رامبو مُهَرّبًا في المعرفة الأدونيسيّة

ثمّةَ أفقٌ معرفيٌّ بشّر بنهاية الأجناس الأدبيّة، ذلك الّذي يمكن الاصطلاح عليه بعصر الكتابة، حيث الإقامة في مملكة الغريب والمدهش والمحيّر. أن نكتب، لا لنقول الآخر، ولا لنحدّد جنس ما نكتبه، بل لنقيم ألفة مع الحياة، ونسكن جوهرها باختراق قشرتها الخارجيّة ونتحدّث عن لا معقوليتها وألمها وأفق الرّعب الّذي تسكنه. تصبح الكتابة سيلا كالخطر، تستبدل الطمأنينة بالمخاوف، وتصيب النّظام بالخلل، وتهدم التّجانس بالتّفاعل، وتشير بالاتهام إلى كلّ ما هو مؤسّس بنقض سلطويته وجموده ومنطقيته الزّائفة. يكمن إبداعها في الكشف عن الوجه الآخر للحياة، وفي الرّجوع إلى الأبدية الأولى للعالم قبل أن يترهّل، وفي النّظر إلى الأشياء في عذريتها الأولى. هي مغامرة في الكشف عن طفولة الكون وبراءة الإنسان. وهي عراك عسير بتخليص ما لم يكشف عنه من نسيج المعلوم والمكشوف. تفرغ الأشياء من زمنيتها ومن أسمائها المتداولة ومن طرق تعريفها، وتقحمها في رموز وصور جديدة وأسماء أخرى لم يكن المنطق ليستسيغها.

يكمن طموحها في تجاوز هذا الوجه المحنّط لعقلانية الحياة، وفي اختراق التخبّط، الّذي يأسرها في عالم كلّه حدود. لذلك، تتأتّى وكأنّها سفر بلا دروب، رعشة مضيئة كإشارة من الماوراء. أن نكتب، فهذا يعني أنّنا نهدم ونخرّب. وأن نكتب، فهذا يعني أنّنا نمارس فعلا خلّاقا في الكون، كالحلم بتغيير نظام الحياة وإحداث قانون فيزيائي جديد يخلخل نظام المجرّات ويخترقها بالعبور إلى كنهها الما ورائي. بتعبير آخر “هذه الكتابة تفصح عن عالم هو نفسه غريب غامض ومحيّر. إنّها كتابة- تيه، لعالم هو نفسه- تيه”(1).

كان “رامبو” نموذجا متفرّدا في التعبير عن هذا التّيه، إذ زاوج بين فعل الكتابة والتجربة الحياتية الحيّة. وهو كما رآه أدونيس، ضوء يتيح السّفر من حديث الثّقافة الغربية – السوريالية – إلى قديم الثقافة العربيّة – الصوفيّة -. هو إذن، تموّج الفعل الكتابي في محيط حضاري، تتباعد فيه الأزمنة والأمكنة، إذ كان “يؤسّس بلغته الفرنسيّة لغرب شعري في أفق صوفي – مشرقي.”(2) ويتحدّث أدونيس عن ذلك قائلا: “كأنّ رامبو، رامبو “فصل في الجحيم” و”إشراقات” من السلالة نفسها، سلالة الجنون الصّوفي”(3). أي أنّه ينحدر من صلب الشّرق ليواجه عقلانية الغرب وتصحّرها الرّوحي. لا غرابة إذن، في أن تكون قراءته هي الّتي قادت أدونيس إلى اكتشاف تفرّد التجربة الصّوفية، ومساءلتها عبر حقل دلالي حديث، وصل به الأمر إلى حدّ جمعها بالسوريالية. إنّ ثورة “رامبو”، هذا السوريالي الّذي سبق السوريالية والصّوفي المتأخّر، كانت قد ابتدأت باللّغة. إذ عبر الفعل الخلّاق في الممارسة الكتابية نشأ نمط تعبيري جديد (4)، ويظهر ذلك جليّا وواضحا في “إشراقات” و”فصل في الجحيم” حيث كانت للنصّ خصائصه المتشابهة مع النّصوص الصّوفية والسوريالية. فهو نصّ منغلق ومبهم وغامض، يعبّر عن اللّامحدود، لغته هي الأخرى نوع من الإشراق تتأتّى من وراء العالم و“السرّ في ذلك أنّه ينقل تجربة في المجهول شأن النصّ الصّوفي الذي ينقل تجربة في الباطن الخفيّ”(5). كلاهما يتكوّن كالجنين ما وراء البصر، وكلاهما فيض نفسي لعالم أغواره تمتنع عن السّبر والإدراك، وكلاهما بذرة أولى لوجه آخر من الكون. تتّسع الرّؤيا لتكتشف الغيب واللّامحدود، فتكون لها لغتها الخاصّة، التي تحطّم ضيق العبارة بنشأة غموض النصّ المكتوب في مجال ما لا يقال.

الشعر هنا، صحراء من التّيه، ودخول في عتمة تستعصي عن الفهم، ولا كشف عن بواطنها إلّا بالمعرفة الحدسية. ذهاب “رامبو” في هذا الاتّجاه دليل على وقوفه في وجه عقلانية الحضارة الأوروبيّة، وتحطيمه “كلّ ما يتعارض مع المعرفة الشعرية، تماما كما يتأسّس النصّ الصّوفي”(6)، ويكشف المنجز النصّي لهذا الشاعر بإبراز ذلك الصّراع الذي أوقد بداخله لهب المغامرة فنقرأ :

“رجعتُ إلى الشرقِ

إلى الحكمة السّرمديةِ الأولىَ “(7)

والشرق هنا، هو ذلك الأتون، واللّهب الّذي ما زال متّقدا، وهو الرّوح، الّتي لم تطلها بعد عقلانية الغرب. إذ ما زالت متوهّجة بطابعها الميثي والأسطوري. والشّرق ليس “موطن الحكماء فحسب، بل إنّه في نظر السورياليين مخزن القوى البدائية (المتوحشّة) والوطن الدّائم “للبربر”، “لكبار المهدّمين””(8). هو متنفّس للهروب من إكراهات الغرب ونزاع مؤلم في سبيل إنقاذ الإنسان من الاغتراب المحدّق به، نتيجة الإقامة على فوهة حضارة فقدت حميميتها، وسقطت في الثبات وكأنّها تتحرّك داخل “كوجيطو” عقائدي، يقدّس العلم وينفي عنه الأخطاء.

كان رامبو يتحرّك عكس ذلك ويواجه هذه الحضارة على الصّعيد الحياتي والصّعيد الشعري، بخوض تجربة أشبه بالأسطورية والملحمية. ذهبت به  حدّ الهلاك والتشرّد والموت، لكن حدّ التفرّد في الإبداع أيضا. إذ “الفوضى والسّديم اللّذان يدنو منهما الشاعر ويثيرهما لا يمكن التّعبير عنهما إلّا بالإشارة وبفوضى مشابهة في التفكير والتعبير” ( 9). أصبحت الكتابة كائنة في الحدس، منطلقها لحظة تشير إلى إبطال فعل الحواسّ وتشويشها، حتّى أنّها أزالت كلّ الفروقات بين المتنافرات والمتناقضات، فأنتجت نصّا يستقرّ ويتوحّد “مع الطاقة الحيوية في الوجود، من وحدة الوجود” (10).  وهي على هذه الصّورة، وإن كانت تعدّ سلوكا سورياليا في مرماها، فإنّها تنحدر من الجذور الأولى للتصوّف المنادي بوحدة الوجود. ولنا في قول البسطامي دليل على ذلك “لا أعلم سوى الواحد، والجمع يخرج من الواحد، والواحد لا يخرج من الجمع” (11).

إنّ هذه الكتابة، تظل حاملة لموقف رؤيوي قوامه النبوّة. تتّجه إلى هدم المقدّس وممارسة الممنوع، وتنشأ في الفوضى وفي السديم وفي البدع، وتستبدل الثابت بالمتحرّك، وتترك اللذّة لتقيم في الألم على جسر الرّعب. المدنّس يأخذ طريقه إلى الكمال، أي أنّنا في احتفالنا بالمقدّس، نذهب إلى نقيضه، فهو الشيء وغيره في نفس الوقت. لذلك، كان لزاما التحدّث عن اختلال العقل، والبحث عن لفظة تفهمها جميع الحواسّ وعن إقامة ألفة مع الأطياف، وعن احتراف السّحر والذّهاب عميقا في الخطيئة. هذا هو الاتجاه الذي حدّده رامبو في البحث عن الأبدية.

“وجدتُهَا  من جديدٍ

ما هي؟           الأبدِية

هي البحرُ         امتزجَ بالشمسِ”  (12)

 

أوجدت قصائد رامبو في فكر أدونيس نموذجا متفرّدا في الإفصاح عن الكتابة الآلية وما يقابلها لدى المتصوّفة بالشّطح. إذ تنعدم فيها الفكرة الجاهزة أو المسبّقة، كما أنّها تبدو بلا نظام، فوضوية في ظاهرها وبلا مضمون، هذا مع تجاوزها للمعيار الجمالي والأخلاقي المتعارف عليهما. وهي أيضا نوع من فيض اللّاوعي، حيث ترتفع القيود، وتكسر أغلال الرّقابة، التي تدفن مملكة اللّاشعور، لتترك الحرّية الكاملة واللّانهائية في هذا الفيض. الكتابة شأنها شأن الكتابة الصّوفية تظلّ دائما متموّجة في الإبهام والغموض. والسوريالي شأنه شأن الصّوفي، كاتب يعيش في مناخ التحوّلات، والإقامة في هذا المناخ لا تقال ولا تكتب إلّا بلغة قوامها “أمواج من الصّور الإشراقية” (13)،  كلاهما راء ومسافر في مدائن المطلق، وكلاهما يذهب إلى فلك المجهول.

القصيدة مع رامبو “تتكوّن بفعل عملية سحرية كالسّيمياء، وبالتّالي غريبة عن قواعد المنطق وحتّى عن قواعد الغريزة.”(14) وقبلها، زمنيا، كان النّفري “يكتب برؤيا القلب، ونشوة اللّغة. يرفع الكتابة إلى مستوى لم تعرفه قبله، في أبهى وأغرب ما تتيحه اللّغة.” (15) لا زمن للتجربة الشعرية إلّا زمن الإبداع، زمن الخروج عن كلّ ما ألفته الإنسانية، زمن الخرق والتخطّي، زمن يعطي للكتابة، سورياليا كانت أم صوفيا، الحقّ في أن تكون “رواية الخروج من المنفى، في اتجاه “النقطة العليا”. تتحقّق هذه الكتابة، صوفيا بالشطح، وسورياليا بالكتابة الآلية.”(16) وهي أبعد من ذلك وأكثر؛ إنّها كتابة تصوّر جديد عن الحياة، كتابة حبرها ما لا يرى وما لا ينقال، وهي كتابة ملحمة الذّهاب إلى المستحيل، صورة أخرى عن ذلك الإنسان، الذي ينظر إلى ما حوله مفجوعا وحائرا. الإنسان الحائر؛ إنسان ما بعد الاغتراب والتناقضات، ذلك الذي لا يمكن أن نحدّد له مفهوما شموليا إلّا بوصفه فوضويا، أو بالأحرى، الإنسان اللّاسلطوي، الذّي يهدم كلّ الأشكال الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، رفضا منه عدميتها ولا جدواها، وثورة منه عليها باعتبارها مصدر استلابه ومصدر الحجب الّتي تعميه عن الوجه الحقيقي للحياة وعن الألوهة التي يرغبها. هذه هي الكتابة، ترجمان الرّفض ومطيّة السّفر إلى الماوراء.

__________

(1)-  أدونيس، “الصوفية والسوريالية“، ص137.

(2) –  (م.ن)، ص237.

(3)-  (م،ن)،  ص231.

Véronique Bartoli, « Le surréalisme », Nathan, Paris, 1989, P 43(4)-

(5) – أدونيس، “الصوفية والسوريالية“، ص 238.

(6) – (م.ن)، ص 239.

(7)-   أرتور رامبو، “فصل في جهنّم“، تقديم محسن بن حميدة، الشركة التونسية للتوزيع، 1987، ص148.

(8)-   موريس نادو، “تاريخ السوريالية“، ص96

(9)-  شطا خليل ونحاس بشير، “رامبو: رائد الشعر الحديث“، دار دمشق، ط1، 1983، ص85.

(10)-  أدونيس، “الصوفية والسوريالية“، ص240.

(11)-   البسطامي أبو يزيد، “شطحات الصوفية“، ج1، وكالة المطبوعات الكويت، ط2، 1976، ص90.

(12)-  أرتور رامبو، “فصل في جهنم“، ص130.

(13)-   أدونيس، “الصوفية والسوريالية“، ص173.

(14)-  والاس فاولي، “عصر  السوريالية” ، ص44.

(15) –  أدونيس، “الشعرية العربية“، ص66.

(16)-  أدونيس، “الصوفية والسوريالية“، ص180.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق