” بنية السراي ” أو ” بلاط السّلطان “

خيال الاستبداد الشّرقي فيّ الغرب الكلاسيكيّ

ترجع قصّة هذا الكتاب إلى سنوات عديدة عندما قرأت مقابلة مع كاتب فرنسي اسمه ” آلان غروريتشارد” أجراها معه “جاك ناصيف ” منشورة في مجلة ” الفكر العربي المعاصر” الصادرة في بيروت في عدد يرجع إلى عام 1981. وكان فحوى المقابلة كتاب غروريشارد الّذي يحمل عنوان ” بنية السراي”؛ وتطرّق الإثنان إلى موضوعات فائقة الأهميّة حول صورة الشّرق الخياليّة في الغرب ودورها الوظيفي في بنية الغرب الفكريّة والسياسيّة وفي رسم صورة لآخر مختلف ومناقض لكلّ ما هو غربي. وقلت لنفسي أنّها بضعة اعوام وتتم ترجمة الكتاب إلى العربية مثل كثير من الكتب الهامّة الّتي تستعرضها المجلاّت ولكن؛ منذ ذلك الوقت لم أسمع شيئا لا عن الكتاب ولا عن مؤلفه؛  وكلّ عام أو عامين أعود إلى قراءة المقابلة نفسها ثمّ أبحث عن الكاتب فلا أجد شيئا، بل إنّني بحثت عن جاك ناصيف الّذي كان على مستوى  المؤلف في المناقشة حول الكتاب، فلم أعثر على شيء عنه وعندما جاء زمن النيت بحثت فوجدت القليل وتبين أنّ الكتاب لم يترجم إلى الانكليزية إلّا عام  1998 ولم أعثر على نسخة انكليزية كاملة واقترحت العنوان على مترجمين أعرفهما  يترجمان عن الفرنسية فقالا أنّهما لم يسمعا به، وأخيرا قام صديقي عمار بدر المقيم في ألمانيا بإرسال النّسخة الانكليزيّة إلي وتحمل عنوان بلاط السلطان، ولكن خلال كلّ تلك السنوات مرت مياه غزيرة تحت الجسر بحيث تبدو سنة إجراء المقابلة العربية مع المؤلف عام 1981 بمثابة سنة البراءة، فما كان الاثنان – غروريشارد وجاك ناصيف – يحذران منه كاحتمال حدث في القرنين الثّامن والتّاسع عشر قد عاود الظهور مع القرن الواحد والعشرين، بل منذ افتتاح الالفية الجديدة بالضبط في الحادي عشر من أيلول عام 2001 وبدل أن يحظى القارئ العربي بترف قراءة الكتاب في الثمانينات فإنّه يعيشه اليوم من خلال صورة آخر غريب ووحشي تستعرضه وسائل الاعلام في كل العالم كنوع من الاستيهام الخيالي الجديد عن الشرق مع أنّ هذا الاستيهام الخطر نفسه كان موضوع الكتاب الصادر بالفرنسية منذ عام 1979. وقد بدأت بترجمة المقدمة الّتي كتبها “مالدن دولار” وفيما يلي ترجمة أربعة صفحات منها.

 

مقدمة كتاب بلاط السّلطان لألن غروريتشار

موضوع مفترض للمتعة

بقلم مالدن دولار

ترجمة نعمان الحاج حسين

في نهاية السبعينات ظهر كتابان يتعاملان إلى حدّ كبيرمع نفس الموضوع، وإن كان بطريقة مختلفة جدّا؛ كانا قد كتبا بشكل مستقل عن بعضهما بعض، وواجها مصيرين مختلفين للغاية. ففي حين لاقى ” الاستشراق ” لإدوارد سعيد (1978) نجاحًا فوريًا وصار مرجعا رئيسيا من اهم المراجع الّتي وجدت في البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية منذ ذلك الحين، فإنّ كتاب ” آلان غروس ريتشارد ” (بنية السراي- خيال الاستبداد الشرقي في الغرب الكلاسيكي 1979) لاقى فقط القليل – وإن كان بحماس – من مجموعة من المعجبين، ممّا جعل طريقه إلى الاعتراف العام بطيئا فقط.! وعلى الرّغم من وجود العديد من التقاطعات ، فإن الكتابين مختلفان بقدر ما يمكنهما في نطاقهما، في المنظور والمنهج والطموحات. كلا الكتابين، يتعاملان مع “أفكار” غربية عن الشرق، ويتشاركان في الاقتناع بأن تلك الأفكاركانت إلى حدّ كبير تحريفات شاملة تعاني من التحيز، وتعتمد التحامل والانحياز والمصلحة الإيديولوجية، بحيث تؤشر في نهاية المطاف على حالة المجتمعات الغربية، وعدم أخذها على محمل الجد كوصف للشرق. هناك أولاً الفارق بين الكتابين في الفترات المدروسة: بالرّغم من أنّ سعيد يجعل عددا من المطالبات العامة ويعطي نظرة تاريخية فجّة، فهو يركز بشكل رئيسي على القرن التاسع عشر والعشرين، أخذا حملة نابليون إلى مصر (1798) كنوع من نقطة تحول في الاستشراق المعاصر (ص 42 و76 و80 و 122 ، وما إلى ذلك). وهذا هو المكان الّذي ينتهي غروريشار للتوقف عنده، مقتصرا على القرنين السابع عشر والثامن عشر (“الغرب الكلاسيكي” ،كمحدد للعنوان الفرعي الفرنسي الأصلي). ثمّ هناك فارق المنطقة المعنية: سعيد يقصر نفسه بوعي على العالم العربي، الشرق الأدنى، بينما تعالج مصادر غروس ريتشارد في الغالب الإمبراطورية العثمانية (التي كانت لا تزال تشكل تهديدًا حقيقيًا في ذلك الوقت). ثمّ هناك اختلاف في المظهرالجانبي: في حين يأخذ سعيد في الاعتبار مجموعة واسعة من وجهات النظر – السياسية والاقتصادية والدينية واللغوية والتاريخية والأنثروبولوجية والثقافية، وما إلى ذلك – يركز غروس ريشارد على منظور محدود إلى حد ما من “المخزن الشرقي” ومقتضياته (الخيال حول الاستبداد الآسيوي، كما يحدده مرة اخرى العنوان الفرعي الفرنسي بالأصل ). وبالتالي، فإن سعيد لم يذكر أبداً أيًا من المصادر الرئيسية لـ “غروس ريتشارد “، والعكس بالعكس. ولكن الأهم من ذلك، أن طموح سعيد الرئيسي هو وضع الأفكار الاستشراقية في نمط أوسع للهيمنة الغربية على الشرق، مما يجعلها ضمن شبكة واسعة من الممارسات الثقافية والسياسية والاقتصادية للإمبريالية والاستعمار، والتي كانت “الأفكار” و”الحكايات” شريكة فيها سواء عن رغبة أو بدون رغبة (لم يكن هناك أبدًا شكل غير مادي من الاستشراق، ناهيك عن كونه بريئًا مثل” فكرة “الشرق) (ص 23)). أمّا مخاوف غروس ريتشارد فتبدو عكسية تمامًا: فهو يركز على الرواية الّتي تقبع خلف عدد من الخطابات عن الشرق في فترة معينة، مع التّركيز على هذا الخيال في شكله النقي – وهو الخيال المقطر، كما كان. ومع ذلك، فإن ما يفعله هو أبعد ما يمكن عن أن يكون غير سياسي، أو محصوراً في عالم معقم للأفكار الصافية: ذلك إنه في الخيال وبمنطقه، ربّما، يمكن للمرء أن يجد أفضل دليل على الجدوى الغريبة لهذه الأفكار.

إذ ربّما في الخيال قد يكون على المرء أن يبحث عن أسرار الهيمنة السياسيّة وآليتها، على الرّغم من أنّه يبدو بعيدًا تمامًا عن كثير من الحقائق الاجتماعية الملموسة. وفوق كلّ شيء، فالخيال ليس عالما للأفكار والتمثلات النقيّة، لأنّه يعتمد في نهاية المطاف على الاستمتاع، الشّيء الّذي يلطخ بلا رجوع النقاوة المثالية المفترضة؛ إنّها آلية “الإنتاج” وإمكانيات الاستمتاع بها، وبهذه الطريقة، يمكن أن تكون المفتاح لحالة بحثنا كموضوعات – موضوعات السياسة وموضوعات الرّغبة – ولممارساتنا. في النّهاية، التّعارض بين المقاربتين يمكن رؤيتها كفرق بين مفهوم واسع وشامل، وبين التّركيز الضّيق على منطق الخيال الّذي يكمن وراء ذلك. حتّى أنّه يمكن للمرء الادّعاء وإن بشكل غير مؤكّد  أن وراء كلّ مفهوم سياسي هناك بذرة فانتازيا هي التي تؤثر في ذلك : أنها تكشف عن “اقتصاد تمتع” معين وذلك ما يجعلها وظيفية. وتحقق ما يمكن للمرء برمجيا حقا أن يدعوه “التّمتع كعامل سياسي” (بحسب عنوان فرعي آخر، من سلافوي جيجيك ” لأنّهم لا يعرفون ما يفعلون ” (1991). الخيال الاستبدادي الّذي يعرضه جروس ريتشارد بالفحص المثابر يتحدّد بدقة تاريخيّة في عصر الأنوار. من المؤكد أن لها ما قبل تاريخ مديد وما لا نهاية لعواقب ما بعده ، وصولا إلى الحاضر (كما بين سعيد بشكل مقنع ). ومع ذلك، فإن فترة التّحقيق المحدودة لها أهميّة استراتيجية هائلة: فهي الوقت الّذي دشنت فيه حرفيا البنية الاجتماعيّة والسياسيّة الأساسيّة  للحداثة، جنبا إلى جنب مع الاصول fonns الأساسية للذاتيّة. إنّه وقت مشهود للمساعي الّتي اقترحت عقلانية مؤسّسة للمجتمع، ومفهوم جديد للدولة والمجتمع المدني والحريّات الديمقراطيّة والمواطنة وتقسيم السّلطة، وهلمّ جرّا؛ ولكن في تقابل غريب، كانت هناك صورة الاستبداد الشرقي بشكل سلبي للغاية ومعاكس لتلك المساعي؛ صورة آخرهم المتخيّل. هذا كان يتغذى بالعديد من التّقارير الوافرة للمسافرين والمدفوعة من خلال مبالغاتهم الخيالية لتسيطر على الخيال المتأرجح على نطاق واسع، لتصبح واحدة من “الأفكار” السّائدة في العهد، وخيالا جمعيا معترفا به. نقطة المقابلة هذه ضرورية لوضعها في الاعتبار كخلفية لجميع التّحليلات التفصيليّة؛ قيمة ذات دلالة استثنائيّة ومغزى بعيد المدى. من أجل هذا فإنّ الخيال، يكشف – بتهور- وفي نوع من “السذاجة” ، الطريقة المباشرة والصّريحة الّتي بالتّالي تصبح بشكل مشوش – اقتصادا للمتعة الّذي يرافق بالضرورة “مودم ” برمجة الهياكل الاجتماعيّة وحالة الموضوع؛ يلتصق بها كجانبها العكسي. طريقة غروس ريشارد في التّعامل مع هذا الخيال، في حين من الواضح أنّها ذات جذور راسخة في التّحليل النّفسي اللاكاني، هي غير بارزة بشكل ملحوظ. ليس فقط لاننا لا تجد إشارة إلى لاكان عمليا، ولكن  هناك أيضا غياب واضح للغة التحليل النفسي الاختصاصية المعتادة. إنّ النّصوص الّتي يستكشفها لا تترجم أبداً إلى بعض الشّعارات  الشّائعة في النظرية التحليليّة، ولم تعالج من قبل من خلال عدسة ما وراء اللّغة لاستنطاق الحقيقة، ولم تختصر أبدا إلى بعض من أعمق المعاني وراءها. تبدو تدخلاته أنّها محدودة، دقيقة بشكل غير محسوس: يتمّ تنظيم النّصوص فقط،  وإعادة ترتيبها، واظهارها، وتقسيمها، وجمعها معًا في نمط. هذه الطّريقة هي في النّهاية أكثر إجباريّة في نتائجها من بعض التّصريحات الصّارخة  للأطروحات  اللاّكانية. أنّها تنتج تأثير الانفصال و” الغرابة ” حول النّصوص – الّتي من الواضح صعوبة العبث بها في وضعها الأصلي، محرومة على ما يبدو من الهواء الطبيعي والبديهي – والّتي تعرض بشكل غير متوقع جانبها المبتكر/ المختلق/ والمشروط . قد يجازف المرء بالقول إن “غروس ريتشارد ” لا ينخرط فعليًا في التّفسير،  ليس بالمعنى المعتاد. وهناك مقولة لاكانيّة شهيرة مفادها أنّ “المرء لا يفسّر الخيال” (على عكس الأعراض الّتي تتطلب تفسيرًا لا نهاية له) وإنّما على المرء أن يجتاز وأن يمر “خلال” الخيال، و”جروس ريتشارد” يقودنا من يدنا في هذا العبور، هذا “الاجتياز”، عارضا علينا على حدّ سواء اتّساق النّصوص العميق ومشروطيتها الكاملة.

لهذا فإنّ كتابة ترجمة لهذا الكتاب مهمّة ليست سهلة، ما ان يوضع في منظور أوسع ويترجم إلى بعض الأطروحات العامّة، فإنّها مخاطرة تكسر رونقه وتبدد سحره الأصلي.

يبدو أنّ خيال الاستبداد الشرقي محكوم بالمسافة القصوى الفاصلة عن أي علاقة بواقعنا الأوروبي، ولكن في الوقت  نفسه قريب بشكل غريب. إنه مستبعد جغرافياً، ولكن سماته المختلفة قدر الإمكان عن تلك الخاصّة بمجتمعنا، تبدو أنّها  متغلغلة بخاصية غرائبية، مرعبة ومثيرة للخيال معا من خلال جاذبية لا يمكن مقاومتها، تتعلّق بكلمات فرويد، عن تلك الفئة مما هو مفزع والّذي يؤدي إلى ما هو معروف مسبقا ومألوف لمدة طويلة (مكتبة Pelican فرويد، المجلد 1 4، ص 340). هذه الميزات عنيدة بشكل لافت للنظر وغير مرنة خلال عدد كبير من الخطابات وعلى مدى فترة طويلة من الزّمن.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق