الأعمال الشعرية الكاملة لجورج أورويل: صدمة العنوان! / باسم المرعبي

كان إرنست همنغواي يقول عن الكتاب الذي يفرغ من انجازه بأنه أسد ميت. والتصور ذاته أو الفهم يمكن أن ينسحب على القارئ بعد أن يُنهي قراءة كتاب، فهذا لم يعد، في نظره، سوى أسد ميت. وعلى العكس من ذلك فإنّ كل عنوان غير مقروء، مهما كان، هو أسد حي، بما يثيره حوله من تهيّب. فالكتاب غير المكتشف بالقراءة، بعدُ، يغدو مبعث قلق، فهو يشكل تحدياً للقارئ، كما أنه أشد ما يكون إثارة للفضول. وهذا الأخير، علاوة على التصور الأول: الكتاب كأسَد، هو ما يُناسب تماماً، مقامَ عنوان كعنوان “الأعمال الشعرية الكاملة” The Complete Poetry لجورج أورويل. لقد عُرف أورويل، بدرجة أساس وربما وحيدة كناثر، ووفقاً لذلك توطدت شهرته وأهميته. وإن كان قد ابتدأ الكتابة، شعراً، بتجاوز ضعف نماذجه الأولى وعاديتها، وما إذا كانت شعراً أم لا. في حالة أورويل، يموت الأسد ثلاث مرات. الأولى بانتفاء التهيّب أمام العنوان بعد الإجهاز عليه بالقراءة، والثانية كون هذا المحتوى لا يرقى بأي حال إلى ما يثيره عنوانه في ذهن المتلقي من فخامة وجلال كما يوحي به مضمون عبارة “الأعمال الشعرية الكاملة”، في حدّ ذاته، فكيف إذا نُسبت إلى اسم جورج أورويل، الناثر المقتدر صاحب (أُسطورة) “1984”، الأثر الذي أضحى ما يُشبه القول المأثور بالنسبة إلى سائر أعمال السرد “الكلاسيكية”. أما الميتة الثالثة للأسد أو خيبة المتطلع إليه، بعد معرفته، تتمثّل بضآلة حجم هذه الأعمال سواء لناحية عدد القطع الشعرية والبالغة حوالي 35 قطعة/ قصيدة، متفاوتة الطول حتى أن بينها مقاطع تتكون من بضعة سطور فقط، وكان حق هذا العدد من القصائد وأشباهها لم يكن ليتجاوز الخمسين صفحة أو أكثر بقليل، أي حتى أقل من حجم مجموعة شعرية واحدة، لولا مقدمتا الكتاب والهوامش والملاحظات، إضافة إلى الشروح التي احتلت ما يوازي أو يزيد على حجم ما شغلته القصائد من صفحات، ومنها ما أُستعين به من مقالات أورويل نفسه، كذلك استعارة مقطع نثري من “1984”، لجماليته. وعلى أية حال لم تكن تلك الشروح لازمة أو ضرورية، خاصة وان القصائد امتازت بالوضوح والبساطة، حدّ الشعارية، وإن توفر القليل منها على مزايا شعرية ما، كما سيتبين، تالياً، في سياق المقال. لهذا لم تجد مقدمات القصائد ما تتحدث عنه سوى ظروف كتابتها ومناسباتها، فلم تخُض في ما هو فني، إلا نادراً. لذا بدا وكأنّ هذه الشروح والاستطرادات لم تأتِ إلّا لزيادة عدد الصفحات، ربما لشعور معدّة الكتاب ديون فينابلز أو كاتب المقدمة الثانية بيتر دافيسون بأنّ عنواناً فخماً كالأعمال الشعرية الكاملة لا يصح أن يقدَّم إلى القراء بالحجم الحقيقي المتقشّف للقصائد.

أورويل الشاعر.. مآثر ومثالب

على الرغم من الشغف الذي أبداه جورج أورويل دائماً بالشعر، كتابةً أو تأثراً وحتى ترويجاً له، من خلال عمله في إذاعة الـ “بي بي سي”، وهو ما يستفيض في توضيحه من خلال مقال بعنوان “الشعر والميكروفون”، والذي يتساءل فيه عن إمكانية انقاذ الشعر من وضعه الخاص كأكثر الفنون كراهية! المقال، ضمن النسخة العربية لمجموعة مقالات مختارة لأورويل “لماذا أكتب”، (بترجمة علي مدن). إلا انه لم يُصدر أيّ كتاب مستقل بشعره، في حياته، إذ بدا هذا النشاط هامشياً، بالنسبة إلى المتن النثري الذي انهمك فيه حتى النهاية، بدءاً من العام 1933، والذي صدر فيه كتابه “متشرداً في باريس ولندن” ـ (النسخة العربية لسعدي يوسف)، وحتى العام 1949 عام صدور روايته “1984”، ليرحل بعدها بشهور. حتى أنّ تحوله إلى النثر في سن الثلاثين واقتران ذلك باتخاذه اسمه الأدبي “جورج أورويل” بدلاً من “إريك بلير” الاسم الذي ولد به، كأنه بذلك يضع حداً فاصلاً بين مرحلتين، بل بين حياتين كاملتين. حتى وإن كتب قصائد متفرقة، لاحقاً، غير أنها بدت كفواصل استراحة في غمرة أعماله السردية من رواية ومقال أو مذكرات أو مراسلات ميدانية وسواها. وهو ما يفسر هذا الشحّ في نتاجه الشعري، والذي جاء أغلبه في سياق أعماله الروائية وحتى مقالاته، أي موظَّفاً لخدمةً نثره، من هنا فإنّ النظر إلى أورويل بوصفه شاعراً محترفاً أو مكرساً، ليس صحيحاً أو دقيقاً، وحتى العنوان الفضفاض “الأعمال الشعرية” لن يزيد من جدية النظر إليه شاعراً، بل على العكس، فهو يفيد ويؤكد معنى الفقر الشعري عنده، كمّاً ونوعاً، حتى أن هذه “الشظايا” الشعرية ما كانت لتجتمع في كتاب لولا إلحاح قراء أورويل بالسؤال عن المقاطع أو القصائد التي تعود إليه، او تلك التي لآخرين وهم يصادفونها مبثوثةً في ثنايا أعماله، كما تفيدنا معدّة الكتاب بذلك. لذا فإن هذا المجموعة الصغيرة من القصائد والمقاطع قد أنتُشلت في معظمها، بعد بحث وتدقيق كبيرين ـ إذ ثمة ما هو مشكوك في نسبته إليه ـ من قبل (كتيبة كاملة من القرّاء المدققين)، أبحرت عبر صفحات أعماله الممتدة على مدى عشرين مجلدا،ً هي مجموع أعماله الكاملة، كما أن ثمة ما أُحضر من مؤلفات أُخرى مثل كتاب صديقته جاكينتا بوديكوم “نحن وإريك”، كما تَمثل في المقطع التالي المكون من أربعة أشطر. وعلى رغم (هباء) هذا المقطع وعدم الجزم بنسبته إليه، لكنه أُدرج في “الأعمال”، وهو:

شاب مُهمَل يُدعى تشوملي

يأكل بنهم رامياً الفُتات على الأرض

صاحبة البيت السيدة مور

طردته على الفور.

رديء على نحو جيد!

تُستهَل الأعمال الشعرية بمقطوعة عنوانها “انهضوا! يا شباب انكلترا”، منشورة في العام 1914، تحت اسم إريك بلير، ولم تكن سوى نداء بتقنيات طفولية فجة، ولا غرابة، فقد كتبها وله من العمر إحدى عشرة سنة فقط، إلا أنها امتازت بمضمونها “المدوّي” كصنو للروح الوطنية الملتهبة، وهذه الأخيرة ستبقى ملازمة لأورويل كما في ذروة نضجه الأدبي والحياتي وخير ما مثّلها، لاحقاً، قصيدة/ نشيد “من شخص غير مقاتل إلى آخر” والتي كانت بالأصل رداً على قصيدة للشاعر أليكس كومفورت، وقد امتازت بطولها إذ بلغت خمسة عشر مقطعاً. كما تبدّت هذه الروح أيضاً في نماذج أُخرى. غير ان الشعر الوطني، عادةً ما يخذل الشعر كفن، وهو ما يقرّ به أورويل نفسه واصفاً الشعر الوطني بعبارة منقسمة، فهو رديء على نحو جيّد!

انهضوا! يا شباب انكلترا

اعطني قوة الأسد

حكمة الثعلب رينارد

وسأقذف القوات في وجه الألمان،

لألقنهم أصعب الدروس

هيه! فكّر بالقبضة المدرعة لإله الحرب،

ذلك الذي يجوب انكلترا اليوم،

فكر في حياة جنودنا

التي ترتقي إلى السماء بجسارة.

انهضوا! يا شباب انكلترا،

أتحتاجكم بلادكم

ولا تنخرطون في القتال بالآلاف

يا لكم من جبناء حقاً.

وإذا كان مثل هذا “التعبير” متوقّعاً من فتى في مثل هذه السن، فإنّ من الغرابة أن تُضم عيّنة كهذه إلى الكتاب، وهي مما يمكن أن يُحسب على التمرين الكتابي الذي بدأه وهو في سن الرابعة أو الخامسة مع محاولة كتابة قصيدة عن نمر، صححتها له إملائياً، أمه. وعلى الرغم من المستوى المتواضع لشعر أورويل، إجمالاً، إلا ان ثمة مقاطع أو نماذج كاملة حققت الشرط الجمالي، الشعري. وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى قصائد مثل “عندما فقد الفرنجة نفوذهم”، المكتوبة ضمن الفترة البورمية 1922ـ1927، حيث عمل أورويل في الشرطة الإمبراطورية الهندية، وهي فترة نضج فني وفكري، خرج منها بغنيمة سردية تمثلت برواية “أيام بورمية”، فضلاً عن استيحاء وانتاج العديد من المقالات والقصائد. ومما جاء في القصيدة المذكورة أعلاه، وهي ذات نفَس قِيامي:

عندما نُبحر في ضباب الزمن

لنشهد النهاية الوحشية الأخيرة للعالم،

عندما تتساقط الطيور من السماء،

ويتفحّم ورق الشجر،

عندما تموت مخلوقات الأرض كلّها،

ويغزو الجليد البحار.

عندما تتوقف الشموس والأقمار عن السباحة

في نفَس جليدي واحد

وتتعثّر عجلة الليل والنهار

في حرية وانفلات الموت.

عندما تتكثف كومة من ألف سنة

في ثانية واحدة من الزمن،

عندما تتلاشى الآمال والمخاوف

وتصبح الصلاة عبثية كقافية متكرّرة.

أو هذا الشطر من قصيدة: جوزيف هيغز، فقيدنا ابن الأبرشية البار:

سبعة آلام مختلفة ومنفصلة عزفت على جسده مثل الأوركسترا

كذلك هناك قصيدة “أغنية 2” ذات الطابع السردي وهي تتحدّث عن ثلاثة متسولين، وقد اتسمت بروح الدعابة. كما لا يمكن اغفال أهمية الموضوع أو فكرته ومعالجتها في قصيدة “عن مزرعة خربة…”.

ومثلما لم يكن في ما كتبه أورويل من شعر، سوى التماعات قليلة، كما نُوِّه بها، فإنه بالمقابل لم تكن إدّعاءات تقديم الكتاب أو التعليقات المرافقة للقصائد بعيدة عن التناقض والحرج المستشعَر جراء مادة الكتاب الشحيحة فناً وكمّاً. من هنا فإنّ هذا الكتاب أبعد ما يكون عن مفهوم الأعمال الشعرية الكاملة أو غير الكاملة. وهو ما حدا بمعدّة الكتاب إلى الإقرار بوجود آراء لا تعدّ أورويل شاعراً كبيراً وتستطرد بالقول.. وقد يرى البعض انه لم يكن شاعراً عادياً حتى ولم يكن يتمتع بأي خصائص مميزة. غير أنها سرعان ما تعمد إلى تخطئة هذه الآراء، لأن موافقتها تعني نسف الكتاب الذي عملت عليه، برمته، إلا من باب الضرورة الأرشيفية، ولجهة هذه الأخيرة ينبغي الاعتراف بهذا الجهد، مثلما التنويه بجهد المترجم عماد الأحمد، ومبادرته لاختيار الكتاب وتعريف القارئ العربي على وجه آخر مغيّب لأورويل، بصرف النظر عن ايجابية أو سلبية الرأي به.

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق