الفلسفة والمرأة/ خصومة ملفقة: (نيتشه نموذجا)

عناصر المقال:

  • الرّهان:
  • أولا: لم نيتشه؟
  • ثانيا: نيتشه منتصرا للحياة في المرأة (نصوص)
  • ثالثا: على سبيل الختام
  • الرّهان:

رهان هذه المقالة هو تفكيك الصورة الشّائعة عن الخصومة الغامضة بين الفيلسوف والمرأة، وفي مستويات أخرى، بين الفلسفة نفسها والمرأة؛ وذلك عبر خلق فجوات داخل هذه القراءة الّتي تصدر عن انطباعات وتنتهي إلى أحكام، ممّا يجعلها قراءة في حاجة ماسة للنّقد والمراجعة. وسنفعل ذلك من خلال التقديم لنموذج مستفز وربّما صادم هو نيتشه، لكونه -ربّما- الأشهر في ترسيخ هذه الخصومة في أذهاننا، ممّا يجعله الأنسب لخوض هذا التّحدي. ولعلّه من الضروري أن ننبِّه هنا إلى أنّ المستوى السيكولوجي لا يهمنا في شيء؛ وذلك لنميّز بين نيتشه الإنسان ونيتشه الفيلسوف. إنّه من المبتذل أن نقتحم حيوات الأشخاص لنسبرها ثمّ نشتق منها أحكاما تنسحب عليهم من حيث هم منتجوا نصوص ذات راهنية. وعليه، فمنطلقنا سيكون النصوص وإليها أيضا سيكون منتهانا.

إذن. ماذا يقول نيتشه في نصوصه عن المرأة؟ وماذا يعني هذا الذي يقوله؟

  • أولا: لـــــم نيتشه؟

– أنبِّه هنا لنقطتين:

  1. أنّ نيتشه معروف بصيته السّيء في هذا الباب، لهذا ولرفع تحدي اختبار مدى دقّة هذا التّصور وهذا الحكم عن عداء الفلسفة للمرأة سنجعل من نيتشه نموذجا، فإذا اتّضح أنّ في متنه إمكانية لتأويل آخر مغاير عن الحكم السّائد، فإنّنا هكذا نكون قد أحدثنا تباعدات وفراغات داخل تلك القراءة من داخل أبرز نماذجها. نقول “إمكانية لتأويل آخر”، هذا يعني أنّنا غير ملزمون بكل ما كتبه، بل نعود لبعض نصوصه لنكشف عن أقوال وآراء من شأنها الدفع بالحكم السائد إلى التبدُّل، أو على الأقل التريث قبل الإعلان عنه.

 

  1. ضرورة التّمييز بين المستوى السيكولوجي والفلسفي في قراءة الرّجل حتّى لا نظلمه. من المهم منّا هنا أن نفهم أنُّ الرجل فيلولوجي وعالم لغات كبير ترأس كرسي الفلسفة بجامعة بازل بسويسرا عن عمر 24. علينا إذن ألاّ نتصور أنّنا بصدد مراهق غِر، بل رجل عبقري ومتخصص في مجاله. والمسألة هنا ليست منافحة عن الرجل بل تعبيرا عن روح التّفكير الفلسفي المناهضة للمسلّمات والبداهات والحسّ المشترك.
  • ثانيا: نيتشه منتصرا للحياة في المرأة:

العودة هنا لنصين: مولد التراجيديا من روح الموسيقى (صدر سنة 1872) وكلامه عن ديونيزوس وعلاقته بربّات الفنون. ثمّ: هكذا تكلم زرادشت (صدر ما بين 1883 و1885)، فصلين: الشيخة والفتاة، والطفل والزواج.

  • بصدد نصّ مولد التراجيديا من روح الموسيقى:

هذا النّص أول نص أصدره نيتشه عندما كان أستاذا بالجامعة، وفيه بيّن أنّ الحضارة اليونانية بأكملها تقوم على قطبين: الأبولونية (نسبة لأبولو إله النّور والشّمس والجمال والشّعر والموسيقى) والديونيزية (نسبة لديونيزوس إله النّشوة والخمر والإقبال على الحياة وتشهيها) وإنّها مزيج من هاتين القوتين: النّظام ممثلا في أبولو والفوضى ممثلة في ديونيزوس: العقل واللاّعقل؛ الفكر والجسد؛ النظر والغريزة؛ الفهم والنّشوة؛ الامتلاك والوجود[i]. في هذا النّص، نيتشه يشكر أي شيء له ارتباط بالعصر الهزيودي والهوميري؛ وهم الرواة الأشهر للأساطير اليونانية، الّتي تحكي عن آلهة وإلهات الأولمب. ولنعطي مثالا على هذا الأمر لنركز هنا على ديونيزوس وربّات الفنون، ولنقم بذلك من خلال بسط عناصر محدّدة:

  1. ديونيزوس أهمّ إله اغريقي حسب نيتشه والسّبب في كون الرّوح الإغريقيّة روح تراجيديّة في عمقها. يصفه نيتشه في كتابه هذا هو الإنسان بأنّه معلمه الّذي علمه الحكمة. ديونيزوس هذا حسب الأساطير الإغريقيّة تكفلت بتربيته ربات الفنون والإلهام بعد أن احترقت والدته “سيملي” عندما ظهر لها زيوس بهيئته الحقيقية كإله البرق والصّواعق، لأنّ نوره يحرق. ليس هذا فقط، حتّى الأمازونيات، ربّات الغابة قمن بتربيته. معلم نيتشه الحكمة إذن هو ذا، يعدُّ بجدارة سليلا للإلهام والعنفوان الأنثويّ.
  2. أسخيلوس أيضا، المسرحي اليوناني التراجيدي الشّهير، عبقريته مصدرها الإلهام الّذي يأتيه من ربات الفنون بنات زيوس.
  3. ديونيزوس لدى عودته لمدينته طيبة الجيش الّذي شكّله كان من نساء، واللاّئي كنّ يتبعنه في ما يسمى بحفلات “الديترامب” ويأتيهن هوس يجعلهن يتبعنه ويدافعنّ عنه، يوصفن في الأسطورة بالقدرة على تمزيق كل الأعداء، ومن صَدَّق نبوءته أيضا نساء وليس الرجال[ii]. “اتبعوا إلهكم عبر بقاع الأرض وثقوا في معجزاته” يقول نيتشه في مولد التراجيديا.

إذن، ديونيزوس ليس إلها شغوفا بالرّجال أصلا؛ بل كلّ من يحيط به ربّات نِساء، إنّهن مربيات وجنود ديونيزوس. هذا الأمر نجده أيضا لدى أبولو أيضا، فمعابده من يقوم برعايتها كاهنات دلفي. وبالتّالي، فقطبا الحضارة اليونانية الّتي كان نيتشه مشدودا لها، يعتمدن أكثر ما يعتمدن على النّساء وليس الرّجال[iii].

  • بصدد نصّ (هكذا تكلّم زرادشت):

هذا النّص هو أشهر نصوص نيتشه الّتي تحمل آراءً حادة وقاسية على لسان زرادشت عن المرأة، في الفصل المعنون باسم “الشيخة والفتاة الشّابة”.

أشهر عباراته القدحية نذكر “كلّ شيء في المرأة عجز”؛ “الرّجل وسيلة بالنسبة للمرأة وهدفها دائما هو الطفل”؛ “كلّ امرأة هي لعبة”؛ “إنّ رجاء المرأة هو أن تصير أمّا”؛ “إنّ شرفها الخاصّ هو أن تحبّ وأن تكره”؛ “إنّها مسيئة في العمق”؛ “إنّ على المرأة أن تطيع”؛ “إنّ نفس المرأة سطح”…إلخ. هذه أحكام جاءت على لسان زرادشت. بيد أنّ علينا الانتباه إلى أنّ الحكم الأقسى لم يأت على لسانه هو؛ بل على لسان المرأة العجوز “إذا ذهبت إلى النّساء فلا تنس السوط”! هذه مسألة أولى علينا أن ننتبه لها؛ لكن كيف نفهم هذه الكلمات المسيئة والمضادة للمكاسب النسويّة؟

للإجابة على هذا السّؤال أحيل على مقالة للأستاذ فتحي المسكيني في كتابه حديث الصدور “الهجرة إلى الإنسانيّة” بعنوان “نيتشه والمرأة الأخرى..تمارين في حرية الجندر”[iv] يقدّم فيه تأويلا قويّا يُخرِج فيه نيتشه من قبضة التّأويل السّائد الّذي يجعله داعية للنّزعة الذكوريّة الإقصائيّة، يمكن أن نُجمل عناصر منه هنا كالآتي: علاقة المرأة بالرّجل مثلها مثل علاقة الحديدة بالمغنطيس كما جاء على لسان زرادشت[v]: المرأة هي الحديد الّذي ينجذب للمغنطيس لكن دون امتلاك قوة كافية للانفصال عنه؛ وهذا سرّ حقدها عليه. هذا ما يرصده نيتشه، لكن ما يقترحه شيء آخر: يقول نيتشه إن على المرأة أن تكون أرضا لذاتها وليس “حديدا” لأي “مغنطيس”، وبالتّالي فالرهان هو التحرر من نمط العلاقة حديد ومغنطيس للبحث عن طور آخر من العلاقة. يقول: “لتكن المرأة لعبة صغيرة طاهرة كالماس تشعّ فيها فضائل العالم المنتظر”[vi]. إذن: كينونة المرأة المنشودة تقع في المستقبل. إنّ على المرأة أن تُخرج نفسها من مغنطيس الرجل وتفكر في نفسها خارج ما ينتظره منها. هكذا نبدأ في الفهم: في العمق، نيتشه يدعو المرأة لتغيير وجهتها وقبلتها الّتي تجعلها تنظر للرّجل كوسيلة للطفل، فعليها أن تنظر للحب بوصفه شجاعة. هنا نفهم تحذير زرادشت الرّجل من المرأة، فهو جاء في سياق الكشف عن قدرة المرأة على أن تكون سيئة حقا إذا ما أرادت. هذه القدرة الاستثنائية تظهر في تضحيتها بكلّ شيء في سبيل حبها؛ هذا الأمر يكشف عن قدرة كبيرة في التشريع لمجال ذاتها. تضحية المرأة دليل على قوتها. هنا نفهم لم نيتشه خاطب العجوز وليس الشّابة، إنّه يريد امرأة لم تعد تنجذب للرّجال وخرجت من دائرته. مقولة” لا تنس السوط” ينبغي أن نقرأها على هذا الضوء: إذا لم تستطع المرأة أن تغير وجهتها وتخرج من دائرة الرجل في النظر إلى نفسها؛ إذا لم تعمل على خلق هوية ومعنى لذاتها، ولم تكن تطلب المستحيل، إذا ما قبلت بمبدأ مقابلة العمق بالطاعة..ساعتها فقط لا تنس السوط”[vii]!

لعلّ هذا الأمر يتّضح بأفضل ما يكون في الفصل المعنون بـ “الطّفل والزواج” الّذي يتحدّث فيه عن مواصفات المرأة والرّجل للتّأهل للزواج، ومدى اقتدارهما للقدوم بالإنسان الأعلى، لنسمع ماذا يقول نيتشه على لسان نبيه: “الزّواج اتّحاد إرادتين لإيجاد فرد يفوق من كان علّة وجوده -يقصد الأوبرمنش-. الزواج حرمة متبادلة ترسو على احترام هذه الإرادة (…) ليكن هذا معنى الزواج وحقيقته[viii]. ما يعنيه هذا القول سوى اعتبار إنّ إرادة الرّجل والمرأة متساويان في إبداع إنسان الغد (الأوبرمنش- السوبرمان)؟ إنّ الزواج إمّا يجعلك تأتي بمن هو أفضل منك أو لا يكون، ويشترك فيه الرجل والمرأة معا بدون امتياز لأحد على الآخر.

 

  • ثالثا: على سبيل الختام:

حسنٌ..ما الّذي يعنيه كل هذا؟ نيتشه غير حاقد على المرأة ولا خصم لها، وهو مناصر لها مدافع عنها؟ لو كان هذا هو الفهم المطلوب فهذا يعني أنّنا لم نفهم شيئا. في حقيقة الأمر موقف نيتشه من المرأة لا يهمنا، وبعبارة أدقّ: لا يهم بسط المواقف السياسيّة والحقوقيّة المتنورة اليوم والاعتماد عليها لقراءة فلاسفة وقياس مدى صلاحيّة متنهم اليوم، ومدى قوة ما أنتجوه في الفكر. صحيح، هذه الورقة كان رهانها هو بيان أن نيتشه؛ واستناداً إلى ما جاء في نصوصه، يمنحنا إمكانيات اخرى لفهمه خارج ما يتقدم باعتباره حكما نهائيا لا معنى للنّظر فيه وإعادة اكتشافه. غير أنّ هذا الرّهان نفسه ليس رهانا شخصيا أو أخلاقيا، الهدف منه بيان براءة متهم من المنسوب إليه؛ بل الهدف منها موضوعي وعملي صرف، وهو اعتماد نموذج فلسفي وتفعيله للمرور من خلاله إلى ما يتجاوزه كفرد ليتعلق بالنظر الفلسفي من حيث المبدأ، فما هو هذا الأمر؟

أمر يكاد يكون بديهيا، لكنّنا في حاجة لتكراره: الفلسفة نشاط كوني مرتبط بالعقل الإنساني وليس بالنّوع بالبيولوجي أو الجندر. وهذا أمر أوضح من بيانه لأن تاريخ الفلسفة يبرزه بوضوح، والاعتراض عليه بكون العنصر الأنثوي في هذا التاريخ أقل ظهورا من قرينه الذكوري، لا اعتبار له، لأنّ هذا الأمر ببساطة لا ينحصر في تاريخ الفكر الفلسفي وحده، بل يتعداه لكلّ الأنشطة البشرية الثقافية (أدب، علوم، فنون، رياضات..)، ومنه فاعتبار أنّ الفلسفة فيها شيء مضاد للعنصر الانثوي، أو العكس: الأنثى فيها شيء مضاد للفكر النقدي النظري الّذي نسمّيه فلسفة، لا يستقيم بأي وجه من الوجوه، وهو لا يخرج عن كونه تخصيصا لعنصر عام، وحصرا لما هو كلي (الثقافة الإنسانيّة) في ما هو جزء منه (الفكر النقدي والفلسفة). إنّ غياب الأنثى في الخظاب الفلسفي قد يُفسّر بعوامل آخرى -تاريخية تحديدا-، لكن لا علاقة لها بماهية الخطاب الفلسفي، وبالتّأكيد لا تعلُّق له بمواقف الفلاسفة عينهم من الأنثى، كما وضحنا ذلك من خلال نموذج نيتشه.

هوامش :

[[i]]- “مولد التراجيديا “، فريديريك نيتشه، ترجمة: شاهر حسن عبيد، ط1 2008، دار الحوار. ص 79- 80.

[[ii]]-  “الكون والآلهة الوناس”- حكايات التأسيس الإغريقية ، جان بيير فرنان، ترجمة: محمد وليد حافظ، ط1 2001، دار الأهالي، ص110 وما بعدها.

[[iii]]- للاستزادة هنا بصدد قصة ديونيزوس، يمكن العودة لكتاب مولد التراجيديا، أو للتبسيط كتاب بيير فرنان “الكون والآلهة والناس” وتحديدا الفصل المعنون باسم “ديونيزوس في طيبة” ابتداء من ص105.

[[iv]]- الهجرة إلى الإنسانية، فتحي المسكيني، الطبعة الأولى 2016، كلمة للنشر والتوزيع، ص: 63 وما بعدها

[[v]]- هكذا تكلم زرادشت، فريديرك نيتشه، ترجمة  فليكس فارس، الاسكندرية 1938، ص 53.

[[vi]]- نفسه، ص: 54.

[[vii]]- الهجرة إلى الإنسانية، ص: 70.

[[viii]]- هكذا تكلم زرادشت، ص: 57.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق