الحلقة المفقودة في ولادات متعسرة (1 من5)

عصام الخفاجي أكاديمي وباحث يحمل شهادة دكتوراه في العلوم السياسية وأخرى في الاقتصاد. درّس في جامعة أمستردام وجامعة نيويورك وجامعة يال. كما كان مستشاراً لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية (UNDP) للشأن السوري، ومستشاراً للأمم المتحدة للشؤون العراقية. وهو باحث مشارك في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، ومحرّر مساهم في “تقرير الشرق الأوسط” في واشنطن. وقد ألّف خمسة كتب باللغتين الإنكليزية والعربية وأبحاثاً ودراسات وفصولاً ومقالات، تُرجِم العديد منها إلى لغات أخرى.

إسم الكتاب: ولادات متعسرة، العبور إلى الحداثة في أوربا والمشرق

إسم المؤلّف والمترجم: عصام الخفاجي

دار النشر: مكان النشر: المركز القومي للترجمة

تاريخ النشر: الطبعة الأولى 2013

يتكوّن الكتاب من تسعة فصول

 

تمهيد:

لم يكن من السّهل، بالنسبة لي على الأقلّ، قراءة كتاب عصام الخفاجي “ولادات متعسرة” لأنّه ليس من الكتب الّتي ينصح بها للقراءة في السرير رغبة في استدراج النوم، فالعمق المعرفي النقدي، والتحليل المنهجي المتعدد المرجعيات والخلفيات العلمية، يجعل القراءة في غاية المتعة الممزوجة بحرقة الأسئلة، الّتي يؤسّسها فعل الكتابة الانتاجية المنمية لنفسها وللقارئ وفق حركة سيرورة  جدلية الهدم والبناء، في محاولة منها -الكتابة- تجاوز إرث كبير من الأفكار والمعارف والتصورات والمفاهيم ” المدرسيّة والنظرية” الأقرب إلى الحقيقة المقدسة في بعدها الإيديولوجي، سواء عن وعي استشراقي في التمركز حول الذّات واحتقار الآخر، والعداء للأجنبي، أو عن غير وعي بسبب حدود ومحدودية التناول الإيديولوجي السياسي المتلبس لمقولات ومفاهيم وقوالب التنظير اليساري العلمي، والثقافوي في الاستثناء والخصوصيّة إلى جانب الاستشراق المعكوس. وفي هذا السياق أقول بوضوح اكبر إنّ كتاب “ولادات متعسرة” يحتاج إلى قارئ متحرّر من سطوة تسلط الإيديولوجية، المانعة للتطور الفكري النقدي والمنهجي العلمي، الّتي تجعل من المستحيل ولادة طرق جديدة في التفكير متنوعة ومتعددة إلى حدّ الاختلاف في القراءة و الفهم، وفي المقاربة المعرفية النقدية للإنتاج الفكري. بمعنى أنّه كتاب يخترق سقف التفكير- اليساري، التقدمي، الأرثدوكسي…- المرسوم بمنطق واليات العقلية الغيبية في اعتقاد امتلاك الجواب الصحيح المقدس والنهائي، وفي الوقت نفسه يقترح أفقا آخر للتفكير فيه الكثير من الجرأة النقدية إزاء الكثير من الإنتاج الفكري السياسي والإيديولوجي والنظري حول التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية لمجتمعات العالم الثالث، وبالضبط حول المشرق المحدد بالشرق الأوسط: مصر سوريا العراق إيران تركيا…

يحاول الكاتب بما فيه الكفاية في العرض والتحليل النقدي الارتباط بالواقع الحي في نوع من “التحليل الملموس للواقع الملموس” أي تقديم وجهة نظره كمحاولة نظرية لقراءة التشكيلة الاجتماعيّة الاقتصاديّة للمشرق من خلال كم هائل من المعطيات الوضعية التي استثمرتها إستراتيجية محددة للكتابة عند الأستاذ عصام الخفاجي بعمق منهجي معرفي علمي قصد تأسيس نظرية في القراءة للصيرورة التاريخية لمسألة العبور إلى الحداثة ونشأة الرأسمالية من زاوية القراءة المقارنة التي تأخذ بنظر الاعتبار الديناميات المختلفة لكلّ سياقات حركة الصيرورة التاريخية في مستوياتها المتعددة الاجتماعية والاقتصادية والثقافيّة والتقنية والمعرفية والسياسية من زاوية اختلاف النتائج في إطار وحدة التشابه الكوني بعيدا عن أية مركزيّة أو قيمة تفاضلية لتحولات السيرورة التاريخية الأوروبية عن مثيلتها في المشرق، وقريبا من وحدة المسارات الكونية رغم اختلاف النتائج بينهما. ولولا الجديد في خلفيات الأسس الفلسفية المعرفية والعلمية المنهجية، وفي الرؤية النقدية تجاه تراكم رأس مال رمزي هائل من الأعمال الفكرية الّتي حاولت وفق ظروفها وشروطها الاجتماعية والمعرفية تقديم قراءات علمية للتحولات التاريخية في أوربا والمشرق، لما كتب عصام الخفاجي كتابه لأنه مقتنع على حد تعبيره بالإضافة النّوعية التي تكتسي طابع الجدة والإبداع،” النقد إن كان صارما ومشروعا من الناحية العلمية يفضي إلى قدر من الإبداع…وتعبيرا عن الاحترام والامتنان لأولئك الكتاب الذي أنتجوا أعمالا محركة للفكر. فلو كانت تلك الأعمال قليلة الأهمية في رأيي لما قضيت الكثير من الوقت ولما بذلت كثيرا من الجهد في استكشاف ما اعتبرته نقصا في بعض جوانبها المنهجية أو أطرها التحليلية. فمن دون تلك الأعمال المنقودة ما كان بوسعي أن أنتج الأفكار المعروضة في هذا الكتاب”.1 فانطلاقا من هذا المعطى الموضوعي امتلك كتاب ولادات متعسرة مصداقية ولادته المعرفية والعلمية وشرعيته الفكرية باعتباره امتدادا للإبداع الفكري النقدي في تجاوز العوائق الابستمولوجية الّتي تحايث الأعمال الفكرية في حركة سيرورة تطورها المعرفي وهي تتغير وتتعدل، وتخضع للبتر والإضافة، أو للاستيعاب والنقض والتجاوز، خاصة حين تظهر على أنّها مجرد بديهيات متصلبة لا تختلف كثيرا عن ثقافة الحس المشترك التي تقف عند السطح والقشور دون تجشم عناء حرقة الأسئلة النقدية الّتي تتطلبها تحديات التحولات في مستوياتها المعرفيّة الإيديولوجية والاقتصادية والسياسية الاجتماعية…

فإلى أي حدّ استطاع عصام الخفاجي اقتراح وجهة نظر مختلفة عن كلّ ما هو سائد في قراءة التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية للمشرق؟ وكيف تمكّن من خلال المنهج المقارن الانتصار لأوجه التشابه في هذا العبور إلى الحداثة دون إغفال بعض أوجه الاختلاف في النتائج، الشيء الّذي حفز الكاتب على البحث والحفر عميقا في الصيرورة التاريخية للتركيب الاجتماعي للمشرق بالموازاة مع ما حدث في أوروبا كمحاولة لبناء إجابة موضوعية عن سر السّؤال الحاسم وراء ذلك الاختلاف الذي غيب مسارات التشابه عن أعين فكر التحيز الإيديولوجي، ” إنّ هذا التّحيز الإيديولوجي المسبق  ضد ربط تواريخ العالم الثالث بتواريخ باقي أنحاء العالم هو ما يفسر في نظري الجهل الّذي يكاد يكون شاملا بالعمليات الّتي أدت الى نشوء أوربا الحديثة (والرأسمالية بوجه عام) في أوساط دارسي العالم الثالث. وهذا الجهل أو التجاهل، المتعمد جعل من المألوف أن يبدأ أي عمل في هذا الميدان ببضع فقرات تكرر تعميمات معروفة (وخاطئة، أو لا أساس علميا لها) عن تاريخ مقولب لأوربا يبين متى وكيف “إننا”، أي العالم الثالث لم نستطع، ولن نستطيع، ولا يمكن أن نصبح ” مثلهم” أو ” منهم”. ؟”2 وما الّذي يجعلنا نعتقد بان هناك حلقة أساسيّة نقدية مفقودة في “ولادات متعسرة” يمكن أن تشكل وجها آخر لتعددية المنظور في المقاربات العلميّة الاجتماعيّة والإنسانيّة الّتي يقترحها عصام الخفاجي في فصول كتابه كلّها؟

أقدم هذه الأفكار الأولية الأقرب إلى الخواطر في قراءة كتاب يصعب جدا الادعاء بمحاورة صاحبه الّذي قضى أكثر من عقدين في كتابته وإعادة إنتاج كتابته بشكل لا يخلو من منعطفات المراجعة النقدية الّتي يتطلبها تطور تحولات الحياة والمعرفة. بمعنى أنّنا لا ندعي التمكن العلمي في الإلمام بكل الجوانب الّتي تطرق إليها عصام الخفاجي في كتابه، لذلك ستكون قراءتنا وصفية، لأنني قرأت الكتاب لأفهمه أولا بنوع من تعلم حسن الإنصات للمفكر الباحث قبل ادعاء الرد عليه، أو محاولة إعادة إنتاجه بشكل نقدي وهذا ما سنعمل عليه في عمل آخر مستقل.

مدخل منهجي

أ) في دلالة العنوان

قد يخلق عنوان الكتاب عند بعض القراء المهتمين نوعا من الالتباسات، مما يؤدي إلى اعتراضات “نقدية” هي نتيجة ما ترسخ في الأذهان من معارف بفعل كتابات تخلط بين عمليتين، الأولى هي العبور إلى الحداثة، أي التّحول البرجوازي، والثانية هي التّطور الرأسمالي. وبين العمليتين لا يوجد بالضرورة تلازم بنيوي حتمي من العملية الأولى إلى الثانية. فإذا كانت العملية الأولى تقتصر في سيرورتها على تفكيك ما هو قائم وفق صيرورة جارية تميل إلى الهدم أكثر مما تعمل على البناء، ” فإنّ التحول البرجوازي هو التكريس القانوني والسياسي لعمليات اجتماعيّة واقتصادية كانت جارية أصلا قبل انتصار الثورات، وليست إطلاقا لعمليات جديدة.3لكن هذا لا يعني أنّها عملية سهلة التحقق، بل تحتاج إلى جملة من المعايير التي تؤسسها بنى تنظيمية حديثة، بناء على آليات جديدة أساسها التصنيع. والعملية الثانية ليست نتيجة حتمية للعملية الأولى، بل تتحقق من خلال تضافر مجموعة من العوامل والشروط التاريخية الاجتماعية، غير معدة سلفا، بل تبعا لسياقات سيرورة صراعات خاضتها البرجوازية محليا وإقليميا ودوليا، ” فنجمت عن كل تلك الصراعات نتيجة غير محسوبة هي قيام أوربا مصنعة ومهيمنة.” 4

ب) إشكاليّة الدراسة: في سؤال المنهج

يدرك عصام الخفاجي وهو يتبنى منهج المقارنة بين مسارات العالم الثالث نحو الحداثة ومسارات أوروبا في سعيه نحو “المساهمة في نظرية التشكيلات الاجتماعيّة ويحاول بخاصة أن يتفهم آليات الرأسمالية أصولها إمكاناتها وأنماط توسعها عبر الزمان والمكان”35، أن هناك الكثير من الاعتراضات المختلفة الّتي استحضرها في كتابه نذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر: الثقافوي الّذي  يعتبر تطور أوروبا متفرد، وخاص بها دون غيرها من باقي بلدان العالم الثالث، تسمح به بنياتها الثقافية والتاريخيّة والاجتماعيّة المتميزة. إلى جانب اعتراض مدرسة التبعية /النظام العالمي الّذي يحمل النظام الرأسمالي العالمي مسؤوليّة تشوّه البنى الاجتماعية لكلّ مناطق العالم عبر خرق حركة تطور منطقها الداخلي. بالإضافة إلى وعيه بأنّ “هناك عدا الغربيين الذين يقتفون خطى ماكس فيبر عن فرادة الغرب آخرين كثر ممن يسلمون بما يشبه البداهة بوجود اختلاف جذري بين عمليات تكون أو تماسك الدول والمجتمعات والأمم والاقتصاد في العالم الثّالث المعاصر من جهة، وبين تلك العمليات الّتي سادت في أوربا في طور حداثتها المبكرة.” 5كما أشار الباحث أيضا إلى المناهج التقليدية الّتي ترفض تطبيق المناهج الحديثة في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة في دراسة بنى وصراعات وتحوّلات مجتمعات العالم الثالث. وكثيرا كذلك ما كان للبداهة النمطيّة الذائعة الصيت والانتشار ” الاستبداد الشرقي، أو نمط الإنتاج الأسيوي” دورا في تكريس استثنائية المشرق وتميز أوروبا. وفي غياب دراسات مقارنة  يؤسسها التملك المعرفي والتّمكن العلمي بالمسارات الكونية للتاريخ بما يسمح بقراءة التحولات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية في أوروبا والعالم الثالث، قام عصام الخفاجي بكتابة ولادات متعسرة وفق منهج يجمع بين التفكيك النقدي ثمّ البناء الدقيق  للتغيرات البنيوية ” حيث تتم مقارنة ديناميات التحول الرأسمالي في منطقة محددة من العالم الثالث هي المشرق مع تلك التي أنتجت أوربا المعاصرة.”6  دون أن يحمل منهج المقارنة أي قيمة تفاضلية لصالح أوروبا لان الباحث غير مأخوذ أو منبهر بأية مواقف سياسية، بل انتصر للتحليل النقدي العلمي بمعزل عن الرغبة الذاتية وما تفرضه من سطحية أو تحيّز إيديولوجي، بمعنى انتصر عصام الخفاجي للسيرورة التاريخية لعمليات التحول الاجتماعي وفق المدة الطويلة للتاريخ بلغة بروديل في رؤية التغيرات تبعا لمنطقها الداخلي. صحيح أنّ الالتزام بمثل هذا المنهج لا تمليه الحيادية الكاذبة الّتي تدعي الموضوعية والعلمية في الدراسة والبحث، بل تمليه طبيعة البحث العلمي حين يعي صاحبه خلفياته الفلسفية وإطاره المعرفي الابستمولوجي، والاجتماعي الاقتصادي مهما تناقض ذلك مع الرغبة الذاتية والطموح الإيديولوجي السياسي، الشّيء الّذي قد يعرض صاحبة للنقد السلبي الجارح أحيانا أو للعزل والتشويه.” إنّ وظيفة عالم الاجتماع لا تكمن في قدرته على امتلاك خيال إبداعي يمكنه من تصميم مسارات جديدة بل في دراسة البنى الاجتماعية الداخلية بهدف تقدير المسارات الأكثر ترجيحا التي تتوقع لهذه البنى أن تتبعها بغض النظر عن اختيارات الباحث ورغباته”. 7

أولا / منطق البنى قبل الرأسماليّة وأسطورة الاستثناء

في سياق بحثه- عصام الخفاجي- لم يكن يهمه تأثير التّوسع الأوروبي على التطور الاجتماعي الاقتصادي في المشرق في جوانبه الايجابية او السلبية، ” بل السؤال الرئيس الّذي أنوي الإجابة عليه: ما تلك التّغيرات بالضبط؟ ولماذا اتخذت تلك الأشكال بالذّات؟”8 ولفهم ديناميات الواقع وما يعتمل فيه من تغيرات ومسارات مرجحة كان لابد من تفنيد الكثير من البدا هات السائدة حول أصول تشكيلات المشرق وعملها، سواء تلك الّتي أنتجتها نظرية التبعية والنظام العالمي فيما يتعلق بتشويه وتحريف اتجاه التّطور لمجتمعاتنا أو التأكيد على خصوصية المنطقة واستثنائية الدولة/ السلطة السياسية في صناعة الطبقات، إلى جانب خرافات مسلمات فلاسفة التّنوير حول الاستبداد المتجذر في المشرق بشكل خاص. وهذا ما سهل انتشار الاعتقاد بالقدرة الخارقة للسوق العالمية والامبريالية على وضع مسارات التّخلف وتحديد مصير الطبقات الحاكمة. وفي سبيل تعرية ما تخفيه  أطروحات العزل والاستثناء والخصوصيّة هذه اتجه الباحث نحو البنى الاجتماعية الاقتصاديّة وما يكتنفها من صراعات وتحوّلات وما يحايثها من قيود مجتمعية لا يمكن تجاوزها في الفعل والبناء الاجتماعي الاقتصادي السياسي، كما لا يمكن إنتاج معرفة نظرية بواقعها التاريخي دون الإلمام بأرضيتها الأساس. لذلك فمن خلال ” مسح للمعطيات المتوفرة عن تحوّلات بنى الملكية العقارية بين الكاتب أن المنطقة عرفت الملكية الخاصة بأشكال مختلفة في الزمان والمكان، حسب القرب أو البعد من سيطرة السلطة السياسية على مناطقها الآمنة أو المتمرّدة، تبعا للعلاقات المجتمعية السّائدة. ففي ظل بنى قبل رأسمالية سادت الملكية الخاصة وهي تمر بثلاثة أطوار، انطلاقا من قوانين محمد علي وصولا إلى قانون المقابلة الذي أصدره الخديوي إسماعيل  الّذي أطلق الحرية التّامة في التملك مرورا بما سمح به الخديوي سعيد. وفي سياق هذا التملك الخاص للأرض برز تركز الأرض في أيدي كبار الملاك الذين فرضوا سيطرتهم إلى حدود الثورات القومية في مصر، سوريا، العراق، إيران…. حيث سادت أساليب قبل رأسمالية في العمل والاستغلال مما لا يسمح بقبول طروحات نشأة الرسملة في المنطقة خلال منتصف القرن 9، خاصة وأنّ هذه الأبحاث يقف سقف تفكيرها عند حدّ “افتراض أنّ التحاق المنطقة بالسوق الرأسمال كاف لتحديد طبيعة نظام الملكية والاستحواذ على الفائض”10 . واعتمادا على معطيات نظرية لأبحاث متميزة يناقش عصام الخفاجي بنى وآليات المجتمعات المشرقية الّتي كانت  بعيدة عن وصفها  بالرأسمالية في هذه المرحلة التاريخيّة بالذّات، حيث لا يمكن اختزال الرأسمالية إلى مجرد نظام ينتج من أجل السوق أو الرّبح، فكلّ ما يمكن أن يتحقّق في السوق ليس رأسماليا بالضرورة في غياب تعايش بين العمل الحر ورأس المال ممّا يكون أرضية لإعادة الاستثمار. “إنّ العلاقات الطبقية لا التجارة هي ما يفسر أصول التطور الرأسمالي، لأنّ السّوق العالمية لا تحدّد ما ينتج، مستوى الإنتاج، بل العكس هو الصحيح أي أن مستوى التطور هو الّذي يحدد موقع البلد في السوق العالمية”11. ولهذا فان الكثير من التمظهرات من الريع العيني أو النقدي ومختلف أشكال التتجير التي اعتمدتها اقتصاديات المنطقة …لا تجعل من المجتمع الزراعي، الّذي يهيمن فيه الملاك الكبار مع بقاء العمال المحاصرين في أراضي الملاك الكبار بأساليب دفع الريع، مجتمعا رأسماليا. فالسّمات الاجتماعيّة المرتبطة بالعلاقات الإنتاجيّة لمجتمعاتنا الزراعية هي الّتي حدّدت طبيعة النظام الاقتصادي الاجتماعي ولا علاقة لأية قوّة سياسيّة محليّة أو أجنبية  بزرع أنماط إنتاج معينة.

صحيح أنّه كانت خلال هذه الفترة الكثير من التغيرات المتجلية في صورة مظاهر السوق البراقة الشبيه بالعلاقات الرأسماليّة خاصّة مع سيادة الملكية الخاصّة للأرض الّتي يمكن أن تقلب سلطة  الشيوخ، لكن الحيرة وراء هذا التناقض الزّائف سببها الجهل بان ” نظام الإنتاج الاجتماعي الّذي لم يتفسخ بعد بالمعنى التاريخي للكلمة سيبدي تلاوين القدرة على الديمومة وإمكانية إبقاء تحكمه بالطبقات المستغلة فرض الإذعان على السكان بوجه عام أو امتصاص المقاومة المتصاعدة ضده مؤقتا على الأقل.”12

إنّ العلاقات الاجتماعيّة الزراعيّة كفيلة بان توضح ديناميات المجتمع في آلياته ووظائفه. بمعنى أن نظام المحاصصة كان شبيها إلى حدّ ما بالنظام الرأسمالي على مستوى تتجير النشاط الزراعي، لكنّه لم يكن رأسماليا في تسليع قوّة العمل ولا في تحقيق نظام إنتاج سلعي معمم. والسّر في هذا نابع من العلاقات الاجتماعيّة في الزراعة بين المالك الذي تكون حصته ثابتة  و حصة الفلاحين تنقسم على عدد الفلاحين الّذين يتطلبهم بكثرة الموسم الزراعي، وهذه الوضعية القاهرة من إفرازات التخلف العام حيث. ” حصة المالك لا تتعين ولا تتغير وفقا لعدد الفلاحين الّذين يزرعون الأرض. وهنا بالضبط في الشّكل المحدّد لاستخلاص الفائض والبنية الطبقية الّتي تشرط تلك العملية، يكمن الفارق الرئيس مع الرأسماليّة والسبب الرئيس لعدم قيام الرأسماليّة.”13 وفي هذه العلاقات الاجتماعيّة الاستغلاليّة في انتشار البطالة وتفتيت حصّة الفلاحين عرفت العلاقات قبل الرأسماليّة استمرارها وتعزيزها، فكانت بعيدة عن قوانين السّوق والنّقود بسبب بنية نظام المحاصصة الطبقيّة وحساباته الّتي تفضل المعايير العينية على المعايير النقدية مهما كانت علاقة الفلاح بالسوق فإنّ وضعيته الاجتماعية الطبقية تبقيه تحت وطأة الديون من مالك الأرض إلى البقال والمرابين. كما أنّ المالك لم يكن يفكر في الاستثمار النقدي تبعا لمنطق القرار الرأسمالي فكيف يمكن نعت هذا النظام الزراعي بالرأسمالية؟

يؤكّد عصام الخفاجي مرارا في كتابه على أنّ الكثير من القراءات الخاطئة لباحثين حول المشرق وأوروبا سببها جهل وتجاهل العلاقات المادية للمجتمعات، أي تلك البنى الداخلية للنظم الزراعيّة وطريقة اشتغالها، خاصّة وأنهّا القطاع الأساس المؤطر لكلّ القطاعات الأخرى، وللمجتمع ككلّ في تحديد علاقاته ووظائفه، وبدل ذلك تراهم منجذبين إلى شبكة التجارة العالمية كدلالة على صعود الرأسمالية. وإذا كان عصام الخفاجي قد خاض نقاشا نقديا مع فيلسوف نظرية التبعية، مهدي عامل، في بحث خاص نشرته مجلة الطريق اللبنانية، فإنّه في كتابه هذا يواصل بحثه ونقاشه العميق للأسس المعرفية النظرية لهذه المدرسة بالاحتكام إلى حركة تطور البنى والصراعات الداخلية لتشكيلات المشرق الاقتصادية- الاجتماعية والسياسية الثقافية. ” من المستحيل لمن يتبنى أفكار التبعية/ النظام العالمي أن يفهم أسباب  وطبيعة الثورات/الانقلابات العسكرية القومية الّتي أدخلت تغييرات جذرية على بنى مجتمعات المشرق وطرائق عملها، فضلا عن فهم عواقبها ومآزقها. والحصيلة التي يقودنا إليها تبني مثل هذه المناهج هي إمّا التسليم باستثنائية مسارات العالم الثالث/ المشرق، أو باستثنائية المسار الأوربي/ الأمريكي/ الياباني.”14

وباعتماده على الكثير من المصادر يفند زيف حجة ارتباط صعود الرأسمالية بتطور التجارة العالمية. والجميل في بحثه هذا هو الارتباط بالبنى الداخلية وقيودها المجتمعية انتصارا للبحث العلمي قصد فهم طبيعة وديناميات التشكل والتشكيل، أي جدلية التفاعل والتأثير والتأثر، وكأن إستراتيجية الكتابة عنده موجهة بسؤال حاسم: كيف يحدث الاستبطان وإنتاج الفعل أو رد الفعل المحدد؟ وهذا ما يجعلنا نفهم التّحولات الاجتماعيّة التاريخيّة للمجتمعات عوض الاحتكام إلى مواقف سياسية في التنظير أو التحليل النقدي، وهي نزوعات سياسية إيديولوجية عارية من الفهم الملموس للواقع الملموس. وبالتالي يمكن فهم كيفية الاستجابة للتحديات، أو ردود أفعال مجتمعاتنا  في محطات تاريخية مختلفة، عوض الهروب من مسؤولية ما ننتجه من خيبات وهزائم، ممّا يجعل ذاكرتنا مثقوبة لا تمتلك حس المأساة، حتّى نتفادى هذا العود الأبدي للهزيمة والخراب…، وهذا ما يتضح من كلام  روبرت برينر “إنّ البنى والصراعات الطبقية في المجتمعات الأوروبية المختلفة حددت الطرق الّتي أثرت فيها التجارة الخارجية أو التغيرات السكانية أو الابتكارات التكنولوجية مسار تلك المجتمعات وليس العكس. فليس بوسع التجارة أو السكان او الابتكارات بحدّ ذاتها أن تنبئنا بأي شيء فيما يتعلّق بكيفية استجابة المجتمع لها، بل إنّ التراكب الاجتماعي المحدّد هو الّذي يمفصل تلك العوامل الخارجية محددا إمكانات تأثيرها عليه سلبا أو إيجابا.”15ووفق هذه الرؤية في التّفكير النقدي يمكن فهم أسرار تشوهنا وتخلفنا بدلا من التغني بالخصوصيّة والاستثنائيّة أو ما فعله بنا الاستعمار والامبرياليّة.

وانطلاقا من هذا التّحديد للمجتمعات الشرقيّة كمجتمعات زراعيّة في شروط قبل رأسمالية يمكن فهم حالة التّحضر أو التّمدن التجاري والصناعي والسياسي والثقافي، ممّا لا يدع مجالا لوهم المفارقة أو الاستثنائية الخاصّة بالمشرق، فمثل هذا حدث في أوربا خلال فترة ” الاستبداد المتنور” الرأسمالية لم تر النّور إلّا في النّصف الثّاني من القرن الثاّمن عشر، بل وفي فترات أكثر تأخرا في مناطق عدّة خارج بريطانيا. وقد عمر نظام الmetayage  شديد الشبه بنظام المحاصصة المشرقي لفترة طويلة نسبيا في فرنسا مترافقا مع عصر الاستبداد المتنور ومحاورلات التحديث الدولتية. ” 16 وما يدعم هذه الرؤية في التّحليل بإعطاء الأهميّة للإكراهات والقيود والبنى الاجتماعية، هو السياسة الاستعماريّة الّتي كانت تدرك مصالحها بالتّحالف مع ملاك الأراضي والشيوخ القبليين الكبار. وفي هذا الواقع المجتمعي فرض الملاك الكبار للأراضي سطوتهم بالتّمفصل مع المصالح الاستعماريّة، الشّيء الّذي جعلهم قادة سياسيين لمرحلة كاملة. وبفضل موقعهم الطبقي والسياسي اغتنوا بشكل فاحش على حساب المهاجرين الريفيين الّذي اكتسحوا ضواحي المدن، فكان لهم دور بارز في إنتاج التّغيرات الاجتماعيّة الّتي عرفتها المنطقة من وقوع الثّورات القوميّة طوال نصف القرن الأخير.

******

  1. عصم الخفاجي: ولادات متعسرة العبور إلى الحداثة في أوروبا والمشرق، المركز القومي للترجمة، ط1، س 2013، ص26.
  2. ص42.
  3. ص428.
  4. ص431.
  5. ص 22.
  6. ص37.
  7. ص38.
  8. ص49.
  9. ص19.
  10.  ص73.
  11. ص73.
  12.  ص82.
  13.  ص86.
  14. ص95و96.
  15.  ص96.
  16.  ص 101.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق