للامعقول واغتراب الإنسان العربي! / فيصل دراج

بدأ محمود الورداني مساره الروائي في ثمانينات القرن الماضي، مختلفاً عن غيره، وأخلص لما بدأ به وانتهى، في الحالين، إلى ممارسة كتابية متميّزة. انتسب إلى رواية مصرية متطوّرة، تعلّمت من محفوظ وانزاحت عنه، وانتسب أولاً إلى ذاته، كصاحب تجربة سياسية، عاشها مع غيره ولم يتنكّر لها. استهل الكتابة برواية “نوبة رجوع” ـ 1985 ـ وتابعها إلى عمله الأخير “باب الخيمة” ـ 2018 ـ ووضع بينهما مجموعات قصصية عدة، حازت على الثناء، آخرها “الحفل الصباحي” ـ 2008.

أنتج الورداني رواية سياسة في شكل جديد، لا تُقرأ في خطاب زاعق وشخصيات من خشب، بل في إشارات كثيفة الإيحاء مرجعها الحياة اليومية المتعددة المستويات، جمع فيها بين الواقعي والرمزي والتقريري المباشر وهمسات الإنسان المغترب، وبين لغة تحتمل العامية العارية والتأمل الروحي الذي يقارب الشعر. حاول ، ولا يزال، وضع الحياة اليومية في رواية تستمد حكاياتها من تفاصيل صغيرة وجمل معترضة وأحداث عارضة، كما لو كان يكتب رواية لا مركز لها، أعطت مركزها المفترض لمآل الشعب المصري، الذي يدور حول الحياة وحول نفسه باحثاً عن أفق مرتجى. احتفى في سعيه الروائي بـ “الهنا والآن”، إذ الآن مركز الأزمنة كلها، حتى لو استعاد زمناً قديماً، كما هو الحال في روايته “أوان القطاف”: ـ 2002 ـ القريبة من التجريب الكتابي.

أضاء الروائي نهجه الكتابي في روايته الأخيرة “البحث عن دينا” ـ 2016 ـ التي اتخذت من الانتفاضة الشعبية المصرية شخصية مسيطرة. أراد الورداني أن “يشخصن” الانتفاضة في هيئة امرأة، تكون من الجموع الثائرة وتسرد حكاياتها، مذكراً بنهج روائي مصري قديم، حاوله محمد حسين هيكل في روايته “زينب” ـ 1913 ـ وتابعه الحكيم في “عودة الروح”، حيث “الكل في واحد والواحد في الكل”.

استأنفت الرواية الجديدة “باب الخيمة” اجتهادات سبقتها، وجعلت من وقائع البشر اليومية مركزاً لها معتمدة على شخصيتين أقرب إلى الثبات، تكشف أحوالهما عن أحوال غيرهما، وتعلن أحوالهما المغتربة عن مآل الشعب المصري. ليس في الشخصيتين الروائيتين ما يصيّرهما نمطاً، إذ في النمط ما يشير إلى الثبات والمنقوص، بعيداً عن منظور الورداني الذي يرى التحوّل قبل أن يخبر عمّا يؤول إليه. بيد أن عمل الروائي في روايته الأخيرة، واسع الطموح، يلغي المسافة بين المصري والعربي، ويقصر المسافة بين الثقافي والسياسي، وبين الواقعي والكابوسي، منتهياً إلى فضاء مصري ـ عربي يجتهد في التداعي، ويثير سخرية سوداء.

تستدعي الرواية المتعارف عليها، مهما يكن جديدها، مركزاً، لا فرق إن كان إنساناً، اجتهد محفوظ في رسم تفاصيله، أو كان واقعة اجتماعية ـ وطنية، هجس بها عبد الرحمن منيف طويلاً. أوحى الورداني بمركز روائي قوامه صحفيان مصريان محدّدا الاسم والعمر والهيئة، وسارع وبدّده، مؤثراً سارداً واسع الخبرة، يؤكد، ساخراً، أن مركز الرواية، يتعيّن بعالم عربي قطع شوطاً طويلاً في تداع مفتوح، آيته الثقافة والسياسة والدين المبتسر وإنسان خياره من حاجات، ترهق الروح، وتغتال الكرامة.

تقوم حبكة الرواية، باللغة المقتصدة، على زيارة الصحفيْين لمعرض الكتاب في ليبيا، قام بها أحدهما مدفوعاً “بحسبان مالي”، تخصه، وأصابت الثاني على غير رغبة منه. بيد أن الحكاية الفقيرة، التي تتخذ من “الخيمة” مجازاً، تتناسل في متواليات حكائية، كما لو كانت “ثقافة الخيمة” تطلق تداعيات ساخرة: تسترجع أطياف مهرجان المربد الشعري في البصرة، وحرب العراق مع إيران، ومثقفين يتنافسون على المديح والتكسّب، و”ينهلون” من ثقافة التكسّب السلطوي والرقابة البوليسية التي تحوّط المدعوين جميعاً، إحاطة السوار بالمعصم.

قدّم الروائي الذي خَبَر الحياة الصحفية في مصر، حكايات دقيقة التفاصيل عن “البازار الصحافي المصري”، الذي يربط الصحفيين الكبار بشركات الإعلان ويوطّد علاقتهم ، بنجاح تجاري كبير، بمواقع خارج مصر، ويشدّهم إلى “عالم المخابرات”، إذ الصحفي الأقدر هو المتنفّذ الأشطر، وإذ صغار الصحفيين من غياب “علاقاتهم”. وللمتنفّذ الأشطر “سفرات” يختارها، ونساء يلبيّن مطالبه أو تبحثن عن عمل خارج الصحافة. غير أن النفوذ والاقتدار لا يتقيان، دائماً، “غضب الرئيس”، حال السادات، كما جاء في الرواية، الذي نكّل بصحفي مرموق إلى تخوم الموت.

تتعيّن الحكايات المترافدة، بيسر أقرب إلى التداعي الحر، سلسلة من السير المشدودة إلى زمن معطوب ـ مهزوم ـ ، غادرته القيم أو يجبرها على المغادرة: سيرة الصحافة بصيغة الجمع، ودور نشر تجارية ونقاد يرون في القذافي كاتب قصة قصيرة “كبيرة” ويكسبون من تغيير العملة أثناء السفر أكثر مما يكسبونه من عملهم الصحفي. ص: 97″، وأدباء كبار يجاهرون برفض الاستبداد في وطنهم، ويتوسلون رضاه خارجه، و”شلل صحفية” أقرب إلى “العصابات”، غباؤها كاسح وأوامرها نافذة. ولليسار المصري سيرته الواسعة المتقطعة المرصعة، في الحالين، بكآبة مروّعة، طارده أعداءه حتى الإرهاق، وطارد نفسه بعنف أكبر. ولعل هذا المآل، الذي صوّره الروائي بشخصيات قديمة مستقيمة السلوك، هو الذي جعله يمرّ على اسم أروى صالح الشيوعية صاحبة كتاب “المبتسرون”، التي عاشت “سرطان الروح” وآثرت الانتحار. ربما يكون في شخصية “عبد الرحمن السبعاوي”، التي أعطاها السارد مكاناً واسعاً، إشارة إلى “ما بعد المبتسرين”، فقد عرفته سجون كثيرة وانتهى نجماً إعلامياً دائم الابتسام، يلبّي دعوات “معارض الكتب”، لأسباب غير ثقافية. أشار الورداني، برهافة مخادعة، إلى “رائد” في الدعارة في “قاهرة” مطلع القرن العشرين.

اختصر تعبير “سرطان الروح”، وهو الكتاب الثاني لأروى صالح ونشر بعد رحيلها، الخطاب الروائي “لباب الخيمة”، الذي شهد على واقع عربي خرابه كثير، نزف بلا اقتصاد، بقدر ما نزف، وترسّب فيه “إنسان سليم” يرفع صوته إن استطاع، علماً أن السليم باللغة العربية إنسان لدغته أفعى. لذا استهل السارد كلامه عن “سليم” مغترب ترهقه حاجات الحياة، وعطفه على خراب ثقافي، يشكل استطالة لخراب سياسي وفتحه في النهاية على سديم عنوانه: مستبد ليبي يكتب القصة القصيرة.

حين وصف الروائي الذاهبون إلى “مهرجان المربد” في العراق كتب: “إنهم يسيرون في ما يشبه الأنبوب الذي ينتهي بخروجهم. لا سلّم إذن يهبط عليه الواحد متمهلاً، بل دودة مضيئة متعرجة وطويلة لا تنتهي، تثير الخوف فالدودة طويلة بالفعل ص: 98”. الصورة المعبّرة عن مثقفين مشاهير (لا ضرورة لذكر أسمائهم) تلتهمهم دودة مضيئة طويلة تغدو صوراً أخرى أمام خيمة عقيد اختصر في ذاته اللامتناهية كل شيء وأتلف دلالة الأشكال: “الفرقة الموسيقية الأعجوبة، بعازفيها المسنين المرتدين ملابس فضفاضة، كانهم انبثقوا فجأة من السنين الخوالي”، و”مظاهرات حاشدة بلا صوت”، و”مخبرون يشبهون أخوتهم في مصر”، و”بحر يبدو كأنه حاوية أو حاوية تبدو كأنها بحر”… وصولاً إلى تلك الرائحة الغريبة “المكتومة في كل مكان: “هل تشبه رائح الحيض؟ إنها رائحة عضوية، لا يمكن التعرّف عليها ولا يمكن تجاهلها…؟.

أنتج الروائي بإشارات متعددة فضاء سلطوياً ليبياً عجيباً ونفذ، فنياً، إلى جوهره متوسلاً “ذاكرة معطوبة”، تبدأ النهار بالحشيش وتنهيه به، وتحوّل النهار كله إلى دقائق غادرت مواقها، كما لو كان “الحشيش” الضامن الوحيد لرؤية واقع لا يأتلف مع العادي ولا ينسجم مع السوي. ذلك أن الحشيش، كما يقول السارد: “يعطي قدرة لا محدودة على التركيز، وفوضى لا محدودة أيضاً، تتيح للإنسان أن ينتقل بخفة، وأن يطير وأن ينسى ويغيب، وأن يستمتع بالفوضى والزمن الغامض، …، وقت ممتد يشعر أنه لو رفع يده فقط لأمكنه أن يقبض عليه.. ص: 130”. إذا كان العقل العاقل قادراً على وعي المعقول، فإن اللامعقول السلطوي لا يتكشّف إلا “بذاكرة محشوة بالحشيش”.

وزع الورداني روايته على أقسام ثلاثة: الصوت والضوء ، حيث وصف فيه مشهداً عربياً غادره العقل، والقسم الثاني: البهجة مع سبعاوي، الذي بهجته من نسيان ماض التبس بالقيم واحترام الذات، والقسم الثالث: نوبة فوبيا، حيث فزع يحلق في الهواء وبؤس معيش له رائحة الحيض. رصد الروائي تحوّلات المجتمع العربي وهو يرصد “معرضين للكتاب العربي” واعتمد شكلاً روائياً مطابقاً عنوانه: التقرير الصحفي، يصف ويلتقط التفاصيل ويوحي، ويشهد على جنس أدبي مرن يرّوض واقعاً كابوسياً، وعلى روائي يتجدّد يتجاوز الأشكال الفنية الجاهزة.

محمود الورداني روائي مصري من قلة قليلة، تجدّد الشكل الروائي، وتحافظ على تقاليد رواية مصرية مبدعة، كانت رائدة ذات يوم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمود الورداني: باب الخيمة، دار العين للنشر، القاهرة، 2018.

عن ملحق ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق