غريزة البقاء أم نزوع الضّبط الواعي: كيف ينجب البشر في ظلّ الأزمات؟

أواخر شهر آذار/مارس من العام المنصرم، نقلت شاشات التلفزة وصفحات الإنترنت صورًا لآلاف المدنيين السوريين يغادرون مختلف مناطق غوطة دمشق الشرقية. محمولين على الأذرع أو تائهين بين الأرجل، كانت الكاميرات تلاحق وجوهًا تائهة النظرات لمئات الأطفال الخارجين مع عائلاتهم. وسرعان ما انتشرت في شأنهم تعقيبات وردود أفعال، وخصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعي، امتزجت فيها غالبًا مشاعر حزن وأسف لأطفال ولدوا في عالم الحرب وتفتحت أعينهم على العنف والعزلة والفاقة، ومشاعر غضب واستنكار، قد تصل حدّ النفور والاحتقار، تجاه ذويهم. طرح الكثيرون سؤالًا، وهو سؤال يطرح نفسه بالفعل في مثل هذه الأحوال الاستثنائية: كيف يتزوج الناس وينجبون في ظروف غاية في العنف وغياب الأفق كتلك التي خرج منها سكان الغوطة الشرقية؟ ألا يتحمل الآباء والأمهات مسؤولية المآسي التي عاشها صغارهم لاتخاذهم القرار “الخاطئ” بالإنجاب في مثل هذا الوضع؟ ما هي الدوافع التي تحدو بزوجين إلى إنجاب طفلٍ في هذه الظروف، وهل يفكران بالفعل في عواقب ما يفعلان؟

هذه العبارات ذات الطابع “التقويمي”، والتي تحكم في حالات كثيرة بالجهل والتخلف على الفئات المعنية بهذا الإنجاب ضمن ظرفٍ استثنائي، تنسحب في أحيانٍ كثيرة على مشاهد أخرى في عالمنا المليء على الدوام بالأزمات من كل نوع. تنسحب على صور مئات الآلاف من اللاجئين في أنحاء العالم، تلتقطهم الكاميرات وعلى أذرع نسائهم، في مخيمات بائسة، رضيع نحيل. وتنسحب على المشردين لسنين بعد تعرض أراضيهم أو مناطق سكنهم لكوارث طبيعية، وعلى ضحايا المجاعات الذين يحضنون أطفالاً يكافحون بعناء للبقاء أحياء.

والحال إنّ هذه التساؤلات التي كثيرًا ما تُطرح، وتُقترح بخصوصها إجابات سريعة، بل قل متسرعة؛ شكلت وتشكل محور انشغالٍ رئيس في الفكر الديموغرافي عمومًا، والديموغرافي – الاجتماعي خصوصًا، وكانت موضوع العديد من الدراسات النظرية والتطبيقية التي تناولت، باستخدام مناهج وبالانطلاق من محاور متباينة، تعقّد واقع الزواجية والإنجاب في ظل الأزمات على اختلافها. وواقع الأمر أنّ هذه الدراسات لم تصل إلى نتيجة واحدة وموحدة في خصوص هذه المسألة الشائكة، فلا مجال هنا لقراءات متسرعة وتبسيطية. الزواج، وإنجاب الأطفال، هو فعل يتعدى الحدود الفردانية الذاتية فيخضع في كليّته إلى جملة من العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي توجه بشكل أو بآخر إرادة الأفراد وتحكم توجهاتهم. ويتجلى أثر هذه العوامل المجتمعة، المتجاوزة لفردانية الفرد من دون إلغاءٍ تامٍّ لها، أكثر ما يتجلى في ظل ظروف الحروب والكوارث الطبيعية والأزمات على اختلافها. فالتخلخلات الحاصلة ستترك ولا ريب آثارًا حاسمة في القرارات الفردية، والجمعية على مستوى المجتمع المحلي المعني بالأزمة، والجماعية على المستوى الكلي الأعم للجماعة الاجتماعية.

في ما يأتي محاولة لتلمّس ملامح هذه العلاقات المعقّدة وغير الناجزة بين الزواجية والخصوبة والأزمات، بالاستناد أولًا إلى أمثلة لنتائج بحوث تناولت مناطق متنوعة ومتباينة من ناحية طبيعة الأزمة المعيشة وحجمها وامتدادها الزمني من جهة، وطبيعة المجتمعات المعنية وثقافتها وبناها الاجتماعية من جهة أخرى. وبالاستناد ثانيًا إلى بعض العناصر المستقاة من نظريتي التحول الديموغرافي وتدفق الثروة، وهما النظريتان اللتان في سعيهما لتفسيرٍ، ديموغرافيٍّ في الأولى واجتماعي واقتصادي في الثانية، لمراحل تطور المجتمعات البشرية؛ تقدمان عناصر غنية لفهم اختلاف ردود الأفعال الزواجية والإنجابية تجاه الأزمات، باختلاف المجتمعات. علّنا نستشف من هذه الأطر العامة ما يسمح بالتمهيد لمعالجات لاحقة أكثر علمية لواقع الأزمات الخاصة بمنطقتنا العربية عمومًا.

أولًا: في مفهوم الأزمة

تُشتقّ “الأزمة” في جذرها اللغوي العربي من الفعل أزَمَ، إذ نقول أزَم العام: اشتدّ قحطه، وأزَمَ عليه الدهر: اشتدّ. والأزمة والآزمة جمعها أزمات وأوازم: الشدّة والضيقة[1]. وفي اللاتينية Krisis، ومنها Crise بالفرنسية وCrisis بالإنكليزية. بالعودة قليلًا إلى التاريخ نجد أنّ «كلمة الأزمة ترجع إلى المجال الطبيّ، حيث تعبّر عن المرحلة المفصلية أو دروة مرض ما، حين يكون بإمكان المرض أن يتطور في هذه اللحظة باتجاه الشفاء أو نحو الموت، ويلعب الطبيب هنا دورًا أساسيًّا، إذ يجب عليه من خلال ملاحظة الأعراض، اتخاذ قرارٍ في شأن علاج المريض»[2].

نشأ المصطلح إذًا في إطار المجال الطبي، لكننا نجده اليوم مُعمّم الاستخدام في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وسواها. فعلى سبيل المثال يُعرّف المفهوم اقتصاديًّا بأنه «تحول حادّ في الظرف الاقتصادي لبلدٍ ما، يظهر على شكل انهيار في شروط التبادل في السوق الدولي، وتراجع في شروط حياة السكان»[3]. من جانبه يغطي مفهوم الأزمة السياسية حالات رئيسية ثلاث، فقد تكون الأزمة حكومية، عندما يسقِط البرلمان الثقة عن الحكومة فيدفعها إلى الاستقالة؛ أو أزمة نظام تتعلق بتشكيكٍ في آليات عمل المؤسسات وبعدم توافق دستوري بين القوى السياسية؛ أو أزمة دولة تقوم على تشكيك بشرعيتها وبقدرتها على تأدية أدوارها الدستورية الاعتيادية[4]. وبارتباطٍ وثيق مع المفهومَين السابقَين، يمكن القول إنّ الأزمة الاجتماعية هي «حالة من الضيق، تختلف في أبعادها وشدّتها، وتؤثر في المجموعات الاجتماعية (…)، قد تنتج من استياءٍ مرتبط بالحالة الاقتصادية أو من توترات اجتماعية، أو تغيرات ثقافية تتعلق بالقيم والقواعد المتّبعة»[5].

هكذا يتبيّن أنّ الاتساع في استخدام المصطلح بخروجه من حدود المجال الطبي كان من شأنه تحميله دلالات جديدة أكثر عموميةً أبعدته تدريجًا من الحدود القديمة التي تختص بمسألة الحسم في القرارات في مواجهة مرضٍ ما أو حتى موقف ما. وإذا ما أردنا أن نُجمل عناصر هذا المفهوم من دون تخصيصٍ في مجال بعينه، سنجد أنه أصبح «ومنذ القرن التاسع عشر، يشير إلى حالة من الخلل الوظيفي في نظامٍ ما، بات غير قادرٍ على أداء وظائفه، أكان ذلك بفعل تغيرات في الظروف المحيطة، أم بتأثيرٍ من خصائصه الداخلية في حدِّ ذاتها»[6].

يوجز هذا التعريف الأخير إلى حدّ كبير ما يعنيه مفهوم الأزمة في بحثنا هذا. فنحن لا نخصّص في أنواع الأزمات بل نتناول البعد الديموغرافي الخصوبي في إطار حالة خلل مجتمعيّ أيًّا يكن منشؤها، داخليًّا أم خارجيًّا. ونهدف بشكل رئيسٍ إلى إيضاح التأثيرات التي تتركها الأزمات، باعتبارها حالات اضطراب عام، في القرارات الخصوبية لأفراد المجتمع المعني.

ثانيًا: أثر العامل الزماني– بين الارتدادات قصيرة المدى والارتدادات طويلة المدى

يمكن اعتبار السلوك الإنجابي وما يرتبط به من مستوياتٍ للخصوبة في مجتمع من المجتمعات من بين ظواهر حركيّة السكان الأبرز في تأثّرها بالأزمات والحروب والصراعات، على الرغم من صعوبة استشرافها وضبطها، وعلى الرغم مما قد توحي به النظرة الأوليّة من اعتبار تغيرات الوفيات هي الأكثر محورية وأهمية لكونها الأكثر وضوحًا للعيان. يقدِّم باتريك فيستي (Festy) تكثيفًا غنيًّا لهذه المسألة بالاستناد إلى مثال الحرب كواحد من أبرز أمثلة الأزمات بمعناها العام في المجتمعات البشرية، فيقول: «إنّ وفيات المقاتلين والمدنيين التي تتسبّب بها المعارك تظهر باعتبارها النتيجة الديموغرافيّة الأكثر “بداهةً” للحرب، إلّا أنها مع ذلك ليست الأكثر أهميّة. في الماضي، كانت الفوضى التي تتسبّب بها الحرب تنتج مجاعاتٍ ثم أوبئةً تخلِّف خسائر كبيرة جدًّا في الأرواح البشرية. في الصراعات الأحدث، باتت النتائج محسوسةً في شأن الخصوبة والزواجية. فالحراك الجماعي الذي يؤدّي إلى انفصال الأزواج، ووفياتُ المقاتلين الشبان التي تؤدّي إلى إحداث خلل في الزواجية؛ كلّها تقود إلى حدوث نقصٍ في المواليد يتجاوز في حجمه أحيانًا التناقص البشري الذي تتسبّب به خسائر المعارك. مع ذلك، فإنّ حالات التراجع هذه ظاهرية أكثر منها حقيقية، لأنه ومع نهاية الأعمال العدوانية، يعود التوازن إلى حاله على مستوى “سوق الزواجيّة”، والولادات التي كانت قد أُعيقت ما تلبث أن تحدث متأخّرةً، نتحدث إذًا عن “التعويض”»[7].

يقود هذا التقديم الأولي إلى ملاحظة لا بد من أخذها في الاعتبار قبل التعمق في تحليل آليات “التعويض” المذكورة أعلاه، وتتمثل في ضرورة أخذ البعد الزمني في الاعتبار عند الحديث عن الاستجابات التعويضية لدى السكان المعرضين لحالات عدم الاستقرار[8]. فآثار الأزمات لا تكون واحدة إذا ما نُظِر إليها في المدى القصير أو في المدى الطويل. وقد يحدث في بعض الأحيان تراجع في الزواجية والخصوبة في المدى القصير في ذروة الأزمة يتبعه تعويض حاد وسريع بمجرد الدخول في حالة استقرار، وإن تكن موقتة. وبالمثل، فإنّ الارتفاع الشديد في معدل الوفيات والذي يتبعه في العموم تراجع في معدل النمو السكاني، ما يلبث أن يتم استدراكه بسرعةٍ نسبيًّا، ومن دون تأثيرات جذرية في تطور أعداد السكان.

لا يخلو التاريخ من شواهد بليغة على آليات التعويض السريع هذه. لعلّ أبرزها في القرن التاسع عشر مثال الحرب الأهلية الأمريكية (La guerre de Sécession)، التي امتدّت بين عامَي 1861 و1865، «فعلى امتداد سنواتها الأربع، أحصيَ ما مجموعه 620 ألف وفاة ناتجة من الحرب (ثلثها فقط تسبّبت به المعارك)، ضمن مجموع سكان يبلغ 35 مليونًا تقريبًا، أي ما نسبته 1.8%. وافق هذه الخسائر إذًا معدّل سنوي متوسط أدنى من 5 في الألف، وهو غير كافٍ مطلقًا لكي يُعطِّل، حتى في أثناء الحرب، النمو السكاني للولايات المتحدة (في الواقع، ازداد عدد سكان هذه الأخيرة 3.350.000 فردًا خلال هذه الفترة)»[9].

يقدّم القرن العشرون مثالًا آخر بالغ الأهمية في فهم آليات تعويض الخصوبة التي قد تحدث سريعًا جدًا وحتى قبل أن تصبح آثار الانخفاض ملموسةً بالفعل، نجده في مرحلة “القفزة العظيمة إلى الأمام” التي أعلنها الحزب الشيوعي الصيني في الفترة ما بين عامَي 1958 و1961 لدفع عجلة الاقتصاد، الزراعي خصوصًا، وتفادي الآثار السلبية الناجمة عن الانفجار السكاني. ولّدت الخطوات التي اتّخذت في تلك المرحلة نتائج عكس المرجوة، وكارثية تمامًا، تسبّبت في أزمة اقتصادية ومجاعة كبرى ووفيات هائلة. هذه «إحدى الفترات الأكثر دراماتيكية في التاريخ المعاصر، كانت قد انعكست بانخفاض بلغت نسبته 50 في المئة من قيمة الخصوبة مقارنةً بمستواها السابق على الأزمة، ثم بارتفاع في الخصوبة خلال عامَين تاليَين لتصل إلى مستوياتٍ لم يسبق لها الوصول إليها قط. (…) وهكذا فإنّ الآثار الديموغرافية في المدى القصير تلتها آثار تعويضية تجاوزت ما كان قائمًا»[10].

والواقع أنّ نظرية التحول الديموغرافي كانت قد بيّنت لنا مسبقًا كيف أنّ المجتمعات القديمة السابقة على التحول كانت تتسم بارتفاع معدلات الولادات المرافق لارتفاع معدلات الوفيات. فارتبطت كثرة الموت بتعدد أشكاله ومسبباته في الماضي بارتفاع في معدلات الولادات كآلية تعويضية أولية للبقاء[11]. وبالاستناد إلى نظرية التحول الديموغرافي أيضًا ندرك أنّ خصوصيةَ تأثّر السلوك الإنجابي بالأزمات والاضطرابات والحروب تبرز بوضوح كبير عندما نتناول مجتمعات لم تكن قد استقرت بعد في “تحوّلها الديموغرافي” عند حدوث الأزمة. وهنا بالذات يبرز أثر عوامل كمثل الثقافة المحلية والسلوكات المحلية المرتبطة بخطر الوفاة، إلى جانب العوامل الاقتصادية بطبيعة الحال؛ وهي جميعًا عوامل مقترنة بدرجة تحول المجتمعات من الشكل التقليدي إلى الأشكال الأحدث على تنوعها.

وعليه يصبح بالإمكان تقديم المسألة في عموميتها من منظور مزدوج. فمن جهة، إنّ القول بعلاقات معقدة وغير ناجزة بين الزواجية والخصوبة والأزمات على اختلافها لا ينفي وجود قاسم مشترك يعرّف هذه العلاقات في مجملها، وهو أنّ سلوكات البشر الزواجية والإنجابية ستسجّل لا محالة تغيرات تفرضها حالات عدم الاستقرار والخطر وانعدام الأمان. يبقى أنّ اتجاه هذه التغيرات ومداها سيختلف باختلاف البنى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، كما سيختلف كذلك وبشكل رئيسي باختلاف المرحلة التي بلغها المجتمع في تحوله الديموغرافي والاجتماعي معاً. ومن جهة ثانية، فإنّ الآثار الملموسة في المدى القصير والقصير جدًّا زمنيًّا ليست مؤشّرًا على ما ستؤول إليه حال المجموعة السكانية المعنية بالأزمة في المدى المتوسط أو الطويل. يجب التريّث إذًا قبل إطلاق تعميمات في شأن اتجاهات الخصوبة في ظلّ الأزمات، والانتباه إلى ضرورة التأطير الدقيق زمانيًا للاستنتاجات التي يجري التوصّل إليها، وإلى احتمال أن تتغير الاتجاهات الراهنة فيكون أثرها في المدى الطويل مختلفًا تمامًا.

إنّ التركيز على الآثار السلوكية قصيرة المدى للأزمة يجب ألا ينسينا مضامينها المتبدّلة على المدى الطويل. كان عدد من الدراسات قد بيّن، كما بيّنت الأمثلة التي أوردناها أعلاه، أنّه «في حين قد تقود حالات عدم الاستقرار البيئي الأكبر إلى نمو سكاني أشد إذا ما نظرنا إلى الحالة عند استقرارها في المدى الطويل، فإنّ من المرجح أن يكون الأثر معاكسًا لذلك تمامًا بالنسبة إلى التحولات الحاصلة في المدى القصير»[12].

آخذين هذا المنظور الزماني في الاعتبار، يصبح بإمكاننا تناول السلوكات الإنجابية في ظلّ الأزمات من دون الوقوع في أخطاء التموضع الزماني، كما يصبح بالإمكان تناول العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية ضمن سياق مرحلة التحول الديموغرافي بما يسمح بتناول أكثر موضوعية، سيأتي لاحقًا، للعلاقات المتداخلة بينها.

ثالثًا: ما هي العناصر الديموغرافيّة الزواجية والخصوبية الأكثر تأثرًا بالأزمات؟

تتأثر بنية المجتمع على مختلف الأصعدة بحدوث الأزمات، بما فيها العناصر المكوّنة له ديموغرافيًّا. هذه التغيرات في مجملها ستنعكس بالضرورة في زواجية أفراد المجتمع وخصوبتهم. مع ذلك، يبقى أنّ بعض العناصر بالتحديد ستكون أكثر تأثّرًا من غيرها بالحروب والأزمات بحكم بنيتها المرتبطة مباشرة بأحوال الاستقرار عمومًا.

من غير الممكن في هذا السياق فهم التبدلات المتعلقة بالخصوبة إلا من خلال تلمّس تأثيرات الأزمات في الزواجية كظاهرة تشكّل مدخلًا أوليًّا للإنجاب[13]. إذ لا ريب في أنّ الزواجية والخصوبة معًا تتأثران بشكل مباشر بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية، وهذه الأخيرة تتأثر بدورها وبشدّة بالأزمات. وتشهد مشاهدات عديدة على تقلّبات الزواجية وتغيرات اتجاهات الخصوبة في حال وقوع أزمات اقتصادية أو حروب[14].

يتمثّل العامل الأول المفسِّر لتغيرات الزواجية في ظلّ الأزمات في تبدلات سوق الزواجية (Le marché matrimonial) بشكل رئيس، ونقصد به هنا المجال الذي يضمّ مجمل المرّشحين للزواج ويتم ضمنه اختيار الشريك. تحدث تبدلات في سوق الزواجية بفعل تغيرات مجتمعية متنوعة كتراجع متوسط العمر عند الزواج، أو تغيّر الحدود المقبولة مجتمعيًّا للفروقات العمرية بين الشريكين، أو تراجع أو ازدياد ممارسة تعدد الزوجات، على سبيل المثال. لكنّ أهم ما يحدث من تبدلات في سوق الزواجية نتلمّسه خصوصًا في الحروب، حيث يحدث خلل في التركيب النوعي للسكان وحالة من عدم التوازن بين أعداد الذكور والإناث بسبب الالتحاق بالخدمة العسكرية أو الهجرات المغادِرة أو ارتفاع وفيات الذكور في المعارك؛ تلعب هذه الحالة دورًا في اختلال فرص الزواج. ينطبق الأمر ذاته على الأزمات الاقتصادية التي تتسبب بشكل رئيس في حركية واسعة بين الريف والمدينة أو نحو خارج البلاد، فتختلّ من جديد أعداد الذكور والإناث، ويتخلخل المجال الاعتيادي المتوازن لاختيار الشريك.

أما العامل الثاني فيرتبط بالحالة الاقتصادية، وعلى الأخص تراجع الإمكانيات المادية اللازمة لتلبية الاستحقاقات الزواجية، إلى جانب صعوبات توفير السكن والمعيشة لأسرةٍ ناشئة في المدى المنظور. إلا أنّ آثار هذا العامل نسبية في الواقع. فكثيراً ما يتم ترتيب أمر الزيجات بالرغم من الصعوبات الاقتصادية وخصوصًا في المجتمعات التي ترى في الزواج ضرورة وترفض في العموم العزوبة التامة. يبقى مع ذلك أن نسبةً من الزيجات، تزيد أو تنقص باختلاف البنى المجتمعية المعنية، سيتم تأجيلها على الأقل تحت وطأة الظرف الاقتصادي القاسي، وستؤجّل معها مشاريع إنجاب مقترنة بها. وكانت دراسة khlat, Deeb, Courbage[15] التي تناولت أثر الحرب اللبنانية في الخصوبة قد بيّنت على سبيل المثال أنّ نقص المساكن في بيروت فترة الحرب كان قد أدى بالضرورة إلى تأجيل زيجات، كما تسبّب في مغادرة المتزوجين الجدد لبيروت، الأمر الذي كان من نتائجه إضعاف الدعم الاجتماعي حولهم في مرحلة بدء تكوين أسرهم. مع ذلك فقد أكدت الدراسة أنّ تقدير صافي تأثير الحرب في الخصوبة يبقى أمرًا صعبًا. والحقيقة أن هذه الملاحظة الأخرة تعيد التأكيد على صعوبة الحسم في حجم التغيرات التي ستشهدها خصوبة مجتمع ما بعد الأزمة، بالرغم من تراجعٍ أو تأخير في الزيجات والإنجاب.

من جانبه يشكّل التباعد المكاني بين الشريكين لفترات تطول أو تقصر (وأبرز أشكال هذا التباعد هو غياب الزوج إما بحكم المشاركة في الأعمال القتالية، أو المغادرة هروبًا منها، أو حتى المغادرة بحثًا عن فرصة عمل بعد كارثة طبيعية على سبيل المثال) عاملًا رئيسًا آخر مؤثّرًا في الزيجات القائمة بالفعل. إذ لا تقتصر العناصر المنفعلة بالأزمات على تعطّل الزيجات، أقلّه على المدى القصير، بل تتعداها إلى تعطّل الاتصال الجنسي بين الزوجين، إذ من شأن التباعد المكاني بطبيعة الحال أن يؤثر في تواتر العلاقات الجنسية ويضعف بالتالي فرص الإنجاب. وإذا ما كان لأيّ مجتمع من المجتمعات ضوابطه العامة لمسألة الاتصال الجنسي، والتي تتجاوز ما هو مسموح وممنوع قبل الزواج لتضبط الاتصال ضمن العلاقة الزوجية ذاتها[16]؛ فإنّ الأزمات والحروب تغيّر من حدود وأنماط هذه الضوابط، وتفرض تواترًا مختلفًا عمّا كان سائدًا في العلاقة الجنسية بين الشريكين، من شأنه أن ينعكس على شكل تغيير في شدّة خصوبتهما (أي في العدد الكلي للأطفال الذين سيولدون للزوجين)، ولكنه سينعكس بشدة أكبر على التقويم الزمني للخصوبة (ستحدث إذًا تبدلات مهمة في توقيت الإنجاب، وفي المباعدة بين الولادات).

وفي ارتباطٍ مع ما سبق، وبما يؤكد من جديد حجم التعقّد الذي يسم العناصر الديموغرافية المتأثِّرة بالأزمات، وجدت دراسة Pörtner في معالجتها لأثر الأعاصير في تغيرات الخصوبة والتعليم في غواتيمالا أنّ «ارتفاع المخاطر يؤثر في التركيب العمري للخصوبة بطرائق ثلاث: أوّلًا يمكن أن تبدأ النساء بإنجاب الأطفال مبكّرًا أكثر من المعتاد. ثانيًا: يمكن أن تستمر النساء في إنجاب الأطفال لاحقًا في حياتهن. وأخيرًا قد ينجبن الأطفال بفترات فاصلة أكثر تقاربًا. (…). يضاف إلى ما سبق أثر آخر مرتبط بالعمر وهو احتمال “تعويض” الخصوبة لاحقًا. فالنساء اللواتي تعرّضن لصدمة وهنّ شابات صغيرات يمكنهنّ تعويض الأثار السلبية في الخصوبة في عمر أكبر»[17].

واضحٌ أنّ أثر الأزمة وفقًا لهذا التحليل المستند إلى دراسة حالة غواتيمالا، لا يخصّ شدة ظاهرة الخصوبة وحدها (العدد الكلي للأطفال)، بل يتعداها إلى تأثير شديد في التقويم الزمني (تبدلات توقيت الإنجاب). ولعل الحالة السورية هنا، وبالرغم من نقص البيانات وتضاربها، تقدِّم مثالًا أوليًّا مشابهًا. إذ تؤكّد المشاهدات أنّ الازمة تسبّبت في تراجع في سنّ زواج الفتيات لدى شرائح واسعة من المتضررين بشدّة، وفي أوساط مخيمات النزوح خاصة. الأمر الذي يستتبع، في ارتباطه مع تراجع التحاق الفتيات الصغيرات بالتعليم، تغيّرًا أوّليًّا في سنّ بدء الإنجاب الذي سيصبح مبكّرًا أكثر، وسيترك آثاره بلا ريب في مستويات الخصوبة ويحدّ من انخفاضها بفعل الأزمة[18]. وهو ما يقودنا من جديد إلى التأكيد على ضرورة أخذ البعد الزماني في الاعتبار قبل الانطلاق نحو استنتاجات وتعميمات حول اتجاهات الزواجية والخصوبة تحت تأثير الأزمات.

بغرض تفكيك الصورة المركبة لتداخلات هذه العناصر، سنعمد إلى تقسيم تحليلاتها في اتجاهين، ينضوي تحت كلٍّ منهما عدد من القراءات والتجارب والعناصر الخاصة بطبيعة الأزمة وطبيعة المجتمع المدروس في آن: اتجاه يرى في الأزمات دافعًا محفِّزًا للخصوبة، وآخر يراها كابحًا للخصوبة. وتجدر الإشارة مع ذلك إلى أنّ هذا التقسيم، ورغم التضاد الظاهر فيه، لا يفترض قطيعةً بل يهدف إلى “فرزٍ وتصنيف” يقارب الواقع ما أمكن، لمختلف آليات التفاعل بين الأزمات والسلوكات الإنجابية والخصوبية. فكثيراً ما نجد تعايشًا بين الاتجاهين في مرحلة زمنية واحدة (باختلاف المجتمعات أو الفئات الاجتماعية-الاقتصادية مثلًا)، كما قد يحدث انتقال من اتجاه إلى آخر في مجتمع بعينه يعيش أزمة ما، تبعًا لتباينات مراحل الأزمة ذاتها.

لإنجاز هذا التقسيم التحليلي، سنسعى إلى إسناده وتأطيره نظريًّا لفهمه في سياقاته الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، مستندين بشكل رئيس إلى بعض الملاحظات المستقاة من بعض الجوانب التي تقدمها نظرية التحول الديموغرافي، إلى جانب ملاحظات تستند إلى نظرية كالدويل (Caldwell) في تدفق الثروة[19]؛ وهي عناصر وإن لم تكن قد وضِعت بشكل خاص للإشارة إلى حالات الأزمات، إلا أنها تسمح باستدلالات يمكن توظيفها في فهم هذه الأخيرة.

رابعًا: بين غريزة البقاء ونزوع الضّبط الواعي – عوامل اجتماعيّة واقتصاديّة وثقافيّة حاسمة.

تبيّنا من مناقشتنا أعلاه أنّ تباينات الزواجية والخصوبة تحت تأثير الأزمات إنما تستلزم النظر إليها آخذين البعد الزماني في الاعتبار، إذ تختلف الاستجابات وانعكاساتها في المدى القصير عنها في المدى الطويل. كما اتضح إلى جانب ذلك تنوع وتعدد العناصر الديموغرافية المتأثرة بالاختلالات التي تحدثها الأزمات، وتعدد اتجاهات تأثرها أكان هذا التأثر يمسّ شدة الظاهرة أم تقويمها الزمني.

في تأطير عام لمجمل هذه الاستنتاجات، سننطلق من الافتراض الأولي بأن كل التباينات السابقة إنما تحكمها بشكل رئيس عناصر جمعية، ترتبط بالبنى الثقافية والاقتصادية والاجتماعية عمومًا، وبالمرحلة التي وصل إليها المجتمع في تحوله الديموغرافي على وجه الخصوص. بيّنا سابقًا أنّ نظرية التحول الديموغرافي في قراءتها الكلاسيكية تربط بشكل صريح بين ظاهرَتي الوفيات والمولودية، وذلك بتقديمها توصيفًا لسيرورة انتقال المجتمعات البشرية من نظام ديموغرافي تقليدي “سابق على التحول” يقوم توازنه على معدلات وفيات وولادات مرتفعة، إلى نظام حديث “لاحق على التحول” يقوم توازنه على معدلات وفيات وولادات منخفضة. والنظرية بذلك تفتح أمامنا المجال لفهمٍ أوليّ يقول إنّ كثرة الموت كانت، عبر التاريخ البشري القديم، تُعوَّض بكثرة الإنجاب. والواقع أنّ هذا الاستنتاج الذي تقدمه نظرية التحول الديموغرافي يتوافق إلى حدٍّ بعيد مع ملاحظات مستقاة من نظرية تدفق الثروة، «إذ عزت مرتكزات هذه النظرية بروز الاختلافات والتباينات التي تخللت مستويات الخصوبة الفعلية للمرأة – ولو جزئيًّا – لعوامل ذات منشأ سيكولوجي تتعلق باحتمال حدوث وفيات للأطفال في الأسرة، كما عزت مستويات الخصوبة العالية – لدى الأسر التي خبرت مثل هذه الأحداث – كنوع من ردود الفعل النفسية أو كمحاولة لتعويض الفاقد من الأطفال، وخشية فقدان المزيد منهم مستقبلًا، ولتأمين بقاء أكبر قدر منهم على قيد الحياة»[20].

إذا ما انطلقنا من هاتين الفكرتين – من دون أن ننسى أنهما تشيران إلى المجتمعات التقليدية عمومًا – محاولين نقلهما إلى واقع المجتمعات التي تعيش أزمةً، فإننا سنرجّح إذًا إلى حدّ بعيد أنّ الأزمة التي ستتسبب في ارتفاع مخاطر وفيات الأطفال (إما بشكل مباشر في الحروب عن طريق الإصابات بقصف أو قنص أو ألغام، أو في الكوارث البيئية بالوفاة تحت الأنقاض؛ أو بشكل غير مباشر في ظل مختلف الأزمات بتأثير تراجع الرعاية الصحية وانتشار الأمراض الوبائية وسوء التغذية والمجاعات)؛ سيكون من آثارها ارتفاع في معدلات الخصوبة عمومًا في المجتمع، لتعويض فاقد الأطفال بأطفال جدد. تظهر هنا بوضوح تداخلات الترجيح لأثر العوامل المختلفة. فحتى لو سلّمنا بتحقق فرضيتنا هذه، يبقى أن العناصر المتأثّرة بالأزمة تتجاوز مسألة وفيات الأطفال، فتمسّ مثلما سبق وأشرنا، فقدان السكن ومورد العيش، والأهم من ذلك، فقدان الزوج أو غيابه، وبالتالي الإمكان الفعلي لوجود اتصال جنسي منتظم بين الزوجين يسمح بمثل هذا التعويض، أو حتى الاستباق، لموت الصغار. تحسم المسألة عوامل عدّة ترجّح أثر العوامل المحفّزة للإنجاب حينًا والكابحة له حينًا آخر، ويقع على رأسها عامل الزمن، والأثر القصير المدى والطويل المدى للأزمات، كما أسلفنا.

تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنّ دراساتٍ كانت قد وجدت أنّ «ارتفاع خطر الوفيات بفعل عوامل خارجية من المرجّح أن يؤدي إلى ارتفاع الخصوبة (…)، يؤدي الأطفال دور بديل غير كامل لغياب أسواق التأمين عندما يكون كلٌّ من الدخل المستقبلي وبقاء الطفل على قيد الحياة أمران غير مؤكّدين. فالوالدان الراغبان بتفادي المخاطرة تمامًا، سيستجيبان لارتفاع خطر وفيات الأطفال بزيادة الخصوبة»[21]. ولعل من الضروري هنا التوقف عند تعبير “غياب أسواق التأمين” فهو مفصلي هنا ويشير في ذاته إلى فروقات جوهرية بين المجتمعات في مواجهة ارتفاع وفيات الأطفال. فاختلاف السلوكات لا ينتج من اختلاف طبيعة الأزمة المعيشة فحسب، بل من اختلاف الجماعة الاجتماعية المعنية والشرط الاقتصادي القائم كذلك. وكانت نظرية كالدويل في تدفق الثروة قد أفردت حيّزًا مهمًّا لأثر العاملين الاقتصادي والاجتماعي هذين حين بيّنت أنّه «إذا كان اتجاه تدفق الثروة صاعدًا، أي من الأبناء باتجاه الآباء، فإن مواقف الآباء واستجاباتهم الديموغرافية ستكون مؤيدة لبقاء مستويات الطلب على الأطفال ضمن معدلاتها العالية “كون الأبناء سيشكلون منفعة وعائدًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا للآباء”، بسبب ما يمكن أن يحققونه من عوائد سواء أكانت اجتماعية أو اقتصادية، أو كمصادر للضمان وللحماية لهم خاصة في حال العجز والشيخوخة»[22]. واضحٌ إذًا أنّ ضعف منظومة التأمين الاقتصادي والاجتماعي في أيّ مجتمع من المجتمعات من شأنها أن تحفظ ارتفاعات نسب الخصوبة. ناهيك بطبيعة الحال عن العامل الثقافي الذي غالبًا ما يرافق هكذا بنىً مجتمعية، والذي، وبحكم واقع الحال الاقتصادي والاجتماعي ذاته، يرى في كثرة النسل عزوة وقوة ومكانةً مجتمعية عليا.

إلى جانب كلّ ما سبق، يشكل الأطفال بحسب نظرية تدفق الثروة قيمة ذات خصوصية لدى النساء والأمهات. فتدني مكانة المرأة في المجتمعات التقليدية لاعتمادها اجتماعيًّا واقتصاديًّا على الرجل يجعل من مسألة إنجابها للأطفال مصدرًا مهمًّا لامتلاك مكانة واعتبار في المجتمع، ويشكل الأطفال مصدرًا لضمانها في شيخوختها وعجزها، بل وحتى في حال طلاقها أو ترمّلها[23]. إنّ إسقاط هذه الفكرة المحورية على إنجاب النساء في الفئات الاجتماعية الأدنى (أي الأكثر تهميشًا اجتماعيًّا وتعليميًّا واقتصاديًّا) يشرح إلى حدٍّ كبير أسباب تمسّك شرائح واسعة منهن بإنجاب الأطفال والاستمرار في إنجابهم رغم الظروف الاستثنائية في ظل الأزمات من حروب أو كوارث بيئية أو مجاعات. فالمرأة التي سترتفع احتمالات أن تجد نفسها وحيدةً بفقدان الزوج أو مغادرته، ستجد في كثرة الأطفال حولها سندًا اجتماعيًّا أولًا، يحفظ لها مكانها ومكانتها ضمن عائلة الزوج الغائب، فلا تُترك لمصيرها المقلق وحدها؛ وهم يشكلون فوق ذلك قوة عمل موقتة – وإن متواضعة – في صغرهم، وكفالة صحية واجتماعية واقتصادية مع التقدم في السن.

بالرغم من كل ما سبق، يبقى التساؤل مشروعًا عن ماهية العوائد التي قد يحققها هؤلاء الأطفال تحت وطأة الأزمات، وهل يكون العائد المتحقق من إنجابهم كبيرًا بما يكفي للاستمرار في ذلك؟ إذ نحن هنا أمام اختلال جوهري يحوّلهم من قوة اقتصادية – بعملهم الزراعي أو حتى في مجالات الاقتصاد الهامشية – إلى عبء اقتصادي إضافي. قد نفترض لوهلة أولى أنّ هذا الواقع سيدفع إلى ضبط للإنجاب، وقد يفعل، لكنه وإن فعل فسيبقى في الدول النامية وضمن منظومات المجتمعات التقليدية محدودًا في مدىً قصير جدًا. وعلينا ألّا نغفل هنا عن أنّ ضبط الإنجاب في ظروف التهميش وتحت وطأة أحوال الأزمات قلّما يجد وسائل حديثة في المتناول. وعندما يحدث في المدى القصير جدًّا فغالبًا ما ينتج حدوثه من تراجع في وتيرة الاتصال الجنسي بين الزوجين أو توقفه تمامًا بفعل غياب الزوج أو تنقّل الزوجين وعدم وجود مكان للاستقرار السكني، أكثر منه بفعل ضبط حقيقي بالمعنى الحديث للكلمة، قائمٍ مثلًا على استخدامٍ لوسائل تنظيم الأسرة الحديثة. نحن هنا أمام شرطٍ تغيب عنه في حالات كثيرة الخدمات الصحية في حدودها الدنيا، فما بالك بخدمات الصحة الإنجابية. الضبط هنا إذًا وإن حدث لن يكون ضبطًا “واعيًا” بقدر ما سينتج من حالة ظرفية توجده بشكل موقّت، الأمر الذي يفسّر عودة الإنجاب إلى الارتفاع بسرعة شديدة عند أول فرصة. هنا تغلب “غريزة البقاء” إن جاز لنا استخدام هذا التعبير مجازًا. و”البقاء” هنا يخصّ الأطفال الذين يتم إنجابهم، في “تحايل” على كثرة الموت وارتفاع احتمال وفاة الصغار مبكّرًا؛ لكنه يخصّ أيضًا بقاء الوالدَين، استمراريتها المعنوية والاجتماعية باستمرار نسلهما، واستمرارية الأمان الاقتصادي بوجود أبناء يكفلونهما ماديًّا في المستقبل. نجد على سبيل المثال تأكيدًا على ذلك في دراسة تناولت الحرب والإنجاب في أنغولا، وبيّنت أنّ «الخصوبة تتراجع عندما تزداد الأعمال العنيفة، ثم تعاود ارتفاعها في الفترات التي تشهد هدوءًا وسلمًا نسبيّين. وتكون هذه التباينات أشدّ في المناطق الأكثر تأثّرًا بالصراع منها في المناطق الأقل تأثّرًا»[24]. هكذا تكون المخاطر والاضطرابات عوامل تغيير زمني في الإنجاب، لكنه ليس تغييرًا جذريًّا يمس جوهر علاقة الأفراد بالتناسل.

في مقابل هذا الترجيح لما اخترنا تسميته هنا “غريزة البقاء”، تُسجَّل مشاهدات يظهر فيها اتجاه عام لانخفاض مستويات الخصوبة عند حدوث الأزمات أو الكوارث البيئية أو الحروب. وبالعودة إلى نظرية كالدويل في تدفق الثروة فقد بينت أنّ انخفاض الطلب على الأطفال يكون مرهونًا بتحول أنماط الإنتاج السائدة إلى أنماط حديثة. ويأخذ مسار تدفق الثروة هنا اتجاهًا معكوسًا أي من الآباء باتجاه الأبناء، فينخفض بذلك مستوى الطلب على الأطفال لأن إنجابهم في هذه الحالة سيشكل عبئًا ماديًّا وكلفة معنوية مباشرة وغير مباشرة على الآباء[25]. بالإمكان تطبيق هذه الرؤية على المجتمعات التي تعيش أزمات عمومًا، وأزمات اقتصادية خصوصًا، والتي سبق وقطعت شوطًا في تحولها الديموغرافي والاجتماعي. ونقصد بالتحول هنا تسجيل انخفاضٍ في الوفيات عمومًا مرتبطٍ بتحسّن الأحوال الصحية والاقتصادية، ومقترنٍ بانخفاضٍ في الخصوبة، وتراجع في أهمية مؤسسة الزواج، وازديادٍ في استقلالية الأفراد عمومًا والمرأة على وجه الخصوص. وعليه نتوصّل إلى الاستنتاج هنا بأننا «لا نستطيع فهم نتائج أزمة اقتصادية في هذا البلد أو ذاك ما لم نأخذ في الاعتبار مجمل التغيرات الاجتماعية-الاقتصادية السابقة عليها. بكلمات أخرى، إذا كان تحول الخصوبة يحدث أو يتسارع في العديد من البلدان في الفترات التي تشهد فيها صعوبات، فإن التحولات السابقة (تزايد التعليم، تحسّن الصحة، تراجع الثقافة التقليدية، الاستقلالية الاجتماعية والاقتصادية للأزواج والأفراد…) هي التي تسمح بهذا التطور. لا تلعب الأزمة أكثر من دور مفجِّر أو مسرِّع، تكمن جذوره في الماضي»[26].

ينسحب هذا الارتباط بمرحلة التحول الديموغرافي السابقة، وبشكل صريح، على مختلف أنواع الأزمات الأخرى. ولعلّ أبرز الأمثلة في هذا الصدد هو ما يخصّ دول أوروبا مع ما شهدته من حروب في القرن العشرين. إذ لم تكن الاستجابات التي سجّلتها إلا انعكاسًا مباشرًا لهذا الارتباط الوثيق العرى بين الشروط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية السائدة في المجتمع المعرّض للأزمة، وبين استجابته الديموغرافية لها. وهنا تكمن فروقات جوهرية بين المجتمعات التي، عند حدوث الأزمة، لم تكن قد أتمّت تحولها الديموغرافي بعد، وبين تلك التي كانت قد شهدت تحوّلًا ديموغرافيًّا بالفعل: «أشارت الدراسات التي تناولت المجتمعات الغربية في القرن العشرين – وكانت هذه المجتمعات في معظمها في مرحلة متقدمة من التحول الديموغرافي – إلى انخفاض حادّ في الخصوبة خلال سنوات الحرب، تبعه انتعاش في فترات ما بعد الحرب. لكن في البلدان النامية التي ما تزال في معظمها في مرحلة قبل-انتقالية، أو ما تزال في المراحل المبكّرة للتحول نحو خصوبة أقل، تبدو البراهين أقلّ وضوحًا. على سبيل المثال، لم تجد دراسات الخصوبة في لبنان أيّ أثر دالّ للحرب الأهلية في البلاد في زمن انخفاض الخصوبة. وكذلك لم تؤثر الحرب الإيرانية-العراقية في الثمانينيات في الخصوبة الإيرانية»[27].

في المجتمعات التي شهدت تحوّلًا ديموغرافيًّا، وبات تدفق الثروة فيها معاكسًا أي من الآباء إلى الأبناء، تبقى الغلبة لنزوع الضبط الواعي للإنجاب في ظل الأزمات. فالبنى المؤسساتية الناتجة من التحول إلى مجتمعات حديثة تكفل الأمان والضمانة التي يحتاج الأفراد للاطمئنان إليها عند حدوث الأزمة، وهي ذاتها تحتفظ بقدرتها على تأمين الرعاية الصحية عمومًا والصحية الإنجابية خصوصًا والتي تجعل هذا الضبط الواعي ممكنًا عمليًّا. ويكون البديل عن غياب هذه البنى المؤسساتية الكافلة للأفراد هم الأبناء في المنظومات المجتمعية التقليدية، مع وعلى الرغم من ثقل تبعات الأزمة المعيشة.

في مجمل الأمر، سينزع أيّ مجتمع بشري إلى تعويض الفقد في سكانه عند حدوث الأزمة. تختلف شدة هذا التعويض، فيراوح بين مجرّد استعادة توازن بين الجنسين وضبط في حدود دنيا للخسائر البشرية بما يكفل استمرارية البنية السكانية، كمثال دول أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية؛ وبين تعويض سريع زمنيًا وشديد إلى حدّ ينفي آثار الخسائر بسرعة لا بل وقد يتجاوزها، كحال العديد من المجتمعات النامية في أعقاب أزمات وحروب، ومن المرجّح أن هذا سيكون حال دولٍ عربية عدة تعيش أزمات في وقتنا الحاضر. لكن الاستنتاج النهائي في هذا الشأن يتطلّب امتحانًا دقيقًا لمعطيات عددية ما زالت اليوم مشوّشة وقليلة وغير مكتملة.

خلاصة

إنّ قرار الإنجاب، على ما يحمله لأوّل وهلة من طابع فردي يخصّ شريكَين معًا، إنما هو في الحقيقة نتاجٌ يتأثّر إلى حدّ بعيد بالشرط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي السائد. تختلف النظرة إلى الإنجاب، وإلى الاقتران أو الزواج السابق عليه، باختلاف المجتمعات البشرية؛ وتختلف على الأخص، باختلاف المرحلة التي وصل إليها المجتمع من تحوّله الديموغرافي. كلُّ انتقال نحو تحديث وفردانية أكبر من شأنه أن يتسبّب في تغيير، يختلف في شدته وتوقيت حدوثه، في المنظومة الزواجية والإنجابية. هذه النتائج التي نوجزها هنا كانت قد أوصلتنا إليها بشكل رئيس اثنتان من النظريات الأهم في مجالي الديموغرافيا والديموغرافيا الاجتماعية، وهما نظرية التحول الديموغرافي ونظرية تدفق الثروة.

بتطبيق جوانب من نتائج هاتين النظريتين على الزواجية والإنجاب في ظلّ الأزمات، وبالاستناد إلى مشاهدات سجّلتها بحوث متنوعة تناولت تغيرات الظاهرَتين في عددٍ من المجتمعات المتباينة، بيّنا كيف تختلف الاستجابات الجمعية للأزمات باختلاف المجتمعات البشرية، وباختلاف المرحلة التي وصلت إليها في تحولها الديموغرافي (وما يرتبط به من تحول مجتمعي يتعلّق بمدى الحاجة إلى الأبناء في الأسرة ككفيل مادي ومعنوي).

في المجتمعات النامية التي تواجه أزماتٍ اليوم، حيث ترتفع وفيات الصغار بشدة فلا يضمن الوالدان مطلقاً بقاء أطفالهما أحياء إلى سنّ الرشد، وحيث تغيب الرعاية الصحية الأساسية عموماً وتكاد تنعدم خدمات الصحة الإنجابية التوعوية منها والخدمية، وحيث تبقى مكانة المرأة مستقاةً من مركزها ودورها الأسري والعائلي كزوجة وأم أولاً، وحيث يتراجع التعليم بشدّة ويتم تزويج الفتيات مبكرًا للتخلص من أعبائهن الاقتصادية على الأقل، وحيث يغيب عمل المؤسسات؛ كثيراً ما يستغلّ الزوجان أيّ فترات استقرار وإن موقّت، كفترات الهدنة القصيرة في الحروب، أو إجازات العسكريين، أو فرصة امتلاك خيمة بعد نزوح، لإنجاب طفلٍ جديد. هنا وفي مثل هذه الظروف يصبح المولود الجديد علامةً على البقاء، وضمانًا للمستقبل الذي لا ضمانات فيه. هذا الواقع لا ينطبق على الأزمات التي تحدث في مجتمعات أكثر حداثةً حيث يمكن للمؤسسات أن تلعب دورًا ضامنًا للمستقبل، وحيث لم تعد المرأة، حتى في ظلّ الأزمات الخاصة، معتمدةً على نسلها في دعم مركزها الاجتماعي ومكانتها. وعليه يجب التأكيد هنا على نسبية النظرة إلى هذه المسألة، وعلى ضرورة الابتعاد عن الأحكام التقويمية والنظر إلى قرار الإنجاب في ظل الأزمات باعتباره حصيلةً لمجموعة من العناصر التي تسِم مجتمعًا من المجتمعات وتضرب جذورها في ماضيه البعيد والقريب معًا، فتتفاعل لترسم ملامح القرار الزواجي والإنجابي في منظوره الكلي.

تهتز جميع عناصر ديناميكية السكان بفعل الأزمات، وعلى رأسها الوفاة والولادة. تُسجّل فروق مهمة بطبيعة الحال بين الأفراد في قرارهم الإنجابي حتى ضمن المجتمع الواحد. مع ذلك، فإنّ الشرط الاجتماعي والثقافي والاقتصادي المسبق يبقى مؤثّرًا بشدة في هذا القرار الفردي. وعليه يصبح بالإمكان استخلاص مسارات عامة لتبدّلات الظاهرة ترسمها خصوصية المجتمع وسماته. هذه الخصوصيات المجتمعية ستقود إلى تسجيل فروقات كبيرة بين مختلف المجتمعات في استجابتها للأزمات، لكن أمرًا واحدًا ينتهي بأن يَجمع البشر على اختلاف انتماءاتهم وبنى مجتمعاتهم، وهو أن ردة الفعل الجمعية – ولنتجاوز هنا التفكير باختلافات الأفراد – ستُغلِّب وعلى الدوام الحياة على الموت. يكمن الفارق في شدة الاستجابة وتوقيتها وسرعتها، فقد تستجيب بعض مجموعات اجتماعية محلية أو مجتمعات بأسرها لارتفاع عامل الموت بإنجاب سريع وشديد يسعى للتعويض واستعادة التوازن في المدى القصير، وقد تتأخر مجتمعات أخرى فيرجئ سكانها الإنجاب وتنخفض فيها الخصوبة كثيرًا في المدى القصير، لكنّ التعويض سيحصل، لاحقًا وبشدة أقلّ ربما، إلا أننا سنتلمّسه مع ذلك في المدى الطويل.

إنّ أيّ مشروعٍ لمعالجة تطبيقية لواقع الأرقام المتعلقة بالمنطقة العربية في دول الأزمات اليوم، إنما يحتاج لأن يأخذ في الاعتبار أثر مجمل هذه العوامل، وأثر التعويض في المدى القصير كما في المدى الطويل، كمدخلٍ لرسم صورة موضوعية عن تغيرات ظاهرتي الزواجية والخصوبة على امتداد هذه السنوات المضطربة.

******

[1]  انظر لمزيد من التفصيل: المنجد في اللغة والأعلام. بيروت: دار المشرق، 1986، ص 10.

[2] Ordioni, Natacha. « Le concept de crise : Un paradigme explicatif obsolète ? Une Approche sexospécifique », in : Mondes en développement, vol. 2, n° 154, 2011, p. 138.

[3] Charbit, Yves (dir.). Le monde en développement : démographie et enjeux socio-économiques. Paris : La documentation Française, 2002, p. 52.

[4]  انظر: Revol, René. (dir.). Dictionnaire des sciences économiques et sociales. Paris : HACHETTE Éducation, 2002, p. 91-92.

[5] المرجع السابق، ص 92.

[6] Ordioni, p. 139.

[7] Festy, Patrick. « Effets et répercussions de la première guerre mondiale sur la fécondité française », in : Population : 39ème année, n° 6, 1984, p. 977.

[8]  سنستخدم هذا التعبير إلى جانب تعبير الأزمات عمومًا كإشارة شاملة إلى مختلف حالات عدم الاستقرار كالحروب أو الأزمات الاقتصادية أو الكوارث الطبيعية …الخ. مكتفين بتخصيص طبيعة الحالة عند وجود ضرورة لذلك.

[9]  فانسن، بول. “الحرب والسكان”، ترجمة: مدى شريقي. موقع الأوان، على الرابط:

https://www.alawan.org/2018/09/10/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%83%D8%A7%D9%86/

[10] Charbit, p. 57-58.

[11] هذه لمحة تبسيطية بالطبع عن زاوية مما قدمته هذه النظرية، ولن نخوض في تفصيلات أخرى في شأنها، إذ تخرج من نطاق بحثنا. للتوسع حول هذه النظرية يمكن الرجوع إلى بحوث مؤسسيها وعلى رأسهم الاقتصادي الفرنسي لاندري (A. Landry) في كتابه الصادر عام 1934 بعنوان “الثورة الديموغرافية”؛ والديموغرافي الأمريكي نوتشتين (Notestien) الذي طوّر عام 1945 فكرة لاندري، وكان أول من استخدم تعبير التحول الديموغرافي (Transition démographique). انظر:

Landry, Adolphe. La révolution démographique : Etudes et essais sur les problèmes de la population. Paris: INED, 1982; Notestein, Frank W. « Population: The Long View », in: Theodore W. Schultz, (ed.). Food for the World. Chicago: University of Chicago Press, 1945, p. 36-58; Notestein, Frank W. «The Facts of Life», in: Population, vol 1, n° 4. 1946.

 

[12] Lin, C.-Y. Cynthia. « Instability, investment, disaster and demography: natural disasters and fertility in Italy (1820, 1926) and Japan (1671-1965) ». in: Population and Environment: A Journal of Interdisciplinary Studies, vol 31, n° 4. 2010, p. 259.

[13]  نتحدث عنها عن الزواجية في العموم، وقد تأخذ في المجتمعات الحديثة اليوم أشكالًا تتجاوز الزواج بمفهومه الضيق، فتقوم على اقترانٍ حرّ بين فردين تحدث العملية الإنجابية ضمنه وإن لم يصطبغ بصبغة زواج رسمي أو ديني أو حتى عشائري تقليدي.

[14] انظر: Tapinos, Georges. Éléments de démographie. Paris : Armand Colin, 1985, p. 88.

[15]  تقدم نتائج هذه الدراسة نتائج غنية بخصوص تغيرات السوق الزواجية والخصوبة أثناء الحرب اللبنانية. لمزيد من التفصيل انظر:

Khlat, M ; Deeb, M ; Courbage, Y. «Fertility levels and Differentials in Beirut During Wartime: An Indirect Estimation Based on Maternity Registers». in: Population Studies, vol 51, n° 1. 1994, p. 85.

[16] يشكّل الامتناع النفاسي (امتناع الاتصال الجنسي بين الزوجين بعد الإنجاب) وشروطه وضوابطه ومدّته أحد الأشكال الأكثر شيوعًا لهذه الضوابط.

[17] Pörtner, Claus C. Gone with the Wind? Hurricane Risk, Fertility, and Education. Seattle/Washington: Department of Economics: Albers School of Business and Economics, Seattle University, and Center for Studies in Demography and Ecology, University of Washington, Aug. 2014, p. 20.

[18] أما مسألة “التعويض” وآلياتها وحدودها فليس بالإمكان حسمها بعد، في المثال السوري، أو في أمثلة أخرى لدول عربية مرت وتمر باضطرابات حادة كليبيا مثلًا أو اليمن مع حدة ما يعانيه على وجه الخصوص، إذ تحتاج إلى دراسة متعمّقة تخرج من نطاق أهداف بحثنا هذا.

[19] لمزيد من التوسع في شأن هذه النظرية، انظر على سبيل المثال لا الحصر:

= Caldwell, JC. «The Wealth Flows Theory of Fertility Decline». in: Hohn C, Mackensen R, (ed.). Determinants of fertility trends: theories re-examined. Liege, Belgium: Ordina Editions, 1982. 169-88.

وبالعربية:

كرادشة، منير عبد الله؛ مصاروة، عيسى. «نظرية اتجاهات تدفق الثروة: مقاربة معرفية». المجلة الأردنية في العلوم الاجتماعية، المجلد 8، العدد 1، 2015، ص. 27-44.

[20] كرادشة؛ مصاروة، ص 33.

[21] Pörtner, p.12.

[22]  كرادشة؛ مصاروة، ص 27.

[23] المرجع السابق، ص 29.

[24] Agadjanian, Victor; Prata, Ndola. «War and Reproduction: Angola’s Fertility in Comparative perspective». In: Journal of Southern African Studies, vol. 27, n° 2, June 2001, p. 329.

[25] انظر: كرادشة؛ مصاروة، ص 31.

[26] Charbit, p. 58.

[27] Agadjanian ; Prata, p. 329-330.

*******

المراجع

  • العربية:

فانسن، بول. “الحرب والسكان”، ترجمة: مدى شريقي. موقع الأوان، على الرابط:

https://www.alawan.org/2018/09/10/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%83%D8%A7%D9%86/

 

كرادشة، منير عبد الله؛ مصاروة، عيسى. «نظرية اتجاهات تدفق الثروة: مقاربة معرفية». المجلة الأردنية في العلوم الاجتماعية، المجلد 8، العدد 1، 2015، ص. 27-44.

 

المنجد في اللغة والأعلام. بيروت: دار المشرق.

 

  • الأجنبية

Agadjanian, Victor; Prata, Ndola. «War and Reproduction: Angola’s Fertility in Comparative perspective». In: Journal of Southern African Studies, vol. 27, n° 2, June 2001, pp. 329-347.

 

Caldwell, JC. «The Wealth Flows Theory of Fertility Decline». in: Hohn C, Mackensen R, (ed.). Determinants of fertility trends: theories re-examined. Liege, Belgium: Ordina Editions, 1982. 169-88.

Charbit, Yves (dir.). Le monde en développement : démographie et enjeux socio-économiques. Paris : La documentation Française, 2002.

Festy, Patrick. « Effets et répercussions de la première guerre mondiale sur la fécondité française », in : Population, 39ème année, n° 6, 1984. pp. 977-1010.

Khlat, M ; Deeb, M ; Courbage, Y. «Fertility levels and Differentials in Beirut During Wartime: An Indirect Estimation Based on Maternity Registers». in: Population Studies, vol 51, n° 1. 1994, pp. 85-92.

 

Landry, Adolphe. La révolution démographique : Etudes et essais sur les problèmes de la population. Paris: INED, 1982.

Lin, C.-Y. Cynthia. « Instability, investment, disaster and demography: natural disasters and fertility in Italy (1820, 1926) and Japan (1671-1965) ». in: Population and Environment: A Journal of Interdisciplinary Studies, vol 31, n° 4. 2010, pp. 255-281.

Notestein, Frank W. «The Facts of Life», in: Population, vol 1, n° 4. 1946. pp. 615-622.

 

Ordioni, Natacha. « Le concept de crise : Un paradigme explicatif obsolète ? Une Approche sexospécifique », in : Mondes en développement, vol. 2, n° 154, 2011. pp. 137-150.

Pörtner, Claus C. Gone with the Wind? Hurricane Risk, Fertility, and Education. Seattle/Washington: Department of Economics: Albers School of Business and Economics, Seattle University, and Center for Studies in Demography and Ecology, University of Washington, Aug. 2014.

 

Revol, René. (dir.). Dictionnaire des sciences économiques et sociales. Paris : HACHETTE Éducation, 2002.

Schultz, Theodore W. (ed.). Food for the World. Chicago: University of Chicago Press, 1945.

Tapinos, Georges. Éléments de démographie. Paris : Armand Colin, 1985.

إنّ قرار الإنجاب، على ما يحمله لأوّل وهلة من طابع فردي يخصّ شريكَين معًا، إنما هو في الحقيقة نتاجٌ يتأثّر إلى حدّ بعيد بالشرط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي السائد. تختلف النظرة إلى الإنجاب، وإلى الاقتران أو الزواج السابق عليه، باختلاف المجتمعات البشرية؛ وتختلف على الأخص، باختلاف المرحلة التي وصل إليها المجتمع من تحوّله الديموغرافي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق