معراج القلوب (1): الفضاء

طيفانِ من سديم مظلم يحلّقانِ فوقَ رذاذ النّجومِ الّتي انتحرت قبلَ أن تكتمل. يتقاربانِ ويتنافرانِ قبلَ اقترابهما. يرتديانِ عُريَ الشّهب المتناثرة هنا وهناك في أحلام الفضاء السّوداء. يُلقيانِ الألوانَ عنهما ويردّدانِ تراتيلَ الفضاءِ اللّانهائيّ. يرفعانِ آذان القيامة قبل أن ينفجرَ صراخُ الدّعاء في أقاليم السّماء. يقيمانِ صلاةَ الغجرِ الأخيرةَ قبلَ السّقوطِ الأوّلِ في ثقبِ غياهب الممكنات. يتكاسلانِ في ظلامِ نجومهما. يتعانقانِ ويُمسكانِ أحجيات موتهِما المترقّب. يكسرانِ ظلّيهما على نفسيهما قبلَ أن يظهرا. يستلقيانِ على أمواجِ السّرمدِ المحفورِ في أخاديد الأساطيرِ الّتي لم تُخلق بعد. يعبثانِ بنهاياتِ الملهاةِ كي يُوجِدا مأساةً أخرى لقلبيهما. يلحنانِ في أوزانِ إيقاعِ الفوضى ويشكّلانِ موسيقى لازورديّة اللّاشكلِ. يخطوانِ قلبا في قلب ويحملانِ شرايينهما دونَ ألوان تعكّر طبيعتهما. يسيرانِ فوقَ خطّ الأبدِ المحفوظِ بين قارعاتِ المجرّات. يجثوانِ على سماءِ ألغازِ المجهولِ الّذي يمضي دونَ أن يأتي. يتقدّمانِ بخطى وئيدة نحوَ صرخة الحقيقة المخفيّة في صدقِ النّبوءة المهملة. يحتميانِ ببعضهما البعض فلا يحتوي أحدهما الآخر إلّا حينَ يُحتوى أحدهما في الآخر. يتحدّيانِ صراخَ كنيسة الأرض القريبة من صوتيهما. يحملانِ صبرَ العُجّزِ في انعدامِ وجودهما. يصرخانِ دونَ أن ينبسَا بلون كي يعبّرا عن سوءِ البعد في القرب. يمسكانِ أطرافَهما كي يصيرَا طرفا واحدا كي لا يتشكّل. يرسمانِ بدايةَ نهايتهما كي يبدآ. يقرآنِ مساحةَ خطوطِ الممكنات. يعطّرانِ السّماءَ برذاذِ الطّينٍ المتكلّسِ في بيوتِ الآلهة. يحميانِ عواءَ الحمامِ من الصّعودِ نحوَ فراديس الفضاءِ المُشبَعِ صمتا. يقفزانِ دونَ حراكٍ على مطبّاتِ الطّريقِ المؤدّية إلى البداية. يُمسكانِ عن النّظرِ كي يبصرَا الأشياءَ بقلبيهما دونَ أن ينسيا أنّهما منسيّانِ. يغفوانِ في قبلات حولَ سوادِ الأعينِ المحيطَة بأوهامِ اليقظة. يرميانِ بسهامِ الموتِ نحوَ الأرضِ كي يعيشا إلى أن يكتملَ انعدامهما. يخترقانِ غيومَ السّرمدِ فوضويّ الرّائحةِ ويمحوانِ الفكرةَ الكلاسيكيّةَ حولَ الخلود. يخلدانِ إلى بعضهما البعض كلّما جنَّتِ الشّمسُ كي لا ينطفئَ سوادهما. يُعطيانِ للقمرِ نورا أسودَ الصّخورِ كي لا يكذبَ ثانية. يشكّلانِ مدارا آخرَ للمجرّاتِ كي تدورَ كلّها حول خصريهما. يرقصانِ رقصةَ ما قبلَ البدايةِ كي ينصهرا دونَ أن يصيرَا واحدا. يلوكانَ مُزاحَ مسمار الغجريّ الرّابع ويبصقانهِ في فوضى الانبعاث. يسطّرانِ اللّاوجودَ بالمعاني الّتي لم تبلغ معناها بعدُ. يمتطيانِ ريحَ الجنوبِ كي يمزّقا صهيلَ الخيلِ المُتصاعد نحوَ السّماء ما بعد الأخيرة. يراوحانِ بينَ اتّجاهاتِ القلبِ كي لا يسقُطا في متاهات الحبّ المفرغِ من قطراتِ البكاء. يبكيانِ دونَ ماء، فالماءُ ما لم يصر بعدُ وقد لا يصير. ينفضانِ عنهما غبارَ الكذبِ المُسافرِ من سراديبِ أغلفةِ اليابسة. لا يكذبانِ على صدقِ الخَلقِ الأوّل في سُدُمِ الممكنات. لا يحترقانِ إذا ما انفجرَتِ الكواكبُ فوقَ سوادِهِما بل يشتعلُ نورُ السّوادِ أكثر في قلبيهما. لا يملكانِ سوى ما يكوّنانِ، فلا يملكانِ سوى نفسيهما. لا يخجلانِ مِنْ عُريهما، فالعريُ مفتاحُ البقاءِ الرّطبِ من ما قبلَ البداية إلى ما بعد البدايات المتكرّرة. لا يحتفلانِ بنزولِ الأحجارِ في فضاءِ البلّوِرِ ضبابيّ الرّؤى. لا ينزعانِ عنهما صمتَ الصّراخِ المتخفّي في الشّعورِ بفقدانِ الحواسّ، والشّعورِ باسودادِ العاطفة. لا يمثّلانِ أدوارا عديدة، فهما هما دونَ أن يكونا هما. لا يخسرانِ حدودَهما بل يتمدّدانِ في فراغِ الفوضى كلّه، لا شيء سواهما سيكون. لا يحلمانِ بأكثر من عاطفة حقيقيّة صريحةِ الخيبات. لا يتوهّمانِ سوى ما يبصرانِ فوقَ قشرةِ الأرضِ الدّاخليّة حيثُ يصيبُ العمقُ السّطحَ. لا يخفيانِ الرّغبةِ في العروج نحوَ الأرضِ، فالأسطورةُ تأخذُ شكلها نزولا. لا يشتكيانِ من صداعِ فائضِ العاطفة الملقى على واقعهما اللّاموجود. لا يخجلانِ من انعدامِ الخوفِ الّذي يشكّلُ خوفهما. لا يعترفانِ بأنّهما خالقانِ مخلوقانِ. لا يرسمانِ إلّا رحيقَ الموتِ على شفاههِما كي ينتظرا الحياةَ أكثر. لا يتموّجانِ إلّا بحركاتهما المتعطّشة لنشوةِ رُعاشِ الفناء. لا يستعيدانِ إلّا سوادَ الانصهارِ في مواطنِ الذّكرياتِ. لا ينسيانِ مواقيتَ الحبّ الّذي يتغذّى على فناءِ الزّمانِ. لا يرتكبانِ حماقةً تودي بسلّم القيامة المتصاعدِ نحوَ معابدِ الأشقياء. لا يتكلّمانِ، الصّمتُ وحده يكفلُ لهما أن يصرخا في حقيقة المعنى، وفي معنى الحقيقة. لا يتردّدانِ في احتضانِ آياتِ الجنانِ المرصّعةِ بقلوب المومسات. لا يحكمانِ على شيء، فكلّ شيء يحملُ في ذاتهِ ضدّهُ فلا يكونُ لأنّه ليس بكائن. لا يتحاشيانِ لمسات الظّلمة الغارقةِ في نشوةِ أمواجِ النّجومِ المتقاطرةِ في غياهبِ السّكينة. يُمسكانِ ببضعهما البعض، يتحضّرانِ لعمليّة السّقوطِ الأولى، يبعدانِ كلّ ما اعترضَ طريقهما من أساطيرَ تتنازعُ حولَ عرش الأبديّة، يحدّدانِ قلبَ الغايةِ الّتي سوفَ يرميانِ فيها قلبيهما أو قلبهما، يغمرانِ الفضاءَ بالعاطفةِ سوداء الصّدق. يتقاطرانِ فوقَ جبال أخرى كي يكونا: في البدء كانا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق