عن صعوبة القراءة لجورجيو أغامبن / روجيه عوطة

وفي هذه المناسبة، التي تدور عربياً في الإسكندرية والكويت وأبوظبي فقط، هنا نص للفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبن بعنوان “عن صعوبة القراءة”، وقد تضمنه كتابه “النار والحكاية” (بالإيطالية 2014، وبالفرنسية، نسختان من ترجمة مارتين روف، الأولى في 2015، والثانية في 2018).
ملاحظة: أستعمل هنا كلمة “استحالة” مكان “impossibilite”، وهذا مع أنها، في الوقت نفسه، هي تعريب لـ”devenir”، التي في العادة يجري تعريبها بـ”صيرورة”. فمن بدائع اللغة العربية أن المستحيل فيها هو المحال والصائر معاً.
وفي ما يلي، نص أغامبن:
 

لا أريد أن أتكلم عن القراءة والمخاطر التي تشتمل عليها. بل عن خطر آخر، في مستوى أعلى، أي عن صعوبة أو استحالة القراءة. إذ سأسعى إلى التكلم، لا عن القراءة، لكن عن اللامقروئية.لقد مر كل منا في تلك اللحظات التي نحاول خلالها أن نقرأ، لكننا نخفق في فعل ذلك، بحيث نعاند في تصفح كتاب، لكنه يسقط، وبكل معنى الكلمة، من أيدينا.

في معالجات الحياة الرهبانية، هذا هو الخطر الفعلي الذي يخضع له الراهب: الخمول، شيطان منتصف النهار وحره، الإغواء الذي يهدد رجال الدين يظهر، وعلى أكمل وجه، في استحالة القراءة. على هذا النحو، يصفه القديس نيل:

“عندما يحاول الراهب الخامل أن يقرأ، يتوقف عن ذلك قلقاً، وبعد دقيقة واحدة، يغط في النعاس. يفرك وجهه بيديه، يمد أصابعه ويواصل قراءة بعض الأسطر، يردد مغمغماً نهاية كل كلمة يقرأها. ومن حين إلى ثان، يملأ رأسه بحسابات كسولة، يعد الصفحات التي بقيت له كي يقرأها، وصفحات الدفاتر. يبدأ بكره الأحرف والمنمنمات الجميلة تحت عينيه. وهذا، إلى أن تحين لحظة إغلاقه الكتاب واستعماله وسادة، يضع رأسه عليها، ويغرق في نوم خاطف وعميق”.

صحة الروح تتطابق هنا مع مقروئية الكتاب (وهي، بالنسبة إلى القرون الوسطى، مقروئية العالم)، كما تتطابق الخطيئة مع استحالة القراءة، مع تحول العالم إلى عالم غير مقروء.

في هذا المعنى، تحدثت سيمون فايل عن قراءة للعالم، وعن لا-قراءة له، أي عن عتامة تقاوم كل تأويل وكل تفسير. أريد أن ألفت الانتباه إلى لحظات اللاقراءة والعتامة التي نعيشها عندما يسقط كتاب العالم من أيدينا، وهذا لأن استحالة القراءة هذه تخصنا كالقراءة، بحيث أنها، وتماماً مثلها، تنورنا، وربما أكثر منها أيضاً.

ثمة استحالة أخرى للقراءة، استحالة أكثر راديكالية، وقد كانت حتى وقت قريب ذائعة للغاية. أتكلم عن الأمّيين، هؤلاء الذين جرى نسيانهم بسرعة، والذين شكلوا، منذ أقل من قرن، غالبية الناس، في إيطاليا على الأقل. ثمة شاعر من البيرو في القرن العشرين، كتب في قصيدة من قصائده: “من أجل الأمّيين الذين أكتب لهم”[1]. من المهم فهم معنى هذه الـ”من أجل”، بحيث لا تعني: “لكي يقرأني الأميون”، وهذا، ما لا يمكن أن يفعلوه طبعاً، لكنها تعني “مكانهم”. في السياق نفسه، كان بريمو ليفي قد أكد أنه كتب شهادته من أجل هؤلاء الذين جرت تسميتهم، وبلغة أوشفيتز، بالمسلمين، أي هؤلاء الذين لم يستطيعوا ولم يتسن لهم الإدلاء بشهادتهم، وهذا لأنهم، وبعد وصولهم إلى المعسكر، فقدوا كل وعي بنفوسهم وكل كرامة.

أريد التفكير في كتاب موجه إلى عيون لا تقدر على القراءة، ومكتوب بيد لا تعرف الكتابة. الشاعر أو الكاتب اللذان يكتبان من أجل الأمّي أو المسلم، يحاولان كتابة ما لا يمكن قراءته، يضعان اللامقروء على الورقة. لكن هذا تحديداً ما يجعل كتابتهما أكثر أهمية من الكتابة التي جرى خطها من أجل الذي يعرف أو يستطيع القراءة.

هناك حالة أخرى للاقراءة، ولا بد من التنبه إليها. أرجع إلى تلك الكتب التي لم تجد ما يدعوه فالتر بنيامين ساعة مقروئيتها، أي الكتب التي جرت كتابتها ونشرها، إلا أنها بقيت – وإلى الأبد ربما – في انتظار قراءتها. من الممكن، وهذه على ما أعتقد حالة كل واحد منا، أن أسمي الكتب التي تستحق القراءة، لكنها لم تُقرأ، أو قرأها عدد قليل جداً من القراء. ما هو وضع هذه الكتب؟ أعتقد أنه، وفي حال كانت فعلياً كتب جيدة، لا يجب الكلام عن انتظار، إنما عن إقتضاء. هذه الكتب لا تنتظر، إنما تقتضي قراءتها، حتى لو أنها لم تُقْرأ، وحتى لو أنها لن تُقْرأ. الإقتضاء مفهوم نافع للغاية، لا يتعلق بنطاق الأفعال، إنما بنطاق أعلى أكثر حسماً، وكل شخص يحدده على سجيته.

غير أني أريد أن أنصح الناشرين والمهتمين بالكتب: توقفوا عن تركيز عيونكم على التصنيفات المقرفة (نعم، أقول المقرفة) للكتب الأكثر مبيعاً (من الممكن افتراض أنها الأكثر قراءة)، وحاولوا أن تشيدوا في فكركم تنصيفاً للكتب التي تقتضي قراءتها. فوحدها دار نشر مبنية في شكل التصنيف العقلي هذا بمقدورها أن تخرج الكتاب من الأزمة التي يمر فيها.

ذات مرة، اختزل شاعر كل شعريته في هذه المعادلة: “قراءة ما لم تجر كتابته”. توافق هذه التجربة، وبمعنى ما، تجربة الشاعر الذي يكتب من أجل الأمّي الذي لا يعرف القراءة: مع الكتابة بلا قراءة تتوافق هنا قراءة بلا كتابة. وأيضاً، لا بد من الإشارة إلى أن الأزمنة بين التجربتين تتشقلب: هناك كتابة لا تلحقها أي قراءة، وهنا قراءة لا تسبقها أي كتابة.

لكن، ربما، تتشابه المعادلتان من ناحية أنهما تطرحان القراءة كتجربة تضع تصورنا المعتاد عن القراءة والكتابة محل سؤال. إذ أنهما يتشابكان، ويتعارضان، مثلما أنهما يحيلان إلى شيء لامقروء ولامكتوب، يسبقهما ولا يتوانى عن ملازمتهما.

من المعلوم أنني أتكلم هنا عن المحكية. لقد ولد أدبنا في علاقة حميمة مع المحكية. فماذا يفعل دانتي حين يقرر كتابة العامية سوى، وتحديداً، كتابة ما لا يمكن قراءته وقراءة ما لا يمكن كتابته، أي “اللغة الأم”، اللغة الأم والأمّية التي لا توجد إلا في بُعدها المحكي؟ أجبرت كتابة اللغة الأم، دانتي، ليس على تسجيلها فحسب، إنما على خلق لغة الشعر هذه، “العامي الذائع” الذي لا يوجد في مكان، والذي، كالنمر في موسوعات الحيوانات المنشورة في القرون الوسطى، “يطلق عطره في كل مكان ولا يظهر في أي مكان”.

ليس ممكناً أن نفهم، وبطريقة صحيحة، الإزدهار الكبير للشعر الإيطالي في القرن العشرين إذا لم نجد فيه شيئاً من صدى تلك المحكية اللامقروءة، التي هي، وبحسب دانتي، “الوحيدة والواحدة في الفكر قبل أية غيرها” (Banquet, I, xii). بالتالي، من الممكن أن نفهم الازدهار الكبير حين نأخذ في الإعتبار أنه كان مرافقاً بازدهار رائع لشعر اللهجات أيضاً. ربما، كل الأدب الإيطالي في القرن العشرين تعبره ذاكرة لاواعية، أو يعبره تذكر صعب للأمية. فمَن يمسك بين يديه كتاباً من الكتب التي تتقابل فيها صفحة الشعر المكتوب، أو بالأحرى المسجل، باللهجة المحكية، مع صفحة ترجمته إلى الإيطالية، لا يقدر، وفي حين انتقال عينيه القلقتين من صفحة إلى ثانية، على كتم سؤاله حول إن كان المطرح الفعلي للشعر ليس في هذه الصفحة ولا في تلك، بل في الفضاء الفارغ الذي يفصلهما.

وأريد أن أخلص بهذه التفكرات المقتضبة حول استحالة القراءة، إلى التساؤل إن كان الشعر في الحقيقة بمثابة شيء لا يتوقف عن السكن والعمل في اللغة المكتوبة، مطيلاً إياها لكي يردها إلى اللامقروء الذي تتكون منه، والذي تذهب بنا صوبه.

[1] العبارة للشاعر قيصر باييخو، مع الإشارة، إلى أن لأنتونان آرتو عبارة مماثلة لها:”أكتب للأميين، أكتب للبلهاء”.

 عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق