النّحو في حدود مجرّد العقل (3 – 3)

المفاهيم الموجّهة للكتاب

تكفي المفاهيم الموجّهة الّتي  شرحها سيبويه في كتابه لتضعه في مكان فريد ومميّز عن نحويي عصره بالنسبة لمرحلته التاريخيّة، وهي المفاهيم الّتي يعرفها جميع النّحويين الآن . وسأكتفي هنا بمفهوم واحد  يرد  ضمنا في  المتن الّذي أحلّله (رسالة الكتاب)  وفي سلسلة من قوله اعلم أن:

– بعض الكلام أثقل من بعض؛ فالأفعال أثقل من الأسماء [1].

– ما ضارع الفعل المضارع من الأسماء في الكلام  ووافقه في البناء أُجري مجرى ما يستثقلون ومنعوه ما يكون لما يستخفون [2].

– النّكرة أخف من المعرفة، وهي أشد تمكّنا[3].

– الواحد أشد تمكنا من الجميع [4].

– المذكر أخف عليهم من المؤنث [5].

يشير مفهوما الخفّة والثقل المضمّنين في كلام سيبويه أعلاه إلى امتحان دقيق لشروط تحقيق مشروع الكتاب النّحوي، وإلى التحقق من صحة وجهة نظر سيبويه إذا ما تخففنا من استعمال مفهوم نظرية. لذلك فهما مفهومان في غاية الأهمية؛ لأنه يختبر بهما صحة الاحتمالات كي يجري بدقة استعراض المفاهيم النّحوية التحليلية المترتبة عليهما.

لقد تجاوبت استنتاجاته مع هذين المفهومين؛ فالأفعال –على سبيل المثال-أثقل من الأسماء لذلك لا تُنوّن لكنها تُجزم وتُسكّن. وكذلك النكرة والمفرد والمذكر في كونها أُول لذلك فهي خفيفة. إن هذا يعني أن سيبويه لا يحلل بالمفاهيم كيفما اتفق؛ إنّما يحلل استنادا إلى مفهومين  موجهين موجود ين ومستخدمين من قبل الناطقين لكنهما غير مصاغين. وعلى هذا المستوى فإن عمل سيبويه  هو الإخراج المبتكر لهذا المفهومين بعد أن كانا مألوفين لكنهما غير معروفين.

يتضح هذا في مفهوم موجه آخر هو مفهوم  التشابه. يقول: ” وإنّما ضارعت ( الأفعال المضارعة ) أسماء الفاعلين “؛ وذلك بسبب اجتماعهما في المعنى. ودليل اجتماعهما في المعنى أن الاسم يمكن أن يحل محل الفعل المضارع وليس العكس؛ مما يعني أنه فعل وليس اسما وقد ورتب على هذا استنتاجات دقيقة، وتعليلات دخول اللام  على الفعل المضارع، والتحاق السين وسوف به.

لا مجال هنا للتوسع، فما أردته هو الإشارة إلى مجال لم يدرس بعد. إنني أعتقد أن لكتاب سيبويه نظامَ تفسيره، ولكي نفهم هذا النظام علينا أولا أن نحدد المفاهيم الموجّهة، وفيما وقفنا عليه رأينا أن حيث ثمة ثقلا أو خفة أو تشابها فإن ثمة شيئا يمكن أن يقال بوصفه تفسيرا، وقد كانت هذه المفاهيم جزءا أصيلا من مشروع سيبويه  للنحو في حدود العقل.

 مفاهيم الكتاب المتعلّقة  بالتّركيب  

تتضمن رسالة الكتاب بابا عنوانه ” هذا باب المسند والمسند إليه[6] “، وكما نعرف فإن مفهومي المسند والمسند إليه انتقلا فيما بعد إلى البلاغة العربية. وقد نقد بعض المعاصرين هذا؛ فالنّحو العربي من وجهة نظره ” أحوج ما يكون أن يدعي لنفسه هذا القسم من أقسام البلاغة الّذي يسمى علم المعاني حتّى أنّه ليحسن في رأيي أن يكون علم المعاني قمة الدراسات النّحوية أو فلسفتها  [7]“.

من الصعب ألا نوافق  هذا الباحث فيما يذهب إليه؛ لاسيما أن النّحو قبل سيبويه نشأ في غالبه تحليليا؛ أي أنه كان يُعنى بمكونات التركيب أكثر من عنايته بالتركيب ذاته، لذلك فإن الحديث عن المسند وعن المسند إليه في كتاب نحوي يُعتبر نقلة نوعية في مجال البحث النّحوي.

يعرّف سيبويه مفهومي المسند والمسند إليه بأنهما ” ما لا يغني واحد منهما عن الآخر “؛ وهو تعريف يستند إلى علاقة الإسناد بينهما؛ فالمسند إليه عبدالله لا بد له من مسند هو أخوك في قولنا ” عبدالله أخوك ” ويعبّر سيبويه عن هذا بقوله ” لم يكن للاسم الأول بد من الآخر في الابتداء”، وكذلك فإن المسند يذهب لا بد له من مسند إليه هو عبدالله في قولنا ” يذهب عبدالله” ويعبر سيبويه عن هذا بقوله ” فلا بد للفعل من اسم “، وكما نعرف الآن فقد وُصفت علاقة الإسناد في قولنا ” عبدالله أخوك ” بالجملة الأسمية، وبالجملة الفعلية في قولنا ” يذهب عبدالله “.

يضيف سيبويه أن ” مما يكون بنزلة الابتداء قولك كان عبدالله منطلقا “. ويبدو أن هذه الإضافة لها علاقة بإضافة معنى زمني لجملة لا تشير إلى زمن. وتبدو أهمية هذه الإضافة إذا ما أخذنا في اعتبارنا قرائن التعليق المعنوية، ومن أهمها الإسناد، وهو ما اهتم به تمام حسان حيث أكد على أن علاقة الإسناد قرينة معنوية تميّز المسند إليه من المسند بما لا يحتاج مني إلى إضافة[8].

غير أن سيبويه لا يكتفي بعلاقة الإسناد بين اسمين أو فعل واسم إنما يشرك المتكلّم فيقول  ” ولا يجد المتكلمّ منه بدا “.  ويمثل إدخال المتكلّم تطورا نوعيا في مفهوم النّحو ؛ ذلك أن المتكلم يحضر في  نحو أبي الأسود الدؤلي من حيث هو ناطق يتجنب الخطأ، بينما يحضر هنا من حيث هو فوق ذلك ناطق يقصد معنى؛ كأن يثبت شيء لشيء، أو ينفيه عنه، أو يطلبه منه، وبالتالي فإن للإسناد معنى وظيفيا، ترتبت عليه تفريعات شرحتها فيما بعد كتب البلاغة.

لا نتوقع من بلورة سيبويه مفهومي المسند والمسند إليه أن يكون ردا على نحو أبي الأسود الدؤلي؛ فمازال بمعنى ما دؤليا ولم يحدث القطيعة التامة؛ فهو مازال يستخدم المفاهيم النّحوية التحليلية الّتي دشنها أبو الأسود الدؤلي، لكنه سيضع البذرة الّتي نبتت في كتاب دلائل الإعجاز، لكن هذا الكتاب صُنّف على أنه بلاغي وليس نحويا، وهو ما يمثل عندنا مفهوم النّحو المنسي[9].

مفاهيم المساءلة الجديدة في الكتاب

حسب التقليد العلمي الّذي وصلنا فإن قضية اللفظ والمعنى والعلاقة بينهما تنتمي إلى البلاغة، لكن محمد عابد الجابري يذهب إلى أنها أكثر من ذلك فقد” هيمنت على تفكير اللغويين والنحاة وشغلت الفقهاء والمتكلمين واستأثرت باهتمام البلاغيين والمشتغلين بالنقد، نقد الشعر ونقد النثر، دع عنك المفسرين والشراح الّذين تشكل العلاقة بين اللفظ والمعنى موضوع اهتمامهم العلني الصريح [10] “. ثم يرتب على هذا أن سيبويه لم يكن ” الوحيد الّذي اتجه بالدرس النّحوي العربي هذا الاتجاه الّذي يتداخل فيه المنطق واللّغة، بل إنّ عمله إنما كان جمعا وتنظيما للمناقشات النّحوية اللغوية البلاغية المنطقية الّتي انشتغل بها جيله والجيل السابق له[11] “.

غير أن فرضية الجابري الأساسية؛ أعني نظرة أولئك إلى اللّفظ والمعنى من حيث هما منفصلين لا تفسر ما تخيّله وسماه النظام المعرفي البياني. وليس كافيا أن يقال أن جمع اللّغة وتدوينها وتأليف المعاجم اللغوية  نتج عن تصور اللغويين الفصل بين اللفظ والمعنى؛ فالأمر يؤول إلى التصورات الشخصية المتعلقة بمعتقدات اللغويين اللغوية وتصوراتهم عن طبيعة اللّغة ووظائفها.

لقد استند جمع اللّغة وتدوينها إلى تصورات شخصية لجامعي اللّغة عن طبيعة اللّغة ووظيفتها وعلاقتها بالفكر، وعن طبيعة المنهج وعلاقته بما يدونونه أو يتجاهلونه، وقد كان  لهذه التصورات  أسباب تاريخية وثقافية. وإذا كانت هذه العوامل التاريخية والثقافية قد ولدت تصورات المعجميين اللغوية، وأن هذه التصورات نجم عنها معاجم لغوية فصلت اللّغة عن أفقها الاجتماعي، وأن هذا الفصل ولد مشكل الكلمة في علاقتها بالأشكال المحسوسة للتواصل الاجتماعي بين الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية ، فإن أسئلة تنتظر الباحثين هي  : ما الأصول التاريخية لهذا المشكل؟ ما الشروط الاجتماعية لبقائه؟ وما الأسس الثقافية لهذا كله؟. وهو ما لا تجيب عنه فرضية الجابري عن فصل هؤلاء اللغويين بين اللفظ وبين المعنى.

نبعت معتقدات اللغويين والمعجميين المتعلقة بطبيعة اللّغة العربية من جو المحلة الفكري الرافض لأي تجديد لغوي لأنه يتعارض مع ثبات اللّغة العربية وأزليتها. وكان من الطبيعي أن يتجاهلوا وجود الكلمة المجتمعي الجديد، وتسرب الكلمات الجديدة  إلى كل العلاقات الّتي تربط بين الأفراد، وأن الكلمات لحمة جميع مجالات العلاقات الاجتماعية، وأن لكل عصر، ولكل شريحة مجتمعية سجلها من الكلمات الّتي تتواصل بها، وإذا كانت المفاهيم تحمل معها أطيافا من دلالاتها اللغوية، فإن علاقة المعجم العربي  بالطبقات والتجمعات والشرائح الاجتماعية علاقة إبهام وإخفاء وصمت ، وهو المعنى الّذي يفهم لأول وهلة من الدلالة المعجمية للفعل ( عجم ).

وتأسيسا على هذه التمييزات الأولية فإنني لا أؤمن البتة بالفصل الّذي افترضه الجابري بين اللفظ والمعنى وأدى إلى ما اعتقده في كتاب سيبويه، فهو يرى أننا لسنا ”  بإزاء  تقرير قواعد نحوية تضبط كيفية النطق والكتابة[12] “. إنما بإزاء ” جهات –أو موجهات – مركبة من جهات عقلية منطقية تخص المعنى وجهات لغوية تخص تركيب الكلام [13]“. أرى أن هذا كله  لا يستند إلى أساس. إنما يجسد ما ينتمي إلى توجه دراسات العصر الحديث الفكرية. لقد كان هناك مشكلة تتعلق بتفسير النصوص، لذلك فعلاقة اللفظ بالمعنى لا تمثل فكرة  خارجية طارئة في الثقافة العربية الإسلامية آنذاك. بل إنني أذهب أنها أساسية داخل الثقافة، لكنها لم تأخذ  التوجه النّحوي الّذي توصل إليه الجابري؛ أعني مقابلته بين  مشتقات النحاة  وبين مقولات أرسطو[14].

وما أذهب إليه أن تخصيص سيبويه بابين يختصر فيهما علاقة اللفظ بالمعاني، وما يكون في اللفظ من الأعراض هو ما أتاح تقدما يسيرا على مستوى ما للمعرفة النّحوية في عصره، فقد أعطى بهما الفرصة للنحو أن يشتغل في مجال لم يكن الآخرون قادرين على  وطئه. وفتح بهما ميادين البحث النّحوي الّتي ستظهر ناضجة فيما بعد عند نحويّيْن هما ابن جني وعبدالقاهر الجرجاني؛ ذلك أن فكرة أن العرب يحذفون ويعوضون، ويستغنون بالشيء عن الشيء الّتي أشار إليها فرضت انتظام التحليل النّحوي فيما بعد، وهي بمعنى ما مبادئ اُستخدمت في شرح ما ينطق به المتكلم.

لا أعني بالمبادئ سلسلة مرتبطة من المفاهيم العلمية الّتي تصف ظاهرة أو حدث كما عرفها العلم الحديث ؛ إنما أعني بها مفاهيم جديدة للمساءلة في النّحو والصرف العربيين كالحذف والتعويض والاستغناء [15] تعبر بوضوح عن إشكاليات كـ لماذا قالوا يدع ولم يقولوا ودع؟ لماذا قالوا زنادقة ولم يقولوا زناديق؟. وهكذا هناك أسئلة سعى سيبويه إلى الإجابة عنها، ولكي يجيب عنها فكّر على مستويين: الأول مستوى ما يُسمع ، والآخر مستوى ما لم يُنطق. وقد أتاح له هذا شكلا من التعقّل أخذ شكلا كافيا من الوضوح مما أدى إلى نتائج جديدة على مستوى البحث.

لا يستطيع سيبويه أن يتابع مشروعه؛ أعني إنشاء تفكير نحوي جديد إلا إذا فطن إلى العلاقة بين اللفظ والمعنى، والفصل الّذي افترضه الجابري لم يكن مفكّرا فيه آنذاك. وما فعله سيبويه هو تطوير لفكرة التقصّي عن العرب. وهو يبدأ البابين بـ ” اعلم أن من كلامهم ” و ” اعلم أنهم مما (ربما) يحذفون ” وهو مما أدى إلى أفضل النتائج؛ أعني تقصّيا رسم إلى حد ما الحدود للألفاظ والمعاني؛ فاللفظان قد يختلفان لاختلاف المعنى، وقد يختلفان والمعنى واحد، وقد يتفقان ويختلفان في المعنى وإن كان الواقع اللغوي قد يستعصي على هذا التحديد الدقيق.

مفاهيم الكتاب الذهنيّة 

يهدف التقصي عن العرب الّذي يُفهم من أمثلة سيبويه لاختلاف الألفاظ لاختلاف المعنى (جلس وذهب) واختلافهما والمعنى واحد (ذهب وانطلق)  واتفاقهما واختلافهما في المعنى ( وجدت عليه، ووجَدت ) إلى استكشاف معنى ما يُنطق به. إن الفضول العلمي هو ما يدفع إلى البحث في الفروق الدقيقة بين الألفاظ؛ فنحن نتكلم في تجربتنا اليومية بكيفية عائمة وفضفاضة، وحين نتحدث لا نتوخى الدقة في دلالة اللفظ على المعنى أو ” مطابقته “. فهناك نمطية عامة في التحدّث  مشروطة بألا تعرقل تواصلنا في الحياة اليومية، وتبادل تجاربنا العامة في أناس يشبهوننا.

فرض الفضول العلمي المتعلق باللفظ والمعنى طريقة موسعة في الترسيمات التفسيرية سلكت بسببها المساءلة الذهنية في كتاب سيبويه دربا جديدا أفضى إلى  مفاهيم تشير إلى ما يختفي خلف الظاهر المنطوق به، وهو ما يُفهم من  حذف العرب بعضا من كلامهم . ثم شمل هذا الفضول المعرفي  استكشاف مجمل الظاهرة اللغوية ، ومن هذا المنظور فإني أذهب إلى أن الحذف هو ما قاد إلى مفهوم الإضمار ومن ثم مفهوم العامل، وليس العكس[16]؛ ذلك أن الحذف مفهوم أقل تجريدا من الإضمار والعامل، مما يعني أن الأكثر تجريدا يتلو الأقل تجريدا.

إن التفكّر في الحذف ثم الإضمار ثم العامل الّذي يشمل كل ذلك هو قفزة النّحو العلمية، ومفهومه الذهني، وهو تصور ذهني تأويلي، وأداة تحليلية لعلم النّحو[17] .وما كان لسيبويه أن يعقد باب ” مجاري الكلم العربية ” بدون  مفهوم العامل، وما كان له أن عقلانيا وعلميا هو يتوقف عند قضايا تتعلق بأساليب النداء والقسم والاختصاص إلخ من دون  افتراض الحذف أو الإضمار.

يجب أن نضع هنا في اعتبارنا وظيفة مفاهيم الحذف والإضمار والعامل؛ ذلك أنها تجعل من التبليغ (إحدى وظائف  اللّغة) تبليغا افتراضيا، وبفضل هذا الافتراض يصبح الكلام موضوع  النّحو من حيث هو معرفة . ولقد كان سيبويه واعيا بذلك وهو يقول ” وهذا تمثيل ولا يُتكلم به[18]“. يعلق أبو زيد على أن هذه العبارة  دليل ” على وعي سيبويه بالفارق بين ” العبارة الأصلية ” موضوع التحليل وبين ” العبارة الشارحة ” . ومعنى قول سيبويه إن ” العبارة الشارحة ” ” تمثيل ولا يتكلم به” أن تقدير المحذوف مسألة افتراضية. وإذا كان المحذوف هو العامل فذلك يؤكد ما ذهبنا إليه من أن ” العامل ” مجرد تصور ذهني تأويلي، أو هو أداة تحليلية لبناء العلم[19] ” .

المنزلة المعرفيّة للّغة الكلام مقابل لغة الشعر

أنهى سيبويه رسالة الكتاب بمجموعة من الملاحظات، وأدرجها تحت عنوان عام هو “باب ما يحتمل الشعر” . يقول ” اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام  من صرف ما لا ينصرف (…) وحذف ما لا يحذف (…) وربما مدّوا مثل مساجد ومنابر (…) وقد يبلغون بالمعتل الأصل فيقولون رادد في رادّ، وضننوا في ضنوا، ومررتم بجوارى قبل (…) ومن العرب من يثقّب الكلمة إذا وقف عليها ولا يثقلها في الوصل، فإذا كان في الشعر فهم يجرونه في الوصل على حاله في الوقف نحو: سبسبّا وكلكلاّ ( … ) ويحتملون قبح الكلام حتى يضعوه في غير موضعه ( … ) وجعلوا ما لا يجري في الكلام إلا ظرفا بمنزلة غيره من الأسماء”.

لقد أطلت الاستشهاد لكي أحدد قيمة ما أورده سيبويه فيما يتعلق  بالمنزلة المعرفية للغة الكلام في مقابل لغة الشعر، ولكي أدعم تصور لغة الشعر على طريقة الخليل بن أحمد الّذي قد  يرى البعض أن سيبويه أورده متأثرا بالخليل؛ فالنصان فيما أذهب إليه  لا يتماثلان، ولا يتحملان المعنى ذاته من جهة الغاية ؛ ذلك أن الغاية عند الخليل بن أحمد غاية عروضية تتعلق بالوزن؛ فالفرزدق –مثلا-مد الصيارف في بيته الشهير ” تنقاد الصياريف ” من أجل أن يستقيم الوزن.

أما الغاية عند سيبويه فهي غاية نحوية؛ أي لا يجب أن تخضع لقواعد النّحو من حيث الصحة والخطأ، ذلك أن الشاعر اضطر إلى ذلك اضطرارا لكي يكون له لغته الخاصة، وهو ما يفهم من قوله ” وليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجها “. ويمكن أن نفهم هذا القول في إطار أن اللّغة منظومة اجتماعية، فهي تقتضي دائما بأن يضحي الفرد بلغته الخاصة من أجل لغة الناس جميعا، وما يحدث للغة الشعر هو أن الشاعر يضحي بلغة الناس من أجل لغته الخاصة.

*******

[1] – سيبويه، الكتاب، مجـ1/ ص 20.

[2] – المصدر نفسه، ص 21 .

[3] – المصدر نفسه، 22 .

[4] – المصدر نفسه، ص 22

[5] – المصدر نفسه، ص 22.

[6] – سيبويه، الكتاب، مصدر سابق، ص 23-24.

[7] – حسان، تمام، اللّغة العربية مبناها ومعناها، مرجع سابق، ص 18.

[8] – يذهب تمام حسان إلى أن علاقة الإسناد لا تكفي بذاتها، وأن المُعْرب يحتاج إلى قرائن أخرى لفظية؛ فالإسناد هو إحدى القرائن وليس كلها . انظر: اللّغة العربية، مبناها ومعناها، مرجع سابق، ص 191-194.

[9] – انظر الفصل السادس من هذا الكتاب.

[10] – الجابري، محمد عابد، بنية العقل العربي، دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، الطبعة الثالثة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1990، ص 41.

[11] – المرجع نفسه، ص 48.

[12] – المرجع نفسه، ص 46.

[13] – المرجع نفسه، ص 48.

[14] – المرجع نفسه، ص 50

[15] – اقتصرت هنا على ما نص عليه في البابين. انظر الكتاب، ص 24-25، وتبعا لهذا فالأسئلة الّتي عرضتها تعبر عن إشكاليات معينة تتعلق فقط بما ذكره سيبويه أمثلة على الحذف والعوض الاستغناء.

[16] – ذهب أبو زيد إلى أن مفهوم العامل هو ما أدى إلى توليد مفاهيم نحوية أخرى كالإضمار والحذف . انظر، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، مرجع سابق، ص 201-202.

[17] –  انظر: المرجع السابق، ص 194-203.

[18] – انظر: سيبويه، الكتاب، مصدر سابق، على سبيل المثال، ص 103، 353.

[19] – أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، ص 198.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق