واقعية السورياليّة

قد يؤدّي بنا البحث عن الجوانب الواقعية في السوريالية إلى الوقوع في انزلاقات مفهوميه  داخل حقول دلالية شتّى لا نعرف مدى خطورة نتائجها، ولكنّها مغامرة قد تكون ضرورية، إذ من شأنها أن تحدّد منهجا واضحا لهذه الحركة، أو من الممكن أن تجد لها المبرّرات التي جعلتها تتمسّك باللاّعقلاني وتدافع عنه. إنّ استماتة السورياليين في الدّفاع عن الماوراء  وغير المنطقي، وبحثهم المحموم عن الغريب والمجهول، وإقامتهم في فلك الانفعالات ومناخ الجنون لم يكن من عدم ومحض بفعل كن فكان، وإنّما له جذوره المستمدّة من الواقع، فمبادئهم تأتّت كسلوك إنكاري تجاه حضارة بدت في نظرهم عديمة الجدوى نظرا إلى فشلها في إقامة مناخ إنساني يرتفع عن الاغتراب والعدمية. والفكر الأوروبي كان قد قام على تمجيد العقل الذي تتحكّم فيه مبادئ المنطق، وهي مبادئ كونية ملخّصة في مبدأ الثّالث المرفوع ومبدأ عدم التناقض ومبدأ الهوية التي نظّمها أرسطو[1]. وتتّفق هذه المبادئ الثلاثة على أنّنا لا نستطيع أن نمدّ بالواصلة بين الشّيء ونقيضه، وهو ما نفته السوريالية بسعيها إلى جمع المتناقضات وتوحيد المتنافرات في إطار طموحها الذّي يهدف إلى خلق وحدة كاملة ومتكاملة.

إنّ نفي السورياليين لمبادئ المنطق الأرسطي لم يكن من منطلق قراءة نقدية تكشف عن خلله، وإنّما كان من خلال التأمّل في نتائجه واستتباعاته، التّي أوصلت المجتمع الأوروبي إلى حالة من الفوضى خلال الحربين العالميتين. أصبح الواقع في تلك الفترة لا منطقيا من وجهة نظر لا إنسانية ولا عقلانيا من وجهة نظر تدّعي أنّ العقل منهج يقود الإنسان إلى حرّيته. لم يتساءل السورياليون أمام هذا الإشكال من منطلق يبحث عن سرّ هذا الانهيار، ومن وجهة نظر علمية تقول بأنّ السّبب هو سوء توظيف للعلم بتحويله إلى عقيدة عبر نفي مبدأ التطوّر عنه، وزجّه في الثّبات والجمود والتنكّر لقانون الحركة بوصفه أهمّ مقوّم من مقوّمات الديالكتيك، التي عبّر عنها “هيراقليط” منذ القدم بقوله “كلّ شيء يجري، كلّ شيء يتغيّر”[2]. على العكس، فقد قادهم التمرّد إلى إنكار هذا الواقع ونفيه، لا لأنّه يتناقض مع ما تصبو له الإنسانية فحسب، بل لأنّ هناك أشياء ما زال يعتّمها ويحجبها ويخفيها. ظلّت السوريالية “تتحرّك على مستويات مختلفة. لم ينقصها سوى علماء ورياضيين، ومهندسين يضعون أساليبها قيد التنفيذ، كلّ في حقله الخاص، وذلك في محاولة رسم صورة شاملة لإنسان الغد.”[3] وأمام افتقارها إلى هؤلاء، ظلّت وكأنّها إفراز طبيعي للمنطق التخييلي للواقع، ترسمه انطلاقا من تفكيك تفاصيله بلغة وصور تنشد الإفلات منه، لتحدّده كما يجب أن يكون، لا كما هو كائن. إنّ صورتها الكائنة على ما هي عليه من جنون وحلم وفردانية وعودة إلى الذّات وتوجّه نحو المطلق والمجهول، من الممكن، وعبر قراءة تأويلية، أن نجد لها جذورا فلسفية وعلمية، إذ أنّ حالة السوريالي هي أشبه بظاهرة “التموند”، التّي تحدّث عنها “ليبنتز” في كتابه “المونادولوجيا” بنقده أصحاب المذهب الذرّي القديم (لوقيبس/ديمقريطس/أبيقوروس)، الذّين ذهبوا إلى القول في الاعتقاد بوجود “عناصر بسيطة تتكوّن منها المركّبات”[4]، وهذه العناصر كان قد تمّ تعريفها على أساس أنّها “جسيمات غير قابلة للتّجزئة”[5]. إلاّ أن “ليبنتز” قوّض هذا الاعتقاد ليؤكد أنّ كلّ جسم مهما كان حجمه وصغره يبقى قابلا للتجزئة، باعتبار أنّ له امتدادا معيّنا، وهو ما برّر له القول “إنّ العناصر البسيطة هي ذرّات غير ممتدّة، أعني ذرّات لا جسمية”[6]. ولإثبات وجودها يستدلّ “ليبنتز” بالتجربة الباطنية التّي “تكشف لنا عن كائن روحاني (…) غير قابل للتجزئة، وهو بمثابة ذرّة لاجسمية”[7]، ويصفه بالوحدة الجوهرية، ليطلق عليها لفظة “مونادة”، وينتهي إلى أن العالم برمّته هو مجموعة من “المونادات ” تتفاعل وتتّصل في ما بينها رغم من أنّ كلّ واحدة منها منغلقة على نفسها، وانغلاقها هذا يجعل منها “بمثابة المرآة للكون، تعبّر عن كلّية الكون من زاوية نظرها الخاصّة”[8] وذلك عبر سعيها المتكرّر وراء اللّا منتهي عبر حالة من النّزوع  قوامه مجهود تقوم به “كي تقترب، بقدر المستطاع، من الإله الكامل الذّي يسود الكلّ”[9]. هذا الإله يعدّ روح جميع هذه “المونادات” ويوصف بالكمال المطلق، إذ يجعل من كلّ “مونادة” تتشهّى إدراكه.

هذا الأمر، يحيلنا مباشرة إلى رؤية “بروتون” القائل “ثمّة طرق عديدة تؤدّي إلى الله، شرط إتباعها حتّى النّهاية، حتّى الذّوبان في الكلّ الكبير”[10]، وهو ما يبرّر لنا عقد مشابهة بين السوريالية وفلسفة “ليبنتز” التّي ارتأت “أنّ المعرفة الإلهية ستظل نموذجا مطلقا للفهم الإنسي”[11]. فذهاب السوريالي إلى قارّة اللّاوعي، وتقوقعه في مملكة الذّات، ثمّ تناغمه مع الآخر في حركة هدفها الوصول إلى المجهول والمطلق، هي حالة شبيهة جدّا بوضعية “المونادة” بوصفها عالما مستقلّا بذاته يتفاعل مع عوالم “المونادات” الأخرى، وينزع في اتجاه الكمال والوصول إلى الله. يظلّ السوريالي في حالة من الدهشة والغموض والانخطاف، وعدم القدرة على إضاءة المجهول، ممّا يحتّم عليه استمرارية البحث، وفي المقابل تظلّ “المونادة” هي الأخرى في نفس الحالة، “إذ من ماهيتها أنّها محدودة”[12]، ممّا يحتّم نوعا من إدراك غامض يقف يائسا ومتمرّدا في آن. وتعود علّته في ذلك إلى الحجم الكبير من التّأثيرات، التّي يحدثها تناغم الكون في أنفسنا. وهو ما يفضي إلى عدم منحنا صورة واضحة عن ذلك اللاّ متناهي، وكأنّ قدر الأنفس أن تكون تموّجا ومرايا حيّة، تعكس صورة الألوهة والمجهول والغيب، وتسعى إلى إبداع أشياء شبيهة بأعمال هذا المطلق، سواء كان ذلك عبر الحلم أو الجنون أو اليقظة، وقدرها أيضا، أن تسبح في حالة حبّ وعشق لتلك “المونادة” المتفرّدة الكاملة (الله). هناك إذن تقابل بين عالمين؛ عالم ندركه، وآخر هو عالم الممكنات، لا مرئي ومجهول وغامض. وأمام هذا التقابل تكون رحلة السوريالي محفوفة بخطر البحث عن الممكن اللاّ واقعي؛ الواقعي و ما نعيشه ونتنفسّه ونحسّه، أمّا الممكن فهو ذلك السرّ والمخفي.

نتساءل عن السرّ والمجهول والغامض واللّامرئي، وعن المسوّغات التّي جعلت من السوريالية تغالي في بحثها عنه، وتتعصّب له، رغم أنّها كانت تفتقر إلى فلسفة علمية ورياضية كفلسفة “ليبنتز”، فتكون إجابتنا، وبضرب من التّأويل، كامنة في تخلّي العقل عن عقلانيته، وتنكّر المنطق لمنطقيته، وابتعادهما عن المنهج، الذّي يتعيّن عليهما إتباعه في اتجاه تحقيق واقع أسمى وأرحب للإنسانية. ومن الممكن أن نذكّر “أنّ هناك هوّة سحيقة بين المجالين الفلسفي والعلمي، يصعب معها خلق حوار بين الفيلسوف والعالم”[13] ممّا أدّى إلى ترهّل العلم وفساد العقل وتحوّل الحقيقة الإنسانية إلى فجر من النّهايات. وتلك هي حجّة السوريايين في التمرّد من أجل البحث عن براءة الإنسان في حقول اللّامنطقي واللّاواقعي، وما إنكارها الواقع وتعاليها عليه إلا تمرّدا وعصيانا، وثورة تهدف إلى خلخلة أسسه ومناهجه البائدة.

هذه المناهج والأسس كانت بدورها محلّ نقد لاذع من قبل الفيزيائيين المعاصرين. وهو إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على صحّة آراء السورياليين بإنكارهم تحجّر العلم وثورتهم على الواقعية. ولإثبات ذلك يمكننا الإشارة إلى فلسفة “غاستون باشلار” التّي قوّضت مبدأ التّراكم، الذي قام عليه العلم، ونفت عنه الاتصالية بحجّة أنّها ساهمت بشكل أو بآخر في تقديس العقل، ومنحه مبرّرات تمكّنه من إصدار أحكام تتنافى مع يجب أن يكون عليه. وأمام بؤس صورته، التّي أوصلت الواقع إلى هذا الحدّ من الانهيار يصرخ “باشلار” قائلا “في أيّ ماء مقدّس سوف نعثر لا فقط على نسيم العقل المتجدّد وإنما أيضا على الحقّ في العودة الأبدية إلى أفعال العقل؟”[14]. فهو يتّفق من حيث المنطلق مع السورياليين في أنّ الفلسفة التّي تختزل العقل في بنية ثابتة، هي فلسفة بالية والواقع الذّي أنتجته ليس إلاّ دليلا على فشلها الحتمي.

إنّ مغالاة السوريالية في عداء العقل أمر جعل من “ألبار كامو” يتّهمها بالسّقوط في العدمية[15]. وربّما يعود ذلك إلى عدم تحديدها منهجا واضحا ونهائيا يحدّد مسارها الثوري فكانت فوضوية وإنكارية أساسا. ولنا أن نذكّر بأنّها تفتقر إلى فيزيائيين ورياضيين ممّا يتيح لنا العودة إلى “باشلار”، فهو وعلى غرار هؤلاء المتمرّدين، كان قد وقف في وجه العقل بصورته المحنّطة وأمام العلوم بأخطائها، لكن سلوكه الإنكاري كان مخالفا لسلوكهم نظرا إلى روحه العلمية المتفطّنة، وحرصه على عدم السقوط في العبثية بقوله “ليست فلسفة الرّفض مذهبا سلبيا من الوجهة النّفسانية، وهي لا تؤدّي في مواجهة الطبيعة إلى مذهب عدمي”[16]. وهو لم يقتصر على الهدم والتخريب فحسب، وإنّما نظر إلى العلم على أساس أنّه وليد الحدث، نافيا عنه صفة الاتصالية القائمة على قانون التّراكم، ممّا أعطى للزّمن صفة الإقامة في اللّحظة حيث “يستطيع الإنسان أن يحاكي عمر الخالق وأن يرقى إلى الأبدية وذلك ما يتجلّى في مظاهر الخلق التّي نجدها في العلم والأدب.”[17] فالفنّ هو الرّوح التي تخلّصنا من العادة والنّظام الخطّي للزّمن، وهو الرّوح التي تخلّص الإنسان من الشّقاء والتعب الاجتماعي.

نشير إلى أن للسوريالية جانبها الواقعي في مرماها الإنساني، كما أنها كانت سبّاقة في الكشف عن أشياء الواقع المهملة التي عدّت موضوع بحث الفيزياء المعاصرة الحالية. فبعد أن قوّضت نسبية “أنشتاين” أوهام “نيوتن” المتعلّقة” بإطلاقية الزّمان والمكان، سقطت مقولة التوقّع المحكم والحتمي[18] مع نظرية الكاوس التي ابتدأت “من الحدود التّي يتوقف عندها العلم التقليدي ويعجز. فمنذ شرع العلم في حلّ ألغاز الكون عانى دوما من الجهل بشأن ظاهرة الاضطراب.”[19] هذه النظرية أصطلح عليها أيضا بعلم اللاّمتوقّع،  وهو ما يقابله سورياليا بالصّدفة، التّي كثيرا ما تحدّث عنها “بروتون”. فنحن وفي كثير من الأحيان، نجمع الظروف والمعطيات الأولية لنعرف ما سيحدث لاحقا لكن أمام غزارة المعلومات يصعب علينا التنبّؤ بالحدث القادم، ممّا يجعلنا نصطلح على جملة من الظّواهر، التّي تحدث أمامنا بالصّدفة، وقد باتت الآن محلّ دراسة نظرية الكاوس أو الفوضى. ولعلّنا بضرب من المجازفة والتّأويل نستطيع القول بأنّ السوريالية قد حقّقت السّبق في هذا، بتمسّكها بمنطق الصّدفة.

*****

[1] – طوّاع محمد، “هيدجر والميتافيزيقا“، إفريقيا الشرق، 2002، ص 212.

[2] – كور سانوف، “ماهو الديالكتيك“، تر. فؤاد المرعي، منشورات دار الفجر، ص14.

[3] – موريس نادو، “تاريخ السوريالية”، ص 20.

[4] – ليبنتز، “المونادولوجيا“، تر. البير نصري نادر، اللجنة الدولية لترجمة الروائع الإنسانية، بيروت، 1956، ص12.

[5]–  (م.ن)، ص12.

[6] – (م.ن)، ص 12.

[7]–  (م.ن)، ص12.

[8] – كمال مصطفى فرحات، “قول الممكن فلسفيا: من الضروراوية الندروية إلى الممكنية الجودية“، البراق للنشر والتوزيع، 2012، ص150.

[9] – ليبنتز، “المونادولوجيا“، ص 13.

[10] – إيقون دوبلسيس، “السوريالية“، ص 101.

[11] – كمال مصطفى فرحات، “قول الممكن فلسفيا: من الضروراوية الندروية إلى الممكنية الجودية“، ص149.

[12] – ليبنتز، “المونادولوجيا“، ص 47.

[13] – طوّاع محمد، “هيدجر والميتافيزيقا“، ص72.

[14] – غاستون بشلار، “حدس اللحظة“، تر. رضا عزوز وعبد العزيز زمزم، الدار التونسية للنشر، 1986، ص13.

[15] – ألبير كامو، “الإنسان المتمرد“، تر. نهاد رضا منشورات عويدات، بيروت-باريس، ط3، 1983، ص122.

[16] – غاستون بشلار، “فلسفة الرفض“، تر. خليل أحمد خليل، دار الحداثة، ط1، 1985، ص5.

[17] – غاستون بشلار، “حدس اللحظة“، والقولة لرضا عزوز في تقديمه لهذا الكتاب، ص8.

[18] – جايمس غليك، “نظرية الفوضى: علم اللامتوقع“، تر. أحمد مغربي، دار الساقي، ط1، 2008، ص19.

[19] – (م.ن)، ص16.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق