أورلان: أشباح القرين الوحشيّ / عمار المأمون

توظّف الكتابة عن الأداء «مهارة» لغويّة من نوعٍ ما للبحث فيما تلاشى، هي تمرينٌ على تَدوين أثرٍ تجسّد للحظات، ثم انمحى أصله ونُسخته، فكما لا اكتمال في الأداء، ولا اكتمال في أثره، لا توجد نهايّة حين الكتابة عنه. هي بحث سينيكيّ وأحياناً مثيرٌ للشفقة في أرشيف لا متجانس عن حضور مؤقتّ لن يتكرر ولا يُستنسخ، يُمحى كلما ازدادت الكتابة عنه.

**********

ولدت فنانة الأداء ميراي سوزان فرانست بورت عام 1947 في سانت إتين في فرنسا، وبدأت بالتلاشي عام 1964 بعد صورة فوتوغرافيّة توثق ولادة القديسة أورلان، التي بدأت تأخذ مكان ميراي، التي أصبح لها شكل جسدي جديد، واسم جديد، وبعد عدة عمليات جراحيّة وتجميليّة، اختفت ميراي التي نعرف اسمها وشكلها ومكان ولادتها ورقم ضمانها الاجتماعيّ، وتقمّصتها القديسة أورلان كلياً، تلك التي لم تولد من طين، ولن تبعث من تراب.
استعمرت القديسة أورلان جسد ميراي السياسيّ والثقافيّ المُصنّف على أنه أنثى، متجاوزة حدوده وجلده، داخله وخارجه، لتحضر بيننا لا بوصفها ذكراً ولا أنثى، لا جميلة ولا قبيحة، هي انعكاس للتراث الفنيّ الأوروبيّ الذي تستحضره عبر «لحمها»، بوصفه مساحة للجهد الجماليّ والصراع السياسيّ.

اسمها الجديد (ORLAN) ذو الأحرف الكبيرة، أيقونة غير مكتملة، رسمٌ لا إطار له، يتكون دائماً، كما جسدها الذي تغيّر شكله علنياً، فلا صورة لها تشبهها، هي وليدة المتخيّل الفنيّ الأوروبيّ- المسيحيّ، الذي تبنّته حرفياً، لتصبح التجليّ الساخر للأنثى «الجميلة»، المثاليّة، العشيقة الرومانسيّة ودليل الاستمناء.

تحيلنا الكتابة عن القديسة أورلان إلى تاريخ لا شخصي، لا يتطابق مع عمرها البيولوجيّ واسمها المرتبط به، فالزمن يُقاس بمقدار تجسيدها للتاريخ الفنيّ والثقافي، وتعدد العلامات التي تحملها، فالبعض يرى أنها «قدّيسة» في استعادة لنصٍ لجان بول سارتر، أطلق فيه لقب القديس على جان جينيه، الذي تقمصه دور اللص، والثائر، والكاتب المسرحيّ، ومحارب الغوريلا؛ والبعض الآخر يرى فيها كياناً ضد مفهوم القدسيّة، ينفي الشهادة ويتهكم من العفّة والطهرانيّة المسيحيّة. لا يمكن التحديد بدقة، فتاريخ القديسة أورلان كملامحها، متغيّر دوماً، لا توجد لحظة بداية أو نهايّة له.

تمتلك أورلان مكان حاجبيها حالياً رقاقتين الكترونيتين تترجمان لها كل لغات العالم، لكنها لم تجد لهما البطاريات المناسبة، وكأنها سايبورغ يتجاوز إدراكه معارفنا التقليديّة، قبلها كان لها ملامح أفريقيّة، ثم استبدلتها بوجه يحمل ملامح قناع من أوبرا بكين. كذلك، وأثناء البحث عن نُسخها، وجدنا نسخة رقميّة من جسدها بلا جلد، مجرد شاشة تتحرك ضمنها بلا جلد، لحم صرف بلا ملامح. مع ذلك، سنحاول قراءة ما تبقى من القديسة أورلان عبر محورين، الجسد في العالم واللحم في تاريخ الفنّ.

**********

الجسد في العالم: أورلان كوحدة قياس
أُنتج العالم الغربي على مقاييس الرجل، فالمتر الفرنسيّ مثلاُ، معيار سياسيّ وعلميّ وضعه رجال، لقياس العالم بعد الثورة الفرنسيّة، ولجعله يطابق صورتهم ووظائفهم، فالمتر الفرنسيّ الأول حُسب على أساس المسافة التي قطعها رجلان، وكتبت المعادلات الرياضيّة بالاعتماد على خطواتهما وجهدهما، وتعبهما، وتسارعهما، والمسافة بين ساقي كل واحد منهما، وحتى الآن، مع التطور العلميّ، بقي المقياس خاضعاً لمعايير «الرجال» ذاتهم، ذوي القنبلة الذريّة التي غيّرت تكوين ذرات الكوكب والأبعاد بينها، الكوكب ذاته الذي يحوي معارض ومتاحف ومسارح، لكن عام 1977، قررت أورلان أن تختبر هذا المقياس. حينها، وفي مركز جورج بومبيدو في باريس، ارتدت قماشاً أبيضاً، وجزمة ذات كعب عال، وقامت بالاستلقاء على الأرض، وقاست المسافة بين كعب جزمتها وقمة رأسها، وكررت القياس، لتجيب عن سؤال، كم «أورلان» نحتاج لقياس فضاء ذكوريّ كمركز جورج بومبيدو؟ وما عدد الأشخاص الذين يمكن أن يتسعوا في «أورلان» واحد؟

الجدل الذي أثاره الأداء السابق، المعنون بـ MesuRAGEs مرتبط 1 بالمؤسسة التي تحتضنُ «الفن»، والمصممة لاستعراض المنتجات الفنيّة ضمن مقاييس «رجوليّة»، والتي ترفض جسد «المرأة» كمُحرك للمقاييس الماديّة، لأنه يفضح سياسات حضور هذه المؤسسة ضمن الفضاء العام، ودورها كمساحة استعراض ذكوريّة سحقت الأبنية التي تعود للقرن السابع عشر، لتشييد صرح لانتصار الحداثة وفنونها.
1. يحوي الاسم تلاعباً لفظياً بين كلمتي «قياس» و«غضب»، وقد كررته أورلان على مدى سنوات في العديد من المساحات الفنية والدينيّة في مختلف أنحاء فرنسا وفي الولايات المتحدة.

من المثير للاهتمام أن أورلان لم تستخدم فقط «لحمها» للقياس، بل كعبها العالي أيضاً، ذاك الذي يختزن إحالات جنسيّة متخيلاً جمالياً عن «المرأة»، وكأن الفضاء الفنيّ صالح فقط لاستعراض «الجسد المؤنث» بوصفه غرضاً، وفي حال تحول هذا «الجسد» إلى جزء عضويّ من الفضاء، تنكشف عيوبه، وشكله المصممّ لخطوات رجل لا يرتديّ كعباً يعيق حركته ويرسم كيفية تمايله. فأورلان تعريّ المتخيلات الذكوريّة وتاريخ الفن الذي صمموه و كتبوه ورسموا لوحاته و«نساءه»، وتؤدّي ساخرةً من الشكل الماديّ للعالم المُذكّر ثقافياً، عبر نزع جسدها من مكانته كموضوعة فنيّة، وتبنيّ المتخيّل عنها كامرأة بالكعب العاليّ، جاعلةً جسدها متغيراً جديداً، يُفرض ضمن «المعادلة» لتخريبها، وكشف تحيزها وسذاجة معيار التصنيف الذي يفترض شكلاً لـ«جسد المرأة الجميلة»، ويحدد أساليب ظهوره، المتمثلة بالكعب العاليّ، الذي يعطل الانتقال ويفترض شكلاً وتسارعاً مُحددين، بل ولا بدّ من تعلّم مهارة المشيّ به ضمن البُنى الذكورية، بأرصفتها الحجريّة وحفرها التي تهدد من ترتدي كعباً بالوقوع أرضاً.

تسخر القديسة أورلان من الذكوريّ عبر انضباطها التام بأعرافه المؤذية، بل وتشيّء جسدها في سبيله، لتكون «وحدة ثابتة» ضمنه، ما يزعزع تصميمه الخفيّ الذي يحتضنها ضمن مساحة علنيّة ويستثنيها من تكوينه الداخليّ، هي تختبر تصميم العالم بجسدها المؤنثّ ثقافياً، الذي تتقبّله المؤسسة الفنيّة ضمن إطارات زمانيّة وماديّة: لوحة، صالة، عرض مسرحيّ، ما يجعلها عارضاً من أعراضه لا مولّداً لأعرافه.

بعد انتهاء الأداء، قامت بغسل القماش الذي كانت ترتديه، ووضعت المياه الممزوجة بالأوساخ والعرق ضمن إناء، وأغلقته بالشمع، ثم حملته رافعة ذراعها، لتتحول آثار خبرتها مع «المكان المذكر» إلى أيقونة مدنّسة نوعا ما، أيقونة تحاكي تمثال الحريّة الموجود على الهامش، كغرض استعراضيّ خلاب، وتقول إن سعيها لمشابهته، هو محاولة لأن تكون حاضرةً في هذا العالم، لا مجرد صورة ضمنه، وسعي للخروج بجسدها من الإطار، كما في صورة لها أنجزتها سابقاً، هي محاولات لأن تجعل العالم تجسيداً للحمها، كي تنفي وضعيتها كزخرفة ضمنه.

**********

الجسد في تاريخ الفنّ
التقمّص: النطق

يحوي التراث الديني المرتبط بالتقمّص مرحلة تسمّى بـ«النطق»، وهي واحدة من الإشارات الأولى على أن الشخص الحاضر أمامنا، يختزنُ داخله «آخراً» ذا تاريخ ومعارف ماضية، وقد تظهر إحدى علاماتـ(ـه) الجسديّة واضحة كالندبة أو الجرح.

مرت ميريل بهذه العلامات قبل أن تتلاشى وتصبح أورلان، إذ «نطقت» عام 1964 في صورة فوتوغرافية لها بعنوان «أورلان تَلِدُ نفسها»، ونراها فيها تلد قريناً 2 لها بعد أن حبلت به، وبعدها، عمّدت نفسها عام 1971، وغيّرت اسمها إلى القديسة أورلان.
2. كلمة قرين هنا إحالة إلى الـDouble والتي يترجمها البعض كـ«بديل».

وبعكس مفهوم «القديس»، ليست أورلان خالية من الدنس الذي لا تعترف حتى بوجوده، كما أنها لا تمثّل تجلّياً لشخص ماض، تاريخه مُحكم ورسمي، أو تعرّض لظلم ما؛ فنطقها استمرارٌ لهوية الأنثى ضمن تاريخ الفن، أما مساحة جهدها الفنيّ فهي جلدها وصورتها وشكلها، هي قرين بحاجة لتعديلات مُستمرة، لا صورة مثاليّة له، وأول هذه التعديلات هي اسمها الذي واجهت صعوبات قانونيّة في تغييره حينها، والمشكلة، حسب تعبيرها، كانت في صراعها مع المحكمة التي رفضت أن يكون اسمها كله بالأحرف الكبيرة، وما زالت تواجه بعض الذين يقولون أنها تدّعي أن اسمها «أورلان»، وكأن لا حق لها باختيار اسمها.

التقمّص: الانمحاء ثم التجسيد

بعد 26 عاماً من «أورلان تلد نفسها»، بدأت عملية التقمص الكليّ، والتلاشي الجسديّ لذاتها البيروقراطيّة والسياسيّة السابقة، وولادة القديسة، التي ترى في التقمص امتداداً لهويات ماضيّة تحضر مرئيّة في الجسد الجديد، ذي اللحم والجلد الذي يتجاوز التذكير والتأنيث الثقافيين، ليُصبح التجسيد الحيّ للمتخيّل الذكوريّ المثاليّ.

لإتمام التقمص، والتخلي عن لحمها ووجهها، وتحويله إلى موضوعة فنيّة علنيّة، بدأت أورلان سلسلة من عروض الأداء التي توظف عمليات التجميل الجراحيّة، لتكون هي أول نموذج يلتزم بـ«مانيفستو الفن الجسمانيّ» الذي أطلقته بداية عام تسعين، إذ خضعت لتسعة عمليات تجميل علنيّة، تُبث مباشرة إلى مختلف عواصم العالم، يرافقها أثناءها فريق تقنيين وأطباء يقطعون لحمها ويفتحون داخلها ويغيرون معالمها، والأهم أنها واعية طوال فترة الأداء/العمليّة وتقرأ نصاً اختارته مسبقاً.

لن نناقش حيثيات كل واحدة من العمليات، لكننا سنذكر بعض النقاط المهمّة، آخذين بعين الاعتبار أن كل عمليّة «حدث في العالم» ما زالت آثاره مستمرة حتى الآن، أو ربما تلاشت، فجسد أورلان نسخة عن نسخة وهميّة، لا يمكن بدقة ضبط «نهاية» هذه النُسخ التي تتغير حكاياتها وتكوينها الفيزيائي مع مرور الزمن.

العمليّة الأولى كانت باسم «صُور»، والأخيرة باسم« Omnipresence /حضور كليّ» وخلالها اقتبست أورلان ملامح من اللوحات الأوربيّة التي تصوّر «جمال الأنثى» من منطلق ذكوريّ، لكنها لا تهدف لأن تكون «جميلة»، بل تحاول تجسيد كل واحدة من هذه الملامح، والسياسات الخفية والحكايات المرتبطة بكل واحدة من هذه العلامات والمعايير لتسخرَ من «التأنيث» و«التجميل» وأعرافهما والتكنولوجيا الموظفة لجعلهما مرئيين، لتصبح أورلان أشبه بفايروس يدخل تاريخ الفنّ وينسخ مكوناته، ويختزنها في حمضه النووي، ثم يمزجها مغيراً شكله في كل مرة «تظهر» فيها أعراضه. وبعد آخر عمليّة عام 1993 احتوى وجه أورلن، ذقن فينوس من لوحة بوتشيلي، وأنف بسايك من لوحة جان ليون غيروم، وشفتي أوروبا من لوحة فرانسوا موشير، وعيني ديانا كما هي مرسومة في لوحة من القرن التاسع عشر، وجبهة الموناليزا من لوحة ليوناردو دافنشي3.
3. لفهم التغيّر المرتبط بكل واحدة من الملامح، يمكن استخدام الموناليزا كمثال، فما زالت الحكايات حول صاحبة/صاحب الوجه تُكتشف بصورة تدريجيّة، وكل حكاية تحاول تحديد هوية صاحب/ة الملامح، فهل هي لدافنشي نفسه، أم لليزا غيرارديني، أم مزيج من الاثنين، إلى جانب التغيرات الماديّة التي تطرأ عليها كلوحة والمرتبطة بالرطوبة وتغيير الألوان وغيرها من العوامل التي تؤثر على فيزيائيتها.

تمتلك القديسة أورلان قناعاً أساسه الجلد واللحم، بوصفهما مكونات متغيّرة للهويّة يُصنف الفرد على أساسها، فهما ليسا مُنتجات «طبيعيّة» مسبقة الصنع ومثالية التصميم، بل عناصر بحاجة لتعديل وضبط مستمريّن، ولابدّ من توظيف التكنولوجيا الطبيّة والعلميّة لإنتاجهما بصورة دائمة، من منطلق الخيار الشخصيّ والسيادة التامة على الجسد ومكوناته، خصوصاً أنهما يخضعان دوماً لجهد سياسيّ وثقافيّ يتحكم بهما، سواء في تكوينهما الخلويّ «جهاز المناعة-التعديل الجيني»، وانتهاء بعمليات التجميل والوشوم والثقوب.

تخلخل أورلان القناع السابق عبر التحرك بين ثلاثة محاور، التحديقة الذكوريّة وسياساتها كمُنتج للمعايير؛ وتاريخ الفن بوصفه تمثيلاً مادياً وبصرياً للجمال؛ والجراحة التجميليّة كفضاء طبيّ-علميّ لتجسيد هذه المعايير، فاضحةً نقاط التلاقي بينها وعمليات تجسيدها عبر الأداء الجسمانيّ، الذي يوظّف صناعة «الجميل» وتقنياتها لإعادة تصميم دهونها ودمائها ووجهها المثبت بالمشابك والإبر، بوصفها مكونات لها حريّة التلاعب بها وتغييرها بوعيّ أثناء قراءة نص للمحلل النفسي اللاكانيّ (يوجين ليموين لوتشيوني) :

«الجلد مُخادع… في الحياة، كل شخص يمتلك جلد الآخر… هناك خلل في العلاقات الإنسانيّة لأن الواحد منا لا يمتلك الجلد الذي يُريده/يُمثّله، لدي جلد ملاك، لكني ثعلب… لدي جلد تمساح، لكني جرو، جلد شخص أسود لكنّي أبيض… جلد امرأة، لكني رجل… لا أمتلك أبداً الجلد الذي يشبهني… لا استثناء للقاعدة، لأني لن أشابه أبداً ما أمتلك»

تتلاشى ملامح ميراي بين النص والعمليّة الجراحيّة والمعيار الذكوريّ «المثاليّ»، إذ نشاهد مراحل غياب وجهها الأصليّ، لتتحول إلى قرين عن «الآخر الجميل»، ذاك الذي نكتشف أنه مُجزأ- fragmented، لا قالب أصيلاً له، ولا مصدر واحداً له، سواء كان لوحة من عصر النهضة أو إعلاناً، هي تجمع تجليات ذاك الآخر ولا ترتديها فقط كقناع، بل تتبناها كـ«أنا» يعكُس كل «الآخرين» ومتخيلاتهم، هي تجعل لحمها مطابقاً لمعايير(هــ)ـم

تحيلنا أورلان إلى المنتجات «جاهز الصنع»، فاللحم، بعكسها، ليس جاهزاً للاستخدام منذ الولادة، والماكينة الطبيعيّة لا تُنتج أعضاء ذات وظائف ثابتة وأشكال مثاليّة، بل تنتج أجساداً بلا أعضاء تٌسيَّس بحسب الحدود التي تمتلكها كل وظيفة، والتي تُرسم مؤسساتياً وبيروقراطيّاً بصورة مشابهة للنقاط والخطوط التي يرسمها الجراح على وجهها قبل «تغييره»، هذه الخطوط على الجلد، وليدة سياسات الاستهلاك والتمثيلات الشهوانيّة لجسد المرأة، بل إن بعضها وليد تعديلات رقميّة لا أصل لها في الواقع، ولا يمكن تحقيقها طبيعياً أو وراثياً، و هذا ما نراه في مجوعة الصور التي تنتجُها لذاتها حتى الآن، و التي تتغير فيها ملامحها دوماً. تختار هي الخطوط و«تَشُدّ» وجهها كما تريد على الشاشة، لكن، حين التعامل مع اللحم هناك تساؤلات الاستمرار والتجدد، فإلى أي حدّ اللحم قابل للتعديل والتغيير قبل أن يفقد قدرته على التجدد والاتصال ببعضه لتكوين سطح ذي مسام، يختزن خصائص ثقافية، ذات لون وشكل وحجم محددين؟ أي، ما هي حدود التعديلات التي يموت بعدها اللحم، ويفقد خاصيّة «الحياة»؟

تحوّلات الألم والقسوة

لا تشعر القديسة أورلان بالألم، ولا تقدم معادلاً لغويّاً أو صوتياً عنه، هي لا تصرخ، ولا تأنّ، بل تحكي وتسأل من حولها، و«تحدّق» بجسدها وطبقاته، هي تنتج صورتها مراراً، وتستعرض «عمليّة» إنجازها لذاتها، فغياب الألم واستخدام التخدير يجعلها حاضرة وواعية بتحولاتها، كونها تحتقر الألم، حتى ذاك النسويّ منه، والكلمات والظواهر الصوتيّة الناتجة عنه، لأنها تمنع التحديق، وتحصر «الكلمات» بوصفها نتاج للآلة التي تسبب الألم، ما ينفي الوعي بالداخل/اللحم بوصفه مكشوفاً ومستقلاً عن الجهاز الذي يُظهره.

تستعيد أورلان مقولات أنتونان أرتو عن مسرح القسوة، بصورة أدق عن وضع المُشاهد بمواجهة القسوة، عبر تفكيك وحدتها العضوية الداخليّة ومكوناتها والتلاعب بها، هي تمارس «اللاتجسيد-» disembodiment4 الذي يدعو له فنّ التمثيل للأقصى، تاركةً المُشاهد أمام ما لن يراه مرة أخرى، وما لن يتكرر، وهنا يبرز أيضاً رفضها للألم، لارتباطه بالضعف والمرض، وسِيَر القديسين المسيحيين.
4. «هو التمرين الذي يتم عبره نزع أي مرجعية فيزيائية يحتويها جسد المثل الماديّ (الوجود في العالم) من أجل البدء بالتوليد الأدائي للحضور الماديّ للجسد الجديد على الخشبة».

تنتقد أورلان مفاهيم الشهادة والتضحية في سبيل الخلاص، وتتحرر من الألم كوسيلة للتطهير، كونها لا تدعو لصورة مثاليّة غائبة لا بد من «طهرانيّة» ما للوصول إليها، إذ تتعامل مع التحول الجسدي بوصفه عمليّة أدائيّة لإنتاج الذات وهويتها وخصائصها، لتغدو العملية الجراحية دون ألم، أشبه بالتقمص، ولادة صامتة، لا ألم فيها ولا صدمة، بسبب الوعيّ بما يحصل وبالآخَر الذي يتم استحضاره، إذ تختبر بجسدها ما هو مُتخيل وتعيشه و«تحققه»، ملغية المعاناة، والصدمة، وما بعدها، إذ يطفو وجهها مُفككاً، وهي على سرير الجراحة تتحدث معنا ومع من حولها متأملة لحظات سلخ الجلد وسحب اللحم وغياب الحدود بين الداخل والخارج، هي في لحظات «التحوّل» أشبه بجسد بلا أعضاء، م ازلت حدوده ووظيفته غامضة.

تدفعنا أورلان لطرح عدد من التساؤلات، ماذا يعني (التحوّل) دون ألم؟، وكيف تنتج ذاتها إن خرجت من صيغة الضحية ضمن فضاء ذكوري؟ وهذا ينسحب على من يضع وشماً ومن يتحول جنسيّاً، ماذا لو لم يكن هناك ألم وحكاية مرتبطة به تتدخل في تكوين الذات؟ إي ماذا لو تلاشى الصراع مع الألم أثناء اكتساب هويّة جديدة؟

صناعة الأسرار

يرتبط تغيير شكل اللحم بالمعيار الجماليّ والثقافيّ، ويتجلى بالأعراف التي تضبط ظهور الجسد علناً، وتحدد موقف الفضاء العام منه، فأسلوب الحركة والزينة واللياقة والتحسينات الظاهريّة كلها مرتبطة بتحديقة الآخر ومعاييره، كما لو أنّ نرسيس يمتلك صورة عن ذاته، لا انعكاساً له، صورة متخيّلة عليه أن «يتغير» ليطابقها، لكنه يكتشف، أنها تتغير كلّما تغير هو، لا يمكن له مطابقتها. وهنا تطرح أورلان تساؤلاتها حول الجراحة التجميليّة، بوصفها سعياً لمطابقة صورة ما، وإعادة تكوين للخلايا واللحم والدهون لتشابه مُتخيّلا خارجياً، وهنا يبرز التناقض الذي تختزنه هذه العمليّات، فهي أداة تحقق سيادة المرأة على جسدها ووسيلة غاوية للهيمنة على جسدها من قبل المعيار الاستهلاكي، لكن ما تراهن عليه أورلان هو ظاهرة السريّة المرتبطة بهذه الجراحات، إذ تنفيها وتجعل من «عملياتها» علنيّة للغاية هي لا تخفي أو تنكر ما تقوم به، بعكس الكثيرين ممن يخضعون للجراحة التجميليّة، إذ لا تسلّم بوجود الجمال الطبيعيّ وتنتقد أوهام «ربانيته»، كما ترفض المعيار الاستهلاكيّ للجمال، حيث الجميع يشابه البلاستيك، ساخرةً عبر هذا الرفض ممن ينكرون الخضوع لعمليات التجميل، والمدافعين عن «الجمال الجسديّ» بوصفه هبة علويّة، خصوصاً وأن هذا الإنكار يترافق بسعي لإخفاء إي أثر للعمليّة، سواء كان جسدياً أو ثقافياً، ما يتطلب سريّة وإتقان للصنعة، ليكون الجلد الذي نراه أملساً ذو ملامح متناظرة وخالياًة من العيوب وكأنه تجلّ لجودة صنعة الآلهة.

هي تنظر وتدعونا للنظر داخل لحمها، مُسائلة احتواءه لها، فاللحم لا يتطابق مع الجسد الثقافيّ، والجلد ليس إلا وعاء يُنتهك، ويفيض منه اللحم، إذ تسعى ليفقد الجلد/الهويّة نعومته وتماسكه وانسيابه وتكوينه «المثالي» ليصبح ذو شكل غروتيسكي، فيه فتحات جديدة ومساحات مكشوفة تغيب إثرها الحدود بين «الداخل» الحيوي و«الخارج» السياسي، وكأننا أمام محاكاة ساخرة للأسطورة الدينيّة والخلق بأحسن تقويم، ليحل مكان الطين ويد الإله وصورته عن ذاته التي تجلت في الإنسان، تاريخٌ بشريّ سياسيّ و أدوات طبيّة وأيدي معقّمة، ولحم يعيّ بخلقه.

الأصل كصورة غير صالحة

تطرح تحولات شكل أورلان بدايةً تساؤلاً بيروقراطياً، فصورتها على الهويّة الشخصيّة لا تتطابق مع صورتها الآن، واسمها يخالف التقليد المتبع. هي تنفي الوسوم الموضوعة عليها، حتى أن «صورتها» الرسميّة- الأصليّة تلاشت، جاعلة من صورها نسخاً غير متطابقة، منتشرة كمواد أرشيفية على الانترنت وفي الدفاتر الرسميّة، كونها تَخسر وتكتسب «أجزاء» بصورة مستمرة. تتلاعب هي بالتقسيم الأنطولوجيّ، أصل – نسخة، موظِّفة لحمها كموضوعة أدائيّة، تتكون هويته كلما ظهر وجسّد العرف القائم أو نفاه، موجهة بذلك الانتقاد إلى الأصل أو السكريبت الجندريّ، فاضحة وهميته بوصفه نصاً سياسياً متغيراً، ويمكن تحدي أشكال تجسيده والوقوف بوجه تعريفاته، خصوصاً تلك المرتبطة بـ «الجميل» و«الطبيعي»، إذ تتخلى أورلان عن «أناها»، وتجسّد تحديقة «الآخرين» وأعرافهم، ونُسخهم العديدة عنها، وكأنها خريطة لتاريخ الآخرين يمكن تتبع آثارهم فيها، لتهدد «الأصالة» نفسها عبر تحويل ذاتها إلى نسخة مضغوطة من الجميع.

ساعات العمليات التي خضعت لها أورلان، تجعل ما كان سرياً ومُحرّكاً لسياسات الجمال مرئياً، أشبه بكلمات مشطوبة ضمن نص ما أو هوامش على أطرافه، لا تظهر إلا حين كتابتها، لكنها تُهمل صوتياً حين نُطق النصّ. الشيء ذاته نراه مع لحم أورلان تحت المبضع، إذ لا يظهر المعيار الجماليّ وقسوته وتحيزه إلا على لحمها، ولا «صوت/حضور» له بعيداً عن علنيّة الجراحة التجميليّة، فما تمارسه يكسر الوهم عن اتحاد الجميل مع الطبيعيّ، ويجعل أدوات «الجميل» السياسيّة مرئيّة، سواء كانت تنتمي لتاريخ الفنّ أو للثقافة الرأسماليّة. وهنا يمكن فهم «نسويّة» الفن الجسمانيّ الذي تدعو له أورلان، بوصفه يحاكم التقسيمات الأنطولوجيّة الثقافيّة ونصوصها التي تشكّل الطبيعيّ والثقافيّ، والحدود بين الموضوعات المختلفة والعلاقات بينها، فأورلان أظهرت للحظات الحبر السريّ الذي يرسم لحمنا ويكونه بشكله الحاليّ، ويقسمه إلى ذكر و أنثى، جميل وقبيح، والذي إن تلاشى، تلاشت معه أجسادنا الثقافيّة، والأهم أن هذه التقسيمات حديثة الظهور بدأت مع انتصار «الرجل العقلانيّ» وفلسفته، وسؤاله عن «الجمال»، ما أتاح إعادة قراءة الماضي، وترسيخ الجميل بوصفه طبيعياً لم تمسسه يد أو مطابقاً لذاك العلويّ الذي يمكن تذوقه ولا يمكن وصفه.

*********

مانيفستو الفنّ الجسماني1
1. اخترنا كلمة جسماني كمعادل لكلمة carnal حين ترجمة Carnal art ، خصوصا أن الفن الجسدي، body art، يمتلك تعريفاً مختلفاً في تاريخ فن الأداء، ولا يتطابق مع تعريفات أورلان.

التعريف

الفن الجسماني يعني التصوير الذاتي بالمعنى الكلاسيكي، لكن إنجازه يتم عبر ما تقدمه التكنولوجيا من احتمالات. هو يراوح بين التشويه وإعادة الترتيب. وارتباطه العميق بالجسد يجعله واحد من وظائف العصر. إذ تحول الجسد إلى «مُنتَج معدّل جاهز الصنع»، ولم يعد ينظر إليه بوصفه مثالياً كما كان يتم تمثيله، ولم يعد ذو شكل مثالي جاهز الصنع يمكن التوقيع عليه.

الاختلاف

يختلف الفنّ الجسماني عن الفن الجسدي، بأن الأول لا يرى في الألم تحدياً أو مصدراً للتطهير، الفن الجسماني لا يهتم بنتائج الجراحة التجميلية، بل يهتم بها بوصفها «عمليّة»، واستعراضاً وخطاباً للجسد الذي يتم تعديله، والذي أصبح موضوعة للنقاش العلنيّ.

الإلحاديّة

لا يرث الفن الجسماني التقاليد المسيحيّة، بل يقاومها!، الفن الجسمانيّ يضيء على إنكار المسيحيّة للذة الجسديّة ويفضح ضعف هذا التقليد بوجه الاكتشافات العلميّة. الفن الجسمانيّ يتنكّر لتقاليد المعاناة والشهادة، هو يستبدل عوضاً عن أن يلغي، يحسّن عوضاً عن أن يرفض، الفن الجسمانيّ لا يعني تشويه الذات.

الفن الجسماني يحول الجسد إلى لغة، يعكس الفكرة التوراتيّة التي تقول إن الكلمة صنعت اللحم، فاللحم هو من صنع الكلمة. صوت أورلان فقط هو من يبقى دون تغيير. والفنان يعمل على أشكال التمثيلات.

يرى الفن الجسمّاني أن تقبّل عذابات الولادة ليس إلا سخافة ومعتقداً عفا عليه الزمن. كما أرتو، هو يرفض رحمة الإله، لذا علينا أن نستخدم التخدير العام، والتخدير الموضعي، والمسكنات! (أسرع بإحضار المورفين! يحيا المورفين! ليسقط الألم!).

التلقيّ/الإدراك

أتأمّل جسدي مفتوحاً دون أن أعانيّ !..بإمكاني أن أشاهد نفسي وداخلها وصولاً إلى أحشائي، هي مرحلة جديدة من التحديق. «أستطيع أن أرى قلب عشيقي وتصميمه الأخّاذ الذي لا يشبه الشكل الرمزيّ الذي يصوّر به عادة».

حبيبي، أحب طحالك، أحبّ كبدك، أعشق بنكرياسك، ويستثيرني عظم فخذك.

الحريّة

يؤكد الفنّ الجسمانيّ على الاستقلال الفرديّ للفنان. فهو يقاوم ما هو مسلّم به وما يتم إملاؤه، لذا يتناول الاجتماعيّ والإعلاميّ، (حيث يخلخل الأفكار التي يتم تلقيها ويخلق الفضيحة)، بل وقد يصل إلى القضائي (كتغيير الاسم إلى أورلان).

الوضوح

الفن الجسمانيّ لا يقف ضد الجراحة التجميليّة، بل ضد المعايير التي تروج لها وتتبناها، خصوصاً في العلاقة مع جسد الأنثى، وأيضاً في علاقتها مع جسد الذكر. يجب أن يكون الفن الجسماني نسوياً، هذا ضروري. الفن الجسمانيّ لا يتبنى فقط الجراحة التجميليّة، بل أيضاً التطور الطبي والبيولوجيّ، وذلك لمساءلة مكانة الجسد وطرح المشكلات الأخلاقيّة.

الأسلوب

يحب الفن الجسمانيّ البارودي والباروك والغروتيسك والسعي للأقصى.

الفن الجسمانيّ يقف بوجه الأعراف والتقاليد التي تضع قيوداً على الجسد البشري والعمل الفنّي.

الفن الجسمانيّ ضد الشكلانية وضد الانصياع.

عن موقع الجمهورية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق