تحليل عصاب مثقف عربيّ..

نقد كتاب (المرض بالغرب..) لجورج طرابيشي

” التأكيد أصبح عندي أسهل من البرهان ”  جورغ غروديك

-1-

هذه المقالة نقد لكتاب ” المرض بالغرب – التحليل النفسي لعصاب جماعي عربي ” لجورج طرابيشي، والدّافع الأساسي لكتابة المقالة لم يكن مناقشة الأفكار الواردة في الكتاب بصورة خاصة، رغم أننا سوف نناقشها، ولكن نقد الكتاب ككتاب، فالتعبيرات التي يحتويها لا تستوجب النقد بحد ذاتها..فهي خاطئة بشكل اعتيادي نمطي أقرب إلى البداهة، وبالتالي فإنّ نقدها سيكون نقدا بدهيا لا نقدا نظريا، وذلك مثلما يقول رولان بارت: ” لأن ما هو بدهي يبقى دون منهج ” (1)، وهي متداولة في الشارع وفي المقاهي – ليس المقاهي الثقافية فقط – ولكن نقدنا ينصب على تحويل التعبيرات الى أفكار وتحويل تلك الأفكار إلى كتاب،  ولأن كتاب المرض بالغرب لا يمكن أن يكون منهجيا، فالأفكار الّتي تشكل القاعدة التي بني عليها الكتاب ليست ” أفكارا ”  بالمعنى الدقيق للكلمة، بل أقوالا ” شعبوية ”  تسود المجتمعات الّتي تعيش منعطفات تاريخية أو أزمات مستعصية، وتقوم على تفسير التأخر والتراجع السياسي والاجتماعي ..بتفسيرات مطلقة وجوهرية، أسطورية أو خرافية، ترد إلى الطبيعة – طبيعة العرق أو الثقافة – أو سوء الحظ، بدل التفسير التاريخي. وهذا بالضبط مايستوجب النقد من منطلقات ثقافية محضة دفاعا عن القارئ العربي وعن الثقافة العربية، لا الثقافة العربية الاسلامية عبر التاريخ، كما قد يقول قائل – جريا مع النبرة السائدة في الكتاب – بل مجرّد الدفاع عن ثقافة تأليف الكتب باعتبارها تتطلب اشتراطات فكرية، كما يقول رولان بارت: ” إنّ للكاتب واجبا تجاه الكلمة التي هي حقيقته، لا تجاه النقد في جريدة الأمة أو جريدة اللوموند.. “. (2)

ورغم أنّ الكتاب يضم مقاطع منتزعة من بحوث منهجية، غير أنّها ليست صحيحة أو خاطئة إلّا بحسب السياق.. وسياق هذا الكتاب يقع على الحدود المتداخلة أحيانا بين كلام المثقف وكلام رجل الشارع، حين يتماهى المثقف مع العامّة فيستعير المبالغات التي تتغذى عليها العامّة، ويعيد إليها تحاملها بصياغة المثقفين. يقول رولان بارت: “.. ثمّة حركة تكاملية الناقد فيها يصبح كاتبا، غير أنّه يجب أن نعلم أنّ المرء إذا رغب أن يصبح كاتبا فهذا لا يعني ادعاء لقيمة مّا، لأنّه قصد تكمن الكينونة من خلفه، وأمّا نحن، فبماذا يهمّنا تمجيد المرء لكونه روائيا، او شاعرا، أو كاتب مقالات، أو مدوّنا يدوّن الأخبار؟ إنّ تعريف الكاتب لا يكون بالدور الّذي يقوم به أو بالقيمة الّتي تعطى له، ولكنّه يتحدّد فقط بنوع من أنواع وعي الكلام، وبهذا يكون كاتبا، أي عندما تحدث اللّغة له مشكلة تجعله يغوص فيها إلى الأعماق فلا يقف عندها أداة أو جمالا. “(3)

*           *             *

رغم الانطباع السّائد بأنّ طرابيشي في نقده للإيديولوجيا العربيّة والإسلاميّة باحث غير إيديولوجي باعتباره ” مفكّرا تنويريا “، فإنّ إيديولوجيته غير المعلنة واضحة في كتابه المليء بالإجابات والحلول الشافية، وهذه سمة الإيديولوجيا الّتي تفضل سطحية الإجابات على عمق الأسئلة، فمن الممكن أن يجيب صاحب الإيديولوجية السياسية حتّى عن سؤال حول نظريات “الانفجار الكوني” أو ” تعدّد الأكوان ”  الفيزيائية والّتي لم يقل الفيزيائيون كلمتهم الأخيرة فيها، وبالمثل يستخدم طرابيشي مفاهيم علم النفس والتّحليل النفسي بوثوقية وقطعية لا يدعيها العلماء النفسيون. يقوم طرابيشي بتعليم شعب هو مثل أي شعب عاش تاريخا  – مثل كلّ تاريخ – مليء بالانتصارات والهزائم وبالتّقدم في حقبة والتّأخر في حقبة أخرى، لكنّه يعلمه أين يقع خطؤه الوحيد والدّائم إنّه: ثقافته العربيّة الاسلاميّة، وأنّ هذا هو سرّ عجزه المعلن بصورة بسيطة وجوهريّة. وطرابيشي هنا مثل نبي ..لكنّه لا يحمل أية نبوءة أو رؤيا، وهو بعكس الانبياء لا نلمس لديه أي قلق أو توجّس أو مرارة بحجم المسؤولية.  ولا تاريخيّة هذه الأحكام الّتي نجدها في خطاب طرابيشي وأوساط الأنتلجنسيا الدنيا لا تحتاج إلى تنويه وبهذا المعنى يقع أنصار هذا الخطاب اللاّتاريخي بالمفارقات فيوافقون – مثلا – على أنّ: جرائم النازيّة الالمانيّة ليست إدانة للشّعب وللمجتمع الألمانيين، وإلقاء قنبلتين ذريتين على المدن اليابانية لا يدين الثقافة الأمريكية، ووحشية اليابانيين في الصين لا يشوّه الحضارة اليابانية الراقية، وخيانة الوطنيين الصينيين للشيوعيين بالتّواطؤ مع الغرب ليس كامنا في الثقافة الصينية، ومحاكم التفتيش ليست دليل إدانة للمسيحية الأوروبيّة، وإبادة الكاثوليكية للطوائف غير الكاثوليكية في جنوب فرنسا ليس دليلا على التزمت الديني الأوروبي، ولكنّ هزيمة نظام عبد الناصر الّذي حمل شعارات قوميّة في الستينات دليل أزلي على تزمت العرب والإسلام، ونبذ الآخر وعدم الاعتراف به وكراهية الغرب، ممّا يستوجب استخدام مفاهيم علم النفس والتّحليل النفسي لتفكيك بنية التراث العربي الاسلامي. وحتّى إعلان شخص أصولي رفضه للمجتمع المعاصر وللاعتراف بقوانينه الوضعية في الثمانينات بقوله: ” إنّ الحكم إلّا لله ” (4) يثبته طرابيشي باعتباره دليلا جديدا على قضيته نفسها، مع أنّ ما يقوله الأصولي في الكتاب كلام مألوف يقوله الأصوليون بشكل سطحي ودون مناسبة عبر وسائل الاعلام، ولكنّه في الكتاب يبرّر العنوان حين يقول طرابيشي: ” العنوان- المرض بالغرب – يكتسب راهنيه جديدة، فمن ظاهرة ثقافية تحول المرض بالغرب إلى ظاهرة سياسية تجد تعبيرها في العمليات الإرهابيّة الّتي باتت تستهدف منذ هجمات 11 أيلول الغرب بما هو كذلك لا سياسة فحسب بل أساسا حضارة. والحال أنّ كراهية الآخر هي الّتي تشكّل اليوم مهما تعدّدت وتنوّعت المحفزات الخارجية، الينبوع الداخلي الأوّل للإرهاب ولاسيّما أنّ ثقافة الكراهية تلك، الّتي تخصّصت في إنتاجها الشريحة المشار إليها من الأنتلجينسيا العربية قد حظيت خلال العقود المنصرمة وبفضل المن النفطي بتمويل مادي..هائل أتاح لها أن تتحوّل إلى ثقافة سائدة ..”(5) يربط طرابيشي بين حركيّة الإسلام السياسي والثقافة العربية الاسلامية كلّها، رغم أنّ التمويل المادي النفطي – بكلماته نفسها – دليل موازين قوى دولية مجحفة بحقّ العرب وهي المسؤولة عن الارهاب وليس ثقافة الأنتلجنسيا فالعالم لا تحركه الأفكار الجيّدة أو السيّئة بل الوقائع ولا تقوده الأنتلجنسيا بل السياسة والاقتصاد. ولذلك يذهب ( تيري ايجلتون) في كتاب ( الإرهاب المقدس) (6)  في طريق معاكس لطرابيشي في معالجة مسألة الإرهاب الأصولي  نفسها، فيربطها بسياسات الغرب القائمة على العنف والربح اللاّمحدود ويعتبر أنّ هناك تواطؤا بين الغرب والإرهاب الأصولي. الأصولية لا تمثل الأنتلجنسيا العربية ولا حتّى إسلام النّاس العاديين ولم تكن يوما ممثلة للمجتمعات العربية وأقوال الأصوليين مادة دائمة الحضور وتكاد تكون ترويجية في الإعلام المحلي والدولي بل إنّها تستخدم كشارة مكرّرة في بعض القنوات وكلمات بن لادن الّتي تتحدّث عن انقسام العالم إلى فسطاطين ورسائله الإعلامية  صارت موضع هزء المشاهدين.

 

*         *           *

– 2-

– الأنتلجنسيا الدنيا والعليا

إذا كانت المؤلفات الّتي أشار إليها الكاتب نفسه في كتابه، في معرض النقد مثل كتاب: (الخطاب العربي المعاصر) لمحمد عابد الجابري، أو في معرض الإعجاب مثل كتابي (انفجار المشرق العربي) لجورج قرم، و(الهزيمة والإيدولوجيا المهزومة) لياسين الحافظ ..وغيرها .. إذا كانت هذه تسمى كتبا فإنّ كتاب (المرض بالغرب ..) ليس كتابا .. وكما يقول بارت: ” الكتاب خالد ليس لأنّه يفرض على البشر المختلفين معنى واحدا، ولكن لأنّه يوحي بمعان مختلفة لإنسان واحد .” (7) فجورج طرابيشي يتحدّث عن المناهج دون أن يقوم بعمل منهجي بينما الكتب الثلاثة تستند الى منهجية واضحة بدل الحديث عن المناهج. والمقارنة الّتي سوف نجريها هنا بين كتاب طرابيشي وهذه الكتب المذكورة والّتي تستوفي شروط التأليف من رؤية ومنهج وأمانة فكرية، بعكس كتاب المرض بالغرب، فإنّها مع ذلك ستكون مقارنة عادلة لأنّ طرابيشي هو الّذي اختار الإشارة إلى تلك الكتب بالذات، والّتي تدور بالفعل حول القضية المركزيّة نفسها في كتاب طرابيشي وهي هزيمة حزيران 1967. ولكنّ الاختلاف في مستوى معالجة القضية نفسها لا يكشف ضعف كتاب المرض بالغرب بالمقارنة مع الكتب الثلاثة فقط، بل يكشف انتزاع المؤلف للاقتباسات من سياقها بشكل انتقائي واستخدامها بشكل يتناقض مع روح الكتاب الّذي انتزع الشاهد منه، وهو الأمر الّذي كان طرابيشي قد زعم أنّ “الجابري”  فعله في كتابه: “بنية العقل العربي”  وأنّه – أي طرابيشي – لذلك تتبّع شواهد الجابري إلى مصادرها وقرأ الكتب الّتي انتزعت منها الاقتباسات، لكنّني لم أكن بحاجة لتتبع اقتباسات طرابيشي لأنّني كنت مسبقا قد قرأت الكتب الثلاثة، وفوجئت باقتباس طرابيشي من تلك الكتب ما يعطي القارئ فكرة غير حقيقية عنها، وكأنّها تسلك نفس منحى كتاب المرض بالغرب بينما هي مختلفة عنه إلى درجة التناقض.

ويعبّر طرابيشي عن موافقته عن كتابين منها وهما كتابا “جورج قرم” و”ياسين الحافظ”،  بينما يعترض على الجابري تماشيا مع عدائه المشهور لمؤلف “بنية العقل العربي”. وعوضا عن نظرية المؤامرة الّتي يفندها طرابيشي بشدّة باعتبارها سمة للخلل في الشخصية العربية، يتوصل طرابيشي للقول أن العرب اخترعوا دعما إمبرياليا غربيا لإسرائيل من أجل تبرير هزيمتهم أمام دولة صغيرة تقوم على العلم والديمقراطية، ولا تدعمها أية إمبريالية وفي هذه الحالة لا توجد صراعات دولية ولا مؤامرات ولا تريد القوى الدولية شيئا من العرب أو اليهود لكن العرب مهزومون وفاشلون بطبيعتهم ويتوهمون المؤامرات ضدّهم. وبذلك ينتقل طرابيشي من نقد إيديولوجيا تبريرية إلى إيديولوجيا تستند على المبالغة الثأرية المعكوسة وعلى الرغم أن “ياسين الحافظ” لا يعتقد بأنّ للعرب “جوهرا” متعاليا على التاريخ يجعلهم متفوقين على غيرهم فإنّه لا يعتقد أنّ هناك ما يمنعهم من أن يكونوا مثل غيرهم يقول الحافظ: “نعم..اليوم أنا لاشيء لكننّي غدا سأصبح كلّ شيء”(8) إلاّ أنّ طرابيشي يوحي – على النّقيض ممّا يقوله الحافظ – وكأنّ هزيمة العرب وبقاؤهم خارج حضارة العصر الرّاهن هو جوهر خاص عربي وإسلامي، وليس قضية راهنة، أي أنّ لهم جوهرا متعاليا ولكن سلبي. ومن المعلوم أنّ المعرفة لم تصبح معرفة علمية إلّا عندما كفّت عن محاولة القبض على الجوهر وبحثت في الظواهر.  ورغم أنّ الحافظ ينتقد تركيز العرب على اتّهام المؤامرات الخارجية بكلّ ما يتعرّضون له، غير أنّه يؤكّد دور الامبرياليّة في دعم إسرائيل لإلحاق الهزيمة بالعرب وبعبد الناصر، إلّا أنّ طرابيشي يقتبس من الحافظ بشكل مجتزأ ما يسند فكرته حول نفي أن تكون هناك أية مؤامرات. ويصوّر طرابيشي كاريزما ناصر تصويرا ضخما جدا في الوقت الّذي قام فيه بتصغير كلّ ما هو كبير وضخم في الرؤية العربية، بحيث يتوقع القارئ أنّ أسهل ما سيقوم به هم تحجيم صورة الزعيم وردها إلى حجمها الواقعي، لكنّه قام، بالعكس،  بتضخيمها ممّا يوحي بأنّه مثل أبناء جيله ممن عاصروا الناصرية، ولكنّه في الحقيقة أراد بذلك تضخيم حجم الهزيمة الّتي ألحقتها إسرائيل بالعرب، بينما صوّر (جورج قرم ) حياة وموت عبد الناصر تصويرا غنيّا مؤثّرا وتحليليا دون مبالغات. وهذا يعطي فكرة عن عمق كتابي (قرم) و(الحافظ) في معالجتهما المركبة لقضايا معقدة بطبيعتها، ولكن بأسلوب سلس وغني ومشوق للقراءة، ويمتازان بعمق فكري وإنساني وحس بالانتماء للشعب العربي رغم نقدهما للثقافة العربيّة التقليديّة، في مقابل كتاب طرابيشي الذي يفتقر للعمقين معا وتبسيطه مخل بالقضايا المعقدة، لكنّه صعب القراءة ويبعث على الملل. ” إنّ ما يبدو للعقل بسيطا كلّ البساطة يكون معقدا بالنسبة للهو، إنّه يعمل على أنساق من المفاهيم مع عقد تحدث بواسطة درب الهوس في التّرميز والتّرابط “.(9) ولا يتطرق طرابيشي من قريب أو بعيد إلى ذكر المقاومة الفلسطينية الّتي ظهرت مباشرة بعد هزيمة 67 رغم أنّ تحليل تداعيات الهزيمة هي موضوعه، ورغم أنّه يذكر المقاومة الفرنسية عند مقارنة الهزيمة العربية مع هزيمة فرنسا أمام ألمانيا، بينما المؤلفون الثلاثة (الجابري) و(قرم) و(الحافظ) يبحثون المقاومة الفلسطينية بحثا وافيا، ولم يشر طرابيشي لهذا أيضا. وهذا التّجاهل ناجم عن ميل طرابيشي إلى تصوير الهزيمة تصويرا مطلقا وجوهريا، لا يعكره بروز المقاومة بعد الهزيمة مباشرة، ممّا يدل على تفضيله لتصور ذهني عن الواقع، كبديل عن الرؤية الواقعية الّتي نجدها في الكتب الثلاثة، بالإضافة لما يمثله تجاهل طرابيشي للمقاومة الفلسطينية من فقر إنساني وفقدان للتّعاطف يسودان الكتاب الّذي يخلو من شغف الكتابة، ممّا يؤدي إلى غياب شغف القراءة بالنسبة لقارئه، وهو يعامل الكلمات والموضوعات الحيّة كأشياء مرتبة ومنسقة بما يتّفق مع هدفه، ويفتقر إلى روح التأليف الّتي تتوهّج بروح الابداع الفكري حتّى في الكتب الفلسفيّة والعلميّة، يقول دانيال برتو: “عندما نعطي النظرية امتيازا على التجريب نكون على اعتقاد بإمكانية تطويرها دون العودة إلى المعطيات الملموسة، ولكن في الواقع نكون عندئذ منقادين باستمرار للعودة بصورة لاواعية إلى تجربتنا الخاصّة، الّتي تعتبر الشكل الأكثر بدئية لمعرفة الواقع فنكون قد صنعنا تجريبا باطلا، وينتهي الأمر بنا إلى أن نأخذ صياغة مفاهيمنا وأحكامنا المسبقة اللاّواعية على أنّها نظرية.”(10) والتاريخ ليس مجرّد قصّة تروى انطلاقا من نقطة انتقائية في الحاضر، ولكنّه حياة عاشتها الشّعوب وصنعت التّاريخ  كما صنعها التاريخ، وهزيمة القومية العربية ليست نصّا يمكن فقط تحليله أو تفكيكه، بل هي حياة بشر أيضا.

لا يجوز لباحث أن يكون متحاملا على موضوع البحث، وطرابيشي كاره لموضوعه أي: الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، وذلك عبر خمسة فصول من الكتاب أمّا الفصل السادس فإنّه يصبح أكثر هدوء وتسامحا ومنهجية، أي ما تفتقر إليه كلّ فصول الكتاب الأخرى. وإذا كان الفصل السّادس بمثابة الخاتمة ممّا يوحي بأنّ اختلافه عن بقية الفصول ناجم عن كونه استخلاص للنتائج إلاّ أنّها -هكذا- نتائج ليست متضمّنة في المقدمات وهذه فصامية تضاف إلى مظهر فصامي آخر من خلفيته الإيديولوجيّة فقد كان قوميّا عربيّا ومعاديا لعبد الناصر في الوقت نفسه ..بخلاف ما يظهر عليه في الكتاب من تحرّر من القوميّة ومن العداء لعبد الناصر. يفتتح ياسين الحافظ كتابه الهزيمة بسيرة ذاتيّة فكريّة يبين فيها إيديولوجيته وكيف بذل جهدا للتّخلص منها في سبيل وعي مطابق للواقع وأنّه ربّما لم ينجح نجاحا كاملا، وهذه أمانة فكريّة تليق بمفكر حقيقيّ، بينما لا أحد يعلم متى تخلّى جورج طرابيشي عن إيديولوجيا القوميّة العربيّة وأصبح مفكّرا غير إيديولوجي يتعالى على القوميّة العربيّة وجذورها الإسلاميّة.

*       *        *

المفارقة أن يبدو كتاب طرابيشي كما لو أنّه يستفز النقد ويستعدي النقاد، بقدر ما هو جارح ومهين بحقّ الثّقافة التقليديّة للأمّة، ولأنّه يهزّ ثوابتها الجامدة والمتهرئة، ولأنّه ينتهك التابوات. أي أنّه يحدّد وضعه  كناطق بالمسكوت عنه وأنّ كلّ نقد يوجه له إنّما هو محاولة لستر الحقيقة. ولكن الأمر على العكس من ذلك،  فما يستند اليه الكتاب هو تعبيرات اتهاميّة تقوم على التّحامل والضغينة وجلد الذّات، ولذلك فهي في المحصلة تعبيرات “مازوخية” أو “ساديّة” انتقاميّة، وإن كانت انتقاما من الذّات. والمفترض أنّ المفكّر أو المثقف تفصله مسافة نظرية عنها، إما إيرادها مدعمة باقتباسات من أنساق متباينة، علميّة أو أدبيّة أو خطابيّة، واستخدامها كأدوات لتفكيك الثّقافة العربيّة الاسلاميّة رغم أنّها أدوات قابلة للتفكيك، وجمعها معا – هكذا – في كتاب يصفه مؤلفه بقوله: “هذا الكتاب هو في الأصل اطروحة دكتوراه كان يفترض بي أن أقدمها إلى جامعة السوربون لولا أنّني امتنعت…الخ ..”(11)، فإنّه لا يجعلها بحثا منهجيا..وتبرير طرابيشي لامتناعه عن تقديم الأطروحة الّتي تحوّلت إلى كتاب هو أنّه كان سيتوجب عليه “التّخفيف من لهجتها النقديّة الحادّة “(12) أي أنّ الكتاب ليس صالحا للتّقدم كأطروحة في الحقيقة. وتعبير (حدّة اللّهجة النقديّة) ليس سوى  تحلله من شروط البحث الفكري والمنهجي ولكن بكلمات أخرى. ذلك أنّه جزء من سجال يقع – في أحسن الأحوال – على هامش الإيديولوجيات وليس حول نواتها الصلبة بل حول ما هو سائد وشائع أو محتمل على حدّ تعبير رولان بارت “المحتمل هو ما لا يتعارض في عمل مّا، أو في خطاب مّا، مع أي من هذه السلطات..التقليد والأكثريّة والحكماء والرأي العام، وإذا كان المحتمل هو هذا فإنّه لا يتناسب مع ما كان ..فهذا شأن التاريخ .. ولا مع ما يجب أن يكون فهذا شأن العلم، ولكنّه يتناسب ببساطة مع ما يعتقد الجمهور أنه ممكن”. (13) . ومن المعروف من هي الشرائح الاجتماعيّة الّتي سوف تتلقى أحكاما مبسّطة كهذه وتقوم بتردادها فهذه الشرائح هي المصدر الخام لها بالأصل. إنّها ما يسمى بالأنتلجنسيا الدنيا وهي الشريحة الواسعة من الأنتلجنسيا ومن هنا شعبية هذا النوع من الكتب في أوساط شبه مثقفة وليس بين المثقفين أو المفكرين الّذين يمثّلون الانتلجنسيا العليا . ومن هذا المنظار يمكن رؤية جدل طرابيشي مع محمد عابد الجابري ومشروعه الفكري باعتباره سجال الأنتلجنسيا الدنيا الّتي تمتهن الانتهازيّة الثوريّة وأدلجة الفكر ضدّ الأنتلجنسيا العليا المنتجة للفكر.

لا يعاني كتاب المرض بالغرب أيّة مشكلة مع الرقابة ولا مع السلطات، فهو كتاب شعبي بل إنّه هو نفسه جزء من الرقابة باتّهام مسبق لكلّ ناقد له باعتباره عالقا بثقافته التقليديّة المتزمتة ومدافعا لا واعيا عنها. ويلاقي الكتاب ترحيبا في الأوساط ذاتها الّتي تتمسّك بالثوابت التقليديّة الدينيّة والتاريخيّة، ذلك أنّه يعبّر – فقط- عن لذّة انتهاك المحرّمات وليس الانقلاب الجذري عليها. وبالتّالي فإنّ خطابا كهذا ليس جديدا كما يقدم نفسه، بل هو قديم قدم الفضائح، فالفضيحة شعبية دوما وشعبيتها لا تستند الى صحة المعلومات أو صدق الغايات، بل مجرّد الإثارة المحيطة بها. ومثلما يقول ياسين الحافظ: ” في مناخ شرقي يفتقر الى تقليد عقلاني، يصعب أن يتخلّص المرء دفعة واحدة من المعتقد الإيماني، ذلك أنّ التاريخ والمجتمع يعملان معا لتعويض هذا المعتقد الإيماني الديني بمعتقد إيماني آخر، ربما زمني أو ثوري أو تقدمي أو اشتراكي أو قومي أو شيوعي، ذلك لأن العالم الايديولوجي أو الثقافي للناس لم يبن بأحجار عقلانية وواقعية، لذا فان ذبول معتقد إيماني ديني في عقل من العقول لا يعقبه بالضرورة انبثاق توجهات عقلانية. فالإلحاد الشرقي غالبا ما يفتقر إلى أرضية أو نواة عقلانية، فيغدو إيمانية مقلوبة، وهذا الّذي يفسّر الطّابع المعتقدي الإيماني للماركسيات العربية “.  (14)

*           *             *

الهوامش

1- رولان بارت: نقد وحقيقة – ترجمة منذر عياشي – مركز الانماء الحضاري – دون مكان النشر – 1994 – ص 38.

2- رولان بارت: المصدر السابق –  ص 60.

3 – رولان بارت: المصدر السابق – ص82.

4 – جورج طرابيشي: المرض بالغرب ط1– درا بترا- دمشق – 2005 – ص145.

5 – جورج طرابيشي: المصدر السابق – ص 8.

6 – تيري ايجلتون: الارهاب المقدس – ترجمة اسامة اسبر – دار بدايات – دمشق – 2007.

7 – رولان بارت: نقد وحقيقة – مصدر سابق – 84.

8 – ياسين الحافظ: الهزيمة والايديولوجيا المهزومة ط2– الاعمال الكاملة – دار الحصاد – دمشق – 1997 – ص 272.

9 – جورغ غروديك: كتاب مراجع الشخصية / مجموعة مؤلفين – ترجمة وجيه اسعد – وزارة الثقافة – دمشق 2002 – ص 51.

10 – دانيال برتو: المنهجية في العلوم الاجتماعية- ترجمة هيئة التحرير – مجلة الفكر العربي – العدد 6 – ليبيا / بيروت – 1978 – ص11 .

11 – جورج طرابيشي: المرض بالغرب – مصدر سابق – ص 7.

12 – جورج طرابيشي: المصدر السابق – نفس الصفحة.

13 – رولان بارت: نقد وحقيقة – مصدر سابق – ص37.

14 ياسين الحافظ: الهزيمة والايديولوجيا المهزومة – مصدر سابق – ص 17.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق