الطريقة السقراطيّة وأنظمة الخطاب

بنحو مّا ارتبط تاريخ الفلسفة بسقراط، وبالطريقة “Method” الفلسفيّة، الّتي اتّخذها مقياساً لممارسة الجدل والتّوليد. وقد كانَت واقعة موته البطوليّة الدور الكبير في هذه العمليّة، إذ جعلت (الواقعة) من حضور الخطاب الفلسفيّ والطريقة السقراطيّة، مقارنة بباقي الخطابات الفلسفية الآخرى، حضوراً وواقعاً مهيمناً. والحدث ذاته هو من تسبّب في تفجر حدث المدينة “Police” والمجال العمومي Public space”. واعتباراً من هذه اللّحظة السقراطية، تأسّس خطابٌ ينزعُ نحو ممارسةِ الجدلِ بتخليصِ الوعي منَ القضايا الزائفةِ، ومعرفةِ ماهياتِ الأشياء، وسيستمر الأمر مع أفلاطون –ولو بصيغ مختلفة نسبيا- بيد أنّ أرسطو سيمثل مرحلةً التركيب والبناء. فاللّحظةُ السقراطيّة نقلت الفلسفة من اشتغالها بالماكرو نحو الميكرو، أي ذلكَ الانتقال من فلسفة الكوسموس نحوَ الفضاء الإنساني وما يتعلقُ بهِ من معرفة، ما يعني أنّ الفلسفة ستغذو مجالاً لاكتشاف الفضاء الإنساني تحديداً.

واجهَ سقراط كلا من السياسي (ممثل الديمقراطيةّ)، والخطيب (السفسطي)، ورجل المعبد (الناطق باسم السّماء)، هذه الأنظمة الخطابية “Discourse system”، كَالت له تهمَ تجريح الآلهة وافساد الشباب ثمّ الخروج عن الديمقراطية الأثينيّة؛ وعت هذه الأنظمة الخطابيّة دور سقراط والعمل الفلسفي الّذّي يمارسهُ داخل أثينا وفي أرجائها باسمِ الفلسفة.

كلّ الأنظمة الخطابيّة تمارس حقها من السلطة “Power”، وكلّ خطابٍ من هاتهِ الخطابات (الأنظمة الخطابيّة الثلاث) حقيقته الذاتيّة، بموجبه يضع حجاباً يسترُ مكامنَ المكرِ والخديعة. فمهما كانت مصادره (سياسي، علمي، فلسفي) لابدّ وأن يلجأ إلى مستوياتٍ منَ الحجاج والمغالطة كي يجعلَ اللثامَ الّذّي يضعه مشروعاً على خطابه/ حقيقته.

يتمثّل الارتباط الأول بالطريقة السقراطيّة، في نقدهِ للخطاب الدّيني، فطبيعة الممارسة الفلسفيّة عندَ سقراط تعتمدُ على خاصيتي السؤال والتّساؤل بالأساس، وتقتضي معرفة ماهيات الصور وعلاقتها الجزئية، ما يعني أنّ السّؤال الفلسفي يتأسسُ على رصد المفارقات والتنقل جدلياً في تخليص الوعي من زيفِ القضايا. إذ بإمكاننا القول أنّ الفلسفة بهذهِ الشاكلة انخراطٌ في التّجادل مع الوعي الزائف “False consciousness”، وهذا يحيلنا ابتداءً وانتهاءً إلى طبيعة العمل الّذي تتوجه إليه الفلسفة مع سقراط، باعتبار القولِ الفلسفي مناقضاً لزيف القول وانتشار خطاب الوهم والتّضليل.

بينما يتمثّلُ الارتباط الثاني، في مواجهة الخداع السياسيّ، وهو ما اعتبرتهُ الديموقراطيّة الأثينيّة تحدٍ لها. وهذه العملية (الطريقة السقراطيّة) تنطوي على مستويين:

  • المستوى السياسي: تقتضي الممارسة السياسيّة، فهمَ سياسات الحقيقة الّتي تنتجها السلطة عبرَ آلياتها المتعدّدة، ومن ثمّ فإنّ الطريقة السقراطيّة هنا تقف على طرفِ النّقيض من الخطاب الديموقراطي الأثيني، أي الوعي التّام بعملية إنتاج الحقيقة السياسيّة وطبيعة عملها.
  • المستوى الأخلاقي: كلّ قولٍ في السياسة يقتضي اخلاقيات معينة، بدءً منَ بالحريّة وانتهاءً بالحق، بيدَ أنّ الالتزام الفلسفي تجاهَ السياسة، يتمثّل في كونهِ التزاماً أخلاقيا وبجرأة الموقف الفلسفي في الفضاء العام، وهذا يعطي دلالة أعمق حول الموقف الفلسفي الّذي هو اشتباك وانخراط في قضايا العمومِ أساساً.

واعتباراً من هذا فإنّ نزوع سقراط للاشتباك مع الخطاب السياسيّ، هو نزوع نحو معرفةِ طبيعة العمل السياسي، أي التزامٌ بوعي الفيلسوف ودورهِ الأساس في تدابير الشّأن العام. وتوجهٌ يجعل منَ الخطاب الفلسفي مصدر إزعاج ورِقابة على آليات الاختلاق والخداع السياسيّ.

أمّا عن الارتباط الأخير، فهو نقدٌ ينبع من نفسِ الدائرة المعرفيّة، أي منَ الخبز المعرفي الّذي يتقاسمه كلّ من سقراط والسُفِسطيين “The Sophist”، باعتبارهم معلمي ومحترفي الخطابة، لكن بينهما فرق كالطودِ العظيم. سقراط الّذي يبحث مسألة المعرفة كبحث عن حقيقة الشّيء، مثل الخير والجمال والعدالة. فإنّه يعمل على تشكيل الوعي الأثيني من جهة بقضايا ذات بعدين؛ أخلاقي وجمالي، ومن جهةٍ آخرى بخصائص الاستدلال وطرق المحاورة الفلسفية، انطلاقاً من مسألة استقصائية غايتها محاولة الفهم والابتعاد عن زيف القضايا. بينما يعمد السفسطي إلى ممارسة الخطابة، الّتي تجتمع فيها غايات المخاتلة والاستدلال العمومي عن طبيعةِ الشّيء، أي ممارسة الخطابة من أجلِ دواعي الخطابة.

الفلسفة لا تأتي متأخرة لتقول ما تقوله، فهي من جهة ليسَ بمكنتها أن تفعلَ ذلكَ الآن، ومن جهة أخرى صارت تسكنُ دقائقَ الأشياء وتفاصيلها، لذا لم تعد الفلسفة بحثاً عن الماهيات، أو رحلة نحو فضاء الكينونةِ والحقيقة، بل أضحت بحثا عن منطق العلاقات وعلاقات المنطق، الّذي يتأسس على منطق خطابات قِطاعيّة وأرخبيلية مجانبةً للحقائقِ الكلّية بقدرِ ما هي مرتبطة بحقائقَ ذاتيّة وعينية. ما يعني أنّ الخطاب الفلسفي في صيغتهِ الحالية أضحى خطاباً لا ينتجُ الحقيقة بقدرِ ما هو جزء من هذهِ الحقيقة المُنتجة. فلم يعد بمكنةِ الخطاب الفلسفي أن يقولَ للنّاس الحقيقة، بالأحرى أن يقودَ إليها، وكلّ ضربِ من هذا الحديث هو قول مجاني. لأنّه يلخص ابتدءً وانتهاءً اشكالاً ذات هوس هوياتيي فقط، هي مشاريع جزئية (علمانية، حداثة إسلامية، عروبية-قومجية، حداثيةّ، مابعد-حداثية). تبتعدُ عن أفق ومشروع اللّحظة الرّاهنة الّذي يجب أن يضعَ ضمنَ أولوياتهِ الانحياز إلى الشّعوب والتّعبير عنها، لرسمِ لحظة تاريخيّة-حضاريّة، في صورةٍ أنطولوجية كلّية تهمّ وتهتمُ بمنابع الذّات “The sources of the self” بالأساس، بما هي من مقوّمات الوجود الإنسانيّ على امتداداتها التاريخيّة، وكلّ خطاب يبعد عن هذه اللّحظة المهمّة، هو خطاب يدغدغ منطقَ الطّائفة والحزب والانتماء.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق