النّحو في حدود مجرّد العقل (3 – 2)

تنويع الكتاب تقديم المفهوم النّحوي

يضيف سيبويه إلى طريقة الأمثلة الّتي قدم بها مفهومي الاسم والفعل طريقة أخرى في تقديم مفهوم الحروف تستند إلى أمثلة ليست على المفهوم. يقول ” وأما ما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل فنحو: ثُمّ، وسوف، وواو القسم، ولام الإضافة، ونحوها [1]“؛ بعبارة أخرى أن الأفعال كذهب ويذهب واذهب ليست أمثلة للحروف، مثلما هي الأسماء كرجل والضرْب ليست أمثلة على الحروف.

يتمّ التّعرف على مفهوم الحروف من وجهة نظر سيبويه بطريقة جديدة تتمثل في المقارنة بين الأمثلة واللاأمثلة، وبهذا الأسلوب الذي يُعرف بأسلوب المثال واللامثال يتم تعلّم تصنيف المفاهيم مما يعني معرفة المفهوم. وكون تقديم مفهوم الحرف جاء تاليا لتقديم مفاهيم الاسم والفعل والمصدر يعني أن هذه المفاهيم خبرات سابقة لتعلّم مفهوم الحرف، وبتقديم سيبويه الأمثلة غير المنطقية بجانب الأمثلة المنطقية للحرف فذلك يعني تيسير عملية فهم المفهوم.

تدفعنا هذه الرؤية المتسرعة لتقديم سيبويه المفهوم النّحوي إلى أن نلاحظ أنّ التعقّل النّحوي لم يهبط كوحي، إنما يحتاج إلى وجود خبرات سابقة، وإلى سمات وخصائص تبرز من خلال المقارنة. ولا بد لنا أن نلاحظ أن النحاة آنذاك لم يكونوا مناصرين للعقل الّذي يتأمل اللغة إنما العقل الذي يصلحها من الفساد. وإلى حد ما فإن هذا العرض للمفاهيم النّحوية جديد وبلا سابقة.

يبقى السؤال هل تصنيف سيبويه للكلم من العربية تصنيف مناسب؟ لا مجال لحكم أن يكون التصنيف مناسبا أو غير مناسب؛ إنّما المجال مجال توصيف. لنتصور متكلما يريد أن يتواصل مع متكلم آخر ليبلّغه بشيء ما. لا مناص أن يبني هذا المتكلم كلامه مستخدما مفاهيم سيبويه. سيستخدم فعلا واسما وحرفا، أو فعلا واسما… إلخ. وهنا يمكن القول إن سيبويه يصف نظاما لغويا للتفاهم ولإيصال المعنى الذي يقصده المتكلّم؛ وقد ترتب على ذلك أن سيبويه ما فتئ يكرر على امتداد صفحات الكتاب بدون كلل ولا ملل المعنى الذي يقصده المتكلم.

إنّ المهمّ هنا هو أن سيبويه يبدو عالما يدرس اللّغة مستخدما لهذا الغرض المفاهيم العلمية الّتي تشكل علم النّحو. يدرس نظام اللّغة بدلا من أن يؤول نصوص اللغة أو يصحح لحنها، وينظر إلى المعرفة النّحوية الّتي تحصّلت في زمن ما على أنها معرفة يجب أن تُحسّن، وينظر إلى نفسه بوصفه عالما نحويا النظرة المساوية للقيمة المعرفية الّتي يتمتع بها الفقيه أو المفسّر للنصوص الدينية.

إنّ الحياد العاطفي الذي يظهره سيبويه تجاه اللغة العربية الذي تظهره الصفحة الأولى من رسالة الكتاب (هذا باب علم ما الكلم من العربية) لهو أحد معايير العلم. ذلك أن تعلّقا عاطفيا باللغة العربية سيبدو غير مستحسن لأنه سيدفع سيبويه إلى أن يدير ظهره للروح العلمية، وسيجعله يدافع عن نظرة خاصة كأن تكون اللغة العربية فريدة ومتفرّدة كما كان يقال آنذاك.

استعارة الكتاب بعض مفاهيمه من علوم أخرى

يبدو طبيعيا في تلك المرحلة التاريخية أن يلجأ علم كعلم النّحو، وهو على طريق التشكّل، إلى أن يستعير بعض مفاهيمه من علوم أخرى مستقرّة، وإلى أن يستقر النّحو بوصفه علما يكون قد استحوذ النّحو تدريجيا على المفاهيم الّتي تخصّه. ومفهوم المجرى الذي عنون به سيبويه الباب الثاني في رسالة الكتاب ” هذا باب مجاري أواخر الكلم من العربيّة[2] ” يشير إلى هذا؛ حيث استعاره سيبويه من علم آخر، ثم اختفى المفهوم من علم النّحو فلم يعد له أثر إلا نادرا.

ينقل ابن منظور في معجم لسان العرب عن ابن سيده أن الأخفش قال ” والمجرى في الشعر حركة حرف الروي فتْحتُه وضمّته وكسرته، وليس في الرويّ المقيد مجرى لأنه لا حركة فيه فتسمى مجرى، وإنما سمي ذلك مجرى لأنه موضع جري حركات البناء والإعراب.

يعلق أحد الباحثين المعاصرين على هذا بقوله “فالمجرى مصطلح عروضي أساسا، وليس مصطلحا نحويا، ولكن سيبويه استعار هذا المصطلح واستعمله[3] ” ويضيف في مكان آخر ” ولسيبويه الحق في أن يأخذ مصطلحا ما من أي علم من العلوم، ويوظفه كيفما شاء في علمه، وعلى القارئ أن يحذر من مفاهيم المصطلحات، ولا يؤول المصطلح إلا داخل العلم المستخدم فيه [4] ” .

يضيف ابن منظور ” والمجاري: أواخر الكلم، وذلك لأن حركات الإعراب والبناء إنما تكون هناك؛ قال ابن جني: سُمّي بذلك لأن الصوت يبتدئ بالجريان في حروف الوصل منه [5]“. يقصد ابن جني بالوصل المفهوم العروضي الذي يعني حرف المد الذي يتولد عن إشباع حركة الروي فيكون ألفا أو واوا أو ياء في اللفظ، والأمثلة الّتي ساقها تشير إلى هذا؛ فالفتحة في حرف العين (مصرعا) هي ابتداء جريان الصوت، وهكذا الكسرة في (فالسندِ) والضمة في (لائمُ). وما أضافه سيبويه إلى مفهوم المجاري ليكون مفهوما نحويا هو أنه ” لم يقصر المجاري هنا على الحركات فقط كما قصر العروضيون المجرى في القافية على حركة الرويّ دون سكونه [6] ” .

لقد أُخذ على سيبويه أنه جعل الجزم والوقف حركة؛ لكن المأخذ يُفنّد من قبل ابن جني. فمن وجهة نظره أن صاحب الكتاب يعني بقوله مجاري أواخر الكلم ” أحوال أواخر الكلم وأحكامها والصور الّتي تتشكل بها، فإذا كانت أحوالا وأحكاما فسكون الساكن حال له، كما أن حركة المتحرك حاله له أيضا” [7]. وقد استعاد تفنيد ابن جني باحث معاصر؛ ذلك أن سيبويه يفرق بين المجرى والحركة، فالمجرى علامة في آخر الكلمة تكون بالحركة أو بغيرها، فهو مرتبط بالتكوين المكون في نظر سيبويه من عوامل ومعمولات، بينما الحركة مرتبطة بالتركيب ولها علاقة بالحرف فقط، سواء أكان في حشو الكلمة أم في آخرها أم في بدايتها [8]“.

من جهة أخرى؛ يظهر البابُ الخامس من الرسالة ” هذا باب الاستقامة من الكلام والإحالة فمنه مستقيم حسن، ومحال، ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، وما هو محال كذب [9] ” مفاهيمَ تنتمي إلى علم مصطلح الحديث، وهو علم كان قد طلبه سيبويه ثم تركه إلى علم العربية كما هو معروف، ويبدو أنه حافظ على ما تعلّمه حتى وهو يدرس النّحو. أورد الأنباري ” قال محمد بن سلام: كان سيبويه جالسا في حلقة في البصرة، فتذاكرنا شيئا من حديث قتادة، فذكر حديثا غريبا، وقال: لم يرو هذا الحديث إلا سعيد بن أبي العروبة [10] “.

ويبدو من الأمثلة الّتي أوردها سيبويه، وحُكْمه عليها بأحد المفاهيم أعلاه أنها أحكام تشبه الأحكام الّتي يصدرها رجال الحديث، فأتيتُك أمس، وسأتيك غدا كلام مستقيم حسن، وهو ما يُذكر بالأحاديث النبوية الّتي تتبعها الرُّتبة كقولهم عن حديث ما صحيح أو حسن. وتبدو الأهمية العلمية لمفاهيم كهذه في ” معياريّتها “؛ أي استخدامها للحكم على صحة تركيب نحويا.

إنّ المفهوم المفتاح في مفاهيم سيبويه هو ” مستقيم ” تأتي بعده مفاهيم رُتْبة الصحة كأن تكون حسنة أو قبيحة أو كاذبة. ويبدو لي أن مفهوم ” مستقيم ” يعادل في علم مصطلح الحديث مفهوم ” صحيح ” من حيث هو حكم تأتي بعده رتبة الحديث كأن يكون صحيحا لكن رتبته متفاوتة.

يعني الكلام المستقيم في رتبة الحسن عند سيبويه ما روعي فيه قواعد اللغة العربية صوتا وتركيبا ودلالة؛ أي أنه اشتمل من صفات الصحة اللغوية أعلاها؛ لذلك فهو كلام مستقيم حسن. ويعني الحديث الصحيح السلامة من الشذوذ والعلل، واتصال السند بنقل العدل الضابط عن مثله.

قد يكون الحديث الصحيح لذاته؛ أي أنه اشتمل من صفات القبول أعلاها، وقد يكون الحديث صحيحا لغيره؛ أي صُحح لأمر أجنبي عنه؛ لكونه لم يشتمل من صفات القبول أعلاها كالحسن، فإذا روي من غير وجه ارتقى بما عضده من درجة الحسن إلى درجة الصحة [11].

لقد توقفت أكثر مما ينبغي لكي أبين كيف لم ينتبه أحد الباحثين المعاصرين إلى التغيّر الذي يجب أن يحدث للمفهوم حينما يُستعار من حقل علمي إلى حقل آخر. يقول هذا الباحث عن وصف سيبويه لبعض الكلام بالحسن ” ويبدو أن هذا ” الحُسن ” يكاد يقترب من الحديث الحسن [12]“. وكما أعلاه فإن الحُسن رُتبة يرتقي بها الحديث الصحيح بغيره إلى رتبة الصحيح لذاته، وهو ما يشير إلى أن المفهوم المفتاح هو الصحيح؛ وليس الحسن، وهو ما يقابل مفهوم المستقيم عند سيبويه.

يذهب باحث آخر إلى أن القبح والحسن مفهومان كلاميان[13]. وكما هو معروف فإن هذين المفهومين يُعبر بهما في علم الكلام عن الخير والشر، وقد يُعبر بهما عن المصلحة والمفسدة. والحكم بهما إما أن يكون عقلا (المعتزلة) أو شرعا (الأشاعرة). وما يهم هنا هو أن سيبويه وإن استعارهما من علم الكلام إلا أنه لم يستخدمهما استخداما كلاميا. وإذا صح أن الاستقباح والاستحسان يعتمدان على ” الشيوع والكثرة في الظاهرة اللغوية [14]“؛ أي أن الشائع الكثير حسن والنادر قبح، فإن هذا تحسين لغوي أو تقبيح لغوي عقلي؛ أعني حكم بهما العقل وهو يستقرئ الظاهرة اللغوية، ويستنبط أحكامها وقواعدها، ولا مجال هنا للتحسين أو التقبيح الشرعي.

سأكتفي بما أشرت إليه أعلاه من استعارة النّحو بعض مفاهيمه من علوم أخرى، وهي تتعلق عندي بالشروط العقلية للممارسة العقلية النّحوية. ومن غير أن أحمّل مرحلة سيبويه التاريخية فوق ما تحتمل من شروط التفكّر العقلي، فإن ممارسة عقلية كهذه لم تكن لتوجد ما لم يتوفّر حد أدنى من الشروط على المستويين الثقافي والاجتماعي لتلك المرحلة التاريخية.

لا يمكن لي أن أعيد تفكّر سيبويه العقلي في النظام اللغوي من حيث هو نحو في حدود العقل إلى مؤسسات مدينة البصرة كما يقال مثلا على المدينة في اليونان. وإن كان الاعتراف بعقلانية البصرة يجب أن يؤخذ في الاعتبار، ومن هذه الجهة فإن نحو سيبويه يتميز بمعاصرته؛ ليس لعلوم الشرع فحسب إنما أيضا للعلوم الأخرى كعلم الكلام، وإذا ما كانت معرفته بعلم الحديث معرفة المحترف الذي تعلّمه فإن معرفته علم الكلام معرفة الهاوي الّتي انعكست على تفكيره.

حين ترك سيبويه تعلّم الحديث تعلّم على الخليل بن أحمد، ووصف ابن المقفع للخليل سُيبدي لنا أي شيء تميّز به حينما قال عنه ” رأيت رجلا عقله أكبر من علمه ” وهو ما أثّر في سيبويه الذي تجاوز العقل البلاغي للنحاة الذين سبقوه إلى المفاهيم النّحوية التحليلية. وقد وُجد لعبارة ابن المقفع صدى في وصف سيبويه. يٌروى عن صاحب الأخبار، وراوية الآداب أبي بكر الباهلي البصري أنّه نظر في كتاب سيبويه فقال ” علمه أبلغ من لسانه [15]“. والمهم هنا ليس الحبسة الّتي في لسان سيبويه كما يروى إنما التفكير العقلاني الذي تُنبئ به العبارة.

*******

[1] – المصدر نفسه، جـ1/ ص 12

[2] – الكتاب، جـ1/ 13 .

[3] –  الجهاد، عبد الله، ” رسالة ” كتاب سيبويه، مرجع سابق، ص 311 .

[4] –  المرجع نفسه، ص 312 .

[5] – ابن منظور، لسان العرب، مصدر سابق، ص 141 .

[6] – ابن جني، نقلا عن ابن منظور، لسان العرب، مصدر سابق، ص 141 .

[7] – المصدر نفسه، ص 141 .

[8] –  الجهاد، عبد الله، ” رسالة ” كتاب سيبويه، مرجع سابق، ص 311 .

[9] – الكتاب، جـ1/ 25

[10] –  نقلا عن، ياقوت، محمود سليمان، التراكيب غير الصحيحة نحويا في ( الكتاب ) لسيبويه، دراسة لغوية، د.ط، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1985، ص 38 .

[11] – انظر: القاسمي،  محمد جمال الدين، قواعد التحديث، من فنون مصطلح الحديث، د.ط. بيروت، دار الكتب العلمية، د.ت. ص 79-80.

[12] –  ياقوت، محمود سليمان، التراكيب غير الصحيحة نحويا في ( الكتاب ) لسيبويه، دراسة لغوية، مرجع سابق، ص 41.

[13] – أبو زيد، نصر حامد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، مرجع سابق، ص 211.

[14] – المرجع نفسه، ص 211 .

[15] –  انظر: الزبيدي، طبقات النّحويين واللغويين، ص 67 . وعبارة ابن المقفع في المصدر ذاته ص 42 .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق