هل ستظهر أرض الخلافة مجدداً في ليبيا؟ 

مقدمة الدراسة: توضح المتغيرات الملائمة لظهور تنظيم الدولة

إشكالية الدارسة:

بعد تقلص نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا أصبح نشاطها شبه معدوم تقريباً، يثار التساؤل حول فرضية هزيمة التنظيم وعدم قدرته على إنتاج نفسه مجدداً بعد العمليات التي استهدفته، في الوقت الذي تشهد فيه خلايا داعش معظمها؛ سواء في سوريا أم العراق أم أفريقيا ضعفاً في بنيتها ونشاطها. لذلك فإن الارتباط البنيوي بين خلايا التنظيم ولا سيما في شمال أفريقيا قد يمهد إلى عودة التنظيم ونشاطه في ليبيا وغيرها بعد هزيمته.

أهداف الدراسة:

البحث في نشأة تنظيم داعش ونموه في الأراضي الليبية.
تسليط الضوء على أبرز النشاط والتهديدات التي قام بها التنظيم خلال مدّة نشاطه في الولايات التي سيطر عليها.
الوضع الحالي للتنظيم ونشاطه بعد إضعافه وتقليص نفوذه بشكل كبير.
دراسة نتائج أهم العمليات العسكرية التي قامت بها الأطراف الليبية ولا سيما الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر لمواجهة نشاط مجموعات تنظيم داعش.
مكان الدراسة:

الشمال الليبي، والشمال الشرقي.

زمان الدراسة:

منذ إعلان داعش قيام ولاية درنة في تشرين الأول/ أكتوبر 2014، وحتى الآن.

خلاصة نهائية للدراسة حول احتمالات عودة التنظيم مجدداً وبخاصة في ليبيا ما يجعل الصراع مفتوحاً

مقدمة
في الوقت الذي تسعى فيه الأطراف في ليبيا إلى إيجاد بوابة للتفاهم حول مسائلها الخلافية، يبرز ملف تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا مجدداً بعد أن جرى تسجيل نشاط ملحوظ لخلاياه مؤخراً التي قامت بتنفيذ عمليات إرهابية، ما أثار التساؤل حول أمرين مهمين، الأول هو احتمال عودة التنظيم بصورة أخرى بعد أن تمكنت العمليات العسكرية المستهدفة له من إضعاف نفوذه ووصوله إلى حد الهزيمة تقريباً، والأمر الثاني وهو الجدوى من الآليات الأمنية والعسكرية المتبعة للسيطرة على المرحلة التي تلي هزيمة تنظيم داعش التي تعتبر من المراحل الحساسة التي يصبح فيها التنظيم الإرهابي مفككاً إلى خلايا عدة قد تنتشر في نطاق جغرافي أوسع من ذي قبل.

من جانب آخر، وبالنسبة إلى تنظيم الدولة الإسلامية فهو يحاول استدراك ما يمكنه من الهزائم المتلاحقة التي يواجهها في سوريا والعراق، لكن ربما تلعب استراتيجية التنظيم في شمال أفريقيا دوراً في تغيير مسار حياة داعش في ليبيا، وعدم التوصل إلى حل قريب بين حكومة طرابلس بقيادة فايز السراج وحكومة طبرق الموالية للجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، سيتيح بيئة ملائمة لفلول عناصر داعش المهزومة منذ سنة تقريباً في شمال ليبيا التي انسحب كثيرون منها إلى الصحراء الليبية.

نشأة تنظيم الدولة الإسلامية وظهوره في ليبيا
بعد توسع نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا وإعلانه قيام الخلافة في الرقة في أواسط عام 2014([1])، ظهرت عناصر جهادية ينتمون في أغلبيتهم إلى تنظيم “مجلس شورى شباب الإسلام”، بعض أفراد تنظيم “أنصار الشريعة” في مدينة درنة الساحلية في تسجيل فيديو أعلنوا البيعة لأبي بكر البغدادي في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2014([2]). ووافق البغدادي على ضم ليبيا إلى أراضي الخلافة وقسمها إلى ثلاث قطاعات الأولى ولاية برقة في الشرق، والثانية ولاية طرابلس في الغرب، والثالثة ولاية فزان في الجنوب. وجرت تولية المدعو “أبو البراء الأزدي” يمني الجنسية والياً على برقة، وعُيّن “أبو حبيب الجزراوي” مفتياً عاماً لها([3])، وهو الذي أخذ البيعة من عموم عناصر التنظيم لأبي بكر البغدادي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014([4]).

وبالنسبة إلى “مجلس شورى شباب الإسلام” الذي كان هو النواة الأولى لظهور داعش في ليبيا، فقد أُعلِن وجوده في مدينة درنة شهر نيسان/ أبريل 2014، ويعتقد أن عدداً كبيراً من مقاتليه كانوا موجودين في سوريا ويقاتلون النظام السوري بمسمى “كتيبة البتار” ثم عادوا بعد عام 2012 إلى ليبيا. عقب إعلان وجودهم في درنة بحوالى شهر بدأ المجلس بتسيير دوريات أمنية والسيطرة على مبان خدمية كمستشفى “الهريش”، وفي شهر أيار/ مايو أصبح المجلس يصدر بيانات يتهم فيها أطرافاً سياسية ومدنية ليبية عدة بالردة، وأنشأ المجلس هيئة “الحسبة” لمراقبة السلوك المخالف للشريعة. ثم بدأ بنشر بيانات مؤيدة لنشاط تنظيم الدولة الإسلامية في كل من العراق وسوريا، لينتهي الأمر باعتبار المجلس نفسه جزءاً من تنظيم الدولة الإسلامية وجزءاً من أرض الخلافة في الأراضي الليبية([5]).

من جهة أخرى، يمكن إرجاع ظهور التنظيم في تلك المرحلة إلى عوامل عدة أدت إلى نشأته وظهوره وهي:

عامل الفراغ الأمني والعسكري الذي شهدته مناطق ليبية عدة بسبب سقوط النظام الليبي بقيادة القذافي، ودخول فصائل المعارضة الليبية في خلافات بينية حادة أدت إلى حدوث فوضى كبيرة في المستوى العملياتي والأمني لا سيما في شمال ليبيا.
العامل الاقتصادي، إذ استغلت بعض التنظيمات الجهادية الحالة السائدة في شمال ليبيا المطل على مياه البحر المتوسط الغني بالنفط، وقد استغلت تلك التنظيمات هذا العامل وسيطرت على آبار نفط استطاعت عبرها تمويل نشاطها وإحداث تطور في بنيتها التنظيمية.
العامل التنظيمي والفكري، شكلت سيطرة تنظيم أنصار الشريعة وانتشاره الواسع في مدينة درنة، إضافة إلى وجود عدد من القبائل التي كانت موالية لنظام معمر القذافي، شكلت بيئة ملائمة لظهور تنظيم الدولة([6])، وقد عقدت مجموعات أنصار الشريعة في شهر ديسمبر/ أيلول 2013 أي قبل سنة من إعلان التنظيم عن نفسه في درنة، اجتماعاً سرياً لجماعات أنصار الشريعة في تونس وليبيا والمغرب ومصر وأخرى من جبهة النصرة، لوضع خطة قتال جديدة في المنطقة، ومحاولة لإعادة تقويم قدرات الجماعات المسلحة المنتشرة في جبهات القتال([7]).
نشاط التنظيم في ليبيا من مرحلة القوة إلى مرحلة الضعف
خلال مدّة وجيزة منذ نشأته تمكن تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا من تطوير طرائق عملياته العسكرية وخططه التكتيكية للتوسع وتركزت استراتيجيته منذ مطلع عام 2015 في السيطرة على الهلال النفطي الليبي والسواحل الليبية ليتمكن من تمويل نشاطه من خلال عمليات بيع النفط، كما فعل في العراق وسوريا.

وبدأ التنظيم في تطبيق تلك الاستراتيجية شهر آذار/ مارس 2015، إذ تمكن مقاتلو التنظيم من السيطرة على حقلي “المبروك” و”الغاني” النفطيين بالقرب من سرت لكنهم لم يتمكنوا من المحافظة عليهما وعادوا إلى الانسحاب مجدداً إلى مواقعهم في درنة([8]). ثم قام التنظيم في نسيان/ أبريل بنشر أولى عمليات الإعدام الجماعي بحق 28 إثيوبياً مسيحياً بسبب عدم دفعهم الجزية([9]). وتزامن ذلك مع تمكنه من السيطرة على مناطق في محيط مدينة سرت الليبية، حتى أعلن في حزيران/ يونيو 2015 السيطرة على كامل مدينة سرت بعد استيلائه على مطار سرت الدولي وقاعدة القرضابية([10]).

لكنه بالمقابل في تموز/ يوليو 2015 أي بعد مرور شهر من استيلائه على سرت تمكن “مجلس شورى مجاهدي درنة” من طرد تنظيم الدولة الإسلامية من مدينة درنة معقله الرئيس([11])، وهذا الأمر أشار إلى عدم قدرة التنظيم على تغطية جبهات عدة في وقت واحد وافتقاره إلى العنصر البشري بعد أن قامت القبائل الموالية له بالانقلاب عليه والانشقاق عنه في درنة([12]). وبلغ عدد مقاتلي داعش في ذلك الوقت 2-3 آلاف مقاتل تركز حوالى 1500 منهم في مدينة سرت([13]).

وفرض تنظيم الدولة الإسلامية قوانينه المتشددة في المناطق كلها التي سيطر عليها ولا سيما في سرت، وأنشئ جهاز الحسبة لمراقبة تصرفات المدنيين وعين مسؤولين من النساء لتنفيذ الأحكام بحق النساء المخالفات لقوانينه، وفرض الجزية على من اعتبرهم من غير المسلمين، وعمل على تنشيط نشاطه الدعوي لأفكاره المتشددة المستهدفة لليافعين والشباب، وقام بترهيب المدنيين من خلال تنفيذه لعمليات إعدام أو جلد في الساحات العامة([14]).

في حين حاول التنظيم التقدم باتجاه مدينة بنغازي انطلاقاً من مواقعه في منطقة النوفلية في شهر ديسمبر/ أيلول عام 2015 لكنه لم يتمكن من السيطرة إلا على أحياء قليلة فيها، واستمرت المعارك كقتال شوارع بينه وبين الكتائب التابعة للجيش الوطني الليبي حتى إخراجه منها عام 2017([15]).

وفي مطلع عام 2016 استولى التنظيم على بلدة بن جواد التي تبعد 600 كم شرق طرابلس، وقاد هجوماً باتجاه ميناء السدرة شرق بن جواد الذي يعد أول موانئ الهلال النفطي، في محاولة منه لربط جيبه في مدينة سرت بمناطق سيطرته في بنغازي عبر منطقة بن جواد. وأيضاً ليتمكن من الوصول إلى ميناء رأس لانوف والسيطرة على الهلال النفطي([16]).

ومنذ ذلك الوقت وحتى حلول أواسط عام 2016، هذه المدّة التي يمكن اعتبارها بداية دخول التنظيم في حالة الضعف، بحلول 30 أيار/ مايو 2016 خسر التنظيم مناطق سيطرته في ميناء السدرة ومنطقة بن جواد والنوفلية، لتزداد المسافة بين الجيب العسكري الذي يسيطر عليه في سرت وجيوبه في محيط مدينة بنغازي([17]).

وفي يونيو/ حزيران 2016، انسحب عناصر التنظيم من قاعدة القرضابية الجوية ومطار مدينة سرت ومينائها، وقد كانتا إحدى أهم خطوط الدفاع الأولى للتنظيم باتجاه مدخل مدينة سرت. وبعد مرور شهرين تمكنت قوات البنيان المرصوص التابعة لحكومة الوفاق الوطني، والمقاتلة لتنظيم الدولة الإسلامية وبمساندة من التحالف الدولي من الاستيلاء على مواقع داخل المدينة، لتستطيع التمدد بعد ذلك وتعلن في نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2016 طردها لتنظيم داعش من كامل مدينة سرت، ومثل ذلك الضربة الأقوى في مرحلة ضعف التنظيم في ليبيا([18]).

وبعد تلك المرحلة وحلول عام 2017، فر عدد من عناصر التنظيم إلى الصحراء الليبية وإلى غرب ليبيا باتجاه الحدود التونسية والحدود الجزائرية، وعاد التنظيم إلى مرحلة الخلايا النشطة أي عبارة عن مجموعات مصغرة تنتشر في مناطق محددة لكنها لا تمتلك أي قدرات عسكرية تمكنها من السيطرة على منطقة كاملة.

وأشارت معلومات في ذلك الوقت إلى أنه بعد خسارة داعش لمدينة سرت فإنه انقسم إلى ثلاث خلايا رئيسة الأولى تألفت من 60-80 مقاتلاً؛ تمركزت في منطقة قرزة التي تبعد 170 كم غرب سرت باتجاه الحدود مع تونس وقد تمكنت من الانتشار والتوسع في مدينة صبراتة لكنها أُنهيت في أواخر 2017، والثانية كان قوامها نحو 100 عنصر حول حقلي زلة ومبروك النفطيين الواقعين على بعد 300 كيلومتر جنوب شرق سرت ومجموعة ثالثة موجودة في العوينات قرب الحدود مع الجزائر([19]).

بالنسبة إلى عام 2018، فقد انتقل تنظيم داعش إلى النشاط الإرهابي الناعم، كعمليات تفجير السيارات المفخخة واستهداف المرافق الخدمية كشبكات الكهرباء والمياه، والهجوم المباغت على حواجز ومقار عسكرية سواء كانت تتبع لحكومة الوفاق الليبية أم للجيش الوطني الليبي الذي يقوده خليفة حفتر، وقد أشارت معلومات رسمية ليبية إلى أن خلايا داعش الإرهابية تمكنت من تنظيم نفسها جنوب ليبيا بمسمى “جيش الصحراء”. وما تزال إلى الوقت الحالي خلايا داعش تنشط بشكل مكثف وفي مساحات واسعة في البلاد([20]).

تقويم أهم العمليات العسكرية المستهدفة لداعش
جرى التصدي لتمدد نفوذ تنظيم داعش في ليبيا من جهتين رئيستين في البلاد هما حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج والألوية والكتائب المنضوية ضمنه من طرف، وقوات الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر. وقد كانت أولى العمليات التي أطلقت للتصدي لداعش وكذلك جماعات تتبع لحكومة الوفاق الوطني، هي عملية الكرامة عام 2014([21]) التي تمكنت من صد تمدد التنظيم باتجاه مدينة بنغازي شرق ليبيا. وأتبعت بعملية “حتف” عام 2015([22]).

كانت العملية الثانية في مدينة درنة عام 2015 التي أطلقها “مجلس شورى مجاهدي درنة” المؤلف من كتائب محلية وأخرى تابعة لجماعات سلفية متشددة مرتبطة بشكل غير مباشر بتنظيم أنصار الشريعة، وقد تمكنت هذه الحملة العسكرية من طرد داعش إلى خارج المدينة([23]).

أما الحملة الأبرز في سلسلة المعارك المستهدفة لداعش، فقد كانت عملية تحرير مدينة سرت أو البنيان المرصوص التي اشتركت فيها كل من قوات اللواء خليفة حفتر مع القوات التابعة لحكومة الوفاق([24])، وتمكنوا من هزيمة تنظيم داعش في أقوى معاقله بالأراضي الليبية. وقام التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بقصف مواقع عدة للتنظيم، ما أدى إلى إنجاح العملية بشكل ملحوظ([25]).

بعد ذلك دخلت مرحلة مكافحة داعش، مرحلة العمليات الأمنية لملاحقة خلاياه النائمة والنشطة، وقد قامت حكومة الوفاق الوطني بتشكيل غرفة عمليات محاربة تنظيم الدولة الإسلامية عام 2016 بعد تنفيذ اعتداء انتحاري وهجمات في بلدات قرب مدينة مصراتة([26]).

أعلنت حكومة الوفاق الوطني في نيسان/ أبريل عام 2018 بدء عملية عسكرية جديدة تحمل اسم “عاصفة الوطن” تهدف إلى القضاء النهائي على البؤر الإرهابية كافة، وأنها ستنفذ العملية في منطقة تبعد 60 كيلومتراً شرق مدينة مصراتة وحتى مشارف خمس مدن أخرى، هي بني وليد وترهونة ومسلاتة والخمس وزليتن([27]).

كذلك من جهته أعلن الجيش الوطني الليبي في 2018 شن حملة أمنية على مدينة درنة التي يوجد فيها خلايا تابعة للقاعدة ضمن ما يسمى “مجلس شورى مجاهدي درنة” الذي ساهم في إخراج داعش من المدينة، لكن يظَنّ أن هناك عناصر منتمية إلى داعش انضمت إلى الجماعات السلفية في المجلس بعد تحرير درنة. وفي إثر هذه العملية قُبض على أحد متزعمي الحركات الإرهابية في الشمال الأفريقي هشام العشماوي مصري الجنسية([28]).

أما عن جدوى العمليات العسكرية والأمنية المستهدفة لداعش، فيلاحظ مما سبق أن توجه كل طرف رئيس من الفاعلين الليبيين وهما حكومة الوفاق والجيش الوطني الليبي إلى شن عمليات منفرد لمكافحة داعش قد لا يؤتي النتائج المرجوة منه لا سيما أن عدداً من خلايا داعش ما زالت توسع نشاطها ليشمل مناطق ليبية أكثر، وإن غياب الأفق لأي حل سياسي بين الفرقاء الليبيين يدفع باتجاه تمدد التنظيمات الإرهابية لأن الفوضى العسكرية والسياسية تنشئ فراغاً إدارياً وأمنياً يمكن الجماعات الإرهابية من زيادة فاعليتها. لذلك فإن أي فرصة ممكنة للتفاهم والتنسيق بين الأطراف المكافحة لداعش ستزيد من إمكان ضبط العمليات الإرهابية وملاحقة العناصر المتورطة، كانت الجدوى من هذا التنسيق واضحة جداً في عملية سرت التي جرت بالتنسيق بين قوات حفتر وحكومة الوفاق وأدت إلى خسارة تنظيم داعش لأهم منطقة كان يسيطر عليها في ليبيا وشكلت نقطة انعطاف لمستوى فاعليته وأدت إلى إضعافه.

أبرز السيناريوهات حول مستقبل داعش في ليبيا
مع اقتراب دخول المواجهات العسكرية المكافحة للتنظيم في ليبيا عامها الخامس، يثار التساؤل حول إمكان إنهاء وجود داعش في البلاد أو استمرار نشاطه، وفي هذا الصدد يمكن التنبؤ بثلاث سيناريوات رئيسة لمستقبل داعش في ليبيا وفق ما يأتي:

الأول: في الأشهر الأخيرة تمكن تنظيم الدولة الإسلامية من شن عمليات نوعية عدة كان أبرزها الهجوم الذي شنه على المؤسسة الوطنية للنفط في مدينة طرابلس في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي([29])، وكان قد سبقه بشهرين هجوم آخر استخدم فيه التنظيم القذائف على مقر اللجنة العليا للانتخابات الليبية في طرابلس وأودى بحياة قتل 16 شخصاً على الأقل([30]). عدا شنه عمليات وممارسات إرهابية عدة متفرقة في أنحاء البلاد([31])، وكان عدد من الأوساط السياسية والعسكرية قد حذر من إمكان عودة التنظيم بقوة إلى ليبيا، وكان أبرزها تحذيرات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مطلع 2018 التي نبه فيها إلى احتمال عودة تنظيم داعش والإرهاب مجدداً إلى ليبيا([32]). من ثم فإن سيناريو عودة التنظيم بقوة إلى ساحة الصراع يعد أمراً محتملاً إلى حد ما، وهو مرهون بشكل أساسي ببقاء حالة الفوضى سائدة في البلاد أي إذا بقيت الفرق الليبية بعيدة عن التنسيق لملاحقة فلول تنظيم داعش فإن العمليات السابقة واللاحقة المستهدفة له، لن تحقق أهدافها بشكل كامل وسيدفع ذلك القائمين عليها لإطالة المدة الزمنية لإنهاء تنظيم داعش في البلاد وهذا قد يشكل ثغرة تمكن التنظيم من إعادة نفسه على الأقل بمسميات أخرى.

الثاني: هو التمكن من إنهاء نشاط تنظيم الدولة الإسلامية، وتكثيف عمليات الرصد والمتابعة في مختلف المدن والمناطق في ليبيا، وتوحيد الجهد العسكري لمواجهة التنظيمات الإرهابية بالقرب من الحدود الجزائرية والتونسية والسودانية التي تمثل أوكاراً كبيرة للخلايا الجهادية. وهذا السيناريو مرتبط بحدوث اختراق في مستوى المشهد السياسي والعسكري في ليبيا عبر جهد الوساطات الدولية، لجمع الفرقاء الليبيين على حل سياسي شامل، يفضي إلى إحداث تنسيق عال بين المؤسسات العسكرية التابعة لحكومة الوفاق والجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر وتوجيه الجهد نحو تشكيل فرق وشبكة أمنية واسعة في مستوى البلاد لملاحقة فلول داعش، لكن يبدو أن هذا السيناريو ليس من المرجح حدوثه في المدى المنظور بسبب تنامي الخلافات وتعقيدات المشهد بين الفرقاء الليبيين في الوقت الحالي.

الثالث: تثبيط نشاط تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا جزئياً، وعدم التمكن من تحقيق تقدم كبير لمنع احتمال زيادة فاعلية نشاطه في البلاد، وهذا السيناريو هو الذي يحدث حالياً، إذ إن حكومة الوفاق الوطني تقوم بشن عمليات أمنية وعسكرية تستهدف التنظيم لكنها لا تستطيع تثبيط نشاطه إلى حد كبير وقد استطاع التنظيم استهداف مقر حكومة الوفاق في طرابلس أكثر من مرة –كما أٌشير في الاحتمال الأول– فيما تقوم قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر هي الأخرى بعملياتها الخاصة لملاحقة داعش، من ثم فإنه من المرجح إذا استمرت استراتيجية الأطراف السابقة في مكافحة داعش على ما هي عليه، أن تطيل أمد احتمال إنهائه في المدى القريب وقد تصل إلى المتوسط أي إلى 5 سنوات على الأقل.

الخلاصة
بعد الهزائم التي مني بها التنظيم في كل من سوريا والعراق وكذلك ليبيا، يحاول مجدداً البحث عن مناطق تمكنه من تجميع خلاياه لتعود إلى فرض كيان الدولة، وقد يكون هذا الأمر صعب التحقيق مجدداً في كل من العراق وسوريا لأن العمليات التي استهدفته ارتبطت بوجود قواعد القوات الأمريكية والأجنبية التابعة للتحالف على الأرض في كل من سوريا والعراق وجعلت من الصعب على التنظيم العودة مرة أخرى بالقوة التي كان يمتلكها سابقاً، لكن الأمر في ليبيا والقارة الأفريقية بشكل عام مختلف، لأنه لا توجد قواعد للتحالف على الأرض وإنما يعمل التحالف مع شركاء محليين لمكافحة تنظيم داعش، أي إن حالة التأهب الأمني التي يجب أن تفرض بعد مرحلة إضعاف التنظيم وإنهاكه في شمال أفريقيا وتحديداً ليبيا لمواجهة احتمال عودة ظهوره ما تزال غير مكتملة ما يجعل إمكان عودته بقوة إلى ساحة الصراع مفتوحاً.

المراجع:

([1]) “داعش” يعلن إقامة “الخلافة الإسلامية” ويبايع زعيمه خليفة للمسلمين”. بي بي سي، 30-6-2014. https://bbc.in/2PpkwZC

([2]) “ليبيا.. أنباء عن مبايعة داعش واستعراض مسلح في درنة”. العربية نت، 6-10-2014. https://bit.ly/2CWPwgI

([3]) “سعودي يتلقى «البيعة» لـ «خليفة داعش» البغدادي من الليبيين”. جريدة الحياة، 2-11-2014. https://bit.ly/2Jcx3wS

([4]) “داعش” ليبيا: كيف نشأ؟ وكيف يعمل ومع من؟”. مونتي كارلو، 16-2-2016. https://bit.ly/2OJXkc8

([5]) “أول مستعمرة لـ «الدولة الإسلامية» في ليبيا”. معهد واشنطن للدراسات، 10-10-2014. https://bit.ly/2yUGyMA

([6]) “The Origins and Evolution of ISIS in Libya”. Atlantic Council, 20-6-2017. https://bit.ly/2yv72EV

([7]) “اجتماع سري لفروع “أنصار الشريعة” مغاربيا في ليبيا”. العربية نت، 20-9-2013. https://bit.ly/2NVJG05

([8]) “مقتل 21 جندياً ليبياً في معارك السيطرة على حقول النفط”. العربية نت، 6-3-2015. https://bit.ly/2OHmgkr

([9]) “بالفيديو.. داعش يعدم 28 إثيوبياً مسيحياً في ليبيا”. العربية نت، 19-4-2015. https://bit.ly/2NXMt9l

([10]) “تنظيم الدولة الإسلامية يعلن السيطرة على سرت الليبية”. الجزيرة نت، 9-6-2015. https://bit.ly/2CyALQo

([11]) “ليبيا: إسلاميون يطردون داعش من درنة ويصفونه بـ”خوارج البغدادي”.. وأبو سهمين يتوعد التنظيم بمسقط رأس القذافي”. سي إن إن، 15-6-2015. https://cnn.it/2An7x5l

([12]) “«داعش ليبيا» يخسر تعاطف القبائل في معقله بمدينة درنة”. الشرق الأوسط، 13-7-2015. https://bit.ly/2ytlMEm

([13]) “تنظيم الدولة يفرض سيطرته الكاملة على مدينة سرت الليبية”. بي بي سي، 13-2-2016. https://bbc.in/2CCpUoi

([14]) المرجع السابق.

“نشعر وكأننا ملعونون” الحياة في ظل داعش في سرت الليبية”. هيومن رايتس ووتش، 18-6-2016. https://bit.ly/2AqsEUv

([15]) “جولة في بنغازي على وقع تقدم التنظيم ليبيا: «داعش» باقٍ ويتمدد… بعد تزايد المؤشرات إلى تصدع تحالف حفتر في برقة”. جريدة الحياة، 12-2-2016. https://bit.ly/2OIjR93

“قوات حفتر تعلن تحرير بنغازي بشكل كامل”. روسيا اليوم، 28-12-2017. https://bit.ly/2OO27cI

([16]) “أطماع داعش في حقول النفط الليبية”. سكاي نيوز، 20-12-2015. https://bit.ly/2EGkEmr

([17]) “انتشار تنظيم “داعش” في ليبيا (تسلسل زمني)”. الأناضول، 31-8-2016. https://bit.ly/2SbWOSc

([18]) “البنيان المرصوص تنهي معارك سرت وتطرد تنظيم الدولة”. الجزيرة نت، 6-12-2016. https://bit.ly/2FrJlQg

([19]) “الدولة الإسلامية تنتقل إلى أودية صحراء ليبيا بعد الهزيمة في سرت”. رويترز، 10-2-2017. https://bit.ly/2yYqTvH

“الجيش الليبي يسيطر على معظم مدينة صبراته”. سكاي نيوز، 20-9-2017. https://bit.ly/2OGVpF8

“ليبيا.. داعش يظهر في صبراتة”. العربية نت، 19-6-2017. https://bit.ly/2tISL2M

([20]) “جيش الصحراء”، داعش يعيد التمركز في جنوب ليبيا”. العربية نت، 5-3-2018. https://bit.ly/2D2xfyM

([21]) “معركة “كرامة ليبيا”.. الصراع وأطرافه”. العربية نت، 21-3-2014. https://bit.ly/2Sh4kev

“آلاف «الجهاديين» الليبيين يعودون من سوريا والعراق لمواجهة حفتر”. الشرق الأوسط، 15-7-2014. https://bit.ly/2PiW7YK

([22]) “بنغازي.. حفتر يعلن بدء عملية عسكرية تحت مسمى “الحتف”. عين ليبيا، 19-9-2015. https://bit.ly/2OO4XOQ

([23]) “ليبيا: إسلاميون يطردون داعش من درنة ويصفونه بـ”خوارج البغدادي”.. وأبو سهمين يتوعد التنظيم بمسقط رأس القذافي”. سي إن إن، 15-6-2015. https://cnn.it/2An7x5l

([24]) “ليبيا: تحرير سرت من «داعش» يتحول إلى صدام بين حفتر وحكومة السراج”. الشرق الأوسط، 30-4-2016. https://bit.ly/2D2hUy1

“الجيش الليبي يبدأ معركة سرت الكبرى”. صحيفة البيان الإماراتية، 5-5-2016. https://bit.ly/2yX13bm

“البنيان المرصوص.. عملية لـ”دحر” تنظيم الدولة بليبيا”. الجزيرة نت، 11-8-2016. https://bit.ly/2bjXKBP

([25]) “455 غارة أمريكية ضد “داعش” بسرت منذ أغسطس”. روسيا اليوم، 29-11-2016. https://bit.ly/2Rd7q1T

([26]) “تشكيل غرفة عمليات خاصة لمحاربة تنظيم “داعش” في ليبيا”. مونتي كارلو، 6-5-2016. https://bit.ly/2yxf6VM

([27]) “عملية عسكرية جديدة ضد داعش في ليبيا”. الحرة، 2-4-2018. https://arbne.ws/2JfiUz6

([28]) “ليبيا: المشير خليفة حفتر يعلن بدء عملية عسكرية لتحرير درنة من الجهاديين”. فرانس 24، 8-5-2018. https://bit.ly/2SiNax3

“إعلان حفتر قرب معركة درنة.. حسابات الربح والخسارة (تقرير)”. الأناضول، 11-4-2018. https://bit.ly/2Po2TMM

“بالفيديو.. لحظة اعتقال عشماوي “أخطر الإرهابيين المصريين”. سكاي نيوز، 8-10-2018. https://bit.ly/2SgTs0m

([29]) “داعش” يتبنى الهجوم المسلح على “المؤسسة الوطنية للنفط” في ليبيا”. الاتحاد الإماراتية، 11-9-2018. https://bit.ly/2Pps2qk

([30]) “«داعش» ينبعث من جديد في ليبيا.. وينبئ بعودة الإرهاب”. الإمارات اليوم، 8-7-2018. https://bit.ly/2z1XcKd

([31]) “الخلايا النائمة تستغل المساجد “داعش” و”القاعدة” يجندان أطفال ليبيا”. سبوتنيك، 27-7-2018. https://bit.ly/2Al5Xmw

([32]) “فرنسا تحذر من عودة «داعش» إلى ليبيا”. الشرق الأوسط، 1-2-2018. https://bit.ly/2DRMlYv

عن مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق