شكري المبخوت؛ بوصلة الأكاديميين، المثقفين والأساتذة التونسيين هي الحريّات الفرديّة (3/3)

’’بعد التطرّق والحديث الى تجربته في الرواية في الجزء الأوّل  واسهماته الهامّة في مجال السيرة الذاتيّة  والترجمة في الجزء الثاني، نمرّ الى الجزء الهام من مسيرة الأستاذ شكري، بالاضافة لكون روائيًا وأكاديميًا، فالمعروف أنّ المبخوت مناصر  لقضايا الحريّات الفردية، سواء في مقالاته الصحفية أم في بعض كتاباته أو في تصريحاته، ولا يمكننا إجراء الحوار دون الحديث عن الحريّات الفردية، وهكذا نمرّ إلى الجزء الاخير من الحوار،،

ماذا عن معركة الحريّات، كنت قد عبّرت عن موقفك من الحريات في علاقة بالسير الذاتي، مذا عن موقفك كمواطن ومثقف وجامعي؟

مسألة المساواة والحريّة اليوم أصبحت مضمّنة في تقرير، تقرير مهمّ بقطع النظر عن تفاصيله وعمّن كتبه وعمّن أصدره، لكن توجد دلالة كبرى أساسية، وهو أنّ ما تضمّنه التقرير لا يمكن بذلك الحجم وذلك الكمّ وذلك التنوّع في القضايا الّتي تهمّ الحريّات الفردية والمساواة، أن يوجد في آي بلد عربي، بما في ذلك لبنان أو المغرب على تطوّر حركاتها النسائية، أقدّم هذه الملاحظة، لأنّنا نحن التونسيين للأسف معاصرتنا أصبحت تمثّل حجابًا في رؤية هذه الاختراقات الفكريّة والثقافيّة المهمّة، فتطوّر الوعي الحقوقي في تونس، وتطوّر درجة الجرأة في طرح مسائل تبدو محرمّة، هما خصلتان أساسيتان لتطوير المجتمع، وهنا سأقول كلامًا قد أصبح مألوفًا لكن التذكير به مهم، فأن تكون تونس منذ منتصف القرن التاسع عشر قد اتّخذت إجراءات حول الرّق، حول الدستور، حول عهد الأمان، تشكّلت فيها النقابات، وظهرت فيها محاولات التّأسيس النقابي، أنجبت شخصية قويّة في أسلوب فهمها للنّص المقدس من الناحية الدينيّة، والتّفكير  في تحرير المرأة، من نقد التعليم الزيتوني البالي المتخشّب، وأقصد هنا الطاهر الحدّاد، وأن يوجد فيها نقد عمق للثّقافة العربيّة في مسألة الخيال والحديث هنا عن الشّابي، وأن يوجد فيها تطويرات لأفكار حقوقية، مثل تشكّل الرابطة التونسية لحقوق الإنسان أواخر السبعينات، أن يوجد كلّ هذا، أن تكون هناك مجلّة الأحوال الشخصية.. كلّ هذا ليس أمرًا بديهيًا، إنّما هو جزء على قدرة النّخب التونسيّة على أن تتخطى واقعها، فهذه النخب استطاعت دائمًا أن تطرح جداول للتّفكير لتربط مجتمعنا بخصائصه العربية الاسلاميّة ومرجعياتها المقدسة وغير المقدسة – فلست ممّن ينكر ذلك بل على العكس هي مكوّن لشخصيتنا-  بخلاصة تطوير الفكر البشري الكونية حقوقيًا وثقافيا، هذا أمر مهمٌ جدًا، فهو جزء من دينامكية ثقافية تاريخية، أعتقد أنّها تترسّخ المجتمع الآن أكثر فأكثر.

معنى ذلك، أنّ هذه النّخب ليست نخبًا تقليدية تساير ما يسمى مشاعر الناس، وليست نخبًا جبانة تخفي أفكارها وتخفي مبادئها وقيمها بل هي نخبة تدخلنا ضمن دينامكية التفكير من واقعنا الخصوصي نحو مدارٍ عالمي، بطبيعة الحال هذه المسألة ليست هيّنة أو سهلة ولكن في ظنّي أنّ هذا الدور الّذي يقوم به جزء من النخبة التونسيّة غير المسنودة، – والمسنودة أحيانًا سياسيا- هو دور جوهري وأظنّ أن انعكاساته على الثقافة العربية الاسلامية هي انعكاسات كبيرة رغم وجود مؤسسات تدّعي احتكار المعنى الديني مثل الأزهر، أو مؤسسات فقدت هيبتها القديمة وتريد أن تستعيدها بمناسبة هذا الجدل أو ذاك من قبيل الجدل حول مسألة الميراث مثل جامعة الزيتونة وهي شيء مغاير تمامًا لجامع الزيتونة، أعتقد أنّ الجامعات التونسيّة جامعات زيتونية، زيتونية بالمعنى الحقيقي العصري والحداثي للكلمة، لا بالمعنى الرجعي التقليدي، الجامعة التونسيّة هي وريثة الزيتونة في أشكال متعدّدة، أو هي وريثة الزيتونة في صيغة حديثة، إذًا لا وجاهة لاحتكار المعنى الديني من قبل كليّة الشريعة وأمثالها، فهم لا يمثلون نخبة العلماء، على كلّ أعود الى الفكرة الرئيسيّة، قد لا يرضي هذا القوى المحافظة والرجعيّة والّتي لم تفهم بعد أنّ المجتمعات  تحتاج إلى المعنى الديني، معنى ديني يصالحها مع عصرها، ولم تجد هذه المؤسّسات الآليات خارج منطق الاجتهاد القديم وخارج منطق (لا اجتهاد في نصوص قطعيّة ولا اجتهاد في نصوص صريحة وثابتة) لم تجد آليات في إعادة تأويل المعنى الديني بطريقة فهمها هشام جعيّط، طريقة باهرة ومعاصرة، مثلما أوردها في كتابه الشخصيّة العربيّة الإسلاميّة والمصير العربي، لا نجد هذه الرّوح الّتي تجمع الخصوصيات والكونيات وتسعى من داخل المنظومة الاسلاميّة للارتقاء لما يعتبره جعيّط الرّسالة الحقيقة للإسلام. هذه التوترّات في الحقيقة نتجت عن سرعة ارتباط هذه النخب مباشرة بالقيم الحديثة وعجز النخب التقليديّة عن تطوير خطابها وتقديم قراءة للإسلام وتأويله في وضع تغيّر ولم يعد من الممكن ان نتصرّف كما كان عباقرة الفقهاء يتصرفون في عصورهم. ففكرة الاجترار والاكتفاء بما أنجزه الأسلاف لم يعد قادرًا على أن يقدّم شيئًا إلّا مزيد التوترات والمواقف المعادية للحداثة، إلّا التّفكير المتطرّف والتّفكير العنيف حتّى وإن ادّعت هذه الجهات الاعتدال، لأنّ الاعتدال ميزة لا إيجابيّة ولا سلبيّة، ولكن الاعتدال هو أن تكون قادرًا على تبني الآليات المعرفيّة والتأويليّة والعلميّة في التّعامل مع النّص الدينيّ فيطمئنهم ولا يزيدهم توتّرًا ولا حزنًا مثلما ورد في عنوان كتاب ’’دليل المسلم الحزين،،. على الخطاب الديني بعث نوعٍ من الطمأنة والنخوة والافتخار والاعتزاز في الانتماء لدين له رسالة سماويّة وليس دين يكتفي فقط باجترار الماضي، هذا هو الإشكال. ثمّ إن القوى الرجعيّة العاجزة عن صياغة إسلام يحافظ على جوهر الرّسالة دون التمسّك بحرفية بعض التّفاصيل التاريخيّة مآله الانتهاء، لأنّ تيّار التّحديث خاصّة في هذا الزّمن المعولم وفي هذا الزّمن الرقمي الّذي يتعامل آنيًا وفي اللّحظة نفسها مع يجدّ في العالم وسهولة الانتقال والحركة بين مواطني العالم الانساني مع بعض الصّعوبات بطبيعة الحال.. كلّ هذا سيجعلهم على هامش التّاريخ وصورة محنّطة ولكنّها قد تخيف بما تصنعه من شباب عاجز عن فهم واقعه، عاجز عن الحلم والاعتزاز بدينه العاجز عن التّصالح مع عصره، وليس لنا كثير من الاختيارات، هي نفس الخيارات الّتي قالها الطاهر الحدّاد منذ 1930؛ إمّا أن نترك الأمور للزّمن وسيجرفنا حينها لنلتفت ونقول أين المعنى الديني في حياتنا وهذا التيّار لا ينفصل عن تطوّر التحديث الاقتصادي والتكنولوجي والثّقافي والتّنميط العولمي بسلبياته وايجابياته أو أن نظلّ نرفض ونرفض ونرفض فنبقى على هامش الفعل التاريخيّ والحضاري متشبثين بخصوصيّة لسنا متأكدين من أنّها خصوصيتنا، فمن هذه الناحية أعتقد أنّ الحريّات الفرديّة والمساواة ينبغي أن ننظر اليها من هذا المدخل وننظر إليها بمعنى مدني لا ديني، هو هذا الدستور الّذي تمثّل المواطنة فيه محورًا، ولكن المواطنة لا تكون فيه من دون حريّة فرديّة، فليس من باب التّرف الثّقافي والحداثي أن نتحدّث عن الحريّات الفرديّة، بل هو من أوكد مقتضيات مفهوم المواطنة إذا أردنا أن نبني مواطنة كاملة لا مواطنة مبتورة.

يرى البعض، وحتّى من مناصري الحريّات الفرديّة في تونس، إنّ هذه الدّعوة قامت بمبادرة من شخص له نصيب في انتهاكات حقوق الإنسان والتّعذيب وقمع الحريّات، ما تعليقك على هذا الموقف؟

هنالك مقولة قديمة لعلي ابن أبي طالب هي “الحقّ لا يعرف بالرّجال.. وإنّما يعرف الرّجال بالحقّ” ، إذن الحقّ الّذي في تقرير الحريّات الفرديّة والمساواة  لا يعرف بالباجي قايد السبسي لأنّه يتجاوز الشّخص والمنصب، فإذا أردنا الدّخول في مناقشة سياسويّة، فمن وجهة نظر بعض الصحفيين والسّياسيين هذه، سنجد أنفسنا أمام القضية الّتي أعتبر أنّها أساسيّة، فما ورد في التّقرير على الأقل من تشخيص للمشكلات وضبط القضايا الّتي تتصل بالحريّات الفرديّة سليم ومهمّ، أمّا الموقف الآخر سيجعلنا نفوّت في التّقرير بتعلّة أن من يقف وراء هذا التّقرير هو رئيس الجمهوريّة الّذي يمثلّ طرفًا من أطراف الصراع السّياسي في شكل من الأشكال، أنا أقول لك هذا بكلّ موضوعيّة ودون أن تكون لي أدنى علاقة بأي حزب أو حركة سياسيّة.. قد يكون هذا التّقرير من الفضائل القليلة ربّما للباجي قايد السبسي، فهل من المعقول أن نرفض مقترحًا حقوقيًا بمثل حجم تقرير الحريّات فقط لأنّه من تقديم شخص لا نتفّق معه سياسيًا، رفض هذا التقّرير بتعلّة أنّ وراءه الباجي قايد السبسي يندرج ضمن الطفوليّة والصبيانيّة، لأنّ ما قدّم في هذا التّقرير سيمرّ عبر إجراءات وآليات معبرة عن إرادة الشّعب.

ولنعكس المسألة الآن، لنفترض أنّ هذا المشروع لم تقترحه مؤسّسة الرئاسة، من كان سيثير هذه القضايا من الحركات الّتي تتنافس على مصالحها ولا تفكّر في تونس والحريّات الفرديّة.

لننظر إلى المسألة بافتراض آخر، أنّ المجتمع لم يبلغ من التطوّر الذهني ليدافع عن هذه القضايا، هل كان المجتمع متطوّرًا ذهنيًا لإلغاء تعدّد الزوجات أو الغاء الرّق، لو قام بورقيبة في تلك الفترة باستفتاء لما وقع منع تعدّد الزوجات، لقد قام بورقيبة بكلّ قوّة وبطريقة يعقوبية -كما يحبّ الإسلاميون أن يعبّروا في بعض كتاباتهم- بمساندة من النّخب المثقفة آنذاك بإنجاز تاريخيّ قلب بنية المجتمع وعقليّته ونجني اليوم الكثير من ثماره الإيجابيّة عموما في تقديري.

القوانين هي الّتي تغيّر المجتمع والمجتمع إذا تركته راكدًا لا يستطيع أن يطالب بتغيير القوانين، السّؤال الّذي ينبغي أن يناقش، هل الإرادة الشعبيّة هي الذّهاب مع مشاعر الشّعب إلى أقصاها، ومشاعر الشعب قد تكون في أغلبها ضدّ حقوق الإنسان، أم أنّ الإرادة الشعبيّة هي أن تتلائم القوانين مع مصلحة الشّعب حتّى إن بدت في لحظة مّا غير مقبولة لدى غالبيتهم. هذا إشكال لا أملك إجابة له حقيقة، لكن أثير قضية العلاقة بين القانون والمجتمع، قضية تطوير العقليات بالقوانين أم انتظار تطوّر العقليّات لكي نصوغ قوانين حديثة، هذه إشكالية أعتقد أحيانًا أنّها تصل إلى نوع من قصّة البيضة والدجاجة.

أسوق لك مثالًا رابعًا، هناك في قضية الحريّات والمساواة أفكار، ليست هي أفكار الباجي قايد السبسي ولا من رغبات وشهوات النّخب العلمانيّة الحديثة، هي جزء من التزامات الدولة التونسيّة في تقريرها الدولي حول الحقوق، إذا تصوّرنا المسألة محصورة في خمسة أمتار مربّعة من البلاد التونسيّة، نكون قد أخطأنا في افتراضنا، هنالك التزامات دوليّة في كلّ الدول لا في تونس فقط، الدينامكيّة اليوم أصبحت دينامكيّة دوليّة، ولم يعد من الممكن أن تعيشها بعد. بعض السّادة النوّاب يتحدّثون عن قوانين مجلوبة من الاتّحاد الأوروبيّ وغير ذلك، لكن لو تثبّتوا لوجدوا أنّ التدخّل الخارجي لا يقع في القوانين فقط، وإنّما يقع في جميع تفاصيل الحياة، السّؤال الهامّ حول السّيادة الداخليّة، هل يمكنك أن تعيش دون تدخّل خارجي، علينا أن نطرح القضايا بطريقة فجّة أحيانًا لكي نصل إلى إجابات عقلانيّة مناسبة والّتي في مقدورها أن تتفاعل. نقاشٌ أخير حول العنصريّة، هنالك نوع من إنكار وجود عنصريّة في تونس باسم أنّ الغرب يريد أن يخلق لدينا مشاكل أقليات، ولكن نحن في سلوك وممارسة بعضنا مع الأفارقة الموجودين في تونس والحوادث الّتي تعرضوا لها، لا نقول كره ولكن هناك جزء من التونسيين يحوّلون عنصريتهم من مستوى الأفكار إلى مستوى الأفعال، فهل نحن نحترم السود أم لا. لنعتبرها ظاهرة محدودة وجزئية وشاذة ولا أعتقد ذلك شخصيًا، لكن لنعتبرها كذلك، ما المانع من وجود قوانين تناهض العنصرية، هل حجّة أنّ الإتحاد الأوروبي يريد أن يفرض علينا هذا القانون حجّة كافية، هنالك إشكاليات من هذا النّوع، ونفس الشيء لأنّ المؤسسات الدوليّة الحقوقيّة تريد فرض المساواة وهناك نزعة لمنح مجتمع الميم باعتباره أقليّة حقوقهم.

إلى متى يمكن أن نرفض مثل هذه الحقوق، وما هي الشرعيّة الّتي تجعلك ترفض، وهل يعاني مجتمع الميم من الحيف والاعتداء أم لا، هل أنّ الحقوق الّتي ينبغي أن تكون لهم تصبّ في خانة التّرف، وكأن منح حقوق بعض الأفراد من مجتمع الميم سيجعل المجتمع كلّه “مصابًا بعدوى الميم” كما يعتقد البعض وغير ذلك، وهذا تفكير ساذج وسطحي في رأيي لأنّ الدّافع ليس الخوف فأنا أتفهم الخوف، ولكنّه العجز عن تقديم إجابات تكفل حقوق الأفراد وتحمي ما تعتقد أنّه قيم مشتركة، هذه هي المعادلة، أي أنّ القيم المشتركة الّتي تعتبرها موروثة تناقض مصالح الأفراد والمجموعات، هذا هو السّؤال، وهل نحن مستعدون للتّضحية بحقوق الأفراد والمجتمعات من أجل مثل هذه القيم المشتركة، قضايا نحتاج إلى صياغتها وفق تصوّرات حقوقيّة، فكريّة، اجتماعيّة تراعي السياقات ولكنّها تراعي أيضًا أصحاب الحقوق.

****

الصورة لـ: ضحى عبد الحق©

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. أحمد عزيز الحسين - كاتب سوري

    حين يقرأ المرء هذا الحوار الشائق والقيم مع الدكتور المبخوت يتساءل بحسرة : إذا كانت النخبة التونسية قد حققت كل إنجازاتها على أكثر من مستوى؛ فلمَ أخفقت في موضعة هذه الإنجازات على الأرض؟
    ولمَ لمْ تستطع تشكيل البنية الاجتماعية، والحامل الاجتماعي القادر على حماية هذه الإنجازات بوصفها إنجازات وطنية عامة لا أنجازات للنخبة التونسية ؟؟
    وكيف انقلبت الأمور رأساً على عقب، وأصبح لحركة النهضة والسلفيين عموماً الكلمة العليا في الشارع التونسي ؟؟
    وكيف يمكن أن نفسر أن معظم الداعشيين الذين وفدوا إلى تونس لمحاربة النظام السوري ( كما يقولون ) جاؤوا من تونس بشكل خاص لا من الجزائر ولا من المغرب ؟؟
    ألا يدل هذا على أن عمل النخبة التونسية لم يتجاوز القشرة الاجتماعية، ولم ينجح في تشكيل بنية اجتماعية قادرة على حماية هذه الإنجازات بوصفها إنجازات اجتماعية تخدم التونسيين جميعاً لا النخبة وحدها ؟

أضف تعليق