فيروز التونسيّة حلمت بالمسيح فخسرت حضانة ابنها / خولة بو كريم

تروي لنا فيروز تروي قصة منامها الذي قلبَ حياتها رأساً على عقب، وقادها لأن تخسر حضانةَ طفليه قبل ٨ سنوات، وهي لا تزال تسعى لتوفير مسكن لائق لابنتها القاصر لكن القوانين ضدها.

“كنتُ أراني في قبو مظلم وقدماي لا تلامسان الأرض، وفجأة أسمعُ صوتاً يناديني…

سألته من أنت؟

أجابني مرتين

أنا المسيح… أنا المسيح…

ثمّ أخذ بيدي خارج القبو وتركتُ الظلام خلفي لأجد نفسي محاطةً بنور أبهرَ عينيّ…
استيقظتُ مذهولةً، من هول ما رأيت، لم أتردّد للحظة في إيقاظ زوجي وإخباره بمَا حلمت، ولو كنتُ أدري أنّ روايتي ستغير مجرى حياتي لما تكلّمت في تلكَ الليلة من شهر آب/ أغسطس عام 2002…

تقولُ فيروز (اسم مستعار) كلماتها والدموع تنهمرُ من عينيهَا وكأنّها تسترجعُ تلك الليلة بحذافيرهَا، وكأنّ تفاصيلَ الحلم الذي قلب حياتها تُعرض أمامها في شريط قصير.

هي أم لصبيين تربَّيا بعيداً منها حتى بلغا اليوم سنّ المراهقة ولفتاة صغيرة لم تتجاوز الثامنة، تلكَ التي ما زالت تكافح من أجل تأمين مستقبل أفضل لها كما تقول…

اتهمت بتغيير دينها فانقلبت حياتها إلى كابوس

تروي لنا فيروز قصتها بألم ظاهر عن حلم ربَّما رأتهُ هي غريباً وبسيطاً، لكنّه كان سبباً في تغيير مسار حياتها، بعد أن رفعَ زوجها دعوى طلاق للضّرر باعتبارها “ناشزاً” وفق القانون التونسيّ وادعى أنهَا “غيّرت دينها من الإسلام إلى المسيحية”.

والناشز في فقه القضاء التونسي هو امتناع الزوجة عن مساكنة زوجها، ومن شأنه أن يلحق ضرراً بهذا الأخير ويعد إخلالاً منها بواجب حسن المعاشرة وموجباً للطلاق للضرر بناء على ثبوت النشوز.

هذا الأمر الذي تنكره فيروز بشدة وتؤكد أن الحلم الذي رأته لم يغيّر قناعتهَا ولا عقيدتهَا وأنها لا تزال مسلمة وأن الدّين في القلب والرّوح وليس مجرد كتاب أو مسميات”.

وعلى رغم أن فيروز لم تنكر أنها أخذت أولادها وهجرت بيت الزوجية لمدة أسبوعين قبيل الطلاق، إلا أنها تؤكد أن الحكم جاء نتيجة اعتقاد القاضي بأنها أصبحت مسيحية وشهادة زوجها بذلك.

“نعم أخذت أولادي ومكثتُ عند صديقتي لأسبوعين بعد أن تزايدت المشكلات بيني وبين زوجي وذاعَ أمري وسط المحيطين بأنني غيرت ديني، لم أكن أنوي الهروب وإنما الابتعاد قليلاً من سخرية أفراد العائلة والجيران، وإلا ما كنت لأعود إلى زوجي بكامل إرادتي”..

حكم الطلاق
ربح زوج فيروز قضية الطلاق للضرر (وفق القانون التونسي) وحرمت من حضانة طفليها، وحكمَ القاضي بحضانة ابنتها فقط البالغة وقتها 4 سنوات، واستند في حكمه إلى شهادة الزوج الذي صرّح بأن زوجته غيرت دينها من الإسلام إلى المسيحية وهو يخشَى أن يتربَى أولاده في ظلّ أم غير مسلمة. بعد الطلاق وجدت فيروز نفسها وحيدةً من دون منزل أو مأوى، وحتى أهلها لم يكفلوها هي وابنتها واضطرت إلى التنقل من محافظة إلى أخرى بحثاً وراء لقمة العيش.

إلى اليوم وبعد مرور سنوات على الطلاق، ما زال زوجها يرفضُ تأمينَ مسكن لائق لابنتها، على رغم أن القانون التونسي يجبره على ذلك، وقد رفعت فيروز قضية مطالبة إياه بسداد نفقة ابنته القاصر، وهو أملها الأخير لتأمين مستقبل الصغيرة. تقول فيروز إن حلمها الوحيد اليوم، أن يكون لها بيت ملكها أو أن تستطيع تأمينَ ايجاره حتى تربّي فيه ابنتها وتنفقَ على مصاريف تعليمها.

عانت كثيراً قبيل الطلاق وبعده، بعد أن كانت محط سخرية جميع أفراد عائلتها بسبب انتشار قصة الحلم “الغريب” ومناداة المسيح إياها. أصبحت تخشى أن تذهب إلى أي مكان حتى لا تجد أن قصتها مع “المسيحية” قد سبقتها. لذلك هجرت مسقط رأسها في الجنوب التونسي وتعيش الآن في حيّ شعبيّ في العاصمة.

رغم مرور السنوات لكن لا تزال تفاصيل القضية عالقة في ذاكرتها خصوصاً لجهة التعامل الاجتماعي معها،”لقد كانت قاعة المحكمة تعجّ بالناس عند دخولي. سألني القاضي هل غيرت دينك فعلاً؟ الجميع كانوا يضحكون ويهزأون لكنني حتى اليوم لم أفهم السبب. فإن كانوا يضحكون بسبب تغييري ديني فأنا لم أفعل ذلك وإلى اليوم أشهد وأوحد، وإن كانوا يضحكون لأنني امرأة عفوية أقول ما يخطر في بالي فأنا كاملة القوى العقلية ولم أقم بأي فعل خارج عن السياق… لقد تم الاستهزاء بي في قاعة المحكمة وأحسستُ بالخجل والحزن الشديدين”…

الوضعية القانونية في تونس

على رغم أنّ القرار التعقيبي المدني عدد 27602 مؤرخ في 26 كانون الأول/ ديسمبر 2003 يؤكد أن مصدر حضانة الأم هي الأمومة وطالما توفرت فيها الصلاحية ولم ينهض في حقها سبب من الأسباب التي تسقط بها الحضانة كأن يكون في حضانتها خطر على المحضون من حيث تنشئته، فمن مصلحة المحضون العمل على استقراره لتوفير الأمان والاطمئنان وعدم الإزعاج.

إلا أن الجزء الثاني من هذا النص القانوني لم يأتِ صراحة على أن تغيير دين الأم أو اختلافه عن دين الأب يمكن أن يشكل خطراً صريحاً على تنشئة المحضون.

كما أن الفصل 59 من مجلة الأحوال الشخصية التونسية يمنعُ مستحقة الحضانة في حالة أن تكون من غير دين أب المحضون، وينص على أنه لا تصح حضانتها إلا إذا لم يتم المحضون الخامسة من عمره وأن لا يخشى عليه أن يألف غير دين أبيه.

المحامية حياة الجزار
إلا أن أحكام هذا الفصل لا تنطبق على الأم إن كانت هي الحاضنة. وهنا يؤدي اعمال الفصل المذكور إلى تأكيد حق الأم في حضانة ابنها وان كانت من دين غير دين وليه، لكن التطبيق مغاير لذلك.

فليس هناك ما ينص صراحةً في القانون التونسي على حرمان الأم بذاتها من حضانة أبنائها في حال اختلاف دينها عن دين أب المحضون.

وفي هذا السياق، تؤكد حياة الجزار، محامية لدى محكمة التعقيب، أنهُ “ليسَ هناك أي فصل أو قانون يمنحُ الأب حضانةَ الأطفال استناداً إلى تغيير الأم دينها أو بسبب اختلاف دينها من الأساس عن دين الأب، وكل النصوص المحليّة وحتى المواثيق الدولية التي وقعت عليها تونس بخصوص حماية الطفل وغيرها من القوانين التي تعتبر مرجع النظر في خصوص قضايا حضانة الطفل، لا تتضمن أي اشارة من قريب أو بعيد، تمنحُ الأب الحق في الحصول على الحضانة بعد ان تغيّر الأم دينها أو عند اختلاف دينها عن دين الأب من الأساس”.

لكن هناك أحكام عدة صادرة في هذا الخصوص، تدل على أن بعض القضاة في تونس يصدرونها تبعاً لأفكار ومعتقدات “محافظة” تستندُ أساساً إلى أنَّ تونس دولة إسلامية و”غالبيّة شعبها مسلمة”، ولا تجوز تربيةُ أطفال مع أمّهات غير مسلمات”. لكن التقدير يبقى للقضاة الذين تعترضهم مثل هذه الحالات، لا سيما في ما يتعلق بالزواج المختلط وما يترتب عنه من نزاعات بين الوالدين على حضانة الأطفال بعد الطلاق.

حرية الضمير مكفولة بالدستور التونسي لكنّ التطبيق دون المرجو

على رغم أن الدستور التونسي يضمن في فصله السادس حريّة المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، وهو إقرار صريح من الدولة التونسية بالتعددية الدينية، إلا أن الممارسة على أرض الواقع لا تزال بعيدة من جوهر النصوص. كما أن الفصل المذكور نفسه نصَّ على أنّ الدولة هي الرّاعية للدين وملتزمة نشر قيم الاعتدال والتسامح وحماية المقدسات وعدم النيل منها، كما تلتزمُ منع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف والتصدي لها.

لكن الواقع يشير إلى تزايد مآسي الأمهات الحرومات من الحضانة على أساس ديني ونخص بالذكر هنا الأجنبيات المقيمات في تونس أو المتزوجات من تونسيين في الخارج، ففي ظل غياب إحصاء رسمي عن وزارة العدل بعدد القضايا المرفوعة في خصوص حضانة أطفال الزيجات المختلطة، لا تزال الأحكام التونسية يتأرجح مفادها في الإنصاف، تارة للطرف التونسي وتارة للطرف الأجنبي، على رغم تأكيد التشريعات التونسية أن المصلحة الفضلى للمحضون هي أساس الأحكام كلها، إلا أن عدد الصرخات تتعالى من الطرفين بسبب معضلة اختطاف الأطفال وتهريبهم إن كان من الأب التونسي أو الأم الأجنبية.

الطفل هو الضحية، ذلك الذي “يخشى عليه أن يألف غير دين أبيه”

وفق مقال صادر عن “المفكرة القانونية” سجلت إحصاءات فرنسية عام 2012 وجود 158 حالة اختطاف طفل من طرف أحد أبويه، كانت 17 حالة منها في تونس. وتوحي أهمية نسبة “التورط” التونسي في اختطاف الأطفال بحسب الاحصاءات الفرنسية بدور للمنظومة الرسمية التونسية في حماية أبناء الجنسية التونسية الذين يستعملون وطنهم ملاذاً آمناً يسهل حسم نزاعاتهم الأسرية خارج إطار قوانين بلد الإقامة بانتزاع قسري للطفل من محيطه العائلي والحضاري.

يشترط القانون التونسي بموجب الفصل 61 من مجلة الأحوال الشخصية ألا تسافر الحاضنة بمحضونها سفر نقلة يؤدي إلى منع الولي (الأب) من ممارسة صلاحيات ولايته. ودرج فقه القضاء التونسي على اعتبار أن انتقال الحاضنة داخل رقعة البلاد التونسية لا يؤدي إلى إسقاط الحضانة، فيما عدّ سفر الحاضنة بمحضونها خارج البلاد التونسية متى كانت تونس المقر الأصلي لإقامة المحضون، سبباً لإسقاط الحضانة.

وعلى رغم توقيع الدولة التونسية والجمهورية الفرنسية اتفاقية تتعلق بالتعاون القضائي في مواد الحضانة وحق الزيارة والنفقة في 18 آذار/ مارس 1982، وعلى رغم إدخال تعديلات عليها في 2 كانون الأول 198، إلا أن هذه الاتفاقيات يجب أن يشمل دول أخرى كثيرة تشملها الزيجات المختلطة لا سيما الدول الأوروبية.

خلال السنوات الثماني الماضية، سعت تونس جاهدةً إلى تطوير ترسانتها القانونية والانفتاح أكثر على النّواقص التي تمس جوهر حقوق الإنسان عموماً والحريات الفردية خصوصاً. إلا أن مسألة حرية الضمير والتعبير بحرية عن المعتقد الديني، لا تزال قضية شائكة وتثير حولها جدلاً كبيراً، ولا تمس مسائل الحضانة وحسب، إنما أيضاً مظاهر أخرى في الحياة اليومية للتونسيين.

عن موقع درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق