فيلم سبايك لي “رجل كو كلوكس كلان الأسود”: العنصريّة أمس واليوم / سامر مختار

يبدو أنه بات من الصعب اليوم، على المهتمين، في تناول قضية سياسية أو اجتماعية، في حقبة زمنية معينة، في فيلم سينمائي؛ الاكتفاء بسرد أحداث الماضي، من دون تأمل تجلياته في الزمن الحاضر. وإلا فسيكون الاكتفاء بسرد حقبة زمنية معينة، إما نوعاً من الحنين إلى الماضي، أو نوعاً من «الترحم» عليه؛ كونه ماضياً مظلماً، ولن يعود. أو في أفضل حالات هذا السرد، فهو محاولة لفهم ما حدث في الماضي، ومحاولة لسرد جزء من تاريخ، تم تجاهله، أو تشويهه في «التاريخ الرسمي» لبلد ما، أو حرب أهلية، في مكانٍ ما.

ومن تلك القضايا العائدة من الماضي، والحاضرة بقوة في عصرنا، هي قضية العنصرية تجاه السّود في الولايات المتحدة الأميركية، من قبل أفراد، وأحزاب وجماعات يمينية متطرفة. والتي زادت حدة تطرفها، مع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلطة في 20 كانون الثاني/ يناير 2017.
لذلك أتى فيلم «blackkklansman» أو «رجل كو كلوكس كلان الأسود» 2018 للمخرج الأميركي سبايك لي، والذي حاز الجائزة الكبرى في مهرجان كان السينمائي في دورته الأخيرة، بمثابة تحذير من تداعيات خطاب العنف في اللحظة الراهنة. فالفيلم المأخوذ عن قصة حقيقة؛ يحكي قصة الشرطي الأميركي من أصل أفريقي رون ستالورث، والذي عمل محققاً سرّياً، في قسم شرطة ولاية كولورادو سبرينغ في فترة السبعينات. إذ ينجح رون والذي يلعب دوره الممثل جون ديفيد واشنطن، في اختراق منظمة «كو كلوكس كلان» المتطرفة، بمساعدة زميله فيليب والذي يلعب دوره الممثل آدم درايفر. سيتواصل رون مع أعضاء من المنظمة على الهاتف، في حين سيحضر فيليب اجتماعات المنظمة بعد أن يغيّر اسمه إلى رون.

ومن المعروف عن منظمة كو كلوكس كلان، إيمانها بتفوق الأميركي الأبيض، الذي ينحدر من العرق الآري، على «الأعراق» الأخرى، وكرهها الشديد للسود، ولليهود.

لكن قبل هذه المهمة، يكون رون ستالورث، قد كُلِّفَ بمهمة التجسس على خطاب لعضو سابق بحركة الفهود السود ستوكلي كارمايكل، وستكون هذه المهمة بمثابة التحدي بالنسبة إليه، فمن خلال هذه المهمة، ستتاح له فرصة «الترقي الوظيفي» داخل قسم الشرطة، بعد أن تم توظيفه قبل تلك المهمة، في قسم السجلات والأرشيف، والذي اعتبره رون استخفافاً به، وتحجيماً لدوره داخل قسم الشرطة.

وعند ذهابه للاستماع إلى خطاب ستوكلي كارمايكل سيتعرف إلى باتريس داماس رئيسة حركة اتحاد طلبة كولورادو سبرينغ السود. وهذا ما يتيح لنا أن نرى اختلاف الآراء والنقاشات داخل مجتمع السود في كيفية مقاومة العنصرية تجاههم. فبينما تكون باتريس مع الخيارات الراديكالية في مواجهة العنصرية ضد السود، واستخدام العنف بحقهم من قبل ضباط بيض من الشرطة؛ يكون رون مع خيار التغيير «من داخل» مجتمع البيض، هذا ما يقوله لها عندما يلمح لدوره في العمل في قسم الشرطة، من دون أن يعترف لها بأنه محقق سري، في بداية الأمر.

يتجنب الفيلم تأطير قضية العنصرية بكليشيهات جاهزة، فلا مشاهد عنف مفتعلة على سبيل المثال، ولا مشاهد تحاول استعطاف الجمهور مع القضية بشكل مبالغ فيه. وفي الوقت ذاته هناك الكثير من الكوميديا السوداء، والسخرية اللاذعة من عقلية الأميركي الأبيض المتطرف. إذ كان سهلاً على رون خداع أعضاء جماعة كو كلوكس كلان، من خلال خبرته بالتحدث – عبر الهاتف- بلكنة أميركي أبيض متطرف، فيدعي أنه رجل أبيض، وقام أحد السّود بالتحرش بأخته، ويريد أن ينضم إلى جماعة تبعد منه أذى السّود. أما فيليب شريكه الأبيض، فهو من يتولى انتحال شخصيته، في الاجتماعات واللقاء مع أعضاء الجماعة، وهو الآخر لا ينجو من التشكيك بأنه يهودي (وهو كذلك بالفعل) من قبل أحد أشد الأعضاء تطرفاً، والذي يدعى فيلكس، والذي يحاول وضعه على جهاز كشف الكذب في منزله.

ينجح التحقيق السرّي، بتعطيل أكثر من عملية عنف كانت تخطط لقيامها جماعة كو كلوكس كلان، لكن المفاجأة، أنه وبأوامر من “سلطات عليا”، يُطلب من قسم الشرطة إتلاف تحقيق رون ستالورث، والسكوت عن جرائم الجماعة.

بالمقابل، عمد سبايك لي إلى الإشارة إلى التراكم الثقافي والفني، الذي ساعد على ترسيخ الصورة العنصرية ضد السود، في ذهن المجتمع الأميركي، إذ أنه يفتتح الفيلم بمشهد من فيلم تعتبره هوليوود من أهم أفلامها الذهبية، وهو فيلم «ذهب مع الريح»، الذي لا يخلو من نعرات عنصرية، وتشويه للسود الأميركيين. كما أن فيلم « ولادة أمة » 1915 سيكون حاضراً، داخل قاعة مغلقة، وضمن طقوس أشبه بطقوس الماسونية، وأعضاء منظمة كو كلوكس كلان يشاهدونه، وحالات الهياج، والابتهاج، التي تعبر عنها وجوههم، عندما يتم تعذيب أميركي أسود.

ويختتم سبايك لي فيلمه بمشاهد وثائقية، لأحداث عنف شهدتها الولايات المتحدة الأميركية في السنوات الأخيرة، كان أعنفها قيام أحد أعضاء منظمة كو كلوكس كلان، بدهس حشد من المتظاهرين بسيارته، كانوا خرجوا ضد مسيرة نظمها اليمين المتطرف في شارلوتسفيل، في ولاية فرجينيا، والتي أسفرت عن مقتل الناشطة الأميركية هيثر هاير. كما يظهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بخطاب يقول فيه مدافعاً عن المتطرفين: «ليس كل هؤلاء الناس عنصريين… كان هناك ناس لطفاء جداً».

عن موقع درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق