كيفَ ترجم العربُ الفلسفة اليونان / ابراهيم قعدوني

خلال العصور الأوروبية القديمة، كانت اليونانية لغة الفلسفة الأكثر شيوعاً حتى بعد اتساع رقعة الحاضرة الرومانية جنوباً نحو المتوسط وانكفاء الوثنية وقد دأب معظم الفلاسفة الأوروبيين على الكتابة فيها. كانت الفلسفة آنذاك مرتبطة بدرجة كبيرة بالثقافة الهيلينية التي ازدهرت في فترة ما يُعرَف بالعصر الكلاسيكي. كان كبار المفكرين في العالم الروماني، مثل شيشرون وسينيكا القرطُبي، غارقين في الأدب اليوناني قبل أن تصبح الكتابة باللاتينية تقليداً لدى الفلاسفة والأدباء، حتى أنّ الإمبراطور الروماني السادس عشر، الملقب بالملك الفيلسوف، ماركوس أوريليوس ذهب إلى حدّ كتابة تأملاته الشهيرة باللغة اليونانية، وقد استغرق الأمر حتى أوائل العصور الوسطى ليتيسّر الفكر اليوناني في اللغة اللاتينية، وإن بصورة جزئية، وذلك وفقاً لما يذكره البروفيسور بيتر آدامسون، أستاذ الفلسفة في جامعة لودفيغ ماكسيمليان بميونخ في كتابه الضخم (544 صفحة) الصادر عن منشورات جامعة أوكسفورد عام 2016 بعنوان «الفلسفة في العالم الإسلامي».

هذا على الجانب الغربي للإمبراطورية الرومانية، أمَّا في الجناح الشرقي فقد كان البيزنطيون الناطقون باليونانية يواصلون قراءة أفلاطون وأرسطو في لغتهِما الأصلية فيما أتيح لفلاسفة العالم الإسلامي سبيلاً واسعاً إلى التراث الهيليني، إذ تيسَّرت قراءة أعمال أرسطو لِقُرَّاء بغداد في القرن الميلادي العاشر بنفس درجة يُسرِها لقارئ الإنكليزية اليوم، والكلام لآدامسون.

لم يكن ذلك ممكناً لولا حركة الترجمة الواسعة التي شهدتها الخلافة العباسية بدءاً من النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي وحَظِيت بدعمٍ وإشرافٍ مباشَرين من قبل رأس الدولة والقائمين على إدارة شؤونها، وقد سعت هذه الحركة، مثلما هو معلوم، إلى نقل الفلسفة والمعارف والعلوم اليونانية إلى الثقافة الإسلامية. وبحسب ما يراه آدامسون فإنَّ عوامل ازدهار حركة الترجمة هذه لم تقتصر على توفُّر الموارد والدعم السياسي والمالي، على أهمّيتهِما، بل أيضاً حضور العامل الثقافي إذ استفادت الحضارة الإسلامية من النشاط الفِكري في أوساط رعاياها المسيحيّين الذين أجادوا اللغة اليونانية إلى جانب السريانية (لغتهم الأم) وحفِظوا كلاسيكياتها المعرفية منذ أواخر العصور القديمة وصولاً إلى الخلافة الإسلامية.

توفَّرت المراكز الثقافية الإسلامية على ثروة حقيقية تمثَّلت في طبقة المثقفين السريان الذين خصَّتهم الدولة برعايتها وقرَّبتهم من مراكزها في حقبةٍ امتازت بأبهى صور العيش المشترك حسبما يعكسه الإرث الثقافي والأدبي الذي تركته تلك الحقبة الناصعة، ومن مثال ذلك ما تنقله أشعار أبي زيد الطائي والأخطل التغلبي وما رواه ابن فضل العمري في كتابه «مسالك الأبصار» وما جاء في كتاب «مسالك الممالك» من وصف للحياة بين المسلمين والمسيحيين في البلاد التي زارها، وقد نقل في كتابه ذاته، على سبيل المثال، أن الرها العباسية وجوارها كانت تحتوي على ثلاثمائة دير.

بالتالي، عندما أرادت المراكز الثقافية الإسلامية ترجمة العلوم والفلسفة اليونانية إلى اللغة العربية، فإنها وجدت ضالَّتها في كنزٍ ثقافي مثّله أولئك الباحثون والمثقفون السريان. وحسبما يُلفت إليه آدامسون، فإنَّ ترجمة الأعمال اليونانية، في كثير من الأحيان، كانت تتم في بادئ الأمر إلى السريانية أولاً ومن ثمَّ تُنقل إلى العربية وهو ما شكَّل تحدياً هائلاً إذ لم تكن اليونانية لغةً ساميَّةً وبالتالي كانت المسألة تقتضي الانتقال من طيفٍ لغوي إلى آخر في ما يشبه النقل من الفنلندية إلى الإنكليزية، فضلاً عن عدم وجود مسارد أو مصطلحات مقرَّة للتعبير عن الأفكار الفلسفية باللغة العربية، إذ كان ذلك الحقل المعرفي حينئذِ جديداً على العربية.

يتساءل آدامسون عن السبب الذي دفع بالطبقة السياسية للمجتمع العباسي لدعم هذه المهمة الجسيمة الشاقة؟ ووفقاً لما يسوقه في دراسته فإن الفائدة العملية والتطبيقية لنقل المعرفة اليونانية كانت سبباً رئيسياً من دون شك، لجهة ما سوف يترتب عنها من منافع في تخصصات مثل الهندسة مثلاً. إلاَّ أن جانباً آخر لا يقل أهمية عن سابقه، وقلّما لاحظته الدراسات المعنية بتناول حركة الترجمة اليونانية-العربية يكمن في التوظيف السياسي للمعرفة وهو جانب يبدو أن رجل الدولة العباسي كان يعيه بدِقة.

على سبيل المثال، ما هي الأهمية التي وجدها القائمون على انتقاء المؤلفات في «الميتفافيزيقيا» لأرسطو أو في «تاسوعات» أفلاطون؟ وهُنا يشير آدامسون إلى بحث وَضَعه ديمتري غوتاس عام 1998 بعنوان «فكر يوناني، ثقافة عربية» ورأى فيه أن الدوافع كانت في الحقيقة سياسية إلى حد كبير، فقد أراد الخلفاء بناء الشخصية الثقافية الخاصة في منافسة مع هيمنة الثقافتين الفارسية وكذلك البيزنطية المجاورتَين. أراد العباسيون أن يثبتوا قدرتهم على حفظ الثقافة الهيلينية أفضل من البيزنطيين الناطقين باليونانية، الذين تاهوا في اللاهوتيات المسيحية.

فضلاً عن ذلك، رأى المفكرون المسلمون في النصوص اليونانية مورداً قيّماً لبلورة منطق يساعدهم في الدفاع عن دينهم وفهمه بشكل أفضل في آنٍ معاً. كان الكِندي، أول من اعتنق هذه الرؤية كأول فيلسوف يكتب باللغة العربية، ونظراً لما حظي به من حظوةٍ في البلاط، فقد أشرف على نشاط الفقهاء المسيحيين الذين أجادوا ترجمة اليونانية إلى العربية. وبحسب آدامسون فقد كانت النتائج مختلطة لناحية جودة المُخرجات الترجمية، إذ يرى استناداً إلى غوتاس أنَّ الترجمة العربية لميتافيزيقيا أرسطو غير مفهومة في بعض مواضعها إلاَّ أنه يرى، للإنصاف، أنّ الحال هو نفسه في نسختها اليونانية أيضاً، في حين أن ترجمة كتابات أفلاطون غالباً ما تأخذ شكل إعادة صياغة حرة لا تخلو من إضافاتٍ اقتضتها صعوبة النص التي يدركها من تجشَّم عناء نقل النصوص الفلسفية من لغة إلى أخرى وما اقتضه من فهمٍ وتبحُّر بغرض التوفيق بين اللغة المصدر واللغة الهدف وما يترتب عنه من قراراتٍ كان على المترجمين اتخاذها.

ومن الأمثلة التي يسوقها آدامسون كلمة [Eidos] التي يستخدمها أرسطو بمعنى “الشكل”، كما في قوله “تتألف المادة من الجوهر والشكل” وكلمة [Species] بمعنى الأجناس، كما في قوله “الإنسان هو النوع الذي يندرج في إطار جنس الحيوان”. لكن في اللغة العربية، كما هو الحال في الإنكليزية، هناك لفظتان مختلفتان تقابلان هاتين الكلمتين، “فالشكل” اليوناني تقابله “الصورة” العربية، والأجناسُ تقابلها “الأنواع”. ونتيجة لذلك، كان على المترجم إلى العربية أن يقرر في كل مرة يصادف فيها كلمة [Eidos] أيٌّ من هذه المفاهيم كان يفكر بها أرسطو، إذ إنَّ استخدامها لم يكن بالدرجة التي نعتقد من الوضوح.

أمَّا ما يتعلق بترجمة أفلاطون، واستناداً إلى ما يبيّنه غوتاس، فلا تقتصر التدخُّلات الترجمية في النص الأفلاطوني العربي على المصطلحات وحدها. بل إنّها تتدخَّلُ تدخلاتٍ درامية في النص، مما يساعد على إبراز أهمية تدريس أفلاطون في اللاهوت التوحيدي، وإعادة صياغة الفكرة الأفلاطونية الحديثة لمبدأ أول سامٍ وبسيط تماماً ينسجم مع روح الأديان الإبراهيمية.

ما دورُ الكندي نفسه في كل هذا؟ يتساءل آدمسون، في الواقع، يبدو واضحاً أن الكندي لم يزاول مهنة الترجمة بنفسه ولربما لم يعرف الكثير من اليونانية. غير أنه كُلِّفَ بدور المحرِّر للترجمة العربية، إذ يذكر أنه “نقَّح” ترجمات أفلاطون العربية وهو ما يفتح الباب أمام التساؤل ما إذا كان فعل التنقيح قد شمل إضفاء أفكاره الخاصة على النص. ووفقاً لما يراه آدامسون، فمن الواضح أن الكندي ومعاونيه رأوا أن الترجمة “الحقيقية” هي الترجمة التي تعبر عن الحقيقة، وليست فقط التي تلتزم الإخلاص للنص الأصلي، وهو سؤال معرفيّ وتقني لازَم فِعل الترجمة منذ نشوئه وما يزال حتى يومنا هذا.

لكن الكندي لم يكن راضياً عن هذا التنقيح، أو سمِّها السياسة التحريرية إن شئت، دون مساءلتها، إذ كتب سلسلة من الأعمال المستقلة التي جاءت في شكل رسائل أو طروحاتٍ قدمها إلى الخليفة أوضح من خلالها أهمية الأفكار اليونانية وقوتها، وكيف يمكن لهذه الأفكار أن تلبّي تطلّعات الإسلام الفكرية والثقافية في القرن التاسع. وفي الواقع، فقد كان الكندي بمثابة رجل العلاقات العامة للفكر الهيليني وفقاً لما يراه آدامسون.

ويخلص آدامسون إلى أنَّ أصالة الكندي وجماعته إنّما تكمن في تبنيها وتكييفها للأفكار الهيلينية وتوفيقِها، على سبيل المثال، بين مبدأ المُحرِّك الأول استناداً إلى فلسفَتي أرسطو وأفلاطون ومبدأ الخالق الأول في القرآن، فقد صيغت الترجمات لتعكس هذا المبدأ كخالق، وهو ما يعتبره آدامسون براعةً معرفية تؤكّد ما نكاد ننساه اليوم في أنَّ ترجمة الأعمال الفلسفية يمكن أن تكون عاملاً حاسماً في انتشار الفلسفة وفي فهمها أيضاً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق