عندما تقول لنا نوبل: تصدّوا للكارثة المناخيّة / جيسون هيكل

شعر كثيرون بسعادة غامرة عند سماعهم أن جائزة نوبل التذكارية في الاقتصاد قد مُنحت هذا العام لويليام نوردهاوس، الأستاذ بجامعة ييل والذي يُعرف بعمله في مجال تغير المناخ. أخيراً تنتبه مهنة الاقتصاد لقضية المناخ وتوليها الاهتمام التي تستحقه، في عالمٍ أصبح منتبهاً لخطورة الحالة الطارئة للبيئة التي نعيش فيها.

لكن بينما يحظى نوردهاوس بالاحترام بين الاقتصاديين، لدى علماء المناخ وعلماء البيئة رأيٌ مختلفٌ تماماً عن أعماله. في الواقع، يعتقد كثيرون أن فشل حكومات العالم في اتخاذ إجراءات مناخية حاسمة على مدى العقود القليلة الماضية يرجع في جزء كبير منه إلى الحجج التي قدمها نوردهاوس.

في تسعينيات القرن الماضي، اخترع نوردهاوس أول نماذج تقييم متكاملة لاستكشاف كيف يؤثر النمو الاقتصادي في انبعاثات الكربون، وكيف يؤثر تغير المناخ بدوره في النمو الاقتصادي. لا تزال الآليات الأساسية التي وصفها نوردهاوس تُشكّل النماذج التي تستخدمها اللجنة الدولية للتغيرات المناخية (IPCC) اليوم. لا يستطيع أحد التشكيك في أن هذا يُعتبر مساهمة كبيرة في هذا المجال. لكن بالأحرى، يتعلق السؤال بكيفية استغل نوردهاوس نماذجه للدفاع عن أجندة سياسية معينة.

أظهرت النماذج أنه إذا كنا سنقلل بطريقة سريعة من انبعاثات الكربون إلى أن تصل إلى النسبة اللازمة لتجنب انهيار المناخ مثلما يقول العلماء -من طريق فرض ضريبة عالية على انبعاثات الكربون مثلاً- فإن ذلك سيؤدي إلى تباطؤٍ كبير في معدل النمو الاقتصادي.

لذلك، فقد كرس نوردهاوس حياته المهنية من أجل إيجاد ما سماه “التوازن” بين حماية المناخ وزيادة الناتج المحلي الإجمالي. في بحث شهير عام 1991 بعنوان “لإبطاء أو عدم الابطاء”، جادل نوردهاوس بقوة بشأن الخيار الأخير قائلاً: علينا ألا نكون متلهفين إلى إبطاء الاحتباس الحراري، لأننا لا نريد تعريض النمو الاقتصادي للخطر.

وكي يبرر هذا الاستنتاج، يتلاعب نوردهاوس بما يعرف بـ “معدل الخصم”، وهي الطريقة التي يقيّم بها الاقتصاديون تكلفة انهيار المناخ في الحاضر مقارنةً بالمستقبل.

يُفضل نوردهاوس معدل الخصم المرتفع. فإذا انخفضت تكاليف انهيار المناخ في المستقبل، فذلك سيسمح له بأن يجادل بعدم ضرورة تقليل الانبعاثات بسرعة، لأن التكلفة الاقتصادية التي سيتعرض لها الناس اليوم ستكون أعلى من الفائدة التي ستعود من حمايتهم في المستقبل. وبدلاً من ذلك، علينا فعل العكس: التركيز على نمو الناتج المحلي الإجمالي الآن حتى لو كان ذلك يعني حدوث كارثة مناخية في المستقبل. يمكن تبرير ذلك، بحسب قوله، لأن الأجيال الآتية ستكون أكثر ثراءً مما نحن عليه، وبالتالي ستكون أكثر قدرة على إدارة المشكلة.

يبدو الأمر إشكالياً من الناحية الأخلاقية ويتعارض كذلك مع تحذيرات العلماء، بيد أن الاقتصاديين وصانعي السياسات اصطفوا وراء حجة نوردهاوس. إذ إنها تُعجبهم لأنها تمنحهم ترخيصاً بالاستمرار في الوضع الراهن وتأجيل اتخاذ القرارات الصعبة.

إذاً، كيف يفلت الاقتصاديون من العقاب لافتراضهم أن درجات الحرارة القصوى هذه مقبولة نوعاً ما؟ لأن نموذج نوردهاوس يشير إلى أن حتى أسوأ الكوارث لن تؤذي الاقتصاد العالمي بكل هذا القدر. ربما ستزيد نسبة الاحتباس نقطة مئوية أو نقطتين على الأكثر، وبحلول نهاية القرن – ستكون التكلفة أقل بكثير من تكلفة العمل الفوري.

كيف يتصورون ذلك؟ لأنه إذا تسبب انهيار المناخ في تجويع مئات الملايين من الأفارقة والآسيويين الفقراء وتهجيرهم، فإن ذلك سوف يُسجل كنقطة صغيرة جداً في الناتج المحلي الإجمالي. فبعد كل شيء، لا يضيف الفقراء “قيمة” كبيرة للاقتصاد العالمي. وينطبق الشيء نفسه على كائنات مثل الحشرات والطيور والحياة البرية. من وجهة نظر رأس المال، ما يراه معظمنا على أنه مشكلات أخلاقية ووجودية كبيرة، لا يؤخذ في الاعتبار فعلياً.

والأدهى من ذلك، إن الأسباب التي دفعت نوردهاوس لهذا الفكر، من وجهة نظره، أن القطاعات الأكثر عرضة للاحتباس الحراري – وهي القطاعات الزراعية والحراج وصيد الأسماك – لا تساهم إلا قليلاً نسبياً في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ما يقرب من 4 في المئة فقط. لذا حتى لو تسبب هذا الأمر بانهيار النظام الزراعي العالمي بأكمله في المستقبل، فإن التكاليف، بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ستكون بسيطة.

إذاً، ماذا لو تبين أن نوردهاوس مُخطئ؟ ماذا لو أدى الاحتباس الحراري العالمي الشديد إلى زعزعة استقرار حضارتنا وانهيار الاقتصاد؟ فعلى سبيل المثال، يتوقع “تقرير ستيرن” بشأن اقتصاديات تغير المناخ أن خسائر الناتج المحلي الإجمالي قد تصل إلى 20 في المئة سنوياً. إن حدث ذلك، فسنتعرض لمساوئ كلا العالمَيْن: الأجيال الآتية ستكون أكثر فقراً، وسينتهي الأمر بكوكب الأرض. يا له من رِهان خطير يتعلق بمستقبل البشرية- إِذْ تتجاوز المخاطر المترتبة على هذا الرهان حدود مخيلتنا.

في ما يبدو وكأنه مصادفة غريبة، وعلى نحو غريب، أُعلِن فوز نوردهاوس بجائزة نوبل في اليوم نفسه من شهر تشرين الأول/ أكتوبر الذي نشرت فيه اللجنة الدولية للتغيرات المناخية ” IPCC” أحدث تقريرٍ لها عن تغير المناخ. يمثل هذا التقرير في الوقت الراهن أكثر القضايا إلحاحاً لدى الأمم المتحدة، إِذْ يدعو التقرير إلى خفض انبعاثات الكربون إلى النصف بحلول عام 2030، وخفض الانبعاثات إلى مستوى الصفر بحلول منتصف العقد الحالي. وفي حين أمضى نوردهاوس معظم العقود الأربعة الأخيرة وهو ينادي باتباع النهج التدريجي للحفاظ على ظروف النمو الاقتصادي، فإن اللجنة الدولية للتغيرات المناخية تدعو إلى اتخاذ إجراءاتٍ فوريةٍ وجذرية من أجل الحفاظ على ظروف الحياة. النمو الاقتصادي مقابل الحياة. لم يسبق أن كان الصراع بين علم الاقتصاد والعلوم بهذا الوضوح من قبل.

في السنوات الأخيرة، خفف نوردهاوس من وجهات نظره إلى حدٍ ما، متبنياً فرض ضرائب على انبعاثات الكربون أعلى مما كان يطالب به في الماضي، حتى وإن كان أقل بكثير مما تطالب اللجنة الدولية للتغيرات المناخية بفرضه. غير أن موقفه العام في هذا النقاش الدائر لا يزال واضحاً. وعندما أُعلِن خبر فوزه بالجائزة، قال لتلامذته ناصحاً “لا تدعوا أي شخصٍ يصرف انتباهكم عن القضية الحالية، ألا وهي النمو الاقتصادي”.

ألا يمكننا تحقيق المطلبين معاً؟ ألا يمكننا تحقيق النمو الاقتصادي والحفاظ على درجة الحرارة أقل من 1.5 درجةً مئوية؟ في الواقع، ربما كان ذلك ممكناً قبل عقود، لكن الآوان قد فات على ذلك الآن. لقد ماطلنا كثيراً في عملية التحوّل في مجال الطاقة، وهذا بفضل نوردهاوس ومن على شاكلته من دعاة التأجيل.

علينا أن نستخدم طاقاتنا لمعالجة هذه المشكلة. نحتاجُ إلى استنفارٍ عام، كالاستنفار الذي حدث في القطاع الصناعي خلال الحرب العالمية الثانية؛ علينا إنتاج الألواح الشمسية وتوربينات الرياح كما لم نفعل من قبل. في الوقت الحالي، تقوم الولايات المتحدة بإدخال نحو 16 غيغاوات من الطاقة النظيفة كل عام. وهذا المعدل يحتاج إلى أن يزيد12 ضعفاً، ويجب أن يحدث ذلك على الفور. هناك دولٌ أخرى تواجه تحدياتٍ مماثلة.

إن الأمر ممكن بالتأكيد. لكننا بعيدون من المسار لتحقيق ذلك. فلماذا إذاً نزيد من صعوبة هذا التحدي على أنفسنا لثلاثة أضعاف؟ لماذا نختار أن نصعد التل من أشدّ نواحيه انحداراً؟

كل هذا يقودنا إلى طرح سؤال جوهري. يصر الاقتصاديون ممن هم على شاكلة نوردهاوس على أن النمو المستمر للناتج المحلي الإجمالي أمرٌ ضروري لتحقيق الرفاهية للبشر. لقد تأخر اتخاذ خطواتٍ فعلية بشأن المناخ لثلاثة عقودٍ بسبب هذا المبدأ. لكن هل يعد هذا المبدأ صحيحاً أصلاً؟ هل يعتبر الاعتماد على الناتج المحلي الإجمالي خيارنا الوحيد؟

من اللافت للنظر أن نوردهاوس ـــ مثله مثل معظم الاقتصاديين المحافظين ـــ لم يكلف نفسه عناء التفكير هذه النقطة. إن شعار “النمو الاقتصادي أمرٌ جيد” أصبح متغلغلاً في وَعيِنا لدرجةٍ تجعل التشكيك به ضرباً من الجنون.

لكن هذا بدأ تغير. ففي السنوات الأخيرة، تبنى الاقتصاديون البيئيون رؤيةً بديلة. يقولون إنه سيكون لدينا فرصة أفضل بكثير لتحقيق أهدافنا المتعلقة بالمناخ إذا تخلت الدول الغنية عن سعيها إلى تنمية الناتج المحلي الإجمالي. وإن قمنا بذلك على النحو الصحيح، فلن نتمكن من حماية رفاهية للبشرية فحسب، بل سنتمكن حتى من تحسينها. ربما يكون تحرير أنفسنا من حتمية النمو هو أفضل خيار لنا للازدهار في القرن الحادي والعشرين.

يا لها من فكرةٌ مذهلة قد تغير قواعد اللعبة تماماً. ولكن، كيف سيبدو الاقتصاد بعد التخلي عن مفهوم النمو الاقتصادي؟

تتمثل الخطوة الأولى في إدراك أن المستويات العالية من الناتج المحلي الإجمالي لا تعني بالضرورة مستويات معيشة عالية للبشر. صحيح أن المؤشرات الاجتماعية ترتبط بوجه عام بنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، لكنه يمثل منحنى تشبع السوق: بعد الوصول إلى نقطة معينة، فإن تحقيق المزيد من الناتج المحلي الإجمالي لا يضيف سوى القليل إلى مستوى معيشة البشر.

والمثير أكثر للاهتمام، أنّ بعض الدول تتمتع بمستويات عالية من التنمية البشرية في ظل انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي – ويمكن الولايات المتحدة أن تتعلم الكثير منهم. ويعتبر نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في أوروبا أقل منه في الولايات المتحدة بنسبة 40 في المئة، ومع ذلك فهي تتمتع بمؤشرات اجتماعية أفضل بالنسبة إلى كل الفئات تقريباً.

كيف حدث هذا؟ يعتمد الأمر برمته على التوزيع. عام 1975، أعطت أميركا العمال حصة من الدخل القومي أكبر من الحصة التي يأخذونها في الوقت الحاضر. وتستثمر أوروبا في الخدمات الاجتماعية مثل الرعاية الصحية والتعليم أكثر مما تستثمره الولايات المتحدة. يثير هذا سؤالاً: إذا تمكنت أوروبا من التفوق على الولايات المتحدة على رغم دخلها الأقل بشكل ملحوظ، فهل يحتاج الاقتصاد الأميركي إلى مواصلة النمو؟

إذا كانت رفاهية البشر هي ما نسعى إلى تحقيقه، إذاً فالنمو ليس هو الطريقة الأكثر فعالية لبلوغه. الدول الغنية تمتلك بالفعل مستويات نمو أكثر مما يكفي، لكن تكمن المشكلة في أن كل شيء تستحوذ عليه الفئات الأعلى، وهذا لا يُساهِم بشيء تقريباً في تحسين مستوى معيشة الناس. هناك طريقة أخرى. يمكننا تحسين حياة الناس في الحال، من دون أي نمو إضافي على الإطلاق، وذلك ببساطة من خلال توزيع الدخل الحالي بمزيد من الإنصاف.

إذا فكرنا في لغز النمو من هذه الزاوية، ستؤول الأمور إلى مفاضلة أكثر وضوحاً: بين العيش في مجتمع أكثر إنصافاً من ناحية، والمخاطرة بكارثة مناخية من ناحية أخرى. أتصور أنّ معظم الناس لن يواجهوا صعوبة كبيرة في الاختيار.

بالطبع، قد يغير أحدهم هذا النهج المتبع ويقول إن النمو هو السبيل الوحيد لتعبئة الموارد المالية اللازمة للتحول إلى الطاقة النظيفة، وهو السبيل الوحيد للحصول على الابتكارات التكنولوجية التي نحتاجها لجعل اقتصاداتنا أكثر كفاءة. في الواقع، يعد هذا جزءاً أساسياً من حجة نوردهاوس.

لكن من غير المنطقي أن نعمل على زيادة الناتج المحلي الإجمالي ونأمل بسذاجة أن ينتهي الأمر إلى استثمار هذا الناتج في مصانع الألواح الشمسية.

وإذا كان الهدف هو تحقيق أنواع محددة من الابتكارات التكنولوجية، فمن المنطقي أكثر أن تستثمر في تلك الأنواع مباشرة، أو أن تحفز الابتكار من خلال إجراءات سياسية موجهة، بدلاً من تنمية الاقتصاد ككل من دون تمييز (بصورة عشوائية) ثم تتمنى التوصل إلى نتيجة محددة.

مرة تلو الأخرى، يتضح أنّ إصرار الاقتصاديين على ضرورة النمو بات غير مبرر على نحو لافت للنظر. إن أمثال نوردهاوس على استعداد للمخاطرة بكل شيء حرفياً من أجل تحقيق شيء لا نحتاجه من الأساس.

هل سيكون هناك دعم سياسي من أجل خطة ما بعد النمو؟ يفترض معظم السياسيين أن الإجابة لا. هم يفترضون أن الناس يريدون النمو، وهذا هو السبب في أنهم يتحدثون عن ذلك طيلة الوقت تقريباً. لكنهم لم ينظروا إلى البيانات. يُظهر أحد الاستطلاعات الجديدة المثيرة للدهشة التي أجراها برنامج ييل للتواصل في مجال تغير المناخ أنّ 70 في المئة من الأميركيين يعتقدون أن الحماية البيئية أكثر أهمية من النمو –وهذا حقيقي حتى في الولايات الجمهورية العميقة. كما توصل استطلاع آخر إلى أنّ 70 في المئة من الناس في الدول ذات الدخل المتوسط والمرتفع يعتقدون أنّ الإفراط في الاستهلاك يعرض كوكبنا ومجتمعنا للخطر. وتعتقد أغلبيات أخرى أيضاً أننا ينبغي أن نسعى إلى شراء أشياء أقل، وبذلك لن يتأثر مستوانا المعيشي.

هذه النتائج رائعة. كما أنها تؤكد ما ظلت تنادي به أبحاث الأنثروبولوجيا وعلم النفس على مدار عقود، أن ما يهم معظم الناس هو الصحة الجيدة والعلاقات الحميمية والعمل الهادف وإمكان الوصول إلى الطبيعة وقضاء بعض الوقت في فعل ما يحبون، والأهم من ذلك هو الحياة في بيئة تنعم بالاستقرار ويشعرون فيها بالأمان. والجميل أننا لسنا بحاجة إلى النمو للإيفاء بهذه المتطلبات، وذلك على الأقل في الدول ذات الدخل المرتفع.

عن مجلة Foreign Policy

ترجمة: موقع درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق