ثورة “الشّعب يريد” وأزمة الخطاب

  • اللّحظة الشعريّة للثوّرة:

كانت اللحظة التي أضرم فيها البوعزيزي نفسه لحظة غضب عارم كسرت جدران الصمت دون رجعة، ولم تندلع النيران في جسده فحسب بل في كامل المنطقة. وبإمكاننا أن نرى في النار دلالات ثقافيّة ورمزيّات نفسيّة تجعلها ذات طاقات سحريّة فّعالة في تاريخنا تحّرك الطاقة اللاشعوريّة لنا، فهي تحمل معها قداسة وغموضاً يجمع بين التّناقضات. ولذلك يمثل الانتحار بها فتنة خاصّة وقد اعتبر باشلار النار الوحيدة من بين جميع الظاهرات التي يمكنها أن تتقبّل كلتا القيمتين المتضادّتين: الخير والشّر. فهي تتألّق في الفردوس وتستعر في الّسعير وهي عذوبة وعذاب، وهي بداية ونهاية. ويلّح الفيلسوف على أَّن النار هي كبرى المحظورات، فاحتراق البوعزيزي بالنّار يعني رمزيّاً كسر الحظر، أي تلك النّار التي لا يجب لمسها والاقتراب منها تفقد احترام المحظور عليه فيلمسها فيكون في تخطي الحظر هلاكه. وتشتعل النيران في كّل الجسد العربي. إّن حرق النّفس ليس فقط مجّرد يأس عرضّي، بل هو فشل لكّل الأنظمة الرمزيّة التي تداعت وصار ملّحاً على المجتمع إعادة بنائها: فالاحتراُق العلني هو إعلاُن نهاية نظام الحظر. وهكذا يسقط الخوف وتسقط السلطة الكامنة في أصل النفس الخائفة. إَّن هذا التحليل يعتمد على قراءة بشلار لرمزية النار ولكونها أّول متعلّقات الحظر التي بنت بنياناً نفسيّاً واجتماعيّاً، عندئذ نفهم ما سينجّر عن تجاوز الحظر من عدوى: فلم يعد الخوف من الموت قائماً، وهو خوف ضروري لحماية الذات من الانجراف لغواية الموت.

وما إن سقط الخوف وسقط الحظر حتى صعد خطاب الثورة: “الشّعب يريد إسقاط النظام” هكذا استهلت الثورة التونسية منذ 17 ديسمبر 2010 خطابها.

إن أصعب خطوة تم اتخاذها رمزيا وقد تجاوز بها البوعزيزي السياج النفسي والرمزي الذي يحول دون الشعب واعلاء صوت تمرّده. كانت لحظة رمزية عميقة زادها الشعار المستلهم من شعر الشابي كثافة شعرية فإذا هي لحظة خارقة للمألوف وللزمن العادي ولرتابة الحياة ونظام الاستبداد، وإذا هي بكل معاني الثورة ثورة على الذات وعلى العالم. هكذا كانت لحظة اندلاع الشرارة الأولى.

قد لا يعتبر البعض ذلك الذي حدث ثورة وقد يشككون فيما وراء الاحداث ولكن حالة الفوران التي صاحبت إحراق البوعزيزي نفسه وحالة الانتفاض ضد النظام والشعارات التي صاحبت الثورة والتي يمكن اعتبارها جوهر خطابها وانتقال العدوى إلى البلدان المجاورة كل ذلك يؤكد أننا أمام ثورة لا تزال في بدايتها ويمكن تسميتها بـ”ثورة الشعب يريد” فقد طالب الشباب يومئذ بالحرية والكرامة بديلا عن الحقرة التي أنتجت غضب البوعزيزي وتمرده.

لقد طالب شباب الثورة بالعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة ومضت على تلك المطالبة ثمانية سنوات فآل خطاب الثورة إلى ما آل إليه شبابها: الأزمة.

ولكلّ خطاب باثّ ومتقبّل ورسالة وسياق وسنن وقناة اتصال، ولكلّ خطاب فواعل يقومون بإنتاجه ويواجهون قوى تصدّهم وأخرى تساعدهم لتحقيق غايات فعلهم، وكان الشباب ذكورا وإناثا أهم فواعل هذه الثورة الشعرية وخطابها وكانوا يواجهون في لحظة البدء متقبلا مستبدا يطالبونه بحقوقهم الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية وقد اجابهم بن علي رمز تلك البنية القائمة يومها: فهمتكم. معبرا بذلك عن قبول الرسالة ومضمونها ومحاولا تلبية أهدافها، لكن الشباب الثائر حامل الخطاب الثوري لم يصدق ذلك الردّ واستمرّ في الاحتجاج معبرا عن ثورة غضب عارمة وأزمة ثقة عميقة بين حاملي الخطاب وبنى الاستبداد القائمة للنظام القديم.

  • المغامرة: صدام الخطابات

بسقوط النظام بدأت مغامرة رسالة الثوار الذين أسقطوا بأيديهم المخاطب الأول الذي توجهوا نحوه برسالتهم فإلى من يوجهون الآن خطاب ثورتهم؟

لقد انفجرت بعد 2011 إذن خطابات وتصاعدت أصوات عديدة:

  • تعالى خطاب ديني رفع شعار الشعب يريد تطبيق الشريعة
  • تعالت أصوات الحركة النسوية تطالب بالمساواة التامة في المواطنة
  • تعالت أصوات فئات مهمشة تطالب بحقوقها الفردية: جمعيات المثليين/جمعيات للدفاع عن الأقليات/ الامازيغ/ السود/ اليهود/ البهائية…الخ
  • خطاب رسمي إعلامي وسياسي يكرر نفس المعاجم ويتبنى مقولات الثورة ويضع نفسه وليد سياق ما بعد الثورة.

وهيمنت منذ 2013 اثناء حكم الترويكا أصوات هددت المكاسب المدنية فهمّشت المطالب الثورية الأولى لحساب الصراعات السياسية والمحافظة على مدنية الدولة. وسادت حالة من الصمم العام. فكأنّ كلّ مخاطب يكلّم نفسه، إذ انقطع التواصل بين هذه الفئات وحلّ الصدام بديلا عن الحوار أو التفاهم.

  • الإطار الجديد:

تميز السياق الاجتماعي بعد الثورة ونجاح الشباب في إسقاط النظام بتعقده فقد تعالت المطالب العمالية تحت مسميات الحقوق النقابية وتعالت المطالب الفردية وكذلك التعبيرات السياسية وتعددت الأحزاب والجمعيات تعبر عبرها كل الفئات عن هوياتها وخصوصيتها وصوتها.

غير أن خطاب شباب ثورة 17 ديسمبر شباب المناطق المهمشة في سيدي بوزيد والقصرين وقفصة والقيروان والأحياء والذي انتقل عبر المواقع الاجتماعية ليعبّر عن مطالب الشبان في كلّ الأحياء المهمشة في المدن أو القرى التونسية. إنّ هذا الخطاب المنتفض ضدّ الظلم الاجتماعي وانعدام الكرامة البشرية غدا خافتا لأنّ حاملي هذا الخطاب الجوهري للثورة التونسية هم في الأغلب شباب لا يملكون نفوذا يحققون به سلطة مطالبهم واعترضتهم عوائق عديدة تواجه بشكل عام إرادة التقدم والتحديث وهذه العوائق سببها الأساسي تخلف بنى الإنتاج الاقتصادي إلى جانب العوائق الثقافية المتمثلة أساس في الثقافة الأبوية المتسلطة.

وبسقوط النظام السياسي لم تسقط العوائق الكامنة في الثقافة السائدة بل بقيت تلك البنى الاستبدادية كامنة في اللغة والتعبيرات الثقافية والتمثيلات تشكل نوعا من المفارقة بين إرادة شعب يطالب بالحرية والعدالة والكرامة من جهة وواقع ثقافي يستبطن الاستبداد فيعلي قيم المجموعة على حساب قيم الفرد ويعلي قيم الذكورة على حساب المساواة ويعلي قيم المظاهر الاجتماعية على حساب الكرامة البشرية.

فأنظمة الحقرة مترسّخة فينا فتلفي تفاضلية يحملها سكان بعض المدن على حساب سكان الريف، وسكان الشمال على حساب سكان الجنوب وداخل المدينة الواحدة بين الأحياء وداخل الحي الواحد بين العائلات والعروشات وحتى داخل البيت الواحد بين المسنّ وصغير السنّ والذكر والأنثى. الخ

لذا فإن خطاب الثورة المطالب بثالوث الحرية والعدالة والكرامة واجه منذ لحظة صدامه معه الواقع تحديات ثقافية مهولة تتعلق بتمثل الذوات لهوياتها فضلا عن التحديات الاقتصادية والسياسية التي على الدولة مواجهتها وإضافة إلى واقع الأزمة الاقتصادية العالمية التي خيمت بظلها الثقيل على العالم. لقد وجد هذا الخطاب نفسه هشا في مهب خطابات سرعان ما استعادت أنفاسها ولبست قناع الثورة حتى قيل” لقد سرقت منا الثورة”.

فأما الخطاب الرسمي المتمثّل في خطابات السياسيين والإعلاميين والحكومة وهؤلاء الذين يمثّلون مؤسّسات الضبط والسّلطة بشكل من الأشكال فإنّهم حاولوا التكيّف مع السّياق الجديد وتلبية انتظارات الفاعلين الاجتماعيّين. فتنتشر في خطاباتهم معاجم التشغيل والكرامة والعدالة وغيرها مما مثل شعارات الثورة. وهذا يعني أن الثورة فرضت نفسها واقعا اجتماعيا على الأقلّ في المستوى الرمزي وإن لم تحقق للقائمين بها مطالبهم الاجتماعية خاصة. لكن مشكلة هذا الخطاب أنه مخاتل فأصحابه ينتمون في الأغلب إلى النظام القديم وهم أصحاب مصالح ومع ذلك كيفوا خطاباتهم لتلبية انتظارات شباب مابعد الثورة فصاروا يستخدمون معاجم سياق ما بعد الثورة استخداما مبالغا وشكليا خاليا من كل مصداقية، كوعود الشغل الخيالية ووعود التنمية والاستثمار.

إن هذا الخطاب الموجّه لإخماد غضب الشّباب الثائر وإطفاء الاحتجاجات الاجتماعية يتناقض مع الواقع، فقد صدرت تقارير في السنوات السّابقة للثورة تكشف هشاشة المنطقة وتلخّص واقعها في ثالوث: الفقر واللامساواة وعدم الاستقرار وفي هذه التقارير 25 بالمائة من الشّباب بين سن 15 و24 سنة يبحثون عن عمل وترتفع خاصة بطالة الإناث بسبب عوامل ثقافيّة وترتفع نسبة بطالة حملة الشهادات بصفة عامة ومحاولتهم إخفاء ذلك حتىّ عن أنفسهم هروبا من سخرية المجتمع التي يعبر عنها شعار” قرا والا ماقراش الخدمة ماثماش” وهذه العامل تؤكد أن رهانات الثورة صعبة ولكنها ليست مستحيلة مادامت تحت عنوان “إرادة الشعب” وهي تتطلب المزيد من الصبر والأمل والعمل.

  • أزمة الخطاب أزمة مراهقة

يمكن القول أنّ أزمة خطاب الثورة تمثّل أزمة فهم للذّات وللعالم الجديد، فثورة الشعب الذي يريد بالمعنى الشعري للثورة أي بما يحمله بيت ابي القاسم الشابي من دلالات على قدرة الإنسان على صنع قدره وتحدي الواقع هي ثورة الشباب الحامل للمشروع الجديد البديل عن النظام السائد العقيم، وهو مشروع قيم أساسا وليس مشروعا خاليا من الصراع على السلطة. فالمطالبة بالعدل تقتضي الإيمان بالمساواة والكرامة البشرية بمعنى أن ما نطالب به لأنفسنا نطالب به لغيرنا ولذلك لا يمكن أن يحمل الشباب توقا إلى العدل بين الجهات وبين القرى والمدن دون أن يعترفوا في نفس الوقت بحق الإناث في المساواة التامة بالذكور ولا يمكن أن نستمر في الشعور بالخيبة التي تتحول إلى يأس ما إن تفشل الدولة في تلبية المطالب التنموية. فمن جهة يحمل الشباب صرخة ضد نظام الهيمنة ومن جهة ثانية يستدعون صورة الأب الحامي ويهربون إليه وتشتد الأزمة حينئذ كما تشتد ازمة المراهقين بين انجذابهم للطفولة ورغبتهم في تخطيها. إن أزمة الخطاب إذن متعددة المستويات:

  • المستوى الأول بسبب أن الدولة أي المخاطَب عاجز تماما عن حل كل المطالب دفعة واحدة لأسباب معقدة.
  • المستوى الثاني: يتعلق بالباث الذي لم يحدد بالضبط الكيفية التي ستتحقق بها الكرامة والعدالة والحرية.
  • المستوى الثالث يتعلق بالسياق العالمي الذي يتحكم فيه صراع القوى وتخترقه قوى المصالح والنفوذ والمال والتهريب والإرهاب وهي قوى تجهض كل نفس تحرري حقيقي ولا تبالي بالاستقرار اللازم فأزمة الثورة وخطابها وأصحابها هي أزمة الدولة الوطنية في سياق العولمة وهي أزمة الإنسان في سياق تحولات متوحشة تنحو نحو تسليع الذات وتشيئها. فالأزمة في جوهرها أخلاقية. ومردها أن هذه الثورة في طور المراهقة لا بقيت طفلة كما بدأت ولا تخطت ذلك إلى كهولة النضج فهي في طور التشكل والمخاض وإثبات الذات.

التوصيات:

وختاما هذه نقاط ارتأينا أن نلخص بها رؤيتنا لحلّ هذه الأزمة ولتحقّق الثورة أهدافها:

أوّلا: ضرورة الحفاظ على الإيمان بجوهر اللّحظة المنبثقة عنها الثّورة وهي لحظة خارقة وشعريّة ورمزية وهي التي يجب استعادتها لإتمام الأهداف الثلاثة: الحريّة والكرامة والمساواة.

ثانيا: ضرورة الوعي بأن النظام السياسي الذي قامت ضده الثورة وخطابها قد سقط ولذا وجب تحيين الخطاب وتجديده وتعديله إذ الدولة اليوم غير تلك التي كانت في كنف الحزب الواحد.

ثالثا: ضرورة الوعي بعوائق الثورة من قوى محافظة على المصالح القائمة وبنى ذكورية تغذي الاستبداد ولذلك لا يمكن لثورة بزخم شعري حقيقي إلا أن تكون ثورة شبابية ومؤنثة بمعنى المساواة التامة والايمان الحقيقي بها.

رابعا: إن أزمة الخطاب علامة على تطوّر المسار الثوريّ وعلى بلوغه مرحلة ضرورية إذ اللحظة الثورية لا يمكن أن تكون ممتدة وإنما هي كثافة دلالية وشعرية تهب الشعوب فرصة لتجديد تاريخها وتسريع ديناميته وحركته نحو تحقيق المزيد من الرغبات المشتركة بين مجموعة من الناس.

وأخيرا على الثورة أن تحتفظ بمبادئ الكرامة والعدالة والحرية وأن تجعل معيارها دائما حقوق الإنسان الكونية لتنجح في تخطي كل الارتدادات وقوى الردة والثورة المضادة.

فاشتدّي أزمةُ تنفرجي.

*****

  • أصل هذا المقال مداخلة قدمت ضمن ندوة الثورة وأزمة الخطاب المنعقدة بسيدي بوزيد 18 ديسمبر 2018 التي نظمها مهرجان سيدي بوزيد بالتعاون مع منتدى متفكرون.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق