حفريات المواطنـة: إستعارات الهويّة في الخطاب السياسي(1)

ملخص الدراسة

        تطرح الدراسة العلاقة الإشكالية بين اللغة والسياسة عبر دلالتي المواطنة والأسطورة. وصحيح هما قضيتان تنتميان إلى حقلين مختلفين، لكنهما يُظهِران طبيعة المجتمع وآفاق السلطة وكيف يتم التعامل إزاء الإنسان كمواطن من عدمه. والطرح يعني التساؤل المختلف بما تحمله الكلمة من معنى: كيف تتشكل المواطنة عبر تاريخية اللغة وأية بلاغة تغلف حركتها ؟ فالمواطنة ليست فقط حالة سياسية تحدد حقوق المواطن في دولة ديمقراطية، ولا الأسطورة عبارة عن تيمة إنسانية كونية محورها سرد حول أحداث ودلالات لها مركزيتها في ثقافة سائدة وحسب. لكن كل ذلك يستحضر خلفية الهوية التي تحدد درجة المواطنة وحقوقها وظلالها في المجتمعات الأقل ديمقراطية وأكثرها أيضاً بحسب أوضاع النظام السياسي.

وهي الهوية التي تتسع مجازياً لتشكل بلاغة الفعل العام والآخر والمصير وكيفية العيش المشترك. إنَّ الأنظمة المستبدة تجعل الهوية أسطورة تتلاعب بها تجاه رعايا الدولة، حين تمنح المواطن على أثرها مكانة بينما تحُول دون المكانة لمواطن آخر لا يتمتع بالهوية ذاتها( كما في الدولة الدينية ).

ليست بنية المواطنة أحادية الجانب بل ذات أبعاد متعددة. ومنها البعد البلاغي المرتهن باستعمال اللغة في المجال العام، حيث يوظف الخطاب السياسي عناصرها لصالح مركزية السلطة السائدة. فالهوية عندئذ خيال ثقافي يختزل الدلالة ويخاتل مواطني الدولة بإنتاج عبارات تخفي أكثر مما تُفصح.

وذلك الأمر في حاجةٍ إلى ثلاثة طرقٍ لمعالجة القضية السابقة.

أولاً: الحفر فلسفياً ( جانب المنهج والتساؤل ) داخل المفردات والمقولات السياسية عما يشكل الخيال الاستعاري حول المواطنة. وفي هذا يرتبط المعجم السياسي جذرياً بالأساطير التي مازالت حية إلى الآن. فالتاريخ الثقافي خلف الواقع السياسي لا يموت، إنه يشكل سؤال المستقبل الآتي من بعيد.

ثانياً: إعادة قراءة المفاهيم ( المواطنة والأسطورة ) بشكل مغاير عبر استراتيجيات الخطاب السياسي، الذي لا يعد خطاباً برجماتياً وحسب إنما يحمل رؤى للحقيقة والعالم والتاريخ.

ثالثاً: التنظير الفلسفي لماهية اللغة السياسية والسلطة والهوية بمعرفة كيف تُمارِس( هذه الأشياء) أدواراً أعمق في رواسب الثقافة ( الغربية والعربية ).

تقديم: (وضع المشكلة)

حين نتحدث عن المواطنةِ، فإننا نتحدث عن ممارسةٍ تجري بأفعالٍ جمعيةٍ أخرى. فالمشاركة في صنع السياسات – مثلاً – أمرٌ يخص كلَّ مجتمعٍ على حدةٍ، لكنه يتم بآليات نوعية كالانتخابات و اجراء الأعمال السياسية اليومية والاندماج في التنوع الثقافي العام. ولعل المواطنة بهذا تصبح وثيقةَ الصلةِ بصورٍ كليةٍ من التفكير، حيث يكشف مسارُها الصاعد العلاقة بين فاعليها وبين كونها حقاً إنسانياً على نطاق أوسع. الأمر المهم أن ما يؤكد حالة المواطنة هو إحالتها إلي مصادر تاريخيةٍ أو أخلاقية أو اجتماعيةٍ أو إنسانية في أفق المجتمع. بمعنى أنَّها تتطلع بحسب تكوين الحياة السياسية إلى مواصفات الحقيقةِ المعترف بها إجمالاً.

لكن رغم ذلك، تعدُّ المواطنة – وفقاً للظرف السياسي –  شيئاً يُجسد حالةً لبنيةٍ غير واضحة المعالم، هي في طريقها غالباً إلي ذلك. علي الأقل تمثل حالة نصفُها غامض باستمرار، بينما نصفُها الآخر واضح أحياناً. إذ ذاك تعطي – بالتقريب – نموذجاً متخيلَّاً للتشديد عليها في بعض المجتمعات وانخفاض ذات التشديد في غيرها. وقد يجري تحلُل هذا النموذج، حيث يتم امتصاصه اجتماعياً وينتهي في أنظمة الاستبداد باستعمال المواطن عند اللزوم.

وبدلاً من طرح استفهام المواطنة، يتمُّ قمعه من قبل السلطة السائد. وفي هذا يحتاج الأمر إلى حدثٍ فكري يعيد توجيهه. بعبارة أوضح: يعوزه ما يُطلق عليه مؤقتاً برنامج لغوي يغطيه. ولكي يخبو السؤال كما كان، يتطلب دُجما من المفاهيم قابلة للتكرار على نطاق عام. حيث تتقدم الأيديولوجيا الأفق الجمعي لانجاز المهمة آخذةً في تضخيم وظائفها السياسية وواضعةً نفسها كفرز رمزي يمثل الحدثَ الأكبر. ذلك بضرورة امتلاء الفضاء الاجتماعي والسياسي بالكيانات التي تبثها ( كالأحزاب والجماعات والأفكار ). فتذهب عند الحاجة لتسديد نسبة العجز ( الفاقد ) عن طريق تصنيع الخطاب.

هذا معناه أنَّ حالةَ المواطنةِ مفتوحة بشكلٍ ثنائي الطرح علي جبهتين: جبهة تراثية معنية بتحديد مفاهيم: السُكني، والموطِن، والآخر، والحياة، وكيفية العيش: وجبهة زمنية تدور حول ماذا يُفعلّ بهذا الموروث، وبأي وضعٍ سيأخذ مستقبله وكيف سيتشكل لاحقاً وإيلام سيؤول من تحولات ؟ والمواطنة في إطار كهذا بمثابة وضع مرهون بالخيال، الذي يصعب تحقيقه، ولم يتم انجازه ناهيك عن عدم إقرارهِ. بحكم أنها تُوجد في المجهولِ بالرغم من فائض الواقع الذي يلح عليها، لأنها ” وعد ” غير قابل للتحقق إلاَّ تجزيئياً عادةً.

حتى أنَّه شاع تعبير” اكتساب الحقوق السياسية ” لدى أغلب المجتمعات الأقل حظاً من الديمقراطية، كلما ذُكر المواطن في مجال أو غيره. ولعله تعبير يسير بوقودِ الحّثِ علي ممارستهِ، ولا يغيب داخله احتمال قائم: أنْ لا يأخذ المواطن وضعه الحقوقي، متضمناً التنويه بالتحفيز علي إجراء المحاولة ثانيةً، إذا فُرِغّ منه…وهذا غالباً ما يجري!!

إذا استعدنا الذاكرةَ، لوجدنا المواطنة في الدول الحديثة والراهنة وعداً كان بالأمس، وكان الآن، وكان غداً. وربما لا نعرف أين يقف، لكن ما نعرِفُه أنه سيكون سائراً في أطوارهِ بصيغة الفعل الماضي” كان “، مع الزمن وضده!! كما هي حركة الأفعال السياسية التي تمثل وعداً، إذا ما انطلق، كثيراً ما ينكصُ علي عقبيهِ، مع أنه يبقي موفوراً بحضورهِ القوي، بل يحمل واقعه علي غرارِ الأسطورةِ، التي تدعم وتبرر وتعكس نمطاً من الحياةِ أيا كان زمنها.

من تلك الزاوية لم تمُت الأساطير بعدُ، فلازالت حيةً، تَطلُ علينا هنا أو هنالك، مادام يوجد الإنسانُ المأخوذ بمحاولة اكتساب شرعيته، حقوقه، إنسانيته. ألم تكن هذه القضايا مرتبطةً ابتداءً بالحقيقة؟! ألم تمثل  دلالة الحقيقةُ سؤالاً حول العالم والإنسان، وهما وقائع ومسرح الأساطير؟! الحقوق السياسية برغم الاعتقادِ الشائعِ بأنها شيء ملموس، سوي أنها غارقة في الخيال الأسطوري أخذاً و منعاً. يتجلى ذلك إذا ركزنا النظر تجاه تحولات السلطة المهيمنة التي تتضخم إزاء ما يقابلها، ويستحيل تخليص أية حقوق دون المساس بجوهر عمليةِ الأسطرةِ في المجتمعات البشرية.

إنَّ أخذ الحق يعني تحديد حقيقة الأشياء تحديداً صارماً، ونزع عنها رمزيتها الآتية من التملُّكِ المطلقِ والغامض وغير القابل للمساس. بذات الوقت لا يُحسّم ذلك العمل من غير إرجاعِ الأشياء إلي طبيعتِها، شريطةً أن تُمثِل المُعطى الفعلي وكما هي كائنة. وريثما تذهب الحقوق لمن يستحق، يجب نزع القداسةِ عنها، تلك القداسة التي تحُول دون الاقتراب منها. وهنا تبث  الأنظمة السياسية كل حيلها الممكنة وغير الممكنة لإشاعة الغموض.

لقد صِيغ وضع المواطن في” الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بذلكم الإطار للمواطنة كوعدٍ، تحمل ما تحمله من ضرورةٍ مفترضة، وهي المبادئ التي تجعل  حدود المواطنة عهداً وميثاقاً غليظاً، بيد أنها تحمل في نفس السياقِ خطرَ الإخلالِ بكيانها الهش فيما يبدو، إن لم أقل تدفعنا إلي تحسُس نبض النكوص بها أكثر من أي أمرٍ آخر.

جاء بالإعلانِ المذكور قوله: ” لِمَا كانت الدولُ الأعضاءُ قد تعهدت بالعملِ والتعاونِ مع الأممِ المتحدةِ، على ضمان تعزيز الاحترام والمراعاة العالميين لحقوقِ الإنسانِ، ولِمَا كان التقاء الجميع على فهمٍ مشتركٍ لهذه الحقوق والحريات أمراً بالغ الضرورة لتمام الوفاء بهذا التعهدِ. فإن الجمعيةَ العامةَ تنشر على الملأ هذا الإعلان العالمي لحقوقِ الإنسانِ بوصفه المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تبلغه جميع الشعوب وجميع الأمم…”[1].

الإعلان في ضوء أي منظورٍ فلسفيٍ نقديٍ عبارة عن كلمات فضفاضة، تندرج في خضم ما يتولد من اتفاقٍ مفترضٍ مسبقاً. هو بذاته يرتكز علي صدق ضمني لا يلامس شيئاً في الواقع، ومعلق في مشجبٍ يعلو البشر جميعاً. وبخاصة أن صيغة المبادئ الحقوقية تشتغل عادة علي المقارنة، تفتح عمل المجهول، وتنتهك الواقع في شكل” ينبغي كذا وكذا “. لا لشيء إلاَّ لأن هناك وعداً زمنياً. وطالما كان الوعد منذوراً بلا ضمان حقيقي، فسرعان ما تتداخل الأزمنة والآمال والتغيُرات.

هذا يوضح أن التفكير الإنساني لو أبدي وعوده، فإنه سيفضي إلي تحولاتٍ (يُقال عنها فعلية ) لكنها مشبعة بالافتراض، تحدثُ قبل أن تحدث. وهذا هو ذاته المنزلق الذي يقع فيه الفكر السياسي، وبخاصة خطاباته ومناوراته الافتراضية. لأن هذا الفكر ينجزُ أعمالَهُ بغيرهِ. أي يعولُ ويراهنُ على الآخرين كي يكونوا مادة لقوته، ويستمد من احتراقهم شحناته التي تملأ عباب الريح لتحريك شراع الواقع.

حقّ المواطنة

أمام فكرة الحق المُؤسِسة للمواطنةِ، مالم يُنجّز شيء على هذا الصعيد، تتسلق الخطاباتُ السياسيةُ حبكات الأسطورةِ في أوج نبراتها. ولئن تَجسدّ عملٌ قريب منها،  فكذلك ستظل الأسطورةُ قائمةً. وهنا ليس الأمر ضرباً من الأحاجي بالنسبة للجانبين( المتحقق والمفقود ). فالوضع المحير عندئذ: كيف يخرج الحقُ أو ينبثق الفعلُ من الوعودِ؟!

ثمة تبيان للمسألة يجب إبرازه كالتالي: أنَّ الفعل السياسي ( اللغوي، التنظيمي، الحقوقي…) لابد من وجود ضامن له، كي ينال مرتبة الحقيقة. ومادام هو في أساسه مشبع بالعهد، التعهد، ومشتقاتهما، فإنه سيلجأ إلي وعودٍ مستولدةٍ من وعودٍ دون انقطاعٍ. أي سيظل مفترِضاً لقدرةِ الكلماتِ والأشكالِ علي الإنجاز الفوري، بينما هي بعيدة عن ذلك التأثير الآن، الآن الزمني الذي كان أمساً و تواً وغداً كما أشرت. ولاسيما أنَّ وضعاً كهذا يجري ضمن طقوسِ السلطة، وشعائرِ الحكم، وتراتيل القانون ( لا يخفى على القارئ جوانب القداسة والأسرار مقارنة باللاهوت ). وفوق هذا وذاك يتواتر ضمن سياق المجتمعات المغلقة عبر ترانيم النظام السياسي العام الذي يَلهَجُ بحياة حكامه وسيرهِم.

وتلكم هي معطيات الأسطورة علي الأصالةِ بصدد القوةِ السحريةِ للكلماتِ، القابلةِ للنطق أو غير القابلةِ لذلك. من جانبٍ تالٍ يفترض الخطابُ السياسيُ نيلاً للحقيقة بملء صورة الهويةِ السياسيةِ، أو الدينيةِ، أو الاجتماعية، بينما هي في ذاتها ليست ممتلئةً. فهي- إن جاز ذلك – في طورِ الشحنِ المتواصلِ. بدليل ضرورة أن يحملَ المواطنُ بطاقةَ الهويةِ ( تعريف الهوية الشخصية ) كفرد عيني، لتعبئة شخصيته الاعتبارية بتقنية الرقم القومي أو الوطني أينما يحل. وهي مرتهنة بالنظام السياسي كنتاج لتطور الدولة الحديثة.

إذن للأوراق الرسمية، للرموز العامة، وجودها التقني السياسي الموازى للأصلِ.  هو وجود يمثل تكنولوجيا السلطة power technology of  في أعقد عناصرها التواءً. وعندما يتساءل المواطنُ: ما علة ذلك، يقول له أقربُ ممثليها: إنما نطلب هذا بحسب تعليمات القانون. إن بطاقةَ الهويةِ عبارة عن أصلٍّ مقنن لمن يُفترّض أنْ لا أصل له في التو لتمنحه أصلاً بديلاً. فهي تضعُ بين يديه أصلاً منجزاً وكاملاً، فإذا بها تُولِّد استعاراتٍ لا مفر من العيش داخلها حتى يقوى على العيش في الواقع، بعيداً عن كونه مواطناً فعلياً. وإذا بالأصلِ المقنن كهويةٍ يعبرُ هذه المرة عن عقيدةٍ فكريةٍ، أو قرابةٍ، أو انتماءٍ حزبيٍ وسياسي. ولكي يتم تثبيت هواجسَ المواطنِ بحقوقِ المواطنةِ، تظلُ استعاراتُ الهويةِ- بوصفها أصلاً – فاعلةً في غيابِ الأصلِ الحقيقي للتعرف علي العالم من حوله. إن عملاً للهوية ينحى نفس المنحي بالتداعيات الخيالية نفسها إنما هو بمثابة تحديث لوظيفةِ الأسطورةِ.

إنَّ فهم عملية التحديث المنتجة لهذه الوظيفة مرة أخرى، قضية لا تقل أهميةً عن محاولة التحليل الفلسفي لطبيعةِ الخطابِ السياسيِ، من خلال قراءة  جوانب الأنظمة الاجتماعية والسياسية. وتظل عمليةُ محتملة مادامت اللغةُ تستحضر أنماطاً من الرؤى التاريخية والمعطيات الحياتية على المنوالِ ذاته.

وإذ تصبح لغة الخطاب في السياسة موضوعاً يجتذب اليقين، أو ما أسميته “ضمان الحقيقة” ، فلها أن تحاكي بنيةَ التفكير الأسطوري، والذي إن عرفنا آلياته الخيالية، يقودنا إلي تقريب المعاني المطروحة خلفه. وليس هذا فحسب بل تتجلي المعاني، حينما تشتبك مع عناصرِ الحياةِ، وكيف تتكون إجمالاً، كما يقول فان در لوي Van Der Leeuw إنَّ استيعاب الميثولوجيا كافٍ لفهمِ الحياةِ الإنسانيةِ[2]، وتبدو الوظيفةُ ممارسةً سياسيةً ضمنيةً لترسيخ المعاني، على طريقة ربط الأحداث التي تنتجها دراما الأسطورة، فإذا لم تجد لها تاريخاً حياتياً، وهذا بالطبع مستحيل، لأنه يصعب الانخراط في التسيس بدون أسطرةٍ، فلتكن هناك محاولات تُبذلّ نتيجة ذلك لتحويل أرصدة التاريخ الضمني( الأساطير ) إلي إجراءاتٍ خطابيةٍ تتحرك صراحةً، ولا مانع إطلاقاً من الجمعِ بين الاثنين.

يُوجَد في الأنظمةِ السياسيةِ المغلقة( الدينية، الديكتاتورية، الفاشستية…) ما يدعم شبحاً أشبه بالحق في المواطنة، بل تستحضره استحضاراً وتعطيه مهاماً متتابعةً، من خلال الرغبة المماثلة للدلالةِ الأسطوريةِ، تلك التي قد تصلُ إلي درجةِ القانون في توليف خطابٍ( لغةً وممارسةً )، يتلقّى تغذيته من المصادر السالفة للوعد بالمجهولِ، وللانفتاح علي الجبهتين، التراثية والزمنية، عن طريق استعاراتٍ متعلقةٍ بالسلطة أو بالقوة الاجتماعية أو بيوتوبيا الوطن.

السؤال المؤقت هنا: كيف تتشكل المواطنةُ ؟ هي عندئذ مواطنة الاستعارات المرتبطة بالهوية – الأصل، بحسب الأوضاع السياسية والاجتماعية الغالبةِ. حيث يُؤيِد الخطابُ أن يُغَطّي المواطنَ ويجري دمجهُ في هويةٍ منسوبةٍ إلي شيءٍ غيره، سواء أكان نمط السلطة أم القيم أم القانون أم حتى معني الإنسان وحقيقته المُتَخذّ كوسيلةٍ لإنجاز وظائف خاصةٍ.  ذات فكرةٍ قال أفلاطون بضرورة وجود الحاكم الفيلسوف، وهو حاكم يستطيع أن يحقق العدالةَ، عدالةٌ تبقي متاحةً للمواطنين كافةً.

ومع إلحاح أفلاطون على فكرته، ظلت المواطنةَ في أثينا حُلماً لم يتجسد قط، بسبب التمييز بين المواطنين علي أساسِ المولدِ. فهناك البرابرة وهناك العبيد، وعلى أساس الهوية الجنسية هناك النساء وهناك الرجال. ولم يكن كلُّ جانب ليعطى أية حقوق بارزة مقارنة بالطبقة الحاكمة. إذن مصطلح ” الحاكم الفيلسوف ” يمثل استعارةً تبرر الواقعَ، وتختزله، وتُؤسطِرهُ بالتزامن. فأي كشف لحقيقةِ الواقع السياسي سيكون مصيره الإهمال، لماذا ؟!

لأنَّ الحاكمَ الفيلسوف كفكرةٍ تقارب في دلالتها الإجمالية التصديق بمضمونها علي صعيد الممارسةِ، فلا يتساوى التمييزُ القائمُ عليها مع ما تفترضه واقعياً، وقد أنجزتهُ مسبقاً. وتأخذ الفكرة عينها في حشد الجزء( التمييز العرقي ) داخل حركةِ الكلِ( النظام السياسي )، فيتحول الجزءُ إلي عرضٍ خادعٍ. لقد تحول حقاً إلي مظهرٍ من مظاهرهٍ.

وفي هذا لطالما أشار أفلاطونُ إلي أن عالم الأشياء لا يعدو أنْ يكون عالماً مزيَّفاً. التزييف يتجسد في ممارساتٍ مبررةٍ سلفاً، بما فيها النظام السياسي تحت قعقعة التكثيف المطلق لأصليةِ الأصلِ المثالي. كما أنَّ تنصيب الحاكم الفيلسوف يأتي بمنطق أنَّ هناك ممن هم أقل منه حكمةً. ووجوده دليل علي وجودهم، وديمومة سلطته ضمان لضرورةِ خضوعِهم له، وكذلك بطريقة إذا كانت الحكمةُ متجسدةً في حاكمٍ، فإنَّ الطيشَ والخبلَ واقع مفروض علي المواطنين.

ينطبق المثال السابق علي أفعالٍ مشابهةٍ داخل الخطاباتِ السياسيةِ، فهناك استعارات: الدولة الدينية، الدولة القبيلة، الحاكم الإله، الحاكم- الوطن، المواطن- البصمة، المواطن البيولوجي،… وهي فضلاً عن اعتبارها نماذجَ أسطوريةً تخططُ لمعاني المواطنةِ، ويُحتّمل أن تتوقع الأفق الذي يتأتي لها. ويمكن التأكيد أنَّ الخطابَ السياسي يمسكُ بالعبارات والممارسات والأنماط والأيديولوجيات والأفكار، التي أخذت قوتَها من الوجود علي صعيد مجازيةِ اللغة، حين تُجسِد طرائق الحياةِ العامةِ.

بالتالي يُسهمُ فحص هذه الاستعارات في فهمِ الملابسات التاريخية، التي تُولّد فيها مفاهيم المواطنة. ويمكننا أنْ نقرأ خلال ذلك… ما إذا كانت مواطنةً فاعلةً أم لا، فالملاحظ أنَّ استعارت كهذه تنتج أساطيرَ حياتيةً تُبرز تكويناً ثلاثياً: الوطن، المواطن، الهوية. وهو تكوين يبدو متفرعاً عن بعضهِ البعض، لكنه يستند إلي مخزونٍ تاريخيٍ، ويسعي لاكتساب دلالاته الكلية منه. أما إنْ حاولنا فحص خلفياته، فإنَّه يبقى موضوعاً عبر النسق الجمعي( السياسي- الاجتماعي )، لا تُعدُ المواطنةُ علي إثرهِ شعاراً أو إخطاراً، بقدر ما تعبرُ عن هذا التكوين، الذي يربطها برموزٍ واستعاراتٍ متناسلةٍ وغائرةٍ في التراث المعيش.

ومن ثم ترتبط السياسةُ بالأساطير لاعتبارات كثيرةٍ، لكن ما يهمنا هنا إحداها أنَّ الأنظمةَ السياسيةَ هي الوريث غير المباشر لوظيفة القوى الجمعية collective. وتسعي إلي ذلك عبر عمليات التعميم الناتجة عن ممارسة السلطة كنسق ومؤسسات تدير شؤون الدولة. ومع مسعاها ترث بشكلٍ ضمنيٍ الانحرافَ عن المباشرةِ في جميع تفاصيلها. فلو تطابق نظامها السياسي والقوى الجمعية، فقد يكونُ هذا معني الوطنِ، الدولة أو كلاهما معاً. لكنه مادام يعد نظاماً غير مباشر بفضل عدم تحديده كاملاً، تظلُ الشرعيةُ المُستنِد إليها محلَ استفهامٍ، استفهام يحرك حدودَ المواطنةِ، ولن يستطيع  النظام أن يفعل أكثر من هذا.

وإن كانت الأساطيرُ تعود لتأخذ تضخمَ وجودِها من هذه القوي، فإنها تفرِخّ تأثيراتها في شكلٍ استعاري، لاستعادةِ الهيمنةِ علي المستقبلِ الذي لم يُولّد بعد، وطالما لم يُولد، ففي أيةِ لحظةٍ من اللحظات يكون هناك مستقبل. بالتالي مع تواتر وتكرار هذي اللحظات، تكون هناك أسطورة لمواصلة الاستمرارية، هي بالتأكيد استمرارية التطلع إليه ومطاردته، ولا تنشد الأفعال السياسية أكثر من هذا لتجدد نفسها، ولتطلق العزم ( أو بالأحرى التعزيم السحري) على  ضرورة التنبؤ به، إن لم يكن تشكيله.

يفتتح ذلك الوضع مجموعةَ أسئلةٍ لا تخلو من طابعٍ فلسفيٍ: بأي شكل تتعين المواطنةُ في ظل استعارات الهوية؟ كيف نحدد دلالة المواطنة، أم ستأخذ نطاقها بحسب ثوابت الخطاب السياسي؟ هل يمكن للمواطن أن ينفصل عن مركزيةِ الهويةِ؟ ما هي أوضاع  تحديد المواطنة في إطار مفاهيم: الأسطورة، التاريخ، التفكير الاستعاري؟ ما هي خلفيات هذا التفكير إزاء معني: الوطن، المواطن، السلطة، الحق، الاختلاف؟

بالتأكيد لن أنزلق بصدد أسئلةٍ كهذه  وراء إغواء التأصيل التقليدي، مع أنْ له آثاره المخدرة إزاء اليقين. فكما يبدو أنَّه نتيجة فقداننا لأصول المصطلحات الغربية الحديثة، نبحث عن تأصيلاتٍ رديةٍ reductive، ولو بقفزةٍ غير تاريخية بالمعني المعرفي. وبفضل ضغط التحولات المعاصرة في السياسة والاجتماع والفكر، نحتمي بالماضي بشكلٍ سلبيٍ، عوضاً عن محاولةِ النظرِ من داخلهِ نحو المستقبلِ وإن كان منقوصاً. أُفرقُ هنا بين رد المصطلحات (المواطنة، الهوية…) إلي متشابهاتٍ تراثيةٍ كنوعٍ من إدعاء ( يتقاسمه الشرق والغرب ) بأننا نمتلك كلَ شيءٍ، يطلقه الشرق تحت عنوان” النموذج الحضاري” العربي الأمثل بإطلاقٍ، وفي الغرب يتم صياغته مع المركزية الأوربية ناشطةً علي صعيد الفكر( المفاهيم والفلسفات ) والممارسة ( أنظمة سياسية وسياقات تاريخية )[3].

وخلال كلتا الوضعيتين، يُقال بالنسبة للشرق إنها مصطلحاتُنا آبت إلينا في ثوبٍ حداثيٍ قشيبٍ، وأنَّ ” كل صَيدٍ في جوف الفَرَإِ ” من منظور الغرب. أجدد التفرقة بين ذلك وبين ما تفرزه المصطلحاتُ من دلالةٍ تكشفُ طبيعةَ المتشابهاتِ التراثيةِ. وتحدُونا إلي إمعانِ النظرِ فيها، والتقاط الأصداء الأعمق، هذه الناتجة– مثلاً- عن عمليات التعددِ والانفتاحِ التي يُمثلُها مصطلحُ المواطنةِ.

أداةُ التفرقةِ هي سؤال الدلالة الخاصة بالمواطنة. فهذا السؤال ليس استفهاماً خطياً يترقبُ إجاباتٍ، لأنه يتحرّز من التعلق بأحكامٍ فلسفيةٍ مسبقةٍ، في نفس الوقت الذي تأخذهُ هذه الدلالة أو تلك إلي إنشاء” نقاط توتر” لها متغيرات في حينها. نقاط تتعينُ علي أثرِ ما هو كامن فيما أسميه محمولات المواطنة سياسياً و تاريخياً. وهي أوضاع مزدوجة ذات ضربات تكاد تتحقق ثم تنتشر في الخطابات السياسية، وبخاصة مع وجود الاستعارة الحاملة للهوية.

أبرز ما يتناهى إلى القارئ أمام المواطنة والهوية تلك الأبعاد المفاجئة أثناء ما تنكشفان عنه تاريخياً من تكوينٍ فكريٍ وحياتيٍ، وتباين الخطوط المتداخلة لصورِهما، وأشكال الاحتمالات التي قد تتعاقب عليهما، وما يتحقق من أفعالٍ للدلالةٍ إذا كانتا في موضع الفعل. ولقد حملت الكلمتان في هذا ألواناً من الممارسة المناقضة لحريةِ الحقِ فيهما، نظراً لكونهما تقفان بنا إزاء ملامسة فكرةِ المجتمعِ ككلٍ. هكذا بالاستناد إلى الخطاب السياسي، لربما- علي سبيل الطرح- تديرُ كلمة المواطنة بالنشاطِ السابقِ عقاربَ الفكرِ إلى نقطةِ البدء بالرغم من صعوبةِ وجودِها.

أقصد نقطة التقاء” الارتباط والتحلل ” للظواهر داخل الانساق السياسية الاجتماعية. وبالمناسبة هي نفسها نقطة مرور الأهداف الإنسانية اللامحدودة عبر ثِقل الواقع وترهُلِه. ولهذه النقطة الأخيرة أهمية قصوى، لأنَّ محور الخطاب السياسي هو الإنسان، أي المواطن انطلاقاً وانتهاءً. وما لم يكتسب حقوق المواطنة، تظل مسارات الصعود والهبوط للمعاني في حركةٍ ملتفةٍ بلا طائل.

 الدّلالة الإستعاريّة للمواطنة

       السؤال المُشار إليه منذ قليل: أية دلالة للمواطنةِ تسمحُ بمثلِ هذه التنويعات؟ إنَّه استفهام قد يتيح المجالَ للإدلاءِ بافتراضاتٍ علاقيةٍ ما بين الهوية والخطاب وتاريخية مفهوم المواطنة في الفكر السياسي. وربما يأخذنا إلي تفاصيلٍ تمثلُ مفترقَ طرقٍ. وفوق ذلك تمد جذورها إلي بعضِها البعض. لكن بفضل خضوعِ فكرة المواطنة لعمليات تحول، مقصودةً أو غير مقصودةٍ، فهذا التحول بمثابة طريقة للتفكير تتم بالدلالة الاستعارية. استناداً إلي كون الاستعارة استراتيجيةً لنقل معني أصلي خاصٍ بشيءٍ ما إلي أن يكون جزءاً من شيءٍ غيره، أو لإلصاقه بمعني آخر، أو لإلحاقه بوضعٍ يميز سواه. يخبرنا عبد القاهر الجرجاني عن هذا: اعلم أنَّ الاستعارة في الجملةِ أنْ يكون للفظ أصل في الوضع اللغوي معروف، وتدل الشواهد علي أنَّه اُختُص به، حين وُضِعَ، ثم يستّعملهُ الشاعرُ أو غيرهُ في غير ذلك الأصل، وينقله إليه نقلاً غير لازمٍ، فيكون هناك كالعاريةِ[4].

لا يجري هذا ” الاستعمال في غير أصلهِ ” للأشياءِ علي اللغةِ فقط، إنما يأخذُ طريقهُ كأنماطٍ من التفكير والممارسة واسعة الانتشار. وإذ يعد نموذجه اللغوي أكثر جلاءً، فلا يوجد في اللغة إلا بمقدار ما يوجد في أنحاءِ التجاربِ الإنسانيةِ. علي اعتبار أن اللغة جوهرها، هي نيجاتيف الصور الأصلية لتجارب الحياة. إن الثقافة والفكر والمعرفة والسياسة هي ذلكم الاستعمال المتحول، الذي يقعُ في غير محلهِ، ومع هذا يظل مقبولاً بحكم العادة، ولا توجد تلك المفردات دونه، وعندما تدل الشواهدُ علي أصول الأشياءِ، فلن يحدث هذا إلا بإمكانيته.

إذن بخلاف ما يذهب إليه الجرجاني من أنْ نقل اللفظ ” نقل غير لازم “، أعتقد أنه تحول ضروري، بل محتوم في وجوده إنسانياً بصيغة: ” لزوم مالا يلزم “، ولا مفر من لزومه أو بالأدق إلزامه في الثقافة. حتى أنَّ ما يسري على الألفاظ يسري بالمثل داخل أبنية المفاهيم، كما يستحيل أنْ يكون اللفظُ هناك كالعاريةِ، فيما يذهب صاحبُ أسرار البلاغة، إنما من واقع الممارسة اللغوية الثقافية يناله التراكمُ المتواصلُ. لعله كالعاريةِ داخل حدود قراءة تكشف تلك الجذور، وتضعه تحت التحليل، لتتبع دوائر الاتصال الممتنع علي الرؤيةِ. وهذا ما يجعلني أتصور أنَّ الحقيقة السابقة تنطبق لا علي أصل شيءٍ وغيره، لكنما تنسحب علي نفس الأصل الواحد، وعلي ذات الشيء الواحد، مع حركة المعنى والاستعمال اللذين يرتديان أسمك الأردية وأكثرها قوة في الواقعِ. المهم إن أردنا تعريفاً موجزاً للاستعارة، فهي عملية ” لزوم ما لا يلزم”.

في هذا الإطار ثمة بدايةً لتعقب حركة المواطنةِ، حيث نجدَها افتراضيةً ومتحولةً، بالإيقاع نفسه الذي تأخذه مضامين اللغة السياسية. فهذه الأخيرة تخضع لعمليات انتقال استعاري في المعاني والأشكال مع تحولات القوى السائدة. غير أنَّ المرور ضمن أعقد المنحنيات ومعرفة إلي أين تؤدي هما موضوعان مهمان لتتبع الظهور غير المتوقع للمعطيات الخطابية. حتى أن مصطلح اللغة السياسية ذاته لا يخلو من عمل إجرائي يؤشر إلى المعاني، ويضعنا أمام بعدها العميق في عين الوقت، علي غرار ما رأينا احتمالات ” الوعد ” السياسي بإشارات مضت.

ليست المسألة ( في ضوء الصيغةِ التي حددتها منذ قليل ) خطوة للتعريف الذي يرصد دلالةَ المواطنةِ، وإن كانت موجودةً على خلفيتهِ، غير أنه يبقي حاملاً إياها إلي مرحلة مالا يقبل التعريف، أي يصعب اتخاذ خطوة واضحة يمكننا على إِثرِها تقرير الماهيةِ التي تحملها، في ضوء حقائق” لزوم مالا يلزم “عبر البلاغة السياسية. فقد لا نلامس شيئاً واضحاً، مثلما أن تحولها يدفع الموقف برمتهِ إلى تفريعاتٍ وتدخلاتٍ لا قرارَ لها بحكم أنَّ السياسة قد تمثل فن المداراة.

تأتي محمولاتُ المواطنةِ، أي مفاهيم وقيم ورموز الوطن، المواطن، الهوية، عبر لغةٍ وتراثٍ مازالا مهيمنين على الأنماطِ التي يجسدها ” التكوين الثلاثي” ضمن الخطاب السياسي. وأنه لذات التكوين الذي يحدد مدى فاعليتها أو إعادة تفعيلها من جديدٍ. ذلك إذا تصورنا في هذا الإطار أن هناك محاولةً للمراجعةِ والرصدِ. لهذا باعتبار حتى الممارسات السياسية خطاباً، تتكون داخله حقيقة المفردات الثلاث، فهي تتعين خلال علاقةٍ بهذا الشكل التقريبي:

                                                  الهوية 

                                                     ———————————————

                                                       الوطن                                 المواطن

                                                       ———————————————             

                                                             الخطاب السياسي

 

 

يمثلُ الخطابُ السياسيُ قاعدةً حاملةً لمفهومي الوطن والمواطن المتحولين تحت ضغط الهوية، كذلك يتم هذا بتبريرات نتيجة الاستنادِ إليها. ولكي يصل المواطنُ إلي فكرةِ الوطنِ، كلما واجهته المواقف للبحث عن ذاته فردياً أو اجتماعياً، لابد أنْ يمرَ بأنفاق تلك الهوية في بنية الخطاب. وهي بنية متحركة وقادرة على الاتساع. وما إن تُدرج فيها المواطنة إجمالاً حتى تستحيل بالتبعية إلي دلالاتٍ متفرقةٍ، بيد أنها تقف علي خريطة ضمنية. لدرجة أن  ترديد إحدى الدلالات في موضعٍ خطابيٍ هنا أو هناك، يعني بروز تلك الخريطة وفق أشكال النسق السياسي الاجتماعي الغالب. بالتالي لا يَحُول موضعُ الكلمة دون أن تنقل دلالة بعينِها كاملَ المحمولاتِ. عندئذ تجيز بطريقةٍ أو أخرى نقل الارتباطات التي توضحُ صورةَ الهويةِ في ذلك النسقِ.

ولكي تكون كلُ مفردة ( الوطن أو المواطن…) قابلة للصورة المرسومة لها من جانبٍ، يُفترّض أن تتعدد مستوياتها من جانبٍ آخر. وهي ذات القابلية التي تلتبس بها وظائف الأسطورة في مجالها السياسي، وتعد أيضاً – بالرغم ذلك – قابلة لأن تتفلّت من أحادية الهوية أو الأيديولوجيا السياسية، مثلما كانت متاحةً لتشكيلات السلطةِ والحكمِ والقانونِ والتنظيم الاجتماعي. فمن الصعوبة بمكانٍ التحكم في عمل الهوية وأثرها. هكذا تتدرج قابلية كل مفردة بواسطة عناصر التكوين الثلاثي للمواطنة، ومن أيها تتحقق الخريطة والدلالات التي تتناقض عادة:

———————————————————————————————————————–
المواطن: كائن / إنسان / ذات / حشد / قطيع/ وعاء / وظيفة / أداة / جسد / أثر / مفعول / فاعل بالإنابة / رقم / شكل/ فائض
الوطن: أرض/ منشأ / أصل / حقيقة / حياة مشتركة / تاريخ / سيادة / سلطة / نظام /علامة / رمز / مضمون / معني / فضاء

       الهويّة: انتماء / تأصل / ذاكرة / تمركز / حنين / عودة / احتواء / استحواذ/ مرجعية / نسبة / علاقة / تطابق / تدوير/ تعين

   ———————————————————————————————————————–

لعلّنا نلمس اختلافاً بين أوضاع المستويات السّابقة لكل مفردة. حيث تُرسّم حدود المواطنة بحدود الدلالة المتداولة لها. فقد تتبلور من طرفٍ في وضعٍ نمطيٍ، وقد تجري من الطرف الآخر علي شاكلةٍ أخرى. وبالأساس تتوافق هذه الأوضاع مع خطابٍ سياسيٍ له محدداته ومعجمه وتضميناته إزاء ما يُتداوّل. تعبر المواطنة – كمفردة دالة علي التكوين الثلاثي – عن إمكانية تعّيُن الأوضاع بشكلٍ ما داخل الخطاب عن طريق العلاقة بين عناصر التكوين. والملاحظ أنَّ هذه العلاقة توجد بذات الأسلوب الاستعاري، لتدل الهويةُ بواسطتهِ على ما يمثلهُ الوطنُ بالنسبة للمواطنِ من صورٍ وأخيلةٍ وحقائقٍ، فبالتأكيد لا يُفرّغ التكوين أبداً من امتلائهِ الفعلي والخيالي.

وليس الخطابُ طرفاً مُحايداً، إنما يمثل قاعدةً وانحلالها. إنه علي المستوي السياسي ذلك “الكل”الذي لم تكد تتعين فيه أردية تلك العناصر، حتى نراها موضوعاً للتفكير الأدائي وما يتطلع إليه من أهدافٍ في الواقعِ، إذ يتحدث ما هو سياسي على أكثر من مستوى في نفس الوقت، وقد يُسقِط من حسابه عنصراً كالوطن أو المواطن أو الهوية، لكنه لا يفعل ذلك بشكلٍ ساذجٍ، إنه يعيد( تدوير ) مستويات العنصر المراد إسقاطه، كي تظل تحت المحو والطفو. لعلَّ هذا التدوير يظهر أكثر ما يظهر في مواقف التعبير عن التنوع والاختلاف داخل النظام الاجتماعي، فلا مناص للسلطة السياسية حياله من تغليظ الرداء الخاص بالهوية الحاكمة، حيث ينفذُ عبرها هدفُ السلطةِ المستبدة في تقويض متخيل الوطن أو المواطن. وفي حالة إن أراد المواطن أن يتعرف علي صورته بوصفه هو، ذاك الموعود بكامل الحقوق، فلن يجد إلا السلطة جاثمة هناك وقد استبقته، لقد سكنت خياله، فأين المهرب؟ إمَّا أنْ يُؤسطِرها، بالتالي يمشِي في ركابِها، وإمَّا أنْ تلاحقه لعنةُ الأساطيرِ، وإمَّا أنْ يركضَ في الحياةِ الاجتماعيةِ ركضَ الوحوشِ في البريّةِ!!

ونظراً لأنَّ مفردةَ المواطنةِ تحيلُ إلي ما يجعلها نوعاً من أنواعِ الخيالِ المتجسدِ، ومهما تلحق بها من مدلولاتٍ كاستيفاءٍ لجوهرِ الدلالة الخاصة في هذا الموقف أو ذاك، فإنَّها تثير مدلولات أخري. بكلماتٍ أدق أن هناك تشكيلاً متنوعاً لها، بحسب الأصل الذي استعارته، لا علي وجه اليقين، مثلما لا توجد مواطنة مع اليقين السياسي، إنما علي احتمال المجاز.  عادة السياسة تتحقق بطريقةٍ افتراضيةٍ إجرائيةٍ. وهذا ما يُشار به إليها من أنها ” فن الممكن “، إذ ذاك تفتح استعارات الهوية إطار الممكنات، وتفضي إليها، أو تعجن خبز الكلام اليومي الذي يطعمه رجال السياسة للمواطن، وقد ترسم ميداناً للمناورة وللحيلة ضمن النسق العام.

وفي هذا الميدان يقارب النسق السياسي أغراضه وينقش مساراته. في محاولة لاحتواء أسباب التغاير أو الاضطراب الذي عساه أن يقعَ بداخلهِ. وإذا كانت استعاراتُ الهويةِ تحضر لتملأ دوائرَ المواطنةِ، ما بين فضاء الوطن والمواطن، فإنها تشير عادة إلي حقيقةٍ أصليةٍ، تتماشي في ذلك مع صورٍ شائعةٍ للوطن والمواطن ونمط الهوية ذاتها، وتكتسب الإشارة كامل معيناتها وسمكها الدلالي، بواسطة اللغة السياسية (لغة القوانين، اللوائح، النصوص الرسمية…)، وهي منبع التحويلات والارتدادات الاستعارية.

هكذا ترتد المواطنةُ – في الثقافة العربية مثلاً – إلي الفعل ” واطن “. وليس أقل من أنْ يعبر عن عمليةٍ تستغرق موضوعها: أي المواطن، لدرجة أنَّه يصبح أثراً يفسر الدلالةَ التي يطرحُها الفعلُ، جاعلةً إياه محمولاً كصيغةٍ للفاعل بالإنابةِ، نتيجة أن المواطنة لا تقتصر فحسب علي الاستغراقِ والتركز في زمانٍ ومكانٍ سياسيين واجتماعيين، بل في حدود تخارج مألوف لمعنى ” واطن” عبر الإطار المعمول به. ولا يتراجع هذا المجال عن تأكيد الألفة، حتى يستحق الإنسان الصفة الحقوقية التي يحملها كمواطن، وهذا إثبات لقضية أن الفاعل- المواطن يرتد إلي مفعول به، ليمسي مرموزاً إليه عبر النسق الجمعي. وما لم يستجب لذلك، فلن ينال الضمان لحقيقة أفعاله، ولن يجني القبول الإجمالي.

لهذا تأتي كلمة المواطنة بمعنى ” الموافقة “. لأنَّ ما يميز النسق الجمعي الترابط فيما بين بناءاته، والهوية في تلك الواقعة عبارة عن ترابط بضمان الاتفاق مع تراكم المجموع البشري. يؤكد إميل دوركايم: أن التَّمثُلات الجمعية بعيدةٌ عن أذهان الأفراد، لكونها ليست مستمدةً منهم مباشرةً، لكن تؤخذ من ترابطها. وشتان بين الحالتين، فالإحساسات الشخصية لا تغدو اجتماعيةً إلا عن طريق ترابط، نتيجة فعل قُوى فريدة كامنة في هذا التلاحم[5].

في أغلب الأنظمة السياسية يتم التعامل مع المواطن داخل إطار الحشدِ. ويبقى مسحوقاً في داخل بنيته، ولئن كان الحشدُ معبراً في مرحلةٍ عن ترابطٍ، فإنه أداة لاستعادة الاتفاق واستعماله في أنشطته المختلفة، بصرف النظر عن مكانته أو فاعليته بالنسبة للمواطنة. يورد معجم” أساس البلاغة “هذا المعني: واطنت فلاناً علي الأمر وافقته[6]. إنَّ الأنظمة السياسية التي تعتمد علي مبدأ التمثيل النيابي تولي أهمية للاتفاقِ، اتفاق الأغلبية من خلال التصويت، مع أنه قد يضيع صوت المواطن الفرد وسط الاحتشادِ تحت رقم حسابي. ليصبح الوضعُ برمته توطيناً لمعطيات أخرى متعلقة بكيفية ممارسة السلطة وإصدار القرارات ومدي وجود مساحة للحرية. تشير بعض الدلالات بذلك البعد في الثقافة العربية إلي ما هو مقود، مَسُوس، أي مُدَجّن تحت اسم المواطن العام. وغالبا ما تعودُ المواطنةُ بوضعية التأرجح بين القاهر والمقهور، إنها إجمالاً فعل ينم عن سلوكياتٍ حياتيةٍ عالقةٍ بأصولها المستعارة ضمنياً في البيئات العربية. يشير الفيروزآبادي إلي الوطن كمنزلٍ للإقامة، وبوصفه مربطاً للبقر والغنم[7].

يأخذنا تداخل كهذا لإحلال صورةٍ محل صورةٍ، بطريقة ” لزوم ما لا يلزم “، وفقاً لمفاهيم الثقافة السياسية المتداولة، مستحضراً ارتهان المواطن بالثنائية الشهيرة” الراعي والرعية “. وهما كلمتان تنقلان معاني ثقافية وبيئية علي غرار الراعي والقطيع. كأن الدولة أمست حظيرة، وللحاكم أنْ يقيد ما عنّ له من مواطنيه( رعيته ) في أية زاوية شاء على غرار السوائم.

لذلك ظهرت عبارات حديثة متعلقة بذلك إزاء عناصر المعارضة السياسية مثل: ” تحديد الإقامة “، ” الوضع تحت الإقامة الجبرية “، ” فرض حظر التجول”، ” فرض حالة الطوارئ”،” الوضع تحت المراقبة “. وما يسري على الأفراد يسري على شعوبٍ بأكملها، ولا تخفي جذور الصورة لتحتل موقعها في صدر بعض الخطابات السياسية في التراث العربي الحاضر باستمرار. بذلك تكون حالةُ المواطنةِ استعارةً بدئيةً لا تكف عن الإتيان، تأتي مع حركة المعني لغوياً، إذا ما توافرت الشروطُ المواتيةُ. ولهذا فمع استعادة الحياة الاجتماعية لماضيها بآليات خطابية، تُوثِق عرى الوطن والمواطن أثناء ممارسة الهوية كعودةٍ وتدويرٍ. يتضامن مع المعنى السابق أن يأتي التوطين بدلالة تمهيد النفس[8].

فالتوطين عمل أشبه ما يكون بصورةٍ حياتيةٍ خاصة بالحِراثةِ، تستهدفُ تمهيد الأرض للزراعة، تفعيلها للبذر أملاً في محصولٍ مكتنزٍ بالثمار. والتنظيم السياسي ما هو إلاَّ حرث لتربة المجتمع، بما فيها أوضاع المواطنة علي أساس الانضباط النسقي. إنَّ حيثيات المواطن بالمعنى السابق تكمنُ في أنه بذر السلطة السائدة، فلا يستطيع العيش دون رعايتها. لتأخذ حياته شكل الإسقاطِ المعكوس، وتَرسُخ أواصر الرعاية، حين يُؤَسّس الاعتمادُ المتبادلُ بوصفه قاعدةً خلفيةً لتلك العلاقة الشائكة، كجدلية هيجل الشهيرة ( العبد والسيد ). إنه لا يستطيع الخروجَ من طرفي الرحى القاسية، من ثم هو عاجز تماماً عن الفعلِ والحياةِ من غير إرادتها التي هي- بالمفارقة – إرادته كذلك، حتى يبيت ممتثلاً وخاضعاً تحت قبضتها.

وبالتبادل الذي يحدث يتحول المواطن إلي كائنٍ محايثٍ ومنفعلٍ، يلعّق فيما هو متوافر سياسياً كجسدٍ عضويٍ في حالةٍ طفليةٍ، لا ينفصل عن أمومة السلطة، لا يترك ثدييها( أحدهما للترهيب والآخر للترغيب)وإن بلغ أرذلَ العمرِ، وقد مسخته السلطة ضماناً للعودة مهما نأي، ولا ترضى منه عقوقاً، ولو في الخيالِ.

إنَّ هناك حنيناً عاطفياً مع التوطين، وعليه تبقي المواطنةُ مستوى من تَعَيُن الهوية بأثر العاطفةِ، أثر الذاكرة طالما كانت مخزوناً للفعل. وعلى الرغم من أن المواطنة لا تخلو من إعادة تشكيلٍ فوقيٍ، في ظل مقايضة السلطة لكيان المواطنين عضوياً مقابل التنازل عن كلِ شيءٍ، غير أنها تُنجِز معها بالمثل تشكل العاطفة ذاتها، بحكم أن المواطنة حياة تحتوي كافة جوانب الثقافة إجمالاً. هي منفذ لممارسةِ الثقافةِ، إنْ لم أؤكد قصداً: إذا كانت هناك ممارسة كلية، تتحول خلالها مضامين الطابع الثقافي الجمعي إلي أشياءٍ خاصةٍ، فهي إفرازات المواطنة.

فمع التأكيد على أنْ كل إنسان يحب وطنه، ويأخذه الحنين إليه، مما قد يُفهَم منه وجود بناء اجتماعي سياسي للحب، إلاَّ أن الزمخشري يضربُ مثالاً تسري فيه جذور الثقافة العربية: الإبل تحن إلي أوطانها[9]. الأمر الذي يقارِب الدلالات الاستعارية، ولا يجعلها مفهومة إلاَّ في سياقٍ بعينه يتدني بأهدافها. لأنها لا تنفك مرهونة بالخلفيات الغارقة في ظروف سياسية سابقة، فكلما تتصاعّد بواسطة تشكيل سياسي يكرر نفس الأساليب البيئية والثقافية. إن فكرة المواطنة هنا تنضح مرةً أخرى بأصولِها الأوليةِ، لذلك اعتبر المعجمُ الوسيطُ أنّ كلمة واطن، بمعنى كيفية العيش مع قومٍ في وطنٍ واحدٍ، كلمة محدثة في العربية[10].

بالمقابل أشارت كلمةُ المواطنةِ في الثقافة الغربيةِ إلي محدداتٍ اجتماعية ( حياتية )، وهذا ما سأُعّرِي جذوره الفكرية بالتوازي. غير أنَّ الكلمة ذاتها نحتت مساراً تكوينياً نحو تجاوز الأصل، وتفريغ قدراته الاستعارية بما ألزمها من تراكمٍ. ذلك عن طريق نسّج خطاب سياسي اجتماعي جديد، يتماهى مع الحياة السياسية المتطلعة إلى التطور. لقد حدثت محاولات تحوير فلسفي( في الديمقراطية والليبرالية) لدلالات المصطلح، لتقليل حجم الارتدادات نحو الوضع البدئي، بفضل النقد الصارم الذي خضع له الخطاب السياسي الغربي مع عصر النهضة والتنوير. إلى أنْ أضحى عملاً بنائياً، لم تخلو منه أنماط الحياة المترامية بشكلٍ متواصلٍ فيما بعد، بل أصبح مكوناً من مكوناتِها، حتى أخذت عمليات التكيف النقدي مع مصطلح المواطنة في تراكم الجوانبِ الوظيفيةِ له. واستطاعت حركة المجتمعات الغربية أن تُخضِعهُ داخل أحداث التاريخ، فقد تراكم في عمق أفعال المواطنة، وذلك بالقدرة على تقوية نسيجها الحياتي، مع إعادة تَمثُل الأصول بلغةٍ حقوقيةٍ وإنسانيةٍ[11].

فالمواطنة citizenship عبر الثقافة الغربية تعبرُ عن كون المرء مواطناً من مواطني الدولة، دالةً على واجباته وحقوقه وامتيازاته. أمَّا المواطن بذاتهِ، فيمثلُ عضواً في دولةٍ بالولادة، أو المنشأ، أو الاختيار، ثم اتجهت إلي درجات تراكمها الكلي، نظراً للاعتناء بكونها حياةً مستقلةً لها أصعدة من التطور والاختلاف والاندماج، وهي في تكوينها هذا اشتُقت منها كلمة مواطنية citizeness، أي كل ما يتعلق بشؤون المواطنة، وأساليبِ العيشِ باسمِها، وفوق ذلك صيانة الحقوق الواجبة، ناهيك عن استغراقها لكافة المدلولات، التي قد تشذ عنها، لهذا أُدرِجت أفعال متنوعة الدلالة لذالكم الاستغراق.

مثلاً هناك الفعل: cite بمعنى يدعُو شخصاً بالمفهوم القانوني للمثول أمام القضاء. ولم يفُته أن ينقل مكملات البنية القضائية بالمدلول المدني في تلك المرحلة: فيأتي مرة بمعنى: يورد، يذكر، ينوه. وهناك citation التي فضلا ًعن إتيانها كدعوة للمثول أمام القضاء، تعبر معرفياً عن نظامٍ منهجيٍ، يستشهد بالآراء والأقوال والاقتباسات في حدود المناقشة والحوار والتباحث. وهذا دليل قاطع على أن مشتقات المواطنة بالنسبة للمعجم الغربي تبرز خريطة ذهنية حياتية تخص رؤى العالم واضعةً لها في أدق التفاصيل، بقدر ما تتأسس علي ماهية الإنسان. وسواء أكانت دعوة قانونية أم استشهاداً بقرائن وأدلةً، فهما من ثم لا ينفصلان عن الوضع العام للمواطنة، وعن وضع المواطن كما يتشكل معرفياً. وفي الوقت عينه ترتبط citizenship بالفعل citify: يمدِّن، يعّود إنساناً على حياة المدن أو يطبعه بطابعها المتحضر.

مع ذلك لم تحُل المواطنة تاريخياً في هذا السياق دون اختلاطها بالاستعارات، التي تستحضر الأصول البدئية في الفكر السياسي الغربي. ولم تمنع استخدام دلالات استعارية تحتويها في أكثر الأنظمة السياسية تطوراً. فبنفس المنطق كانت هناك كلمة مشتقة national حيث أشارت إلي المواطن بالمعني السياسي، سوى أنها استُعمِلت عن أصلٍ لاتينيٍ nationem، إذ كانت شائعة في الإنجليزية منذ أواخر القرن الثالث عشر، لكنه أصل ممتد، كم عبر كثيراً عن عرقٍ أو جنسٍ بالأساس القائم على التمييز بين الفئات الاجتماعية. وهو التمييز الجاري داخل إطار المجتمع، لرفع مجموعة عرقية إلي مرتبةٍ لا تدانيها مرتبة أخرى، وكي تنال من المكانة والأهمية ما لا تنالهما سواها. وذلك في غياب المعني الذي ينتهي بالمواطن إلي الانضواء ضمن تجمع سياسيٍ منظمٍ، وظل ثمة تداخل بين المدلولين، لم يتضح جلياً فيما بعد هذا الحد الذي شكل الخلفية السياسية الاجتماعية للكلمة السابقة، بل لم ينفصل المدلول الأولي عن الإشكال الإجمالي لها، لدرجة أنه أخذ مساحته الأوسع. فقدم تعريفات بنفس الطريقة لـ ” الدولة -الأمة “nation-state[12].

الأمر الذي أغرق كلمة national التي أشارت إلي المواطن السياسي في استعمال مُقَنّع يرتد إلى الاسم الأقدم subject بمدلول: تابع أو فرد من الرعية أو الحاشية، لعلهما في هذا السياق كلمتان تتراوحان باستعارةِ إحداهما لتحل محل الأخرى. ذلك مع أفول القرن السابع عشر الميلادي، ويستند الإحلال والتبديل إلي التشابه القائم على الموضوع ( المواطن – التابع )، على أساس أنَّ السياقَ في بعدهِ الخطابي يثبت حقيقة المواطنين بمدلول الرعية التابعة للسلطة المهيمنة. ولو حدث مثل هذا، فليس أقل من إنشاء إطارٍ متسلطٍ يغتذى علي المواطنة بعد تفتيتها، والتقليل من فاعليتها. وهو نفس الاختراق من قبلِ بعض الأنظمة السياسية، التي وازت بين الجنسية nationality والتمتع بحقوقِ المواطنة، فالأولي تعود ببدورها إلي البعد العرقي أو القومي[13]، بينما تُمنح إنْ لم أقل تُوهب الثانية لأصحاب التراب الوطني فقط.

ولا يغيب عن الالتحاق بهذا الارتداد أن nationalism ( النزعة القومية ) كثيراً ما تعلقت بادعاءات عرقية racial لإعلاء وتمييز قوميةٍ على قوميةٍ أخرى. ادعاءات مازالت نافذةً حتى عبر الخطابات الفلسفية والمعرفية في أوروبا[14]. وبذلك أخذت تكشف عن معانٍ سلبيةٍ، بعضها محدد قابل للتشكل علي مستوى الفكر السياسي، وبعضها الآخر ملتوٍ ومراوغ، ويمكن العثور عليه في مجالات خارج نطاق السياسةِ، من هنا كانت النزعة العرقية racialism بمثابة الصيغة الأيديولوجية للعنصرية طوال القرن العشرين[15]، وعادة ما ارتبطت باتجاهات تجزيئية، انفصالية ضد مفهوم الأمة كمجموعةٍ سياسيةٍ كبرى، وإذ عادة ما لاصقت الانتشار الواسع لمفاهيم الهيمنة والاستعمار، فإن الحركات القومية – في أوروبا أو خارجها- تأسست إما على تجمعٍ سياسيٍ قائمٍ مع تبعيته لكيان بشري بعينه، وإما علي مجموعةٍ تتميز بلغةٍ خاصةٍ، وإما على جماعةٍ يُفترّض أن عرقها واحد. إن القومية حركة سياسية في الدول الخاضعة لتلك الأنماطِ، التي شملت عدة أعراق races ولغات كالهند مثلاً، أو في الدول والأقاليم والمناطق التابعة، حيث يتم التمييز بناءً على لغةٍ خاصةٍ، أو دينٍ مختلفٍ، أو أصلٍ عرقيٍ مفترضٍ[16].

وإزاء افتراض هذا التأّصُل العرقي، تصبح المواطنة معطاةً بمقدار الانتماء إليه، وربما يجري بالولاء الذي يداوم بنيته، ويشارك في إفرازه المتواصل، إن الانتماء والولاء بهذا التواطؤ فاعليتان تنشدان أهدافاً أبعد، تحدد هيكلة المجتمع، فلا طفو لعرقٍ إلا و تستتبعه سباحة في اتجاهٍ اجتماعيٍ مقصودٍ، يُخفِي مفاهيم وآليات حاكمةً، والأخيرة في خفائِها تقوم على الحذف والحط من قدر الأغيار، وليست عمليات التمييز ضد الأجانب ( الوضع تحت المراقبة، الإخضاع لإجراءات أمنية مشددة، الحساسية الاجتماعية المفرطة من المظاهر الدينية لمعتنقي بعض الديانات ) في المجتمع الأوروبي ببعيدة عن فكرة حجب امتيازات المواطنة عنهم أحياناً، تجاه فئاتٍ من الجاليات غير الأوروبية، وبخاصة مع تواتر إيقاع الحياةِ العامةِ، تقع مثل هذه الأعمال، حتى وإن كان هؤلاء الأفراد يحملون جنسية الدولة التي يقطنون فيها، ليت الحال يتوقف لدى هذا الحد، إنما تتعالى نبرة الحديث عن ضرورة التفتيش عن أصولهم العرقية والدينية، مع الزج بهم في دائرة الاشتباه تحت ضغط صور نمطية عامة تجاههم، فحين يقع حادث، سرعان ما يتم تصنيفه في فئة انتماء ديني أو عرقي لمجموعة من المهاجرين دون آخرين، وكأن الجريمةَ محجوزة سلفاً باسمهم فقط!!

مع أن الإنسان كإنسانٍ لا يخرجُ عن نطاق القانون، إلا أن الممارسات العامة تقول عكس ذلك، مما يجعل المواطنة، إذا ما وصلت إلى كونها حمايةً ثم وصايةً، تقتل نفسها بنفسها، هي عندئذ تنتحر لكن باسم غيرها، باسم إمكانية القانون الذي يُقال إن عدالته عمياء، غير أنها تبصر فجأة انحيازاً لمنشأ القيم الأوروبية، المنشأ الذي يتقاسمه تراث نبذ الآخر، كي تعيش أثيناً ولأجل أن تحيى روما. هاتان المدينتان اللتان طبعتا القاموس السياسي الغربي بشفراتيهما، وعلينا أن نفك الشفرات بمعرفة تفصيلية عن: كيف صيغت القوانين الرومانية؟ ومن قبلها: كيف وُضِعت بذور وأسس القانون اليوناني؟ فليس هنالك إلا احتمال قريب أن يتحول هذا التحدث بالاسم إلي انقلابٍ يهدم مبادئ المواطنة، فكل قوةٍ يمكن أن تحمله، ومع تناسل الأنساب – مادمنا نعيش في كنفِ الأسماءِ- تأتي الاستعاراتُ بأسماء الهوية في هذا الجانب، على شاكلةِ انتماءٍ قوميٍ أو عرقيٍ أوروبيٍ.

من جهةٍ أخرى، على الرغم من أن المواطنة تتضمن معنى المدنِيّة، سوى أن التحقق السياسي الوظيفي لها، وفقاً لمتعلقات المضمون المستعار، جعل الدلالة عليها نوعيةً، أي تتعلق بفكرةٍ ثابتةٍ، ترجع في الغالب إلي أيديولوجيا أو نموذج اجتماعي سالف التصميم، وصحيح أن civitas، وهي الاسم العام المشتق من civis، لاتينية كانت تعني مواطناًcitizen، وقد أشارت civitas بالفعل إلي مجموع المواطنين، بدلاً من مستوطنةٍ بعينِها، لكن استعملت في نفس الوقت – علاوة على ذلك – بالإشارة إلى نموذج قبلي محدد، هكذا استعملها الكتاب الرومانيون قديماً بنفس المضمون للإشارة إلى قبائل الغال Gaul[17]. بذات الأسلوب أكد كارل بوبر، وهو فيلسوف ليبرالي معاصر لا يُذكر إلا وتُذكر معه العقلانية النقدية critical rationality، على أن الديمقراطية القائمة على مبادئ المواطنة لم تتحقق إلا في الغرب، مستخدماً لألفاظٍ تدل علي أسطرة النموذج السياسي الغربي[18].

حتى مفهوم المدنِيّة ذاته، سرعان ما ران عليه مدلول تاريخي. لقد جعله الأخير مفهوماً لمرجعيةٍ خاصةٍ بدائرة السلطة المهيمنة، أي بمركز تلك الدائرة، ففي حين دلت الـ city على بلدةٍ كبيرةٍ، ثم أمست ذات دلالة على الحياة الحضرية، فقد ارتبطت الكلمة ذاتها من الطرف الآخر خلال القرن السادس عشر الميلادي حتى القرن التاسع عشر بالوضع السياسي للعاصمة، النقطة الأم التي تُضخّ منها السلطة capital[19].

وإذا كانت كلمة civitas تعبرُ عن معنى المواطن ومشتقاته، فمع ذلك ظلت مقصورةً على سكان البلدة الرئيسة للدولة، أي مواطن المدينة التي يُعترف بها، من قبل نمط السلطة السياسية، ومن زاويةٍ أخرى لم تعد تلك البلدة رئيسةً إلا بتدعيمٍ آخر مرتبط بالدين، فقد كانت كلمة city أعلى منزلة من town لا لشيء إلا لأنها تمثل “قرية إنجيلية”، أو تقترب من فكرةِ المستوطنةِ المثاليةِ، وذلك نوع من التجزيء الجغرافي للمواطنة يناقض أسس الحق بخاصة العدالة والمساواة، فعلى هذا الصعيد المتعالي، اللا قانوني، كانت ثمة تفرقة غربية-ومازالت سارية-بين المدينة والريف country، على نحو عام استعملت city بمعناها المحدد مسبقاً كمركز مالي وتجاري، ناهيك عن كونه يضم رمزاً دينياً ( كاتدرائية ) له أساليبه الإدارية والحضرية[20].

لقد تم صياغة مفاهيم المواطنة والمدنية والقومية بلغة استعارية متعلقة بالهوية. هي بالدرجة الأولى لغة السلطة المؤدلجة سياسياً، وكثيراً ما حضرت بواسطتها مهيمنات فكرية اقتصادية أو اجتماعية أو دينية في إطار ما يسمى بالحضارة، ولطالما كانت تلك المهيمنات مختلطة بتصورات الحق والحقيقة، التي تمس المواطنة، دخولاً إليها من نافذة أمثولات الوطن والمواطن، فهي غالباً دالة على عملية تاريخيةhistorical process ، لم تخلو من إعادة تمثُل لما يحيطها. حتى غدت تخالف في حقيقتها قضايا المواطنة الراهنة، ولاسيما قضية الحرية المتاحة لممارستِها.

ولإلقاء الضوء على هذا المشهد الأخير، كي تتضح الفكرة، كان هناك الأصل المعطى مبدئياً لمصطلح الحضارة civilization وهو civil المأخوذ من اللاتينية civilis بمعنى ينتمي إلي، أو يخص المواطنين citizens من civis لاتينية أيضاً  تدل على المواطن، غير أنها أدرجت في الإنجليزية خلال القرنين الرابع عشر والسادس عشر، حيث تكونت مفاهيم التنظيم، وهيكلة الجماعة وحسن التربية civilitas والتهذيب والكياسة civility[21]. لعل هذا ما سمح بدخول أشكال”العنف الرمزي”، الذي تأصّل مع المرجعية الثقافية، فأي نشاط تربوي هو موضوعياً نوع من أنواع العنف الرمزي، وذلك بوصفه مفروضاً من قبل جهة متعسفة لتعسف ثقافي معين[22].

في هذا النطاق، يمثل النشاط التربوي استعارةً للهوية الاجتماعية. وبموجب أنَّ التحضر، التمدن، عمليتا تهذيب متواصل، فإنَّ مسار التربية يقوم بوصفه عملاً ترسيخياً متوتراً، ينتج تشكيل غاياته عبر موضوعاتٍ حيةٍ( الناس)، وقد أمست خاضعةً لحقائقهِ، أي أن هذا العمل ينتجُ إلى درجة القولبةِ منتمي( مواطني )الممارسات السارية وفقاً لمبادئ و نموذج التعسف الثقافي الغالب، الخاص ببعض الجماعات والطبقات، وهي التي تفوض بدورها – عن طريق السلطة التربوية – هذا النشاط التربوي أو ذاك لإنتاج النموذج الحامل لسيطرتها، بعبارة واضحة… يتم تجسيد الأبنية الموضوعية، التي تفرزه، وذلك بواسطة التطبع(أو بالتبادل: التوّطُن)بما هو مبدأ يولد الممارسات الحياتية التابعة، التي تعاود مرة تالية إنتاج الأبنية الموضوعية(مؤسسات المواطنة)، هكذا لا تكاد تنتهي تلك الدائرية حتى تراوح قانونها النافذ[23].

المهم أنَّ هناك فكرتين ستنقلنا تباعاً:

أولاً: تمثل المواطنة حداً مرهوناً بما يشكل المجتمع في صورة الدولة أو السلطة المهيمنة أو الأفعال السياسية الجمعية. ومن ثم تعد نشاطاً يتوقف على تاريخيةِ المجتمع(عاداته وتقاليده ونسق مفاهيمه الحاكمة)، بدليل أن المحددات العامة على صعيد الثقافة العربية أو الغربية مازالت فاعلةً في الجذورِ اللغويةِ لكلمة المواطنة، وأن فاعليةَ المواطنةِ من عدمِها لها علاقة بتكوين هذه المحددات والصور.

ثانياً: مفهوم المواطنة من المفاهيم – الاستعارات metaphors – concepts بتعبير رولان بارت[24]، إنه مفهوم محكوم كما رأينا بتحولاتٍ دلاليةٍ واستعاريةٍ بالأساس، وهنا يقبع  العقل السياسي، الذي يستخدم الخطاب كي يُبقى ما يُبقيه من الأصول والهويات سارياً.

***********

[1] – رولان، ب. و تافيرنييه، ب.، الحماية الدولية لحقوق الإنسان(نصوص ومقتطفات)سلسلة زدني علماً (حقوق)، تعريب: جورجيت الحداد، منشورات عويدات، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1996. ص14.

إذا دققنا النظر، لوجدنا أنَّ هذه الصياغة مبطنة بمساحةٍ شاسعةٍ من الخيالِ، هذا الذي يفترض الواقع افتراضاً، بينما لو كان هناك حق على ما جرت به العادةُ، فإن الواقعَ القانوني كفيل بحمايتهِ، غير أن تلكَ اللغةِ تثبتُ الوعدَ المتواصلَ وغير المتوقف عن ضمان شيءٍ ليس مضموناً في ذاتهِ، ولا فيما دونه. لهذا يمكن اعتبار تلك المساحة خميرة أساسية في كل خطاب من هذا القبيل لنشوء بلاغة للحق ولمواطنته، لا ينطويان سوي على مظاهر مناشدةٍ ورجاءٍ ودعواتٍ بدون رصيد للاستجابة، فما كان من الخطاب السياسي إلا أن جاء تصديقاً لتلك المقولات الدعوية، التي تشمل دلالات الدينونة أكثر من الضمانات، وهذه سمة  ستدعم تحلّحُل جميع أركان المواطنة، وستدعم أرديتها الاستعارية كما سنرى في المتن للتدليل على أن للقوانين وللسياسات لغة مجازية تفتح عمل الشيطان بالمعني الفلسفي / السياسي، فهو قابع في التفاصيل، لتُخفِي اللغةُ غير ما تقولُ.

[2]– Sadaka, Jean, Symbols & Rituals :studies in old mythologies, London ,the United Kingdom, 1989. See: introduction.

[3]– كشف دريدا أن هناك بعض الخطابات المعرفية الأوربية تعيدُ تطبيق الوعي الفلسفي بالمفهوم الأوروبي على موضوعات علمية خارج سياقه، حتى وإن كانت الموضوعات هي أخص خصوصيات الإنسان ، كفهم الحياة من خلال الأساطير أنثروبولوجياً، لتحدد طريقة الإدراك والنظام الخاص برؤى العالم والمجتمع بالنسبة مثلاً لشعوب أمريكا اللاتينية. وهو العمل الذي يعني إعادة إنتاج صورة العقل الأوربي من خلال حيوات أخرى خارج نطاقه، كما أنه يتعلق بمضامين مركزية الثقافة الأوربية، التي تتوسع على صعيد تهميش الحضارات المغايرة، في نفس الوقت الذي تحاول إثبات هيمنتها، عن طريق تواطؤ الأيديولوجيا والخطاب السياسي.

See: Jacques Derrida, Of Grammatology, Translated by Gayatary Chakravorty Spivak, The Johns Hopkins University Press, Boltimore and London1974.PP.125 -131.

[4]– الجرجاني، عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد، أسرار البلاغة في علم البيان، تحقيق: هـ. ريتر، دار المسيرة، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 1985. ص37.

لعل هذا التعريف للاستعارةِ يُؤسِسِها على مبادئ فكرية، لأنها أكثر ارتباطاً بنسقِ التفكيرِ منها بمجرد البلاغةِ اللفظيةِ، وهي من ثم تحقق طرائق المجتمع في مراكمةِ حقائق المفاهيم، وكيف تسلك خط سيرها داخل السياق الاجتماعي، على ما يحمله من تعقيدٍ سياسيٍ وقيميٍ، هي بالتالي تشكل خطاباً تأتي عبره لتقرر ما يصعب تقريره، وتمرر ضمنياً ما يتجاوز القيود المفروضة على ممارسة التفكير الحر في سياقٍ بملامسة الأصل في سياق آخر، وبواسطة المقارنة كما هو الحال في السياسة، تبرُز حقائق مختلفة، لم تكن لتتجلى لولا هذا الاستبدال على خلفية التشابه، وعلى الرغم من هذا الفضح، فهي من قبيل اللغة المجازية، أي تفلت من المراقبة والعقاب.

[5]– Durkheim, Emile, Sociology and Philosophy, Translated by D. F. Pocock,  the Free Press III, Glencoe, 1953. P.25.

[6]– الزمخشري، جاد الله أبي القاسم محمود بن عمر، أساس البلاغة، معجم في اللغة والبلاغة، مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الأولى1999. ص487.

ينبغي التأكيد على قضيةٍ مهمةٍ تشارك في تفاصيل التحليلات المتناثرة في الدراسة: أنَّ ألفاظ المعجم ليست فقط تصنيفاً لكلمات وحروف داخل نظام اللغة العربية أو الانجليزية، لكنها في المقامِ الأولِ مستوياتٍ من الأعمالِ الاجتماعيةِ، ومن طباقٍ منسدلةٍ ومتفاعلةٍ وعميقةِ الجذورِ في الحياة، إنها لا تظهر كذلك حين نعتمد على أسلوب الاشتقاق اللفظي، لكنها تبدو غير ذلك عندما نتتبع الاشتقاق الاجتماعي للكلمات، فهذه الأخيرة تمثل وحدات نصية تشتبك مع الواقع و ترتهن باشتقاق سلوكي وحركي ومفاهيمي، وتنقله أيضاً، ولاسيما إذا ما كنا بصدد الخطاب السياسي الذي يندلع في هشيم الحقائق الاجتماعية. النتيجة المترتبة على هذا أن المعاني تحولات في الوقائع والاتجاهات وتعبر عن أبنية غائصة في هذا التطامن الفعلي.

[7]– ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد، لسان العرب، الجزء الثالث عشر، دار صادر، بيروت، لبنان د.ت، ص451.

[8]– ابن منظور، الجزء الثالث عشر، ص451.

[9]– الزمخشري، أساس البلاغة، ص487.

[10]– مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، الجزء الثاني، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثانية 1973. ص1042.

هذه الإشارة الذي أوردها المعجم الوسيط علي الرغم من قِصرِها، إلاَّ أنها بمنطقِ اللغة تكشفُ كل ما يجري من ملابسات اللفظ ( واطن ) لأن الكلمة إذا كانت غريبة ودخيلة تظل نافرةً على هيئة أثرٍ أو وشم يسجل وقائع التاريخ والحياة،، وليست اللغة في هذا أبعد من نظام يقبل ويستوعب الغريب، لكن مع هضمه يتناثر المعنى، ويفيض بمحدداتهِ التاريخية، أي يبقى دالاً قابلاً لإنتاج مدلولات، وهو مدلولات تمارس هذه المرة قدرات الدال على تفتيت الواقع، أو وضعة في حالة تداعٍ بكل أحداثه ومُغيِباته، فالكلمة الحديثة هنا ( المواطنة ) ليست حديثة لغوياً دون أن تكون حديثة فعلياُ، ولكي تُفهم حداثتها،  يتطلب الأمر تفهم حداثة الواقع من عدمه، بل بما يفرزه ويتناثر منه بما يضاد الكلمة، إنما يُعطِى اللغةَ قدرةً على إحداث تحول في الوعي، وبخاصة إذا كان المجال المتحدث عنه يأخذ مقوماته ويستند في هيمنته كالسياسة إلى ذاك الواقع.

[11]– نوَّه “وليم ماك نيل” إلي أنَّ ما يميز المجتمع الغربي هو هذا التحويل الثقافي الاجتماعي الواعي للأصول في مضمارِ الخطابِ السياسيِ وظلالهِ في الحياةِ. وهذا التحويل لم يأت بفضل قطيعةٍ مفارقةٍ، بيد أنه نتيجة ممارسةٍ نقديةٍ عميقةٍ على مستوى الواقع والمفاهيم والخيال، لدرجة أنه أعتبرها ثورةً ديمقراطيةdemocratic revolution، وهي كذلك إن أخذنا في الحسبان تاريخ المجتمع الغربي في العصر الوسيط، الذي تضامنت فيه الخطابات السياسية مع مدلولاتها الدينية السائدة والتي طبعت المفاهيم بمعالم مركزية في الفكر والتصور. وفي هذا التنويه حدد نيل أنَّ قضية التحويل لم تنظر إلي ما هو سياسي أو اجتماعي إلاَّ بمقدار ما هو عقلي ومفاهيمي، فالحرية لم تكن لتعني حق الأغلبية في تقرير مصيرها وإزالة العوائق من طريق إرادتها، لكن  عنت تحرير العقول وتنوير to enlighten الأفراد بحقوقهم واستئصال تصورات العنف violence من خلال فتح آفاق الحوار والاختلاف، وبالتالي كما يقول نيل  تتمثل حرية العيش( المواطنة ) في حق الأفراد وقدرتهم على الفعل داخل حدود أوسع وقابلة للممارسة broadest practicable limits، حتى لو أدى سلوكُهم إلى استياء الأغلبية، إن الحريةَ بالنسبةِ للمواطن تعني توسيع جذري لكافة الحدود بما يكفل  المساواة equality والعدالة والإخاء البشري fraternity.

William H. McNeill, The Rise of the West: A history of the human community,

A Mentor book, the university of Chicago Press, 1963.PP 811- 812.

[12]– وليامز، ريموند، الكلمات المفاتيح: معجم ثقافي ومجتمعي، ترجمة نعمان عثمان، مراجعة محمد بريري، تقديم طلال أسد، سلسلة المشروع القومي للترجمة، العدد( 980 )، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2005. ص270.

[13]– المرجع السابق، ص ص270 ـ271.

[14]– من خلال ربط ما هو فلسفي وفكري بما هو سياسي، ناقش بعض الفلاسفة ارتباط نزعة التمركز حول العرق بمفاهيم معينة تمس الإنسانَ كإنسانٍ، ومع ذلك تخرج هذه المفاهيم من تعلقها الإنساني تجاه الاعتقاد بتمييز جنسٍ على آخر، ويظهر ذلك بوضوح مع إقامة بعض الفلسفات الأوربية بشكل غير مباشر على نزعات إنسانية، هي بدورها ترتد إلى أفكار لا تخلو من عنصرية تطبع حقبة من الحقب في تاريخ الفكر الغربي، كما هو الحال لدى فينومينولوجيا phenomenology هوسيرل و وجودية existentialism هيدجر، حيث يتأسسان علي ميتافيزيقا أنطولوجية – لاهوتية متعاضدة مع الأصل العرقي للإنسان الأوروبي، فهيدجر مثلاً حين يحلل ماهية الإنسان في كتابه”رسالة حول النزعة الإنسانية” يحد آفاق التفكير بنشأة مفهوم معين للإنسان في الثقافة الرومانية ذات الأصول اليونانية، مع إضفاء الطابع المسيحي Christianizing على الإنسانيات اللاتينية latin humanitas، لتأكيد تبادلي بين العرق والدين، حيث يشدد علي دلالات المفهوم وكأنه مفهوم تاريخي يبدو حيادياً بيد أنه يعكس ما نشأ عنه.

Derrida, The End of Man, in: Margins of Philosophy, translated, with   Jacques

Additional notes by Alan Bass, the Univrsity of Chicago Press, 1982.P.128.

[15]– يظهر التنقيب في جذور مصطلح العنصرية أنه تطور مع تطورِ المجتمعاتِ واللغات الأوربية، مما يعني أنه يحمل أصداءَ حقائق اجتماعية، فهو مثلاً غير موجود في قاموس ليتريه Littre 1863ـ1877 أما قاموس لاروس Larousse 1932، فقدم الكلمة على أنها تماثل الاسمَ المعطى للاشتراكيين الوطنيين الألمان، الذين كانو يدعون تمثيل العرق الألماني النقي ويستثنون اليهود، بينما يستعمل قاموس اللغة الفرنسية لبول ربييرPaul Robert 1962 الكلمة بين جملة مشتقات من كلمة عرقٍ، ليقدم التعريفَ التالي: نظرية تسلسل الأعراق، القائمة على الاعتقاد بأن الحالة الاجتماعية تخضع لخصائص عرقيةٍ، مستنتجاً منها ضرورة الحفاظ على العرق المتفوق بعدم التزاوج من الأعراق الأخرى، ويفسرها أيضاً وفق هذه النظرية، لكن لم تدخل الكلمة قاموس لاروس الصغير المصور حتى عام 1946 ليعرفها بإيجاز: نظرية تحاول أن تثبت نقاوة بعض الأعراق. يستمر هذا التعريف إلى أن يتغير عام 1960، فيزداد دقة، لتصبح العنصرية: نظام يؤكد تفوق مجموعةٍ اجتماعيةٍ على آخرين، ويوصي، على نحو خاص، بعزل هؤلاء داخل بلد( التمييز العنصري )، وفي عام 1966 كان المصطلح يرمي إلى القضاء على أقلية، عنصرية معاداة السامية عند النازيين، وأنه لذات التعريف الموجود في طبعة 1980، غير أنه في طبعة 1992، تم محو هذه الإيضاحات الملموسة، ولم يبق سوى الأيديولوجيا والتصرف على أساسها، بالمقابل يشير المعنى الثاني إلي موقفٍ عدائيٍ مطلقٍ تجاه فئةٍ معينةٍ من الناس، أي العنصرية ضد حديثي السن، وبذلك يعبر عن استعمال جانب خاص من المعنى.

فرانسوا دي فونتيت، العنصرية، ترجمة عاطف علبي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1999.ص ص7ـ 8.

ولعلنا نلاحظ أنَّ هذا الإثبات والمحو لبعض المعاني دون أخرى يتم تحقيقه بنزعةٍ عنصريةٍ، بدليل أن المعني تسلسل تاريخياً إلي أن تقلص في نطاقٍ محدود: ” عنصرية ضد حديثي السن “، الأمر الذي دعا دي فونتيت أنَّ يتمنى من صميم قلبه زوال هذا الاستعمال، معقباً بشرط الإرادة: إذا أردنا أن تحتفظ الكلمة بمعناها الحقيقي…المرجع السابق، ص8.

إنَّ الذي يمحو جوانب المعني هي الأيديولوجيا، عندما تريد أن تلقي بنفاياتها جانباً، فليس أمّن من سلة اللغة، لكن سلة المحذوفات لا تتلاشي، ولاسيما إن كانت داخل ذاكرة اللغة، فمع الحذف والإسقاط تفيض ولا تنقص وتمارس عكس المتوقع تعلقاً بالماضي لا يزول بالسياق، فإذا به يظهر مع نقاء نبرات وعبارات المواطنة والحقوق المترتبة عليها في الخطاب السياسي، توطئة لاستعمالٍ في اتجاه آخر.

[16]– وليامز، ريموند، الكلمات المفاتيح، معجم ثقافي مجتمعي، ص271.

[17]– المرجع السابق، ص78 .

[18]– على الرغم من أن كارل بوبرPopper  K. ينتقد الأيديولوجيات التي تنشر العنف والنزعة الشمولية، إلا أنه لم ينتبه إلى كونه يؤدلج الحضارة الغربية في نهاية المطاف، عندما يطلق حكماً قاطعاً: إن المجتمع الغربى هو أكثر المجتمعات حرية وتسامحاً وعدلاً مقارنة بكافة المجتمعات المعروفة.

Karl Popper, Tolerance and Intellectual responsibility, Oxford University Press, London, 1987.

وهو حكم قاطع يهدم على المدى البعيد نموذج المواطنة عن طريق أسطرته، ويتناقض مع أبسط مباديء العقل والنقد: أن المواطنة كممارسة فعلية وخيالية يستحيل أن تتحقق دون قصور، بل إن النموذج الذي قد يعد كاملاً  لها سرعان ما يتضخم بمشكلاته و بحلولها أيضاً، لأن له فاعلية تمثل سؤالاً عن الإنسانِ والمصيرِ والكونِ وماهيةِ المجتمعِ، وأية رؤيةٍ تجزيئيةٍ لها تُنفِي بعضها البعض، إن لم يكن على مستوى الواقعِ، فعلى مستوى الفكرِ، وهذا ما حدث مع بوبر.

[19]– وليامز، ريموند، الكلمات المفاتيح، ص78.

[20]– المرجع السابق، ص ص 78 ـ 79.

[21]– المرجع السابق، ص80.

[22]– بورديو، بيير، العنف الرمزي( بحث في أصول علم الاجتماع التربوي )، ترجمة نظير جاهل، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ص7.

[23]– المرجع السابق، ص46.

[24]– بارت، رولان، معنى أن تكون مثقفاً، متاهات: نصوص وحوارات في الفلسفة، سلسلة المكتبة الفلسفية، ترجمة حسونة المصباحي، مراجعة قدامة الملاح، دار المعرفة للنشر، تونس2005. ص70.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق