الثقافة الإسبانية في 2018: روايات الحرب الأهلية / أحمد عبد اللطيف

كان عام 2018 الذي يوشك أن يمضي طويلًا ومرتبكًا ومليئًا بالمفاجآت في إسبانيا، أثرت فيه الحالة السياسية على الوضع الثقافي، كما تؤثر عادةً على بقية الأوضاع. وسحب البرلمان الإسباني الثقة من راخوي، رئيس الحكومة ورئيس الحزب الشعبي اليميني، لأسباب بعضها اقتصادي وأحدها العجز عن معالجة القضية الكتالونية وتباطؤه في الحوار مع قادة الاستقلال، ما أدى لتفاقم الأزمة التي لا تزال مستمرة إلى الآن، ولا أحد يعلم أين يمكن أن تنتهي، خاصةً بعد مظاهرات السترات الصفراء الفرنسية، إذ أججت الحركة الكتالونية مجددًا. بسحب الثقة من راخوي، تولى بدرو سانتشيث، رئيس الحزب الاشتراكي، الحكم، ولاقى اختياره لحكومة شابة أغلبها من النساء استحسانًا من المواطنين، لكن سريعًا ما كشف الاختيار عن ثغرات، تحديدًا في وزير الثقافة الذي ثبت تهربه من الضرائب في أول ثلاثة أسابيع من توليه الوزارة. أثّر هذا التحول من وزير لوزير في فترة زمنية صغيرة على الثقافة الرسمية ولو لفترة محدودة. وكان من حسن حظ إسبانيا أن الثقافة الرسمية لا تشغل حيزًا كبيرًا إلا بوصفها داعمة للمنح الثقافية وللثقافة المستقلة، بذلك لم يتأثر الإنتاج الكتابي وكان في تزايد مستمر على مستوى دور النشر الخاصة المستقلة، حتى أن جريدة “الباييس” اختارت 50 عملًا كأفضل أعمال عام 2018.

اللافت أن عام 2018 شهد عودة قوية لروايات الحرب الأهلية الإسبانية التي امتدت من 1936 إلى 1939، أي بعد 80 عامًا منها. تجاوزت هذه الأعمال الـ 70 رواية، كأن بُعد المسافة عن الحدث، وظهور الوثائق المتتالية على مدار سنوات، أثارا مخيلة الروائيين مجددًا، وربما الأوضاع السياسية والسياق السوسيوثقافي كان دافعًا لاستحضار فترة هي الأسوأ في تاريخ إسبانيا الحديث.

اهتمام متزايد

بالتاريخ الأندلسي

تميّز عام 2018 أيضًا بالاهتمام المتزايد بالتاريخ الأندلسي والاستعراب الإسباني، وتوافق ذلك مع كشوفات أثرية كبيرة في الجنوب الإسباني ترجع لفترة المسلمين. ويعتبر كتاب “عندما كنا عربًا” من أبرز كتب هذا العام، وأكثرها جدلًا. بالإضافة لكونه كتابًا عن تاريخ إسبانيا المسلمة، هو أيضًا سيرة للاستعراب من خلال مؤلفه إميليو فيرّين، إذ يرصد من خلاله حركة الاستعراب بدايةً من الثمانينيات، وينتقد المؤرخين السابقين عليه وتعامل بعضهم مع التاريخ العربي من وجهة نظر أيديولوجية. لكن ثمة كتب أخرى متعددة تناولت الشأن العربي الآن، سواء ثورات الربيع العربي أو الثورة السورية ومآلاتها بالتحديد، أو كتب تناولت النص القرآني وأعادت دراسة الجماعات الإسلامية، وأخرى عن المسلمين المهاجرين لأوروبا بأزمات الهوية والاندماج. في نفس السياق، كان لمقال الفيلسوفة الإسبانية أديلا كورتينا بعنوان “أبوروفوبيا” صدى كبير، فعنوان المقال مصطلح صكته الفيلسوفة وهو مكون من “أبورو” اللاتينية بمعنى “فقر” و”فوبيا” بمعنى خوف. ومن خلاله عالجت نظرة المجتمع الإسباني للمهارجين بأنه ليس إلا “خوف من الفقر” أو الفقراء، وليس خوفًا من أتباع دين مختلف أو ثقافة أخرى، إذ عادةً ما لا يجد الإسباني أزمة في التعامل مع المهاجر الصيني، ولا العربي إن كان غنيًا. هي وجهة نظر جديرة بالتأمل، ومغايرة، ربما يترتب عليها الكثير من الدراسات الخاصة بالهجرة.

سنقترب هنا من أهم الكتب التي اختارتها صفحة “الباييس” الثقافية ككتب العام، وهو استطلاع شارك فيه أهم النقاد والكُتّاب الإسبان:

أورديسا

هي رواية مانويل بيلاس الصادرة عن دار ألفاجوارا. يقول عنها الكاتب الشهير خوان خوسيه ميّاس: “أورديسا هي خطاب الغريق الذي كنا ننتظره منذ سنوات طوال. وصل الكتاب إلى المكتبة فوق موجة من رغوة بمجرد أن انتهت استقر الكتاب على الضفة، مهجورًا بين عدد كبير من البقايا المتعددة. لم يبرز الكتاب لجمال عنوانه، ولا لاسم مؤلفه الذي لم يكن معروفًا خارج دوائر محددة. لكن كان يكفي أن تقرأ الصفحة الأولى حتى تدرك أن صيحة النجدة كانت منطلقة من داخل أنفسنا ذاتها”.

النساء والسلطة

كتاب ميري بيرد، وبترجمة سيلبيا فوريو. الكتاب على أساس الحملة التي انطلقت العام الماضي “أنا أيضًا”. النساء تتمرد ضد الاعتداء القادم من بعيد. هنا عثرت ميري بيرد على الخيط المشترك الذي يبدأ من بينيلوب في “الأوديسة” حتى هيلاري كلينتون أو أنجيلا ميركل. وفي الدراسة الأخيرة بالكتاب تفكك الثقافة الغربية التي تعيش آلاف السنين لإسكات أصوات النساء واغتصاب السلطة منهن. تقول المفكرة البريطانية “نسيت الأصوات التي نادتني بالجاهلة”. حتى مارجريت تيتشر هذّبت صوتها لتكون أكثر خطورة. تقترح بيرد في الكتاب طريقة أخرى للقيادة. من الصعب إدراج النساء في تركيبة اجتماعية مشفرة بالذكورة، تقول “ما يجب فعله هو تغيير التركيبة”.

ليلة في الفردوس

كتاب لوثيا برلين يتكوّن من 22 قصة ظلت خارج أنطولوجيتها العظيمة “كتيب من أجل نساء النظافة” الذي أنقذ الكاتبة المبهرة ووضعها في الصف الأول، وفي الكتاب الجديد يتنفّس النثر اللامع، الساخن والدقيق، لتسرد بفكاهة حلوة مرة عن الظلام البشري. أما جوهرتها فهي قصة “ماشيًا، رومانس قوطي”، و”ليلة في الفردوس”.

وجه الخبز

في هذا الكتاب تستقر سارة مِسا في الهوامش لتقدم لنا “وجه الخبز” الخاص بها، طلقة تنطلق من الاحتياج، من عدم شعور مراهقة بالأمان غير أنها تقاومه لتواصل إيقاع المجتمع، مراهقة تلجأ إلى حديقة بعيدة عن حياة الآخرين. وهناك تقيم علاقة مع رجل كبير، غير متزن، وغريب، فتعيش حياة غريبة. طلقة سارة مِسا تصيب الجميع. وعدوانيتها ليست في هذه الطلقة بالذات.

ألم الآخرين

عند قراءة “ألم الآخرين” يلاحظ القارئ ثلاثة خطوط متتابعة صنعها الروائي ميجيل أنخل إرنانديث: إعادة تشييد الساعات الأخيرة التي أعقبت تراجيديا ليلة الكريسماس عام 95، حيث أقرب أصدقاء المؤلف قتل أخته ثم انتحر؛ عملية التقصي الطويلة لهذه القصة المريرة؛ كل مرجعيات عملية كتابة الرواية. بعد القضاء على الشكوك والاقتناع بأن الحكاية تستحق أن تُروى، غدا العمل لوحة اجتماعية وإنسانية كما غدا تاريخًا صارمًا ومتطلبًا، مكتوبًا بحرفية.

الفك

احتلت الكاتبة الإكوادورية الشابة مونيكا أوخيدا مكانها في الصف الأول في السرد اللاتيني مع صدور روايتها الأولى، وأختيرت ضمن كُتّاب بوجوتا 39 كواحدة من أفضل كُتّاب أميركا اللاتينية تحت سن 40 عامًا. تعتبر روايتها الثانية “الفك” من أبرز أعمال العام؛ إنها رواية عن مراهقة في إحدى مدارس الأوبوسوكاتبة في حالة فكاهة. رواية تعبّر عن الألفية الجديدة، والأدب الكبير.

الملك يستقبل

أحدث روايات الكاتب الكتالوني إدواردو مندوثا، والرواية الأولى له بعد فوزه بجائزة ثيربانتس المرموقة. ما الذي يتبقى لمندوثا ليحكيه؟ ربما هو السؤال الذي طرحه على نفسه، وكانت الإجابة سيرته، لكنها السيرة المتوارية خلف أحداث تاريخية، خلف “الرواية”. هي العمل الأولى في مشروع ثلاثية يصدر بالتتابع، يرصد فيه تاريخ إسبانيا الحدث. التاريخ الذي رآه وعاشه.

فيلِك- النصاب الذي خدع فرانكو

العنوان الجانبي يقول كل شيء عن هذا الكتاب. بعد نجاح عمله “دفن الموتى”، يعود إجناثيو مارتينيث دي بيسون إلى الكتابة غير الخيالية بعمل تاريخي يتناول فيه قصة عالم مفترض يقول إنه اخترع مادة لها نفس فوائد البنزين وأكثر رخصًا.

أستيقظ، أستيقظ، أستيقظ

ديوان خورخي خيمينو الذي تلقاه النقد بكثير من الإطراء. “في فترينة الناصية/هاللو كيتي تنظر إليك”، يقول خيمينو في ديوان يقوم فيه بدور السائح العابر، والوجودي. ديوان مترع بالصوت الساخر والسنتمنتالي والممزق، بالصوت الما بعد حداثي.

تمزق

بعد رواية “رحالة القرن” التي لاقت استحسان النقد والقراء واستحق عنها جائزتين رفيعتين، عاد الأرجنتيني أندريس نيومان بـ”تمزق”، حكاية أحد الناجين من هيروشيما الذي يصير شاهدًا على الثورات الكبرى، والجروح الكبرى، للنصف الثاني من القرن العشرين. من باريس لفوكوشيما ومرورًا بالولايات المتحدة والأرجنتين، يشيّد نيومان عمله الكبير.

المدينة الأميرة

حكاية شخصية بالضمير الأول، وتاريخ مدينة، ومقال طويل حول التفكير، تقترح الفيلسوفة مارينا جارثيس، إحدى أهم الفلاسفة الإسبان في السنوات الأخيرة، تصورًا عن حياتها، لكن ليس الحياة في حد ذاتها إنما الطريق الذي أدى بها إلى ما وصلت إليه. من برشلونة أوكوبا، حيث حركة تسطو على البيوت الخالية لتسكنها، حتى برشلونة السياحية. الكتاب تأمل في المدينة والمجتمع، ومقترح ثري لتاريخها الاجتماعي والثقافي.

من أجل نظرية للمسافات

يقول الناقد لويس باجيه جيليث إنه يمكننا أن نميز في الشعر بين شعرية “الموضوعات”، حيث يطمح الشاعر لأن يقول ما لم يُقل من قبل عن موضوعات مطروقة، وبين شعرية “الأجواء”، حيث يسير الشاعر على نصل الإيحاء ومتسللًا بالغموض متخليًا عن البلاغة المعهودة. لورينثو أوليبان ينتمي إلى الشعرية الثانية، رغم أن قصائده لا يغيب عنها العبارات الكليشيهية.

يتميز الديوان في مجمله بالمونولوج الدرامي، وبالتناص مع قصائد أخرى مثل تناصه مع كفافيس في قصيدة البرابرة.

عن ملحق ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق