الإله (1)

جون دورموسون

«بقيت لنا خمس دقائق، باستطاعتنا أن نعالج فيها مشكلة الإله» طُرحت هذه الجملة بشكلها المستفزّ من قبل أستاذي جون وَال في نهاية أحد دروسه منذ سنوات طويلة خلت، وقد عادت فجأة إلى الذهن. نحن أيضاً بقيت لنا بضع صفحات، ربما يمكننا الحديث قليلاً عن الإله، بتواضع واحترام، وبخشية وارتجاف. لقد كتبت لي امرأة مسنّة، بعد قراءة أحد كتبي، في نهاية القرن الماضي، رسالةً مازلت أذكرها، تقول فيها: «نحن لا نتحدّث عن الإله. نحن نتحدّث إلى الإله».

إن الحديث عن الزمن كان غير حذر. والحديث عن الحقيقة لم يكن بعيداً عن الإيهام. والحديث عن الفكر لم يكن به شيء من المعقولية. أمّا الحديث عن الإله فخاطئ. إنّ الإله هو المنوجد بشكل قبليّ، أو بالأحرى خارج هذا الفضاء وهذا الزمن اللذين يشكلان إطاري عملية التفكير. إنه خارج تفكيرنا السخيف وعالمنا الزائل.

مَنْ ذا الذي يَـمْثُلُ خارج الكون، والذي يحاول فكرنا اختراق سرّه بدون جدوى؟ على الأقلّ في أعين البشر، وبنظرة هذا العالَـم، فلا شيء يوجد. الإله هو هذا اللاشيء الذي، بطبيعة الحال، هو كلّ شيء أيضاً. وبما أنّ ما قبل المكان والزمن وما بعدهما، وقبل الانفجار الأصليّ والسور الذي يحجُبُ عنا سبَبَه، فإنّه بعد موت كلّ واحد منّا، سيندمج كلّ شيء باللاشيء وسيتطابقان. منذ الصفحات الأولى لهذا الكرّاس المختصر كانت قد ظهرت فرضية إله جاذب، لا يكُفّ أبداً عن جذب العالم من لاشيء، وهذا ما يعني أنّه نفسه هو كل شيء.

يا أنت، يا خارج كلّ شيء

كيف أدعوك باسم آخر؟

أية أنشودة يمكن أن أهديك؟

لا كلمةَ تعبّر عنك.

أيّ عقل يمكنه إدراكك؟

أنت فوق كلّ حصافة.

وحدك، تجِلُّ عن الوصف

لأنّ كلّ ما يُلفظ نابع منك

وحدك مجهول

لأنّ كلّ معرفة صادرة عنك.

من بين كلّ الموجودات أنت الآخر.

أنت فرد.

أنت كلّ واحد ولا أحد.

لست موجوداً واحداً

ولست جُماع كلّ الموجودات.

لك كلّ الأسماء.

كيف أناديك أنا،

أنت الوحيد من لا نستطيع تسميته؟

يا أنت، يا خارج كل شيء

كيف أدعوك باسم آخر؟

يفوق الإله الوصف، يجِلُّ عن الذكر، يعْظُمُ عن التسمية، ينفرد بالمعرفة، يندمج باللاشيء، وغائب دائماً. لا يتدخل أبداً في أمورنا العامة أو الخاصة. وحسب صيغة مزيّفة وشهيرة، ليس في صفّ أكبر الكتائب؛ أي ليس متحيّزاً لجهة معيّنة. ليس له نصيب في معاركنا. وبما أنّ البشر، في حدود ما تحدّثنا عنه سابقاً، أحرار في اختياراتهم، فالأكثر حكمة في كلّ يوم من حياته، حتى بالنسبة لمن لا يؤمنون به، دائماً يتصرّف وفق فكرة عدم وجوده.

لا يستطيع الإنسان القيام بشيء تجاه الإله، ومن ثم فهو ملزم إما بالصمت وعبادته، أو بإدانته. هذا الفصل حول الإله يجب أن يكون أطول من البقية، أو بالأحرى قصيراً للغاية. طويلا للغاية، لأنّ الإله يستحثّ، بالنسبة لمن معه أو لمن ضدّه، أكثر المشاعر عنفاً. قصير للغاية لأنه من غير المجدي أن نتحدّث عنه إذا كان موجوداً، ويستحيل الحديث عنه إذا كان غير موجود.

هل الإله موجود؟ النقاش لا يمكن البتّ فيه أبداً، ولا يمكن إغلاقه مطلقاً. حجج لا نهائية تُبودِلت بين المؤيدين والمعارضين لوجود الله. نقول بأنّ الله- أو عدوّه وخصمه: الصدفة المنظّمة- يحرص بعناية على هشاشة كلّ تصميمٍ وغلبةٍ للشك. كل اختيار، في هذا الاتجاه أو ذلك، يتضمن جزءاً من الاعتباطية.

إن من يؤمنون بالإله لذوو حظّ وفير، إذ تصير حياتهم نوراً وعيداً، وامتناناً وإكباراً. سعادتهم مُبهِجة لأنهم يعلنون سعادة مختلفة، وأكثر موثوقية من الأخريات. وحتى معاناتهم تكتسب معنى خفياً وبديهياً، حتى تصبح أكثر احتمالاً. إنّ معاناتهم وعْدٌ. وحبّ الإله يعطي للمؤمنين القوّة التي تحرّك الجبال، في الاتجاه المزدوج للكلام: الحبّ الإلهيّ النازل من الإله على البشر، وحبّ الإله الصاعد من البشر صوبه.

هذا الحبّ قويّ جداً، ومدمّرٌ جداً أحياناً، إلى درجة أن العالم، بالنسبة للمؤمنين، ينتهي بعدم المراهنة على نظرة الخلود المؤكدة لديهم. باسم هذا الحبّ ومن أجله، يمنحون حياتهم بكلّ فرح. الفئة الأولى، وإشفاقاً بإخوانهم، يُعتبرون ضحايا العنف والقديسين بالنسبة لهؤلاء الإخوان. والفئة الأخرى، في العنف وكراهية الناس، هم مجرمون وأبطال في أعين هؤلاء الناس. ليس هناك ما هو أكثر رعباً من إعارة الإله المشاعر ومحفّزات الفعل التي قمنا بتشكيلها بأنفسنا.

نعلم مسبقاً بأنّ تعاليم المسيح وحـدّت الحبّ الإنسانيّ بالحبّ الإلهيّ. والمسيحيون يذهبون إلى حدّ الاعتقاد بأنّ إلههم يرتّد بشراً. ليس من أجل الاستمتاع بالحياة، ولا من أجل الثمالة على شاكلة ديونيزوس، ولا من أجل التباري مع الأحياء كما أبولون، ولا من أجل غواية المخلوقات على طريقة غريشنا أو زوس، ولكن من أجل مشاركة معاناة البشر والموت. الإنسان بالنسبة لمن لا يؤمنون بالمسيح، يعتقد نفسه إلهاً في حيز معين من الفضاء والزمن. والإله بالنسبة للذين يؤمنون بالمسيح، يتحول إلى بشر في حيز ما في الفضاء والزمن. وفي تصور أتباع الكاليلية، تُعتبر العدالة، والجمال، والحقيقة، والحبّ تجسُّداً، لأن الإله نفسه تجسّدٌ.

للمسيحيين قناعتان، وربما اثنتان لا غير: يؤمنون بالإله باعتباره منبعاً ومعنى للكون، ويؤمنون بشخص يُدعى المسيح وهو من يتجسّد فيه إلههم، وهو من يُعلّم في آنٍ واحد، حبّ الإله وحبّ الناس. وبما أنّ الإله اختار، بقوّته ومجده، أن يتخذ وجها إنسانياً، فقد أنزل قليلاً من الكرامة الإلهية على مخلوقاته. إن الإله يتماهى مع الإنسان الذي يقترب بدوره من الإله. ومن ثم فالمسيحية ثيولوجيا ونزعة إنسانية في نفس الوقت.

لقد سعت الكاثوليكية التي أنتمي إليها، أو أزعم الانتماء لها، تحت سلطة الكنيسة والبابوات، لتوحيد، وهي مهمة صعبة ولا متناهية على وجه الدقة، تراثٍ عمره ألفي سنة- وهو شيء كثير وقليل جداً في الآن نفسه- بقلق تجديدٍ واهتمامٍ متزايد بحركة التاريخ.

اتهمت أولى المجمّعات الدينية علانية بـ «السّلب» من طرف معاصريها بدء بمحاكم التفتيش وإلى اضطهاد اليهود، والمهرطقين، والبيجيين، والبروتستانت. وانطلاقاً من أسطورة البابا جون *(La papesse Jeanne)  إلى السيمونية،  والعنف، ثم جرائم ومغامرات بورجيا الصادمة. إن تاريخ الكنيسة والبابوية، الذي يشمل فيضاً من الحلقات المروّعة والمخيفة أكثر من صفحات الكرم والمجد، كان موضوع انتقادات حادّة ومبررّة في غالب الأحيان. تضمّ الكنسية خلائق خاضعة، مثل جميع الأنام، للصدفة، والإغواء، والانحطاط، والعماء، والخطأ. وقد قدّمت نماذج لا حصر لها، للضعف والشناعة. وأدلّة لا حصر لها أيضاً من العظمة والبهاء. من كنيسة سيستينا إلى نشيد أليغري، وكنائسَ رومانيّة وكاتدرائيات تُعزف بها أناشيد باخ، وكثير من أناشيد الغلوريا والقدّاسات، وعدد لا يحصى من الجداريات واللوحات المزدوجة، وآلاف أعياد البشارة والصّلب، والرسم، والنحت، والهندسة، والموسيقى. إنّ كلّ الفنون تدين بشكل كبير وفي نفس الوقت، للإيمان المسيحي، وللكنيسة الكاثوليكية على وجه الدقة. وكلّ التعاليم التي قُدّمت بسخاء على مرّ التاريخ، هي عقيدة المسيح الذي سلك بكلّ قوة، مسلك السعادة والمواصلة وفق روح الإنسان وقلبه.

إطلاقاً، لا أحد عرف شيئاً عن الإله، ولا أحد سيعرف عنه شيئاً. كل ما نستطيع فعله هو الإيمان بوجوده، بطريقة أو بأخرى. «آمَنَ» مفردة ضعيفة جداً، حيث يتمّ هنا استبعاد كلّ يقين وكلّ معرفة. لكنّ «أَمَلَ» أكثر قوة. وربما يتلخص الفعل آمَنَ بالنسبة لهذا الإله المجهول الذي لا نستطيع أن نعرف عنه شيئاً، والذي لا يسمح بالكلام عنه، في الفعل أَمَلَ. لقد عاش المسيح بين البشر، في المكان والزمن، وكلّ واحد يمكن أن يعرفه ويحبّه. أنا محبّ للمسيح، ومعجب بأقواله، وأفعاله. وأتمنى أن يكون إلهاً.

إن كانت وُجِدَ (exister) التي تعني كينونة (être) تدخل ضمن هذا العالم العابر والمؤطَّر، والذي ندعوه واقعاً، والذي قد يكون مجرد حلم طويل، ووهم مستمر ومتناغم، فالمسيح موجود. والإله غير موجود: إنه قريب من فكرٍ غير محدود، وروحٍ كونيّ، ومعادلةٍ رياضية شاملة ومستحيلة أكثر من هؤلاء الرجال والنساء الذين سمح بوجودهم والذين لا يوجدون إلا به. لا يوجد تُعَادِل يوجد. وكما هو الشأن بالنسبة للعدالة، والجمال، والحقيقة، والحبّ، فإنّ الإله يتجسّد بين البشر.

إننا لا نعرف من هذه العدالة، ومن هذا الجمال، ومن هذه الحقيقة، ومن هذا الحبّ، سوى ومضاتٍ، وآثارا، وشذراتٍ. إنّ ما هو أكثر عظمة، وأكثر جمالاً، وأكثر صِدقية في عالمنا الناقص والمكرّس للزوال، يأتي من هنالك، ومن الأكثر سمواً وتعالياً. فأفلاطون بأفكاره، وسانت أوغسطين، وديكارت، ولايبنتز، وكانط، وكيركيغارد، وبرجسون، وتيلار دي شاردان، وبطريقة ما هايدجر لا يعلموننا شيئاً غير ذلك. إنّ هذا الأصل، المضمر في حواسّنا وفكرنا، هو ما يدعوه الفلاسفة بالتسامي. فلنقلها وبغير تحفظ. يكفينا مناورة. أؤمن بتسامٍ إلى الحقّ والاعتياد على دعوته الإله والذي يمنح في النهاية، معنى للكون ولحياتنا.

الإله غير قابل للتصديق. لكنه ليس أكثر غرابة من هذا الكون الذي يبدو لنا أكثر وضوحاً والذي لا يكُفُّ عن إفعامي بالدهشة والإعجاب. الكل ملتبس حولنا، بدءاً بهذا الفضاء الذي تتواصل رحابته أمام ناظرينا، وبهذا الزمن الذي لا نعرف عنه شيئاً. إن العالم بشدّته وجماله، وبهذا الاندفاع الأزليّ نحو أشياء مجهولة، وبتاريخنا الذي، كالإله، هو في نفس الوقت هنا، وفي مكان ما، ودائم الغياب، فهو ليس سوى لغزٍ. لغزٌ بدون مستقبل ولا يستطيع غير العبور. الإله لغزٌ أيضاً. لغز أبديّ. لغز لا يعبُر.

الإله مختلط، في مأساتنا، مع ما ندعوه كل شيء ومع ما ندعوه اللاشيء في الآن نفسه. إنه لغز متوهج يأخذ معه كل الأسرار وكل معاناة البشر لكي يبدلها أملاً. أن يوجد، كما نقول، أو أن لا يوجد، بعيدٌ في الأعلى – وأكثر قرباً رغم ذلك- عن كل واحد منا وعن كونٍ مع وقف التنفيذ، وحيث لا يسود شيء آخر، هنالك، سوى موتٍ سينتهي آجلاً أم عاجلاً، بتدمير كل ما سوف ينوجد. وعليه يكون الإله، غائباً وحاضراً، هو أملنا الوحيد. وهو، بدون شك، الحقيقة الوحيدة في الجمال، وفي الفرح، وفي العدالة، وفي الحبّ.

الكاتب : جان دورميسون (بالفرنسية: Jean d’Ormesson ) (و. 1925 – 2017 م) هو صحفي، وكاتب، وفيلسوف، من فرنسا، ولد في الدائرة السابعة في باريس،[9]، وكان عضوًا في أكاديمية اللغة الفرنسية، توفي في نويي-سور-سين، عن عمر يناهز 92 عاماً.

******

[1]-  Jean D’Ormesson, Guide des égarés, Gallimard- Héloïse D’Ormesson, Paris, 2016, pp. 109-118.

* – يُحكى أنها الأنثى الأولى والأخيرة التي تقلَّدت منصب البابوية في الكنيسة الكاثوليكية، وقد حدث ذلك خلال القرن التاسع الميلادي، بعدما تنكّرت في ثوب رجل، واستطاعت بفعل ثقافتها العالية، ولباقتها، وعلاقاتها برجال الكنسية، أن تفوز بمنصب البابوية، وتحمل لقب “البابا جون الثامن”. وقد قضت في المنصب عامين وخمسة أشهر وهي في حالة التنكر تلك، إلى أن أكتشف أمرها، بعد حملها غير الشرعي، فقتلت هي ووليدها من طرف رجال الكنيسة. وبسبب هذه الواقعة أصبحت الكنسية الكاثوليكية وإلى يومنا هذا، تفحص ذكورة المرشح للبابوية، قبل تنصيبه، لأن الذكورة شرط أساسي بالنسبة لمن يتقلد هذا المنصب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. حسناء بغو

    أحسنت عملا و مزيدا من العطاء دكتور مجاد

  2. خالد مجاد

    كل الشكر والمودة استاذة حسناء.

أضف تعليق