الإصلاح الديني أم التّغيير الاجتماعي؟

نشير أولا إلى أنّ العنوان لا علاقة له بتلك الأسئلة الكلاسيكية الّتي سادت في زمن شعارات، لا صوت  يعلو على صوت المعركة، بتهميش معركة الحريّات الديمقراطيّة في القوانين والممارسات والعلاقات، أي الاصلاحات بمضامين سياسيّة، اقتصاديّة، اجتماعيّة، وثقافية. وإنّما نودّ مناقشة  الضجّة المفتعلة حول ضرورة الاصلاح الديني في الكثير من المواقع الإلكترونية الّتي تعتبر نفسها متدينة بحدود، بلا حدود، علمانية، تنويرية…، هي في أغلب منطلقاتها الإشكالية لا تتجاوز الطروحات التدينية السائدة، حتى وإن ادعت التناول العلمي النقدي للدين والفكر الديني بما يجعله في متناول المنهجيات الحديثة في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة. نقول ضجّة مفتعلة لأنّها تخلط بحرتقة إيديولوجية، مضمرة أو صريحة،  الاشكاليات المعرفيّة والمنهجيّة المغلوطة  بالحوافز الإيديولوجية، خاصّة حين  يوجه الإطار الإرشادي للتفكير في الإصلاح الديني، أو في الدراسات النقديّة بمختلف أشكال مقارباتها التأويليّة من طرف هواجس  الإرهاب، أي الإسلام السياسي. وفي هذه الحالات نكون أمام نصوص وكتابات تعد بالعلمية والنقد والعقلانية والتنوير…، لكنّ أسئلة إشكالياتها الخاطئة لا تستطيع أن تنتج غير الأوهام في تحقيق الإصلاح والتّجديد والتّغيير المنشود وما إلى ذلك من الشعارات البرّاقة.

فكيف يستقيم في الصيرورة التاريخيّة الاجتماعيّة، مهما كان مستوى جدل حركة ديناميات تناقضاتها المجتمعيّة، لأي مجتمع بشري أن نتحدث عن الثوابت في المعتقدات والطقوس والأحكام والتشريعات…؟ وهل يمكن للإصلاح كيف ما كان مجاله ومستواه وطبيعته أن يكون شيئا آخر غير الاعتراف بحركة التغيير، وتعميق الضغوطات المجتمعيّة المؤسّسة على طبيعة وتحوّلات البنى والصراعات السياسيّة الاقتصاديّة الاجتماعيّة، وعلى مدى مستوى تطور البنية الاجتماعيّة الشّاملة اقتصاديا وسياسيا وإيديولوجيا؟ لكن ما الّذي يجعل الإصلاح معاودة لإنتاج شكل إيديولوجي لاستمرار الهيمنة في نوع من العبودية المختارة للاذعان في العلاقات الاجتماعيّة، إلى درجة الدّفاع أو الموت مجانا في سبيل القاهر المستغل الجلاد…؟

أولا/ في التجّاوز السوسيولوجي لإشكاليّة الإصلاح الديني

مصطلح الإصلاح الديني لا يرقى إلى مستوى المفهوم الإجرائي النظري، ولا يمكن أن يكون أداة بحثية في التفسير والتحليل النقدي، لأنّه ببساطة مصطلح متجاوز في الصيرورة الاجتماعية التاريخية. فحركة التغيير مهما ضعفت وتيرتها تنتج ثوابتها الخاصة من خلال التوسط الإيديولوجي المعرفي للمتخيل الاجتماعي الذي قد يكون مسايرا لحركة التغيير ومنعطف تحولاتها، وما تفرضه بنى المجتمع وصراعاته، وإما أن يختزل بدوافع إيديولوجية نزاعات مصالح المتغيرات الاقتصاديّة الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة إلى مجرّد منظور ثقافوي  كالإصلاح الديني، وهو ممارسة سياسيّة لتسقيف الضغوطات المجتمعيّة الّتي أنتجها وضع تشكيلة اجتماعيّة مأزومة في سيطرة علاقات القوّة السلطويّة فيها، لكنّها تراهن على معاودة إنتاج الهيمنة من خلال التّقبل الاجتماعي، أي شرعنة العبوديّة المختارة للتّسلط والإذعان باعتماد جدليّة بين خدمات لقمة عيش الأمن والأمان للاسترقاق السّياسي الاجتماعي وبين التّخويف من الحاضر والمستقبل المجهولين والإرهاب. وهذه الممارسة السياسيّة هي الّتي تشتغل اليوم في بلدان الربيع العربي، وحتّى في البلدان ” الديمقراطيّة” باختلاف في المضامين والسّياقات، لكنّها متشابهة في الأهداف: لجم الضغوطات المجتمعيّة إزاء تحلّل نظام السيطرة والاستغلال. وهذا ما يجعل المجتمعات حسب تركيبها الاجتماعي الاقتصادي وما يفرضه بنى الصراعات السياسيّة بين وضع يقوده “ثوار” انتقاليون يركبون الاحتجاجات الشعبيّة الواسعة، أو وضع انتقالي يؤسّس لواقع اجتماعي جديد.

ففي بلدان الثورات العربيّة لم يعتل السّلطة سوى “الثوّار” الانتقاليون (الاسلاميون: هكذا ينظرون جميعهم الى أنفسهم: ثوار) الّذين تبنوا آلية الهروب إلى الأمام سواء كانحدار في الزّمن عكس منطق التّغيير الاجتماعي الّذي يهدّد وجودهم السياسي، أو الذين يعتمدون (العسكرة والطغيان) آلية للحماية والإرهاب، أو الليبراليون الّذين يرقصون فوق حبل الحريّات السياسيّة والمدنية بغطاء ثقافوي يتجنب التركيب الاجتماعي وما يغلي داخله من تحوّلات تبحث عن منافذ حقيقية للتّغيير الاجتماعي.

نقول “ثوّار” انتقاليون بسبب حدود ومحدوديّة المطالب والمهمات الّتي يطرحونها في وجه التّغيير القادم للضغوط المجتمعيّة التي لم تعد قادرة على تحمل إعادة إنتاج أعباء العبوديّة المختارة في القبول بديمومة وضع ينتج ثراء فاحشا لأقلية محدودة، وبؤسا سلخ عن أغلبية الفئات المجتمعيّة وجودها الإنساني، وهذه الأعباء قد تكون نتائجها مأساوية في صورة أشكال مختلفة من التدمير الذّاتي، حلما بالهجرة إلى الجنّة عبر قوارب الموت أو عبر الأحزمة النّاسفة….

الأجنبي، العدو، الكافر، التّخويف واستبطانه…، كلّ لحن الفجيعة هذا الّذي يمثله الإرهاب والإرهاب معكوسا في خطابات هؤلاء الحماة الجدد لا يمكن ان يخلق حالة الرّضا  والقبول نسبيا  بشكل حداثي بالعبودية أو الاذعان، بل ضرورة تحقيق وضع انتقالي، يكون معادلا موضوعيا لما يعتمل من تحوّلات في داخل البنيّة الاجتماعيّة الشّاملة، تطرح نفسها بقوّة ملحاحة. فمثلا لم تستطع فتاوى الفقهاء المحرمة لتوزيع أراضي الملاك الكبار أن توقف فرح الفلاّحين بحقّهم في أرض الملاك الكبار بعد إقدام الدولة في مشرق الخمسينيات على تطبيق الإجراءات القانونية لانتزاع الأراضي منهم وتوزيعها على الفلاّحين، ولا في تشويه شعبية الشيوعيين وقتئذ على أنّهم كفّار وملاحدة، كما لم تستطع أن تقف فتاوى الفقهاء المحرمة لشرب الشّاي في مغرب القرن التّاسع عشر أمام الصيرورة التاريخيّة الّتي تطال التركيب الاجتماعي في بنيات تشكيلته الأساس. وهناك العشرات من الأمثلة الحيّة في تغير القيم الثقافيّة والاجتماعيّة وعلى رأسها تحوّلات واقع المرأة في العلاقات الإنتاجيّة الاجتماعيّة، والثقافيّة الإيديولوجيّة، وهي ضمن الحلقة الأضعف في خطابات كل هؤلاء ” الانتقاليون” الّذين يحاولون بشق الأنفس إضافة المزيد من الضحايا الى كلفة القهر، وليس بسبب الحماية القانونية التي يضمنها عقد جديد لمجتمع بديل، تسعى إليه متغيّرات الحياة الاقتصاديّة الاجتماعيّة السياسيّة والثقافيّة، لقبول شرعية الإذعان لمؤسّسات ومصداقية الدولة والحماة الجدد.

إن كان هذا التّحليل صحيحا فإنّنا نقول بوضوح أكبر إنّ مسألة الإصلاح الديني، أو التنوير الديني، أو البحث العلمي في الفكر الديني وجماعاته المتطرفة (الجماعة في طبيعتها متطرفة)، كما تطرح عندنا راهنا، هي قضية سياسيّة بامتياز كبير. لهذا فكلّ من يتبنى حقيقة أفق الإصلاح الديني أو الدراسة والبحث العلمي للتراث الديني، عليه أن ينتصر سياسيا للضغوط المجتمعية في أشكال مختلفة ومنظمة من الاحتجاجات الناتجة عن تحولات البنى الاجتماعية وما يحركها من صراع المصالح الاجتماعية في إنتاج التغيير الاجتماعي، وبالتّالي تنفرط كل عقد التّخويف، وإرهاب الإسلام السياسي، والإرهاب المعكوس، في ظلّ الحريّة الّتي تسمح بكلّ الممارسات العلميّة والاجتماعيّة والثقافيّة في أخذ نصيبها من الصيرورة الاجتماعيّة الّتي تطرح نفسها باستمرار.

ثانيا / الإصلاح الديني هروب إلى الأمام، لكن بالمعنى الديني

ماذا تبقى في واقع تآكل البنيات الاقتصاديّة الاجتماعيّة والثقافيّة العاجزة عن تلبية الخدمات الأساسيّة والضروريّة لأغلب فئات المجتمع مقابل الإذعان قسرا أو بشرعنة العبوديّة المختارة عن طريق أشكال مختلفة من التّوسط الإيديولوجي الرّسمي، وحتّى المعارض، خاصّة من دعاة الإصلاح الديني بتلويناتهم المختلفة؟ ماذا تبقى، في واقع القسر وتحلّل بنى المجتمع، والتّصحر السّياسي، للضّغوط المجتمعيّة في الرّفض الجذري للنّظم والدولة ومؤسّساتها المدنية والسياسيّة، الرسميّة والمعارضة، غير الهروب العنيف إلى الأمام، المتشدد في الرّفض إلى حدّ الكراهية للذّات ولكلّ ما هو سائد، والحاقد عن نفسه وعن الوضع إلى درجة البحث عن التّمايز والخصوصيّة  في نمط الحياة وأسلوب الوجود المؤطر بنزوة الموت، ماذا تبقى غير الهروب الى الأمام الّذي يجد إطاره السياسي الاجتماعي  والمعرفي التقني في المتخيّل الديني وفق جدل الجماعة المختارة لسيّد الخلق ضدّ البرابرة الجاهليين، كما توفّره وسائل القهر والتّواصل والاتّصال الحديثة، في الإيمان بالقدرة الكليّة للمتخيل الماضوي الديني على الرّفض والتّمرد وولادة فردوس الماضي الذّهبي من جديد، هكذا يكون الهروب من العبوديّة إلى عبودية أشد قسوة على الإنسان وقيمته. فما الّذي يريد إصلاحه هؤلاء: واقع العبوديّة الاجتماعيّة أم واقع العبوديّة الدينيّة؟ وهما معا وجها واحدا لصراعات المصالح الاجتماعيّة الطبقيّة.

من هنا تبرز خطورة تركيب اجتماعي فسد وتآكل، لكن مسارات التّغيير الاجتماعي تأخذ بعدا في التّدمير الذّاتي، من طرف الانتحاريين الدينيين والانتحاريين السياسيين، استنزافا للضّغوطات المجتمعيّة،  بدل أن تخط مسارات صحية للبناء والنّماء. صحيح أنّ خطابات وممارسات كلّ هؤلاء تسهم في هذه المحرقة بشكل أو بآخر، لذلك لا يمكن أن يحمل إصلاحها وممارساتها وبحوثها شيئا جديدا بمعزل عن أخذ مهمات التّغيير الاجتماعي من زاوية إطار معرفي يدرك ما تطرحه ديناميات البنيّة الاجتماعيّة الشّاملة، وما يتطلبه تنظيم وتأطير الضّغوط الاجتماعيّة بما يجعلها في مستوى وضع انتقالي، قد تكون مدّته طويلة، لكن حركة تطوّره هي حريّة تعد بالمستقبل، بدل عبوديّة الإذعان السياسيّ والدينيّ.

والغريب في الأمر أنّ العلوم الاجتماعيّة “العربية” تقف عاجزة أمام دعوات الإصلاح و التّنوير الديني، وحائرة تجاه فهم التّحولات، مأخوذة بسحر الأحداث إلى درجة تعلن دون خجل كيف تفاجئها الاحتجاجات ومختلف أشكال الضّغوط المجتمعيّة، في انتفاضات جزئيّة ،موسميّة، أو شاملة، كما لو أنّ الوقائع المجتمعية تنشأ من فراغ. وهذا ما يدلّ على ضعف الاهتمام المعرفي والمنهجي بصيرورة البنى الاقتصاديّة الاجتماعيّة، وبالشّكل السياسي للصراعات المجتمعيّة.

قد تختلف تحوّلات الخمسينيات في القرن الماضي في الشروط والظروف والمعطيات الماديّة والإيديولوجيّة، وفي السياقات المحليّة والعالميّة، عن تحوّلات اليوم ليس فقط في منطقتنا، بل في العالم كلّه بفقرائه وأغنيائه عموديا وأفقيا. لكن تفاعل حركة التّغيير والتّحولات، وطنيا وعالميا، تنبئ على أنّ مرحلة نوعيّة في التاريخ تصدر مؤشرات انطلاقها ولن يكون فيها مستقبلا أي وزن في كلفة الأمن والأمان لفوبيا البرابرة والخوف والإرهاب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق