تسريد المابعد أو في الإطاحة برقاب الجدانوفيين الرّهوط والشمع أنموذجا

تحاول هذه الورقة ترميمَ وضعٍ مسرحيٍّ بعينهِ، ذلك الذي يجد تسريده  اليوم من قبل البعض من المسرحيين على ضرورة تصنيف أعمالهم المسرحيّة والفرجوية خارج ثوابتها الدرامية السائدة. مقابل ذلك، هم يشهدون اليوم اعتراضا عنيفا وقويّا من قبل جملة من النقاد والباحثين والأكاديميين الذين لم يتورّعوا في وصف تلك الأعمال المسرحية بالتخبّط الفكري والجمالي، فتحوّلت أقلامهم إلى ضرب من السّخط الجدانوفي ينفي كلّ تجربة مغايرة أو محاولة في هدم حصون السائد. على هذا النّحو تزداد الهوّة بين الممارسة الابداعية والممارسة النظرية، وتنشأ القطيعة بين المبدعين الذين هم الآن يحملون صخرة الفنّ المسرحي على ظهورهم ويصعدون فلوات “المابعد”، وبين النقاد الذين تمّ الاجهاز على وصايتهم القديمة، ولم يتمثّلوا بعد المنعطفات الجمالية والجراحات الفكرية التي ممكنا استنباتها في كروم المسرح وتربته.

المابعد: مفهوم زئبقيّ

إن تلك السابقة (مابعد) لم تلحق بالدراما وحدها، وإنما نلمس الحاقها بعدّة أجهزة مفهومية أخرى، وبخاصة الحداثة، عليه فإن التفكير في المغزى من وجودها داخل الحقل المسرحي لا يمكن أن يكون بمعزل عن السياقات الفكرية والفلسفية وتأثيراتها الثقافية التي أنتجتها، ومن ثمّ إضاءة ذلك الالتباس المفهومي الذي رافقها، فهل علينا مرافقة فكرة النهايات منذ ذلك العزاء الذي تمّ إلحاقه بالميتافيزيقا؟ ومنذ أن غطّت سماء المسيحيين رائحة العفن الإلهي في ما أوجده نيتشه؟ ومنذ الجنون البشري فوكويا؟ ومنذ نبذ المؤلّف بارتيّا؟ ومنذ انسداد الثقوب أمام المستقبل مع فوكو ياما؟ وصولا إلى ما قاله ليوتار وقد نبّهه في ذلك المفكر إيهاب حسن من خلال كتابه “أدب الصمت”: “لقد فقدت الحكاية الكبرى مصداقيتها، بصرف النظر عن نمط التوحيد الذي تستخدمه، وبصرف النظر عما إذا كانت حكاية تأملية أم حكاية تحرر”[1]، لقد سلّم جزء عظيم من الحضارة الغربية بتلك المقولات كما لو أنّها نصوص دينية مقدّسة وجاهزة، واندفع إلى البحث عمّا يمكن توصيف صيرورته إزاء حالة كتلك هي في الأصل تمثّل إعلانا جذريّا عن فشل حداثته وانهيارها بشكل لم يعد يمكنه تمثّلها إلا على نحو نقدي وتجاوزي، وجد ضالّته في اختراع ذلك الجسد المصطلحي “ما بعد الحداثة”. لم ينتج ذلك غير دحض عظيم للحدود الفاصلة بين الاختصاصات والعلوم والفنون وانتفاء المذاهب والتيارات كضرب من التفتّت والتبشير بإعلان الحداد على جلّ المعارف المستقرّة.

هذه الواقعة المصطلحية التي نزلت في مجتمعات متطورة ما تزال حد اليوم محلّ التباس كبير من حيث مفهومها، إلى درجة دفعت إيهاب حسن في مقال له بعنوان “سؤال ما بعد الحداثة” إلى القول “إن المصطلح فضلا عن المفهوم، ينتمي إلى ما يطلق عليه الفلاسفة الفئة المتنازع عليها جوهريا/ وإذا وضعنا أهم المفكرين الذين ناقشوا المفهوم في غرفة واحدة، ثم أضفنا الارباك الملازم للمفهوم، وأغلقنا الغرفة، وألقينا بالمفتاح بعيدا، فلن يحدث اتفاق بين المناقشين، بل سنجد خيطا من الدماء يبدو أدنى عتبة الغرفة”[2]، لا فائدة إذن من تسريد أطنان من التعاريف موجودة سلفا في الكتب، ولا فائدة أيضا من البحث عن تاريخ استقرار لفظة المابعد كبادئة لغوية أمام جملة من المفاهيم كالحداثة والبنيوية والدراما، لأنّنا بهذا الشكل لن نخرج من شراك الثرثرة الأكاديمية.

مقابل ذلك، إن السؤال الأهمّ في نظرنا: هو كيف ننعطف بثقل هذه الاشكالية إلى موقع إقامتنا في هذا المقال حيث ضرورة الاستقرار والبحث عن اشتغال الما بعد في تجارب مسرحية تونسية، ربّ مكيدة معرفيّة أشدّ صعوبة من حلّ عقدة غورديوس، تلك التي استحال فكّها نتيجة انعدام وجود طرف للحبل الذي عقدت به، فلم يعد ممكنا اجتراح مسالك لها دون قوّة ذلك السيف الذي كان في قبضة الاسكندر المقدوني. لتجاوز هذا الاختناق المعرفي والمنهجي سنبحث في خاصية هذا المابعد وطرائق اشتغاله وأوهام تحقيبه الزمني وصولا إلى استقراره في الكتابة المسرحية، على أن ندلك فيما بعد ذلك الصديد الذي حام حول مفتاح القفل المؤدي إلى موقع إقامتنا عينها.

في كتابه “موقع الثقافة” تحدّث هومي بابا بالقول “يشير المابعد إلى مسافة مكانية، ويسم تقدّما، ويعد بالمستقبل، غير أنّ ما نبديه من بوادر تخطّي الحاجز أو الحدّ – فعل المضيّ ذاته إلى المابعد-، ليس قابلا للمعرفة ولا للتمثيل، دون العودة إلى الحاضر الذي يغدو في سيرورة التكرار، متفارقا ومنزاحا”[3]، مقابل ذلك، تحدّثت ليندا هتشيون في كتابها “سياسة ما بعد الحداثية” بالقول “ما بعد الحداثية تسعى في النهاية إلى إدخال الأعراف والافتراضات وتقويتها بقدر ما هي تريد تدميرها وتهديمها”[4] ثم تضيف قائلة “إذا كان الحاضر يعتبر غير قابل للإنقاذ والخلاص، فلا يكون لنا خيار إلا بالنظر، إمّا إلى الوراء أو الأمام”[5].

على هذا النّحو، يفضي المابعد – بوصفه مفهوما زئبقيا-، إلى أنّ التاريخ لا يتقدم خطيا مثل رصاصة، إنّما هو في حركة ارتدادية على الدوام، وهو ما سيحرّضنا على تدمير ظاهرة استنبات مصطلحه وحصره في حقبة زمنيّة دون سواها. للمابعد مأساته هو الآخر، تلك التي وجدت اشتغالها من خلال التأخير الزمني الطويل في عمليّة نحته كمصطلح ومن ثمّة الاعتراف بوجوده، ثم سلعنته فيما بعد كظاهرة تحتكرها المجتمعات الأكثر تطورا دون سواها.

تهريب المابعد

ولأنّه من مهماتنا الآن تهريب المابعد إلى الدراما، لا يمكن أن نغفل نشأتها في حقول ثقافية واجتماعية وسياسية تقول بالقيم المطلقة، ولكن ها قد تمّ تنسيبها وتحطيم كبرياءها وتعاليها. نكون بذلك قد تعرّضنا إلى سخرية هذا المفهوم، ففي اللحظة التي نزعم أنّنا ألحقناه بالدراما نكتشف إقامته سلفا هناك، منذ قدم المسرح عينه، على هذا الأساس يمكن تنزيل جزء من التجارب المسرحية الموغلة في قدمها التاريخي ضمن ما بعد الدرامي، لأنّها تمثّل بشكل أو بآخر واقعة فكريّة تدنّس المقدّس وتنسّب القيم المطلقة والحقائق اليقينية كما نقرأ في مسرحية الضفادع لأرستوفانيس حيث العبث بقداسة الآلهة علاوة على التنكيل بإرادتها وفق أسلوب ساخر ومتهكم وعنيف. لقد نبتت السوريالية كمصطلح في أوّل العشرينات من القرن الماضي لكنّ ذلك لم يمنع أندريه بروتون من اعتبار هيراقليط وبودلير وساد وهيقل وماركس ونيتشه سورياليين، واستنادا إلى هذا المقام يمكن للمابعد أن يتنزّل فيما أنجزه أسلافنا القدامى، إذ لا محدّد له إلا ذلك التخريب  الذي يمارسه على  نمط من التفكير السائد مهما كان وضعه الزمني، ومن سماته  الاختراق.

إنّ ما نقصده بالاختراق في حالة كهذه، هو تلك الاقامة التي يوجدها المابعد فيما هو خطّي ومطلق للدراما قصد خلخلة ثوابتها، وهو تلك الجراحات التي يحدثها في نسيج العرض المسرحي ككلّ، كأن نكتشف مع إيهاب حسن تلك الهجرة  من القصدية إلى اللعب، ومن التخطيط إلى المصادفة، ومن النظام إلى الفوضى، ومن القوّة إلى الضعف، ومن التمثيل إلى الأداء، ومن الشمولية إلى التفكيك، ومن الحضور إلى الغياب، ومن التمركز إلى الشظايا والتشتّت، ومن الذكورية إلى المخنّث[6]. أمّا أن نبحث عن سماته فيمكننا اكتشافها من خلال تجارب مسرحية عديدة، كأن نتحدث عن التسامي النصي إذ لا موضوع للمسرح سوى المسرح نفسه، وسيتبلور ذلك من خلال محايثة الخطاب النقدي للمنجز الإبداعي، بمعنى تضافرهما معا داخل المنجز المسرحي الواحد بوصفه كتابة على الكتابة، وخطابا على الخطاب: مثل ذلك نجده مع بيرانديلو على سبيل المثال لا الحصر، يمكننا أيضا الاشارة إلى لعب الدور من داخل الدور مع بريشت، وتقنية المسرح داخل المسرح مع شكسبير في مسرحية هاملت، وتشظي مكونات السينوغرافيا في مسرح الموت مع كانتور، والنظر إلى الحياة بوصفها تمثّل مسرحا في حدّ ذاتها مع كالدرون ومسرحيته “حلم”، إضافة إلى تغييب مبدأ الحدث أو القصة وبدلا منهما التركيز على تقديم موقف أو حالة، واضطلاع الأكسسوار بأكثر من وظيفة، ومحو الفصل بين المتفرج والممثل كشكل من اللقاء الانساني القائم على صراع الذاتية حيث الإنسان في ظل سلطة مغايرة، وتمثيل الممثل لذاته بدل هجرته إلى جلد شخصية مّا، وسلخ اللغة عن خطابها الاعتيادي حيث “كتابة المحو على أنقاض كتابات أخرى سابقة”[7].

ولأنّه ليس من مهامّنا الآن تسريد خطاب المسرح الغربي بقدر رغبتنا في قطع عقدة غورديوس، فسنعتقد ونحن نقبض على سيف الاسكندر المقدوني ضرورة تسليطه على رقاب تلك الأسئلة التي يلوكها المتقوقعون على أنفسهم خوفا على  تلك اللفظة اللغوية التي أصابها صدأ الايديولوجيا: الهوية. تتمثّل تلك الأسئلة في جملة هذه الاشكاليات: “كيف هُرِّبَتْ ظاهرة ما بعد الحداثة رغم التباسها كمفهوم إلى مجتمعات لم تنتقل بعد إلى مرحلة الحداثة”؟ وما تأثير ذلك على الكتابة في منجزنا المسرحيّ والحال أنّ بعض تجاربه تنعطف إلى مثل هذا  الأفق المابعديّ؟ هل من الممكن تقليص المسافة بين تلك المفاهيم المهرّبة إلينا وما ننجزه اليوم إبداعيا؟ كيف يمكن الاطمئنان إلى المنعطفات السياسية والفكرية والاجتماعية التي نمرّ بها اليوم من زاوية البحث في المشترك بينها وقرينتها الغربية التي أنتجت مصطلح ما بعد الحداثة وما بعد الدراما والميتامسرح؟ هل تعدّ الكتابة المسرحيّة لدينا في ضوء تنزيلها ضمن ما بعد الدّرامي ضرورة جمالية أم محض استنساخ مسرحيّ لتجربة الآخر مثلما تمّت عمليّة استنساخ حداثته أو تهريبها  تهجينا إلى حقولنا؟

إنّ ما ستقوله ضربة ذلك السيف على لسان صبحي حديدي في مقال له بعنوان “ماذا في المابعد من قبل ومن بعد؟” هو التالي:  “إذا كان خطاب الحداثة الغربية قد أبقى الأطراف بعيدة ومستبعدة عن المركز الحداثي، فإن خطاب ما بعد الحداثة يحثّ هذه الأطراف على الإنتقال من شرطها ما قبل الحداثي إلى الشرط ما بعد الحداثي، دون المرور بإشكالية الحداثة ذاتها”[8].  ولكن دم الأطراف لدعاة الهويّة الباردة كالجليد سيسيل على الأرض ليخطّ هذا السؤال: كيف يمكن الاطمئنان إلى أن ما ينجزه المركز، سيصل إلى الأطراف، الهوامش، بشكل غير مشوّه؟ ربّ سؤال سيحرّض ذلك السيف للاشتغال من جديد، وهنا تأتي صرخة المسكيني، تلك التي أطلقها على غلاف كتابه الموسوم بـ”الدين والامبراطورية في تنوير الانسان الأخير”: أنت معولم يا صاح !

على هذا النحو، مثلما يمكن اجتراح المابعد في جغرافية مجتمعات متطورة يمكن اكتشافه أيضا لدى مجتمعات أقل تطوّرا، فنحن الآن على شفا نحر ربّ المسلمين وما دمويته السائدة إلا علامة على انهيار حصونه،  وما نعيشه اليوم في سياقاتنا الاجتماعية والسياسية والثقافية لا يمكن أن يمثّل سوى نزعة تفضي إلى تمارين على الاقامة في هذا الضياع العنيف والفظيع: أليس المابعد هو ذلك الذي يعكس لحظة رعبنا الكوني، ألا يمثّل رغبة الكلّ في استعادة الهيولي الأوّل، ألم ينشأ من تلك الهجرة التي تخبط في ظلمات السؤال، والتي يمكن الامساك بها  في “تشتت لغة الانسان في كلّ مكان، عودة إلى لحظة الخلق (الانفجار الكبير، نزوحا إلى حافة الانحسار في الكون (النجوم الزائفة)، داخل الثقوب السوداء في الفضاء أو اللاوعي (لاكان) –بديلا عن محايثة العقل والخطاب في المرحلة الحداثية”[9].

المابعد واشتغاله في “الرّهوط” والشمع”

لننصرف الآن جميعا عن ذلك الادعاء القائل  بتصيير المابعد في سجن المكان، ولنبحث عن ضوء له في تجاربنا، ذلك الضوء الذي يحاول الرجعيون ردمه بأسمالهم !!!

ونحن نقرأ ما كتبته ليندا هتشيون “إنّ الادخال المابعد حداثي لمحيطات النص، أي لهذه الأنواع المختلفة للآثار التاريخية للأحداث، التي يسميها المؤرخون وثائق –سواء أكانت قصاصات صحف، أو بيانات قانونية، أو أمثلة توضيحية فوتوغرافية- يجرّد طبيعة السجلّ ويبرز نصّ تمثيله، في المقام الأوّل. وتظهر هذه النصوص الوثائقية في حواش، وأقوال مقتبسة، ومقدمات، وخاتمات، وهي أحيانا، تقذف مباشرة في داخل الخطاب اللغوي الخرافي، كما لو في ملصّقة. وما يفعله كلّها هو طرح، وللمرّة الثانية، ذلك السؤال ما بعد الحداثي المهمّ، وهو بأي مقدار من الدقة نحن نعرف الماضي؟”[10]، سنرتدّ بذاكرتنا إلى العرض المسرحي “الرهوط” لصاحبه عماد المي، ذلك الذي انطلقت خلفياته المعرفية من خلال تشغيل  جملة من سرديات ونصوص وشذرات فلسفية وقانونية وشعرية، وكتبت على نحو يجمع بين مفردات متنافرة، لتؤلف جميعها ضفيرة لنص  واحد يستحضر ما يرغب في تجاوزه،  وينكشف ركحيا عند حدود الهجين والمفكّك والمشتّت في أشكال وقوالب مجزّئة ومتقطّعة، علاوة على شطب هذا العرض ملامح الشخصيات وتجريدها من أبعادها، فإنّه ركّز على الادلاء بمواقف لا أفعال، وحالات لا وضعيات، دون أن نغفل ذلك الانزياح العنيف نحو تعذيب اللغة وتهشيمها وتجريدها من وظائفها التواصلية السائدة، ويتمظهر ذلك من الصراخ أو ترتيل شذرات نصية على نحو قرآني، أو جمع عبارات لا رابط يجمعها أو يوحّدها من حيث تشغيل معانيها، مع نكران مطلق لوجود القصة أو الخرافة، وفعل مسرحة المسرح عينه. يبدأ العرض  في شكل لقاء حيّ بين الممثلين والجمهور  داخل القاعة وبين الكراسي حيث لا ثمّة شيء على الركح في أوّل الأمر، هكذا يتمّ استقبال المتلقي كما تتمّ دعوته إلى مواكبة العرض بشكل فيه غير القليل من استنهاض وعيه، يتكلم الممثلون تباعا عن المسرح وأحواله، ويمسرحون ظاهرة هذا الفنّ بالقول:

  • “جئتم، جئتم للتفرّج على ممثلين يشخصون نيابة عنكم مسرحية الحياة”.

أو:

  • “بعضكم ينتظر براعة التمثيل، و جمالية الحركة، و إبداع الإخراج”.
  • “بعضكم حيره العنوان و تساءل عن موضوع المسرحية”.
  • “جميعكم ، جئتم لنسيان شواغلكم”.

فيما بعد نكتشف صعود الممثلين إلى الركح، يتحركون بشكل دائري وسريع وهم يرتدون نفس الملابس، وبعد تسرديهم جملة من النصوص القانونية، يستحضرون وفقا لمشاهد متتالية جملة من المواقف السياسية والظواهر الاجتماعية لا بغاية اجترارها وتكرارها بالشكل نفسه الذي نراه مع موجة المسرح السياسي التي عمّت مسارحنا، وإنما بغاية تدميرها والتهكم عليها كما نلمس ذلك في مشهد (الرهطيون المقنّعون):

  • باسم الله الرحمان الرحيم: أيها الرهطيون، أيتها الرهطيات، نحن الرّهط الأكبر زعيم وسيّد الرهطيين في هذه الطاولة والتي يمثل من خلالها كل رهط منكم في مجلس الرهطيين المقدّس باقي الرهوط الأخرى أصدر البلاغ التالي”.

ليس الرّهط ما قال عنه القرآن “وكان في المدينة تسعة رهْطٍ”، أو “ولولا رهطك لرجمناك”؛ إذ توحي الدلالة هنا باستبعاد المرأة، على العكس من ذلك، تفطّن فتحي المسكيني إلى هذه المخاتلة اللغوية بالقول “الرّهط جلد، قدر ما بين الركبة والسرّة، تلبسه الحائض، وكانوا في الجاهلية يطوفون عراة والنساء في أرهاط. والرهط أيضًا جلد يُقَدُّ سيورًا عرض السير أربع أصابع أو شبر تلبسه الجارية الصغيرة قبل أن تدرك. وأنّ الترهيط عِظَم اللقم وشدّة الأكل والدهورة. والراهطاء من حِجَرة اليربوع، وهي أوّل حفيرة يحتفرها (…) والرّهطي هو النمط البشريّ الذي يظهر على ركح الأحداث، وليس له من ورقة توت يخفي بها سوأته الحديثة، كي يقبل منه هذا التجديف الروحي على الذوق العام، سوى أنّه مؤقّت، وأن طرده سوف يكلّفنا من الجهد والإزعاج العمومي أكثر من مؤونة السكوت الانتقالي عنه”.

تأتي مسرحية الرهوط في سياقها “الميتانصي ” محمّلة بغير قليل من الرغبة في استحضار الراهن السياسي والاجتماعي قصد تحطيمه نهائيّا، وتأتي أيضا كاعتراض عنيف على ما يجري فوق ركح الأحداث اليومية التي نعيشها وما يجري على الركح المسرحي باستبعاد كلّ مقوّمات الدراما إذ تغيب الشخصيات وبدلا منها ثمّة شخصوص، وتغيب الحبكة وبدلا منها ثمّة التشظي، ويغيب المعنى والوضوح وبدلا منهما سلخ اللغة عن تعابيرها الاعتيادية:

  • أريد الربيع والخريف وخطوط العرض والطول وكل الفصول، أريدها فورا، والأفق والطائر، والفحم والذهب، والعبد والأمير، والشيخ والإمام، والفقيه والسفسطائين في مجال الدين، والبابا ولينين، ويهوذا والمسيح، نفقات الصرف الصحي والعمل الفدائي، صراخ المجاعات وعروض الأزياء، مؤلفات ماركس وانجلز في فن الطبخ، الترياق والسم الزعاف”.

هكذا يتمّ الجمع بين مفردات لغوية لا رابط يربطها، وهكذا يتمّ الربط بين المتنافرات والمتناقضات في مشهد يقدمه أحد الممثلين وهو يصرخ حينا ويتوعد أحيانا أخرى، يضحك في بعض الـأحيان ويبكي أيضا، يلوك الكلمات وهو يرغي ويزبد في صورة آرتوية لا قداسة لها غير العواء وطحن الوجود والدلالة.

تتضح دلالة الرهوط في آخر العرض، إنّها عمل مسرحي يأتي لا لغاية التدمير والتحطيم أو لغاية استنبات التخريب، بل عمل يأتي إلى إعادة كتابة سردية الوطن الجريح، هكذا تعلو الصرخات قبل أن تشعل الانارة على الجمهور وقاعة العرض:

  • “نحن الوطن، إن لم يكن بنا كريماً آمناً، ولم يكن محترما، ولم يكن حرّا، فلا عشنا ولا عاش الوطن”.

بعيدا عن عرض الرّهوط، ثمّة رهط مسرحي آخر وجد تعبيراته في عرض مسرحي هو “الشمع” لجعفر القاسمي، نكتشف معهم ضوء الما بعد في جملة من النقاط، الأولى عائدة إلى مقولة المسرح داخل المسرح بوصفه “بنية حكائية ومشهدية مضاعفة مدمجة داخل بنية أكبر هي بنية المسرحية”[11]، ونكتشف اشتغالها من خلال إعادة تمثيل موت الأمّ، ومنها نكتشف مقوّما أدائيا ثانيا، ذلك الذي يقوم على لعب الدور من داخل الدور.  على النّحو نفسه، يغمرنا أوّل العرض بضوء المابعد، وذلك بعد أن تحوّلت التمارين المسرحية السابقة لزمن الفرجة إلى جزء من العرض نفسه، هكذا يتكلم الممثل الصحبي عمر موجّها خطابه إلى ممثّل ثان هو عاصم بالتوهامي: “فسّخ وعاود من جديد”.

أبعد من ذلك، يتخلّى الممثل عن شخصيته ليلعب دورا آخر هو التأليف أو تنظيم العرض والتعليق عليه، ففي الدقيقة رقم 40 من زمن العرض، يصرخ الصحبي عمر مجدّدا: “عاملي ثورة يا خالد، أصبر يا خالد هاني قريب نكملك الكتيبة”. لقد كان الصحبي ممثلا ومشاركا في كتابة نص مسرحية الشمع، وتأتي ثورة خالد هنا لأن مسار شخصيته لم يكتب بعد، هكذا تترجم الخصومة بين المؤلف والممثل على الركح فتصبح جزءا من العرض. ثمّة ضرب من مسرحة مآزق المسرح ومناهج التمثيل، ها هي ليندا هتشيون تكرّر بالقول “يمكن أن يصبح تاريخ التمثيل ذاته موضوعا صحيحا للفنّ”[12]، فالممثل هنا في عمل كالذي نسرّده الآن نسخة عن ذاته لا عن الشخصية: ثمّة ما أفصح عنه باتريس بافيس بالانعكاس الذاتي داخل الفرجة حيث الاشارة إلى الأحداث التي يتمّ تمثيلها وإلى فعل السرد القصصي عينه، وإلا كيف نفسر ما تدلي به الممثلة صابرة الآن: (المخرج اختار باش الشخصية تاخذ اسمي، صابرة، يمكن على خاطر تشبهلي في حاجات وغريبة عليّ في حاجات أخرى، صابرة من الصبر، أنا صابرة الهميسي، طبرقية، في عمري 43 سنة، حبيت، حبلت، وجبت بنية في ظلامهم، في كلامهم، في وجيعتهم، وسميتها شمس)، وكيف نفسر هجرة شخصيات العرض إلى دم الممثلين، بدل هجرة الممثل إلى شخصية ورقية يمسرحها فيما بعد، لقد كان جميع الممثلين يلعبون أدوارهم من خلال أسماءهم عينها، وطبائعهم ذاتها، وصراعاتهم في الحياة نفسها.

ماذا لو بحثنا في خاصية أخرى للما بعد نعثر عليها في هذا العرض من خلال تقنية النقد الممسرح؟ قال حسن اليوسفي في كتابه المسرح والمرايا على لسان نيشي “إن النقد الذي يأتينا من المسرح يعلمنا، قبل كل شيء، عدم الاحترام“، تحيل لفظة الاحترام إلى واقعة جمالية لا أخلاقية، تأتي منطلقاتها من مقولة صراع المسارح إلى حدّ تبلغ فيه التهكم والسخرية اللاذعة، تمّ تشغيلها في هذا العرض كضرب من النقد الموجّه لمسرحية خوف للفاضل الجعايبي، ولعلّنا لا ننسى جميعا كيف لعب أحد الممثلين دور المخرج وهو يدير البقية ويوجههم لأداء وضعية مسرحية لا حالة لها غير استشعار الرعب، فكان الموقف مضحكا، بالغ الازدراء والوقاحة.

يمكن لسائل أن يسأل الآن: نعم ثمّة ضوء للما بعد في هذه التجارب، لكن لماذا لا نشاهد اكتمالا لمساراتها أو عملا ما بعد درامي مكتملا بشكل نهائيّ؟ يمكننا الاكتفاء بإجابة نحدّدها كالتالي: “إنّها تمارين على الإقامة في المابعد”، ولكن انتظروا قليلا كي نعود إلى مسرحية الشمع على سبيل المثال لا الحصر:

على الركح، نشاهد الممثل والشخصية الصحبي عمر، يقرأ شواهد القبور بحثا عن اسم أمّه، يشير بأصابعه ويسمي أسماء الممثلين تباعا.

  • الله أكبر، الحبيب مات ! وفلوسنا؟

من يكون الحبيب؟ وما علاقة ذلك المشهد بمسرحية الشمع حيث الخروج من الدور الحقيقي إلى دور آخر؟ حين نتفطّن إلى أن الحبيب هو  الحبيب بلهادي منتج العمل المسرحي، سندرك في حالة كهذه ذلك النقد الممسرح للسياسات الانتاجية للمسرح عينه ومن داخل العملية الابداعية، فكيف لضوء المابعد أن يكتمل نزوله واشتغاله في العروض المسرحية التي تنحو في هذا الاتجاه والحال أن المسرح يشهد واقعة انتاجية أقل ما يقال عنها بأنّها كارثية؟ هل لأننا مجتمعات غير متطورة؟ سنعترف بذلك شريطة اعتراف أولئك الجدانوفيين من النقّاد بأنّ هذه التجارب تمثّل فعلا نزعة تحررية من السائد، كما تمثّل اصرارا عنيفا على المضي قدما في تمارينها نحو الإقامة في الما بعد الدرامي.

********

[1]فرانسوا ليوتار: “الوضع ما بعد الحداثي”، ترجمة أحمد حسان،دار شرقيات للنشر والتوزيع، ط1، 1994، ص 59.

[2]https://www.mominoun.com/pdf1/2016-02/hadatta.pdf

[3] بابا هومي: “موقع الثقافة”، ترجمة ثائر ديب، المجلس الأعلى للثقافة، ط1، 2004، ص 47.

[4] ليندا هتشيون: “سياسة ما بعد الحداثية”، ترجمة حيدر حاج اسماعيل، المنظمة العربية للترجمة، ط1، بيروت، 2009، ص 66.

[5] (م،ن): ص 345.

[6] إيهاب حسن: “نحو مفهوم لما بعد الحداثة”، ترجمة صبحي حديدي، مجلة الكرمل، العدد 51، 1997.

[7] جماعي: “مسرح ما بعد الدراما”، منشورات المركز الدولي لدراسة الفرجة، ط1، 2012، ص 96.

[8] صبحي حديدي: “مجلة الكرمل”، العدد 51، 1997.

[9] إيهاب حسن: “نحو مفهوم لما بعد الحداثة”، ترجمة صبحي حديدي، مجلة الكرمل، العدد 51، 1997.

[10] ليندا هتشيون: “سياسة ما بعد الحداثية”، ص 202/203.

[11] حسن اليوسفي: “المسرح والمرايا”، منشورات اتحاد كتّاب المغرب”،  ص 46.

[12] ليندا هتشيون: “سياسة ما بعد الحداثية”، ص 116.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق