جمال القرى.. لماذا سمّى تروتسكي روزا لوكسمبورغ “دولسينيا الثورة”؟(*)

في الذكرى المئوية لاغتيال روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت، يبرز سؤال جدّي حول تقاطع المصالح في إنهاء حياتهما.
حقيقة أن روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت ماتا على أيدي المناهضين للثوّار الألمان معروفة للجميع. أسماء الجناة معروفة، ومن المعروف أيضاً اسم قائد فيلق المتطوّعين الكابتن فالديمار بابست. وتؤكّد جريدة نويس دوتشلاند المؤرخة في 10 كانون الثاني العام 2009، حول ما حدث في تلك الأيام في المدن الألمانية أن “وسائل الإعلام الألمانية عادةً ما تكتب بطريقةٍ قصيرةٍ ومختصرة عن أسوأ جريمة قتل مزدوجة في تاريخ ألمانيا”، وأن بابست “قام بعملياتٍ إرهابية في برلين وميونيخ، مما أدّى إلى مقتل الآلاف من الناس”.

ألقي القبض على كارل وروزا في شقّةٍ إختبآ فيها في برلين، وكان معهما ناشط آخر في الحزب الشيوعي، كان قد جلب لهما وثائق مزورة. اسم هذا الناشط هو فيلهلم بيك، وفي وقت لاحق، أصبح ستالينياً مخلصًا وعمل في مجال الكومنترن. كما تتبدّى معلومة أخرى هنا، ماذا كان يفعل كارل راديك في برلين الذي تواجد فيها بشكلٍ غير شرعي عشية اعتقال روزا وكارل، وكان يعلم بمكان مخبئيهما؟

على عكس روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت اللذين قُتلا في اليوم التالي على أيدي جنود فيلق المتطوّعين، فقد أُطلق سراح بيك. لقد أخبر هو نفسه قصة غريبة إلى حدٍ ما حول كيفية تمكّنه من تبديد الشكوك أثناء الاستجواب الأول، وهرب وهو في طريقه إلى السجن. لكن بعد عدة سنوات، في العام 1962، قال فالديمار بابست وهاوبتمان اللذان قاما باستجواب أولئك الذين اعتقلوا في العام 1919 في مقابلة مع مجلة شبيغل، أن بيك لم يهرب، بل أُطلق سراحه.

وفي المقابلة الأخيرة التي أجرتها معه مجلة شبيغل في العام 1969، أقلّ بابست من الكلام : “كوني فارساً، لقد دفعت ثمن أعمال الحزب الديمقراطي الاجتماعي حينها بإبقاء فمي مغلقاً لمدة 50 عاماً. وإذا انفجرت، فسأقول الحقيقة التي أودّ تجنبّها…”. ولكنه لم ينفجر ومات ودُفن سرّه معه وظلّ الأشخاص الرئيسيين في جريمة الاغتيال مجهولين.

منزعجًا من الفظائع الشنيعة، لم يتعب لينين قائد الثورة من وصم المناهضين للثوّار الألمان في الخطابات والمقالات والتقارير:
“إن إعدام روزا لوكسمبورغ وقتل كارل ليبكنخت في ظهره، مع الإشارة الكاذبة أن ذلك حدث خلال محاولته الهروب”.. هنا، تعجز الكلمات من أن تعبّرعن بشاعة هذه المجزرة التي يُزعم أن الاشتراكيين قد ارتكبوها”. لقد أتت هذه الكلمات الأخيرة من فم لينين. كانت هناك شائعات بأن الاشتراكيين ارتكبوا المجزرة، وهذه الشائعات موثّقة. في ألمانيا، عرف رفاق كارل وروزا هذا. وفي روسيا أيضاً، عرفوا الحقيقة. غير أن غافريل إيليش مياسنيكوف من الحرس البولشفي القديم عارض القسوة الجامحة لذلك الإرهاب، معتبراً أن هذه الأساليب هي أساليب كانت تُعتمد في الأعوام 17-18 وليس في الأعوام 19-20.

لم يُسمع صوت المعارض الوحيد، وسرعان ما أُرسل مياسنيكوف إلى خارج البلاد. ولينين لا يزال يكتب المقالات، مشيراً إلى المزايا الثورية لمؤسسّي الحزب الشيوعي الألماني لوكسمبورغ وليبكنخت. لقد كشف الكاتب ليف نيكولايفيتش سمولينتسيف سرّاً عن فالديمار بابست. فقد وجد في الجزء الشمالي البعيد مجلةً قديمةً في أرشيف محطةٍ زراعيةٍ تجريبيةٍ بالقرب من قرية اوست تسيلما الروسية القديمة. كانت المجلة موضوعة من بعض المجلات الألمانية مع صورةٍ لروزا لوكسمبورغ. كانت هذه مقالة كتبتها تحت عنوان “الديكتاتورية والديمقراطية” جاء فيها: “لقد بدّل البلاشفة الطريق، وقاموا بفرط عقد الجمعية التأسيسية في 9 يناير 1918”. كان لينين وتروتسكي قد أعلنا في وقت سابق: “نحن نمثّل انقلاب أكتوبر من أجل خلاص الجمعية التأسيسية ومن أجل خلاص الثورة بشكل عام!”…”والآن الخطوة الأولى هي فرط عقد الجمعية التأسيسية ومن ثم أتى تصريح تروتسكي بأن أي تمثيل شعبي قائم على انتخابات شعبية عامة هو ضارّ وكارثيّ للثورة”…”لا يسع المرء إلا أن يندهش من هكذا استنتاج لهؤلاء الأشخاص الأذكياء مثل لينين وتروتسكي.”…”إن استثناء الديمقراطية للجماهير تغلق مصادر حيوية الثروة الروحية والتقدّم.” “حتى أكثر من ذلك: إن ديكتاتورية حفنة من السياسيين ستؤدّي حتماً إلى الهمجية في الحياة العامة وإلى الإرهاب وإعدام المعارضين”. كتبت روزا هذا المقال أثناء وجودها في السجن، بعد أن علمت بحلّ الجمعية التأسيسية على يد البلاشفة. صدر في عام 1918، ونُشر في صحيفة روت فان. كتب الكاتب سموليستيف: “لم تُدِن روزا الثوريين فقط، بل انتقدت لينين وتروتسكي بشكلٍ حادّ. لقد حذّرت روزا من أن “دكتاتورية العشرات من قادة الأحزاب، حتى لو كانت واعدة، فهي ستجفّف الحياة في السوفييت وصولاً إلى التشوّه الأعمى. اليوم في روسيا لا يوجد حتى دكتاتورية للطبقة العاملة، ولكن هناك إملاءات من قٍبل حفنةٍ من قادة الأحزاب”. هكذا رأت روزا لوكسمبورغ الدولة السوفياتية الأولى. وقادة الثورة لم يغفروا هذا. وكانت هذه المقالة سبباً لعقوبتها.

إن روزا لوكسمبورغ التي أطلق عليها تروتسكي لقب دولسينيا الثورة، قُتلت في العام 1919.
وتتبادر إلى ذهني كلمات مكسيم غوركي: “البلاشفة يجرون روسيا إلى الجلجلة”. “لقد كانت روزا أكثر حكمة وشجاعة، ووصفت أصول وأسماء مهندسي الجلجلة في روسيا”.
كانت روزا لوكسمبورغ من بين مؤسّسي الحزب الشيوعي الألماني، وكان لينين يثمّن عالياً ميزتها الثورية، ووصفها بأنها نسر شيوعي عظيم، وممثّل عن الماركسية الثورية الحقيقية، مؤكدًا أن أعمالها ستكون “درسًا مفيدًا لتعليم أجيال عديدة من الشيوعيين في جميع أنحاء العالم”.

لكن لماذا أطلق تروتسكي على روزا اسم دولسينيا الثورة؟ أكان هذا ثناءً على روزا أم سخرية؟ هل لأنه علم بأن بارفوس المشهور، عرّاب علاقة لينين مع ألمانيا قد غادر معها بعدما جمع أموال عروض غوركي المسرحية كلها في برلين إلى إيطاليا؟

عند افتتاح المؤتمر الشيوعي الدولي الأول الذي عُقد بين 2 و6 آذار 1919، يقترح لينين “إحياء ذكرى أفضل ممثلي الأممية الثالثة ليبكنخت ولوكسمبورغ”. وفي التاسع من آذار، أكّد لينين مرّة أخرى في الخطاب الختامي: “دعوا البورجوازية في العالم بأسره تواصل الغضب، دعوها تلاحق وتضع السبارتاكيين والبلاشفة في السجن، بل وتقتلهم، فكل هذا لن يساعدها. إن نصر الثورة البروليتارية في العالم كله مضمون، وإن تأسيس الجمهورية السوفياتية الدولية قادم “.

أما ن. بوخارين، فسيتحدّث في عام 1926 عن أخطاء روزا لوكسمبورغ: “لقد كتبت روزا لوكسمبورغ الكتيّب في السجن من دون الحصول على معلومات كاملة عن الوضع في روسيا السوفياتية ، والذي انعكس في تقييماتٍ غير صحيحة للتكتيكات البلشفية”.

وفي تموز 1927، عندما مثل أمام محكمة الحزب الذي طرده من صفوفه، تذكّر تروتسكي الثوّار البارزين، استطاع أن يشير إلى فظائعهم: “أؤكد أنني لم أختلف أبداً مع البولشفية في مسائل معينة أكثر مما اختلفت معها فيها روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت”. فهل من يجرؤ على القول إنهما كانا من المناشفة “. أليس هذا حكم؟! وفي الثاني من نوفمبر عام 1927، كتب: “يتبيّن كم هو صعب تصحيح التاريخ بأثرٍ رجعي”.

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق