مزيجاً عن النشاط السيكولوجي والثقافي بالنسبة لعينة معينة من الجماعات. فالتاريخ عند بينديكت لا يكفي وحده لتفسير الثقافة، لكون الثقافة مسألة معقدة تجمع بين التجربة التي اكتسبت عبر الزمن، بالإضافة إلى التجارب والمكتسبات النفسية. و ربما كان من أهم الموضوعات التي ركز عليها أصحاب تلك المدرسة، هي دراسة التميز بين الجماعات والثقافات تبعاً للخصائص النفسية السائدة فيها، وظهر نتيجة لذلك عدة دراسات عالجت موضوع الطابع القومي للشخصية التي تهدف إلى تحليل وتفسير المقومات النفسية الرئيسة التي يتميز بها شعب دون آخر، أو ثقافة دون أخرى، ومن أهم الممارسات التطبيقية في هذا المجال كانت دراسة بنديكت في العام 1946 بعنوان (زهرة الكيزتنم والسيف) ، وهي تمثل دراسة للشخصية اليابانية، وقد كان لهذه الدراسة أهمية كبيرة في بلورة السياسة الأميركية نحو استسلام الجنود اليابانيون في نهاية الحرب العالمية الثانية في المحيط الهادي، فبناء على ما أوضحته الدراسة عن أهمية شخصية الإمبراطور كرمز مقدس في العقلية اليابانية، واحترام الجنود الشديد للسلطة الحاكمة في شخص الإمبراطور، أبقت الحكومة الأميركية على مركز الإمبراطور وطلبت منه أن يصدر تعليمات لجنوده بالاستسلام، وهو ما تم وبه حقن الكثير من الدماء.

كما يرجع الفضل لهذه المدرسة في طرح فكرة تعدد الثقافات، وكسر فكرة الاحتكار الثقافي لشعب من الشعوب، أو مركز من المراكز، وعن طريقها نشأ مفهوم “النسبية الثقافية”، الذي لاقى رواجاً وقبولاً واسعاً في عصر سيطرت فيه نسبية أينشتاين في الفيزياء وجذبت الاهتمام النظري والاستخدام العملي في العلوم الطبيعية. وهذا ساعد على ترسيخ الأساس الميداني البحثي المباشر للجماعات المدروسة التي عبرت عنه بشكل واضح المدرسة الوظيفية.

4. المدرسة البنائية الوظيفية: تعود جذور هذه المدرسة لعالم الاجتماع الفرنسي (إميل دوركهايم) الذي أكد على الدور الوظيفي لبعض المفاهيم الاجتماعية، كالانتحار والدين. كما وقف موقفاً معارضاً للنظرية التطورية الثقافية، التي تنظر للثقافة باعتبارها نموّا تطوريا واحدا يشمل البشرية بأسرها. فتبنى ما يسمى “النسبية الثقافية” مؤكداً على أنه ما من دافع للاعتقاد أن مختلف أنواع الشعوب تتبع الاتجاه ذاته، فمنها من يتخذ لنفسه سبل أكثر تنوعاً، وبالتالي علينا أن نرسم التطور الإنساني لا على شكل خط تتنضد على مساره المجتمعات بعضها خلف بعض كما لو كان الأكثر تقدماً ليس إلا تكملة للأكثر بدائية. بل على هيئة شجرة متعددة أغصانها ومتفرعة، ويرى أنه ما من دليل على أن حضارة الغد لن تكون إلا امتداداً للحضارة التي يُظن اليوم أنها الأرقى، فمن المحتمل، على العكس من ذلك، أن يكون بناتها شعوباً نعتبرها أدنى من غيرها. وبالتالي لا يوجد تصور موحد لثقافة واحدة، بل تنوعات ثقافية حضارية تفرضها النماذج الجمعية (الوظيفية) الخاصة بكل جماعة والمتعالية على الأفراد.

وعبر هذه المدرسة انتقل الأنثروبولوجي من المنظر إلى الباحث الميداني فأصبح الباحث والمنظر شخصا واحدا، وغدا الباحث يحيا قيم الجماعة المدروسة ويعيش عاداتها وتقاليدها ويحترمها بغير تحيز. هذه كانت حال مؤسسي تلك المدرسة أمثال (مالينوفسكي) و(راد كليف براون) اللذين رفضا منطلق المدرسة التطورية القائم على الدراسات النظرية الإثنولوجية دون الميدانية، فأخذوا مثلاً على  فريزر – واضع الأحد عشر مجلداً عن الطوطمية – حينما أجاب عن سؤال مفاده هل ذهب إلى المتوحشين؟ فأجاب (لقد جنبني الله ذلك). وعلى عكس هذا الموقف،  ركزت الوظيفية على دراسة الثقافات كل على حدة في وقتها و زمانها الحالي، فرفضت المفهوم التاريخي، الموجود في المدرسة التاريخية، والسبب من وجهة نظرهم أن العلم لا يهتم بتاريخ الظاهرة التي يبحثها، قدر تركيزه على الكشف عن العلاقات القائمة بالفعل بين عناصر تلك الظاهرة ككل وعلاقتها بغيرها من الظواهر الأخرى، ما يؤدي في النهاية إلى الوصول للقوانين التي تحكم الظاهرة المدروسة من ناحية تكوينها وأدائها لوظيفتها. فالعنصر الثقافي لا يمكن فهمه عن طريق إعادة تكوين نشأته أو انتشاره، بل من خلال وظيفته العملية الآنية، وعليه يترتب دراسة ثقافات الشعوب كل على حدة، في إطار وضعها الحالي لا كما كانت عليه. بذلك اتسمت هذه المدرسة بالاتجاه اللاتاريخي، اللاتطوري، فالمجتمعات عبارة عن أنظمة طبيعية كل أجزاءها مترابطة العلاقات فيما بينها، كما أن كل جزء يقوم بوظيفته داخل شبكة متراصة من العلاقات التي لا بد منها للحفاظ على الكل الاجتماعي، وهذه الحياة الاجتماعية يمكن أن تصاغ بلغة قوانين علمية تسمح باستباق الأحداث وتداركها. حيث يقول براون :”إن مفهوم الوظيفية في تطبيقه على المجتمعات البشرية، مبني على التماثل القائم بين الحياة الاجتماعية والعضوية، والوظيفة هي ما يقدمه نشاط جزئي من مساهمة في النشاط الكلي، وبالتالي فإن وظيفة العرف المجتمعي المعين، تحدد في مساهماته التي يقدمها للحياة المجتمعية بأسرها”. كما يصف مالينوفسكي الوظيفية بأنها :”تهدف إلى تفسير الوقائع الأنثروبولوجية في جميع مستويات تطورها بالوظيفة التي تؤديها، والدور الذي تلعبه في منظومة الثقافة بأكملها، وكيفية ارتباطها ببعضها داخل المنظومة، وكيفية ارتباط هذه المنظومة بالمحيط الطبيعي”.

ومن جهة أخرى، تؤكد الوظيفية على مفهوم “البناء الاجتماعي”، الذي  وصفه براون بأنه يشتمل على ثلاث مجموعات من الظواهر الاجتماعية هي:

  • الجماعات الاجتماعية المستمرة في الوجود لفترة معينة من الزمن.
  • كل العلاقات الاجتماعية في المجتمعات الأولية.
  • ظواهر التنوع بين أفراد وجماعات ما حيث تحدد تلك الظواهر الأدوار الاجتماعية التي يقوم بها الجماعات والجماعات في المجتمع الواحد.

كما عرفه (إيفانز بريتشارد) بأنه الجماعات الاجتماعية المستمرة في الوجود لوقت كاف بحيث تستطيع الاحتفاظ بكيانها كجماعات، رغم التغييرات التي تحدث للأفراد الذين يكونون تلك الجماعات”. ويمكننا تقسيم البناء الاجتماعي العام إلى مجموعة من الأنساق الفرعية التي تتجلى فيها مجموعة من النظم.

ومن المتفق عليه حالياً بين الأنثروبولوجيين الاجتماعيين، أن بنية البناء الاجتماعي تتألف من أربعة أنساق أساسية هي : النسق الاقتصادي (نظام التبادل – نظم الملكية – نظم تقسيم العمل). والنسق السياسي (نظم الزعامة – نظم السلطة – نظم الجزاء – نظم القانون). والنسق القرابي (نظم الميراث – نظم الزواج و المصاهرة – نظم القرابة). والنسق الديني (نظم السحر والعرافة – نظم الدين والمعتقدات). حيث ركزت الوظيفية على جانب التوازن بين هذه الأنساق في المجتمع، فأغفلت عوامل الصراع أو دراسة التغيير وعمليات الاتصال الثقافي، وحتى في معالجتهم للتغيير والتحديث نجدهم يركزون على التنافر الموجود مسبقاً، والذي يتحول بمرور الزمن إلى تجانس وانسجام،  لذلك نجدهم يتجهون لدراسة المجتمع أكثر من اتجاههم لدراسة الثقافة، فهم لا يسعون مثلاً إلى اكتشاف دلالة هذه القواعد بالنسبة للعلاقات القائمة  بين الجماعات، ولا ينظرون إلى عنصر اجتماعي معين إلا من خلال أداؤه لوظيفته، وهذا ما عبر عنه مالينوفسكي، عندما رأى أن النظام الاجتماعي عبارة عن شبكة من التجريدات.

و لعل مما يؤخذ على الوظيفية هو إهمالها لدور التاريخ، حيث معرفة ماضي المجتمعات يظل عنصراً أساسياً يساعدنا على فهم أفضل لطبيعة حياته الاجتماعية الراهنة، وإغفالها أن التاريخ لا يقتصر على دراسة تتابع الأحداث، بل يمثل أيضاً عملية نمائية حيث أن الماضي يظل مستوعباً في الحاضر الذي يستوعب بدوره المستقبل. لذلك غلب عليها الطابع السكوني في النظرة إلى المجتمعات إذ مزجت بين الظاهرات الاجتماعية والظاهرات الطبيعية، ونفت إمكانيات التغيّر بشكل عام.

5- المدرسة البنيوية: وتعود إلى الأنثروبولوجي الفرنسي (كلود ليفي شتراوس) الذي أكد على دور العقلانية العلمية في تأسيس الظاهرة الاجتماعية، بوصفها واقعة علمية تقبل التحليل والصياغة الرياضية الدقيقة، وقد عرف الثقافة بأنها : مجموع أنساق (بنى) رمزية تتصدرها اللغة وقواعد التزاوج والعلاقات الاقتصادية والفن والعلم والدين، وهي أنساق تهدف إلى التعبير عن بعض أوجه الحقيقة الطبيعية والاجتماعية، كما تهدف إلى التعبير عن العلاقات التي ترتبط بها الأنساق الرمزية ذاتها مع بعضها البعض. وبالتالي أعطى الثقافة طابع البنية المجردة الكامنة وراء الأنساق الاجتماعية الواقعية الملاحظة.

وعلى الرغم من التشابه العام الذي يجمع البنيوية بالوظيفية من حيث الشكل، إلا أن هناك فارقا أساسيا بينهما، هذا الفارق قائم على مفهوم “البنية الاجتماعية”. فالبنية عند شتراوس، لا تؤخذ من الواقع التجريبي المباشر، على نحو ما تؤكده الوظيفية، بل من النموذج العقلي الذي تكونه من الواقع المعاش، أي أن البنية ليست كامنة في الموضوع، بل ماثلة في صميم المطلب العقلي الذي يريد إدخال الكثرة التجريبية تحت نظام أو نسق، فالبنية لا تمثل الواقع التجريبي الذي تمدنا به الملاحظة السطحية البحتة، بل الواقع العملي غير الظاهر، والذي لا بد من الكشف عنه فيما وراء المعطيات المباشرة.

إن أساس البحث عند شتراوس هو فيما وراء العلاقات اليقينية، أي البحث عن تلك البنية اللاشعورية، التي لا يمكن الوصول إليها إلا بفضل عملية بناء استنباطي لبعض النماذج المجرّدة، وهذا ما جعله ينتقد النزعة الوظيفية التي اقتصرت على النظرة الواقعية الصرفة للنظم الاجتماعية لإبراز ما فيها من جوانب وظيفية، دون الاهتمام ببناء فكرة عقلية تتكفل بتفسير البنية الكامنة خلف المظهر السطحي للظواهر. ويبرهن شتراوس على أهمية للنموذج اللاشعوري، على اعتبار أن النماذج الشعورية، التي تسمى عادة بالمعايير، تعد من أفقر النماذج بسبب وظيفتها القائمة على تخليد المعتقدات والعادات بدلاً من تبيان دوافعها. واللاشعور عند شتراوس مختلف عن اللاشعور عند فرويد، فهو عند الأول لا يمثل القطب المضاد للشعور، بل هو يكون ماهية الواقع الاجتماعي من حيث هو تبادل وتواصل متخذاً بصورة مباشرة طابع النظام الرمزي، بما له من مقومات لا شخصية ولا زمانية. وبالتالي يتحول المجتمع من جهاز عضوي متكامل في الوظيفية، إلى مجموعة من العلاقات الرياضية المجردة في البنيوية، إذ تعبّر الثقافة -كمفهوم -عن مجموعة من الشبكات الرمزية (الواعية واللاواعية ، الجمعية والفردية) التي يخضع لها الفرد. وتحليل تلك الشبكات الرمزية لا يحتاج إلى علم تجريبي (فقط) يؤطرها في قوانين كلية عامة وحتمية، بل إلى علم تأويلي يبحث عن معنى. وعليه فإن مفهوم البنية الاجتماعية لا يستند عند شتراوس إلى الواقع التجريبي، بل إلى النماذج النظرية الموضوعة بمقتضى هذا الواقع، ومن خلال ذلك توصل إلى مبدأين أساسيين : أولهما، أن ما نسميه باسم المجتمعات البدائية، إنما هي في الحقيقة بالغة التعقيد. وثانيهما، أن ليس ثمة إنسان طبيعي، فمن طبيعة الإنسان دائماً أن يتمثل الطبيعة على شكل ثقافة، وليست هناك ثقافة إلا بعد تجاوز الطبيعة، لذلك فالمهم هو التجاوز والمرور من الطبيعة إلى الثقافة. ووسائل المرور كثيرة ومتنوعة أهمها اللغة كوسيلة للتواصل، إذ أصبح العامل البيولوجي شيئاً ثانوياً بالنسبة إلى علم الثقافة. ولعل أوضح مثال بنيوي لهذا المرور من الطبيعة إلى الثقافة، هو مثال المثلث الطبخي الذي قدمه ليفي شتراوس في كتابه (النيئ والمطبوخ)، كنموذج ينتقل فيه النيئ إما إلى مطبوخ ثقافياً، وإما إلى متعفن طبيعياً، وبالتالي تمثل عملية الطبخ نشاطاً وسيطاً بين الطبيعي والثقافي. وحالما ننظر إلى السلوك البشري على أنه عمل رمزي، وهو عمل مثله في ذلك مثل إصدار الأصوات في الكلام، والتلوين في الرسم والخط في الكتابة، والتنغيم في الموسيقى، فإن التساؤل حول ما إذا كانت الثقافة عبارة عن سلوك منمّط، أو حالة عقلية، أو مزيج من الاثنين بطريقة ما، يفقد مغزاه، حيث يتحول السؤال هنا إلى عن ماذا نكون نعبر عندما نقوم بهذه الأشياء.[1]ومن جهة أخرى، فإن الظواهر الرمزية في المنظومة الاجتماعية لا توجد بمعزل عن بعضها البعض، بل هي متحدة داخل منظومات جامعة من الرموز. وتترابد الكيانات الرمزية المختلفة مع بعضها بعضاً بوسائل تتحدد داخل المملكة الرمزية. مثال ذلك أن المحرمات المتعلقة بالطعام يمكن أن تكون ذات علاقة بمفاهيم طوطمية مرتبطة بهياكل اجتماعية محددة ثقافياً، ويمكن أن تظاهرها تفسيرات أسطورية وتدعمها وترسخها شعائر وطقوس. وليس معنى هذا أن جميع هذه المنظومات الرمزية هي بالضرورة إما متسقة داخلياً أو مستقرة ضمن طبيعة جبلية. ولكن النقيض قد يكون صحيحاً، خاصة في أزمان التوتر الاجتماعي والتغير الثقافي. ومع هذا فإن أي تغير في جزء من منظومة الرمز ستكون له أصداؤه في مكان ما داخل المنظومة. وبالتالي ليس أمعن بالخطأ من التوحيد بين العقلية البدائية وعقلية الطفل، وأصل تعدد الثقافات إنما يعود إلى ما يمتلكه العقل من قدرة كبيرة على التأليف والتركيب والتحول انطلاقا من مبادئ وعلاقات ضرورية محددة، على غرار ما هو عليه الأمر في اللغة التي أعطاها شتراوس أهمية بالغة، واعتبرها أحد الأركان الأساسية للأنثروبولوجيا، فاللغة هي الخاصية الرئيسية التي تميز الإنسان عن بقية الكائنات الحية، وعن طريقها يمكن فهم كل صور الحياة الاجتماعية، لذلك نراه يعطي الكلمة، أو الدال، في تحليله للثقافات أكثر مما يعطي للشيء المعني، أو المدلول، خاصة وإن الدال الواحد قد يكون له مدلولات مختلفة.

ويرفض شتراوس تماماً مبدأ التاريخية، رافضاً فكرة تكون العقل البشري الارتقائي ما دام من شأن هذه الفكرة أن تستلزم القول بمرور العقل البشري عبر مراحل تطورية متعاقبة، وحدوث تغييرات جذرية أو انقلابات حاسمة في طريقة إدراك الفكر للعالم، فالعقل البشري عند شتراوس واحداً عبر تاريخه، وهو في الواقع لا يرفض فكرة التقدم، لكنه يتصوره على شكل طفرات منفصلة يقول عنها أنها ليست ضرورية ولا مستمرة، بل هي أشبه ما تكون بتراكمات لضربات الحظ السعيد، وبالتالي يغدو التطور أشبه بمجموعة من ألعاب الحظ، وكأن المسألة هي تجمع عدد كبير من المعطيات التي بزيادة تراكمها، يزداد احتمال حدوث عدد أكبر من الصدف السعيدة،  أما الرابح فهو مجموع البشرية، لأنها تزداد غنى وثراء. وقد قام بمحاولات حثيثة محاولاً التقريب بين السحر والعلم، إلا أن طروحاته ظلت ضمن الإطار الافتراضي، دون أن يكون باستطاعته الزعم أنها وليدة تحقيق علمي محض. والواقع إن ولع شتراوس بالرياضيات الوصفية، واستعماله لتقنيات علم اللغة، والرفض القاطع للتطورية، وتحليله مفهوم العقل البدائي بدقة غير معهودة من قبله، جعله يخطو خطوة هامة من خطوات البحث الأنثروبولوجي، ومما لا يمكن نكرانه حالياً أنه لا يمكن الحديث عن الأساطير أو أنظمة القرابة دون الرجوع إليه ونظرته البنيوية العميقة.

خاتمة:

وهكذا يتبين لنا من خلال هذه اللمحة السريعة والمجملة، كيف استطاعت الأنثروبولوجيا  كعلم  تهذيب نظرتنا للآخر، وهي وإن بدأت بشكل مثير للريبة، إلا أنها ما لبثت أن تجاوزت عوامل نشأتها، لتنظر للإنسان كإنسان، دون النظر إلى أي اعتبار آخر، والرسالة التي تنقلها إلينا تقول: أن خطأنا في رفض الآخر، لا يقل عن خطأ رفض الآخر إلينا . بقول شتراوس:”إن الأنثروبولوجيا تبحث عن إلهامها داخل أشد المجتمعات تواضعاً وعرضة للازدراء، وهي تؤكد على عدم وجود شيء مما هو بشري يمكن أن يكون غريباً عن الإنسان، وهي إذ تجند مناهج وتقنيات مستمدة من جميع العلوم لوضعها في خدمة معرفة الإنسان، تدعو إلى مصالحة بين الإنسان ونفسه، وبينه وبين الطبيعة في أنسية معممة”.

******

[1]كليفوردغيرتز : تأويل الثقافات – ترجمة: محمد بدوي – المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2009، ص 92.

****

مراجع للاستزادة

  1. قصة الأنثروبولوجيا: حسين فهيم، عالم المعرفة الكويتية، عدد 98 1986.
  2. نظرية الثقافة: مجموعة من المؤلفين – ترجمة : علي سيد الصاوي، عالم المعرفة الكويتية ، عدد 223، 1997.
  3. الأنثروبولوجيا و الاستعمار: جيرار ليكلرك – ترجمة: جورج كتورة، معهد الإنماء العربي، بيروت، 1982 .
  4. الإناسة المجتمعية: إيفانز بريتشارد، ترجمة: حسن قبيسي، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1986 .
  5. الأنثروبولوجيا وتنمية المجتمعات المحلية: محمد صفوح الأخرس، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 2001.
  6. أصول علم الإنسان (الأنثروبولوجيا): يحيى مرسي عيد بدر، مكتبة الإشعاع، مصر، ط1، 2000 .
  7. أسس الأنثروبولوجيا الثقافية: مليفيل هرسكوفيتز – ترجمة: رباح النفاخ، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1973.
  8. الأنثروبولوجيا وأزمة العالم الحديث: رالف لينتون – ترجمة: عبد الملك الناشف، المكتبة العصرية، بيروت، 1967.
  9. الأنثروبولوجيا البنيوية ج1 – ج2: كلود ليفي شتراوس – ترجمة: مصطفى صالح، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1973.
  10. مقالات في الإناسة: كلود ليفي شتراوس: ترجمة: حسن قبيسي، دار التنوير، بيروت،

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق