الثّقافة من منظور علم الاجتماع

المحدّدات الاجتماعية لمعنى الثّقافة

الثّقافة، كنتاج لفعل معرفي، عبارة عن تبادل جدلي بين ذات تعرف، وموضوع يُفكر فيه. وفي العلوم الاجتماعيّة، هناك حقيقة أساسيّة، وهي أنّ المجتمع البشري، ممكن الوجود فقط، بفضل الثّقافة، فالسّلوك الاجتماعي بجوهره منمط ثقافياً. والثّقافة مرهونة بوجود إنسان اجتماعي، وإذا كان لا إنسان بلا تاريخ، فإنّه أيضاً لا ثقافة بلا إنسان. إذ أن الانطواء على الذات هو بمنزلة لعنة، وليس سياقاً اجتماعياً، والأفراد ليسوا كيانات نفسية منعزلة، لكنّهم كائنات اجتماعية، وسواء كان ذلك حسناً أم سيئاً، فالجميع مندمجون في العنصر البشري، وذلك الاندماج الاجتماعي، هو الّذي يمكن العلم الاجتماعي من الاعتبار بالأذواق.[i]

والافتراض الأول في نظرية الثّقافة هي أنّ الثّقافة تنتقل بالاكتساب: إنّ الإنسان يكتسب الثّقافة منذ مولده، فالثّقافة لا تنتقل بالوراثة، لكنها تتكون من خلال التنشئة الاجتماعية، أو الانتشار، أو التثاقف، أو الاستعارة، أو التماثل والاستيعاب. ولا يدخل فيها السلوك الفطري والأفعال المنعكسة، ومع ذلك لا يمنع أن تكون بعض النظم الثقافية قد أوجدها الإنسان لإشباع حاجاته الفطرية، كنظام جمع الطعام أو الصيد أو الزراعة. وهي تكتسب عن طريق التعلم، لذلك يمكن تطويرها كلما تطورت قوانين التعلم وتقنياته. وبفضل اللغة يستطيع كل جيل أن ينقل خبراته بطريقة رمزية إلى الجيل الناشئ.[ii] ذلك أن الثّقافة تتعلق بما يعتقد الناس بشكل عام، وبما يعززونه بانتظام، إذ تكون هناك مكافأة على فعل ما هو صحيح، وغرامة على عدم فعله، وكذلك التعاملات ذات المعنى الّتي تجري بين البشر، الّذين يتشاركون في العناصر الذاتية والرمزية، لما يشكل الثقافات.[iii] ومن الجدير بالملاحظة  أن التعليم الثقافي لا يتم بالضرورة عن طريق الوعي، إذ أنه يحدث عندما يمرر الأفراد، عبر أدوارهم المؤسساتية، معتقدات  وسلوكيات، مقرة ثقافياً، للآخرين، ومن خلال تلك الخبرات، تعد الثّقافة الناس لكي يفهموا العالم، ويفسروه، وأن يتصرفوا بصورة فعّالة فيه.[iv] والآليات النفسية الّتي تسمح بانتقال الثّقافة ظهرت إلى الوجود على مدى مسيرة التطور البشري منذ الإنسان الأول. والحقيقة أن البشر قادرون على تجميع مواردهم المعرفية على نحو لا تستطيعه أنواع الحيوانات الأخرى، عن طريق المحاكاة، والتعليم التلقيني  والتعليم التعاوني. إن فهم الآخرين باعتبارهم كائنات لها نواياها وقصدها شأنها شأن الذات، هو فهم محوري وحاسم بالنسبة للتعلم الثقافي البشري، ذلك لأن المصنوعات الفنية الثقافية والممارسات الاجتماعية – الّتي تتمثل على نحو نمطي في استخدام الأدوات والرموز اللغوية – إنما تشير بشكل ثابت ومطرد إلى ما يعدها هي نفسها لتصل إلى كيانات مماثلة قائمة خارج ذاتها – الأدوات تشير إلى المشكلات الّتي صممت الأدوات لحلها، والرموز اللغوية تشير إلى مواقف التواصل والّتي صممت لتمثيلها. لذلك فإن الأطفال لكي يتعلموا اجتماعياً الاستخدام التقليدي لأداة أو لرمز يتعين عليهم أن يفهموا لماذا ولأي هدف خارجي يعمد الشخص الآخر إلى استخدام الأداة أو الرمز.[v]

والافتراض الثاني في نظرية الثّقافة هو أنّها اجتماعية: فالحياة تكون مع الناس، وأكثر ما يهم الناس هو كيف يودون أن يرتبطوا بالغير، وكيف يود الغير أن يرتبطوا بهم، وبينما تخبرنا معظم النظريات في العلوم الاجتماعية، كيف يشرع الأفراد، أو الجماعات في الحصول على ما يريدونه من الحكومة، أو الأسواق، فإن نظرية الثّقافة تسعى إلى شرح لماذا يريدون ما يريدونه، وكيف يشرعون بالحصول عليه، وهكذا فإن تركيزها على صياغة التفضيلات، وليس فقط درجات تحقيق التفضيلات. [vi] والناس يحصلون على تفضيلاتهم، من اندماجهم بالآخرين، والعلاقات الاجتماعية هي أكبر مدرسة للحياة الإنسانية. إنها تمدنا بمفاهيمنا حول المرغوب فيه، وحول الجميل والمفزع، والعادي والغريب، فلا مفر من هذا النفوذ الاجتماعي، إذ يرى دوركهايم أنه لا الخبرة الفردية، ولا العقل النظري، يستطيع توليد مثل تلك الأفكار الأساسية، كالزمن  والفضاء، والسببية، ولا سبيل لفهم كل من الطبيعة المشتركة للفئات وتنوعها  عبر الأمكنة والأزمنة المختلفة، إلا بادراك الأصول الاجتماعية للفكر، فالعلاقات الاجتماعية تولد أنماطاٍ لإدراك العالم، تساهم في الحفاظ على تلك العلاقات.[vii] والمسلمة الّتي تنطلق من هذا الافتراض هي أن الفكر الإنساني هو بطبيعته اجتماعي إلى الحد الأسمى: هو اجتماعي بأصوله، وبوظائفه  وبأشكاله، وفي تطبيقاته في الأساس، إن التفكير هو نشاط علني عام، موطنه الطبيعي هو باحة المنزل والسوق وساحة البلدة.[viii] ومعظم الأفراد، يمكن فهمهم بدرجة أكبر، من خلال نمط العلاقات الاجتماعية القائم، فعلاقاتنا الاجتماعية هي الّتي تقدم لنا الكثير من الأفكار حول ما هو متوقع  وما هو طبيعي، وما هو عادل، وهكذا، والقول بأن تلك الظواهر الحتمية هي بذاتها محصلة للأفعال والأهداف والتطلعات الفردية، لا يتعارض بأي حال، مع الأطروحة الجمعية، بأن التفضيلات الفردية تتشكل عن طريق العلاقات الاجتماعية.[ix]

ويربط ماركس الوعي بنشاط الإنسان الاجتماعي،  وكمثال يستعرض اللغة قائلاً: أن اللغة قديمة قدم الوعي، هي الوعي العملي الّذي يوجد للأشخاص الآخرين أيضاً، ولهذا السبب وحده، يوجد الوعي فعلاً بالنسبة لي شخصياً أيضاً، التعبير عن الأفكار، ووجود شيء يتجاوز مجرد الإحساس، يتوقف في الواقع على وجود اللغة، لكن اللغة منتوج اجتماعي، و إنما يكتسب الفرد بفضل عضويته في المجتمع، الفضيلة اللغوية الّتي تكون حدود وعيه، أو نطاقه.[x] و يرى شتراوس أن ثمة أساس مشترك بين كافة مجالات الحياة الاجتماعية، و بالتالي حقيقة اجتماعية توضح السمة الجوهرية للثقافة، هذا الأساس المشترك هو نشاط العقل البشري، و هذا النشاط ليس شعورياً، و إنما نشاط لاشعوري، ويمثل قوانين بنيوية معينة فرضتها منطقة اللاشعور في الذهن البشري على أكثر المضامين تبايناً. وتعتبر اللغة والثّقافة بالنسبة لهذا النشاط شكلين متوازيين، فاللغة انعكاس للثقافة أو شرط للثقافة. ومن الناحية النظرية يمكن القول أن اللغة هي شرط الثّقافة، لأن المادة الّتي تبنى منها اللغة هي من نفس طراز المادة الّتي تبنى منها الثّقافة  ككل: العلاقات المنطقية والتقابلات، والترابطات .. وما إلى ذلك. واللغة من هذه الزاوية تبدو أنها تضع أساساً لبنى أكثر تعقيداً تطابق الجوانب المختلفة للثقافة.

إنّ البشر، ومنذ طفولتهم الأولى، لديهم توجه إزاء البشر الآخرين باعتبارهم القسمة الأهم المميز للبيئة، و يدل هذا بالضرورة، من منظور تطوري، على تحول وجداني ومعرفي ونزوعي، وعلى اعتمادية متزايدة من الطفل على أبناء نوعه، والانفتاح تجاههم، والضعف إزاءهم. إنّ البشر بعضهم لبعض عون وفائدة، وقدراتهم لا تنمو وتتحول إلّا بفضل الآخرين، و في إطار وضع اجتماعي، حقاً إن قدرات الروح الاجتماعية قد تكون متوافرة لدى الأفراد، بيد أنها لا تكتمل إلا فيما بينهم. [xi] لذلك يرى ماركس، أن الّذي يميز حياة الإنسان عن حياة الحيوان، هو أن مواهب الإنسان ومقدراته، وأذواقه، يشكلها المجتمع، فالإنسان المنعزل، هو محض خيال النظرية النفعية، إذ لا يوجد فرد بشري لم يولد في مجتمع حي، ومن ثم لم يُشكَل من قبله. وكل فرد، يتلقى ثقافة الأجيال المتراكمة، ويسهم من خلال تفاعله الخاص مع العالم الاجتماعي والطبيعي الّذي يعيش فيه، في تعديل ذلك العالم كما يَخبره الآخرون.[xii]  بهذا الصدد يقول موريس جودليير: إن البشر على النقيض من الحيوانات الاجتماعية الأخرى، حياتهم ليست مجرد حياة في مجتمع، وإنما هم ينتجون المجتمع ليعيشوا فيه، لهذا فإن أي مبحث ينظر إلى البشر باعتبارهم أفراد، لا يعتبر من منظور الأنثروبولوجيا الاجتماعية مبحثاً كاملاً، ونحن لا نستطيع أن نعرف أنفسنا، إلا إذا عرفنا أنفسنا في علاقاتنا بالآخرين،[xiii] وما الثّقافة إلا نتاج اجتماعي. إن صفة الاطراد والتواتر في الظواهر الإنسانية تشكل حقائق لا يمكن التغاضي عنها، فلولا ملاحظتها ودراستها لما نشأت العلوم الاجتماعية، ولما تم الوصول إلى قواعد عامة تمثل الخصائص السلوكية الّتي تميز علاقات الناس ومعاملاتهم في حياتهم المشتركة. وقد عني الباحثون بدراسة هذا التواتر والاطراد في السلوك الإنساني والحياة الاجتماعية، واستخدموا لذلك ثلاثة مفاهيم: المجتمع – الثّقافة – الشخصية. ولا يزال هذا المثلث المفاهيمي يستقطب اهتمام الباحثين في مختلف اختصاصات العلوم الإنسانية، وإن كان علم النفس يركز على الشخصية مثلاً، فإنه لا يهمل أثر الثّقافة والمجتمع فيها، وكذلك الأمر مع الأنثروبولوجيا الّتي تركز على الثّقافة، لكنها تتعامل مع المؤثرات الاجتماعية المختلفة. كما يركز عالم الاجتماع على هذه العلاقة الوثيقة بين المكونات الثلاثة، ويعتبر التفرقة بينهما نظرية، فالثّقافة لا توجد إلا بوجود المجتمع، وعناصر المجتمع الأولى هي الأفراد، والفرد كائن اجتماعي، والمجتمع لا يقوم و يبقى إلا بتواجد الثّقافة. وعليه تكون الثّقافة طريق خاص ومتميز لحياة الجماعة، ونمط متكامل لحياة أفرادها، إنها تعتمد على وجود المجتمع ومن ثم تمده بالأدوات اللازمة لاطراد الحياة فيه، بدائية كانت أم حديثة.[xiv] يقول إريك فروم: ” عندما نفكر بالصحة النفسية للفرد، نفكر بشكل رئيسي في الصحة النفسية للمجتمع، وجميعنا يعرف المثل القائل بأن العقل السليم في الجسم السليم، لكن هذا في الواقع لا يمثل سوى نصف الحقيقة، فهناك كثير من العقول السليمة في أجسام ليست سليمة، لكني أعتقد أنه يمكن للمرء أن يقول، بأن العقل السليم، يمكن أن يوجد في المجتمعات السليمة، وبناء عليه، فإن مشكلة الصحة النفسية للفرد، والصحة النفسية للمجتمع، لا يمكن فصلهما ببساطة بالنسبة للإنسان.[xv] أما ميرتون فيقول: أن قوام الثورة الكوبرنيكية، هو فرضية أن الوهم، أو الاعتقاد دون أساس، وليس الخطأ وحده، بل وحتى اكتشاف الحقيقة، كل ذلك يخضع لشروط المجتمع والتاريخ. [xvi]

والافتراض الثالث لنظرية الثّقافة هو أنها مجموعة من الشبكات الرمزية: إذ تعبّر الثّقافة _ كمفهوم _ عن مجموعة من الشبكات الرمزية ( الواعية واللاواعية ، الجمعية والفردية ) الّتي يخضع الفرد لها. وتحليل تلك الشبكات الرمزية لا يحتاج إلى علم تجريبي (فقط) يؤطرها في قوانين كلية عامة وحتمية، بل إلى علم تأويلي يبحث عن معنى. ذلك أن المعطى الثقافي الواحد قد يتغير وعياً وقيمة و وظيفة، وفق تغير المنظومة الثقافية زمانياً ومكانياً، وحالما ننظر إلى السلوك البشري على أنه عمل رمزي، وهو عمل مثله في ذلك مثل إصدار الأصوات في الكلام، والتلوين في الرسم والخط في الكتابة، والتنغيم في الموسيقى، فإن التساؤل حول ما إذا كانت الثّقافة عبارة عن سلوك منمّط، أو حالة عقلية، أو مزيج من الاثنين بطريقة ما، يفقد مغزاه، حيث يتحول السؤال هنا إلى عن ماذا نكون نعبر عندما نقوم بهذه الأشياء.[xvii]و من جهة أخرى، فإن الظواهر الرمزية في المنظومة الاجتماعية لا توجد بمعزل عن بعضها البعض، بل هي متحدة داخل منظومات جامعة من الرموز. وتترابد الكيانات الرمزية المختلفة مع بعضها بعضاً بوسائل تتحدد داخل المملكة الرمزية. مثال ذلك أن المحرمات المتعلقة بالطعام يمكن أن تكون ذات علاقة بمفاهيم طوطمية مرتبطة بهياكل اجتماعية محددة ثقافياً، ويمكن أن تظاهرها تفسيرات أسطورية وتدعمها وترسخها شعائر وطقوس. وليس معنى هذا أن جميع هذه المنظومات الرمزية هي بالضرورة إما متسقة داخلياً أو مستقرة ضمن طبيعة جبلية. ولكن النقيض قد يكون صحيحاً، خاصة في أزمان التوتر الاجتماعي والتغير الثقافي. ومع هذا فإن أي تغير في جزء من منظومة الرمز ستكون له أصداؤه في مكان ما داخل المنظومة .[xviii] ومن خلال تلك الشبكات تحفّز الثّقافة السلوك، وتبرر السلوك، بل و تحدد معنى السلوك بربطه بشبكات رمزية محفزة على الصعيد الاجتماعي. وينطلق هذا التصور من مسلمة أن السلوك كفعل إيجابي يعبر عن تعزيز ثقافي يرتبط بالمنظومة الرمزية الثقافية للجماعة باعتباره ضامن لوحدتها وتعاونها. ذلك أن كل مبررات سلوكياتنا الاجتماعية تستند إلى مجموعة من الاتفاقات الضمنية الفوق فردية الّتي تحددها المنظومة من خلال قيمها وقوانينها الرمزية الّتي تنعكس على الوعي و كيفية تعامل الإنسان مع الأشياء. وعلى ذلك فإن الثواب والعقاب إنما يتحددان في ضوء ثقافة رمزية تمتلك بشكل مثالي مجموعة تصورات مجردة عن الحق والخير واللعنة والخلاص، تلك التصورات لم تنشأ من الأصل البيولوجي للإنسان المتطور، بل فُرضت عليه من خلال منظومة القيم الثقافية الّتي يحيا فيها. بتلك الشبكات الرمزية يمكننا تحديد النظرة إلى العالم و الوجود في كل جماعة، فمفهوم مادي اجتماعي، كالآلة مثلاً، يمكن تفسيره وفهمه من خلال المعنى الّذي أعطاه له الفعل الإنساني لإنتاج واستخدام ذلك الشيء المصنوع، ودون الوقوف على ذلك المعنى يبقى ذلك الشيء غير مفهوم، فالمفهوم فيه هو ذلك الاستناد إلى فعل إنساني بوصفه ” وسيلة ” أو ” غاية ” جالت بخاطر القائم أو القائمين بالفعل، ووجهت فعلهم . و من خلال تلك المفاهيم ” الثقافية ” فقط يمكن أن يتم فهم مثل هذه الأشياء، على خلاف ذلك تبقى العمليات و الأحوال – الحية وغير الحية. الإنسانية وغير الإنسانية  – غريبة المعنى ، إذا كانت دون معنى مقصود، عندما لا تظهر في علاقة تربطها بوسيلة وبغاية الفعل .[xix]

والجدير بالذكر هو ضرورة أن نميز بين النماذج الثقافية العامة، والسلوك، وألا نخلط بينهما، فالنماذج عامة أكثر ديمومة، وقد تكون متعالية وثابتة تمثل نمط عام أو لاشعور جمعي مشترك يؤثر بطريقة أو بأخرى على التفكير المسبق. أما السلوك فهو نمط فردي، أسري، واقعي متغير ومتأثر بالمتغيرات النفسية الأسرية الاقتصادية المحيطة مباشرة بالفرد، لذلك نشاهد شخصين لهما مجموعتان متطابقتان من الاستعدادات المكتسبة ثقافياً يمكن أن يسلك كل منهما على نحو مختلف عن الآخر في بيئتين مختلفتين.

تعريفات الثّقافة من منظور العلم الاجتماعي

لقد قدم عالم الأنثروبولوجيا البريطاني، إدوارد تايلور، أول تعريف شامل بالمعنى الإثنولوجي للثقافة قائلاً: ” الثّقافة أو الحضارة، موضوعة في معناها الإثنولوجي الأكثر اتساعاً، هي الكل المركب الّذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعادات وكل القدرات والعادات الأخرى الّتي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع ” وبالتالي تعبر الثّقافة وفق هذا التعريف عن كلية الحياة الاجتماعية، وتتميز ببعدها الجماعي، وهي مكتسبة ولا تتصل بالوراثة البيولوجية، كما أن اكتسابها غالباً ما يتصل ببعد لاواعي. [xx]و على ذلك فإن الثّقافة، أو الحضارة – بالمعنى الاثني للكلمة – هي كل ما يُفهم من العلم والعقيدة، والفن والأخلاق، و القانون والتقاليد، وكل الملكات الأخرى والعادات، أو كل ما حصّله الإنسان باعتباره عضواً في المجتمع. هذا التعريف للثقافة، كان ممكناً في القرن الثامن عشر، حيث لمّح عصر التنوير إلى تصور مماثل دمج بين الطبيعة والثّقافة، لكن الأنثروبولوجيا الحديثة، أولت علاقات الإنتاج أهمية قصوى، إذ ردّت كل مجتمع إلى درجة من درجات التطور التقني والاقتصادي، وفي مرحلة الثورة الصناعية، صار معيار التقدم، يقاس بدرجة التطور التقني. إن مبدأ وحدة الجنس البشري – كما يرى مورجان رائد المدرسة التطورية – أساسه عالمية المعرفة التقنية، إنها نفسها ما ساعد البشر على ابتكار الأدوات نفسها، والأواني نفسها، عندما يخضعون للعلاقات نفسها، وما يساعده أيضاً على اختراع الشبكات الاجتماعية نفسها، وتطويرها انطلاقاً من المفاهيم الأولية نفسها، هكذا يترك كل من النمو والتقدم،  بصماته على مختلف جوانب الحياة الاجتماعية.[xxi]

أما دوركهايم، فقد وقف موقفاً متعارضاً مع نظرية التطورية الثقافية الّتي تنظر للثقافة باعتبارها نمو تطوري واحد يشمل البشري بأسرها. فتبنى ما يسمى ” النسبية الثقافية ” مؤكداً على أنه ما من دافع للاعتقاد أن مختلف أنواع الشعوب تتبع الاتجاه ذاته، فمنها من يتخذ لنفسه سبل أكثر تنوعاً، وبالتالي علينا أن نرسم التطور الإنساني لا على شكل خط تتنضد على مساره المجتمعات بعضها خلف بعض كما لو كان الأكثر تقدماً ليس إلا تكملة للأكثر بدائية. بل على هيئة شجرة متعددة أغصانها ومتفرعة، ويرى أنه ما من دليل على أن حضارة الغد لن تكون إلا امتداداً للحضارة الّتي يُظن اليوم أنها الأرقى، فمن المحتمل، على العكس من ذلك، أن يكون بناتها شعوباً نعتبرها أدنى من غيرها. [xxii] و بالتالي لا يوجد تصور موحد لثقافة واحدة، بل تنوعات ثقافية حضارية تفرضها النماذج الجمعية الخاصة بكل جماعة والمتعالية على الأفراد، وهو ما يسميه ” الوعي الجمعي ” الّذي يتشكل من التمثلات الاجتماعية والمثل والقيم والمشاعر المشتركة بين أعضاء المجتمع المعني، هذا الوعي يسبق الفرد و ُفرض عليه لأنه غير محدد و أكثر تعقيداً، وهو الّذي يحقق وحدة المجتمع وتماسكه. كذلك يرى دوركهايم أن الجماعة تفكر وتسلك و تتعامل بشكل مختلف تماماً عن الأفراد الّتي تكونها إذا كانوا منفردين. فالتجمع يؤدي إلى إنتاج كائن جديد. إنه ” الثّقافة ” الّذي يسميها دوركهايم (الوعي الجمعي) .[xxiii] وعلى ذلك يكون المجتمع (ككيان كلي معنوي قائم بذاته و منفصل عن الذوات الفردية الّتي تكونه) يمثل غاية سامية بالنسبة للمشاعر الفردية، ذلك لأنه في حقيقة الأمر، يحيط بالفرد من كل جانب. وهو أيضاً يفوقه بالمعنى المادي لأنه نتيجة لاندماج كل القوى الفردية. ولكن هذه الجسامة المادية، قد لا تكون وحدها بالأمر الكافي، فالكون هو أيضاً من هذه الجهة، يتفوق على الفرد تفوقاً ساحقاً، ولكن الكون من حيث هو كذلك ليس أمراً معنوياً. أما المجتمع فهو شيء غير القوة المادية بمفردها، إنه قوة معنوية كذلك، وهكذا يتفوق المجتمع على الفرد من الناحيتين المادية والمعنوية معاً.[xxiv] فتغدو العناصر الثقافية الّتي تشكل الحضارة، وفقاً لذلك، ترجع في طبيعتها إلى عمل اجتماعي بأساسه تتوارثه الأجيال.

أما إدغار موران، فيرى أن الثّقافة تتكون من مجمل العادات، والتقاليد، والممارسات والمهارات والمعارف والقواعد والمعايير والمحرمات، والاستراتيجيات، والمعتقدات والقيم والأفكار والأساطير الّتي تستمر من جيل إلى جيل، ويستعيدها كل فرد، وتولد التعقيد الاجتماعي وتجدده، وتجمع الثّقافة في داخلها ما هو محفوظ ومنقول ومكتوب، وتتضمن مبادئ الاكتساب، ومناهج الفعل. فالثّقافة، أول رأس مال إنساني، وبدونها يصبح الكائن البشري من اللبونات الدنيا في آخر السلّم. وفي كل مجتمع، تتم المحافظة على الثّقافة، وتغذيتها وصونها وتجديدها، وإلا ستكون مهددة بالزوال، والتبديد، والتهديم. [xxv]

وقد عرف ليفي شتراوس الثّقافة بأنها: مجموع أنساق (بنى) رمزية تتصدرها اللغة وقواعد التزاوج والعلاقات الاقتصادية والفن والعلم والدين، وهي أنساق تهدف إلى التعبير عن بعض أوجه الحقيقة الطبيعية والاجتماعية، كما تهدف إلى التعبير عن العلاقات الّتي ترتبط بها الأنساق الرمزية ذاتها مع بعضها البعض.[xxvi] وبالتالي أعطى الثّقافة طابع البنية المجردة الكامنة وراء الأنساق الاجتماعية الواقعية الملاحظة.

ويعرف أورلاند باترسون الثّقافة بأنها: ” رصيد من الأفكار تنتقل اجتماعياً وتتولد عبر الأجيال عن كيفية العيش وإصدار الأحكام سواء عامة أم فيما يتعلق بمجالات محددة ومميزة للحياة، إنها منظومة معلومات ذات مستويات متباينة من الخصوصية، فهي عند أحد المستويات عامة كأنها إطار من أفكار عن الأساليب الّتي تعرض بها الذات نفسها في نطاق عام، وهي على مستوى آخر منظومة معلومات صغرى تصف أقل وسيلة لصناعة أطعمة يشتهر بها المجال الخاص بمجتمع محدد .[xxvii]

أما “بارسونز – متابعاً ماكس فيبر-  فيطور مفهوماً عن الثّقافة بوصفه نظاماً من الرموز – الوظيفية – الّتي يضفي من خلالها الإنسان معنى على تجربته. إن أنظمة الرموز، وهي تتصف بأنها من صنع الإنسان ومشتركة ومتعارف عليها، ومنظمة، وتقتبس بالاكتساب من خلال التعلم، تقدم للبشر إطاراً ذا معنى يحددون بواسطته موضعهم وتوجههم تجاه بعضهم، وتجاه العالم الّذي يحيط بهم، وتجاه أنفسهم، وأنظمة الرموز هي في الوقت ذاته ناتجة عن التفاعل الاجتماعي، وهي عنصر حاسم في تحديدها، وبذلك فإن موقعها بالنسبة إلى عملية الحياة الاجتماعية يشبه موقع البرنامج الكمبيوتري بالنسبة لعملياته، أو اللولب الجيني الوراثي بالنسبة لتطور الكائن الحي، أو موقع المدونة الموسيقية بالنسبة للأداء السيمفوني … [xxviii]

من خلال التعريفات المختلفة للثقافة، يمكن التمييز بين ثلاثة مفاهيم:

  1. التحيزات الثقافية: و تشير إلى القيم و المعتقدات المشتركة.
  2. العلاقات الاجتماعية:  وتعرف بأنها أنماط العلاقات الشخصية بين الأفراد.
  3. أنماط الحياة: إن استمرارية نمط الحياة تعتمد على وجود علاقة تساندية متبادلة، بين تحيز ثقافي معين، ونمط محدد للعلاقات الاجتماعية، فأي تغيير في طريقة إدراك الفرد للطبيعة المادية والإنسانية على سبيل المثال، يؤدي إلى تغيير في مدى السلوك الّذي يستطيع الفرد تبرير عيشه فيها، إن القيم المشتركة و المعتقدات، لا تتلاقى بشكل عشوائي، وإنما هي مرتبطة دائماً، بالعلاقات الاجتماعية الّتي تساعد على إضفاء الشرعية عليها.[xxix] والملاحظ أن البشر الأوائل الّذين يشاركون جميعاً في أداء طقوس وشعائر سحرية – دينية ، إنما يفعلون هذا تحديداً ليغرسوا الإيمان بعوالم أخرى خيالية . وتعتبر التمثيلات الذهنية لمثل هذه الخيالات أكثر من كونها ظاهرة مصاحبة، إنها محورية في سبيل تأمين التسليم المعرفي بالقواعد التعاقدية غير الملموسة والانحياز إليها. إذ إنها هي الّتي تدعم وتعزز التعاون داخل الجماعات الاجتماعية البشرية. ومع التسليم بالطبيعة التعاونية والمشتركة المميزة للطقوس والشعائر الّتي تهدف إلى توليد مثل هذه الأوهام . يصبح بالإمكان وسم “الخداعات” الناجمة عن ذلك بأنها ” خداعات جمعية ” بما يتطابق مع فكرة دوركهايم الكلاسيكية عن ” التمثيلات الذهنية الجمعية “.[xxx]

وعليه تمثل الثّقافة النطاق المشترك لمفاهيم الوعي واللاوعي المكتسبة، وللمشاعر المرتبطة بها، تلك الّتي تتوضع في نفسية الأفراد الداخلية، المؤسسات الاجتماعية – الاقتصادية – السياسية، للفئة الثقافية، وممارساتها العامة، ونتائجها.[xxxi]

التّفسير الاجتماعي للثّقافة

تشمل الثّقافة، كمفهوم سوسيولوجي، كل ما في البعد الأدبي والتراثي والمسرحي والفني، كما تشمل البعد الأنثروبولوجي الّذي يطال الأدب والفن، ويطال حقل التعابير الّتي نطلق عليها عادة صفة “اجتماعية” الّتي تميز جماعة بشرية معينة، كالتقاليد والعادات والاحتفالات على أنواعها، ومسالك التعبير وتقاليد الطبخ وأشكال اللباس، فضلاً عن التصورات والأساطير والمعتقدات. وما ولدته هذه التعابير من استعدادات نتهيأ بها لمجابهة مواقف المستقبل، ونهيئ من هم حولنا لاقتباسها وممارسة تعابيرها المختلفة. فالثّقافة وفق ذلك المنظور، هي ماض، كما هي حاضر ومستقبل، أي في كل ثقافة شقاً موروثاً وسلفياً، و شقاً آخر يكتسبه الخلف بالقوة من الأنماط الثقافية السائدة والمؤسسات الّتي تقوم بإنتاج وإعادة إنتاج شروط الإنتاج الثقافي .[xxxii]

وقد ظهر لفظ (ثقافة) أواخر القرن الثالث عشر، وهو متحدر من الأصل اللاتيني ( cultura) الّتي تشير إلى الطقوس الدينية، بالإضافة إلى العناية الموكلة للحقل والماشية، وذلك للإشارة إلى قسمة الأرض المحروثة. وفي بداية القرن السادس عشر، كفّت الكلمة عن الدلالة على حالة الشيء المحروث، لتدل على فعل فلاحة الأرض، ولم يتكون المعنى المجازي إلا في منتصف القرن السادس عشر، إذ بات ممكناً أن تشير كلمة ثقافة حينذاك، إلى تطوير كفاءة، أي الانشغال بإنمائها، لكن هذا المعنى ظل غير دارج حتى منتصف القرن السابع عشر. وقد اكتسبت كلمة ثقافة معناها الفكري في أوروبا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، إذ بدأت كلمة “ثقافة” تفرض نفسها في معناها المجازي (من فلاحة الأرض وتطويرها إلى ثقافة الفكر) وبهذا المعنى تم إدراجها في قاموس الأكاديمية الفرنسية، ومن ثم، وتدريجياً، تحررت الثّقافة من متمماتها المضافة وانتهت إلى استعمالها منفردة للتدليل على تكوين الفكر وتربيته، فانتقلت من فعل التعلم، إلى وصف لحال الفكر وقد أخصبه التعليم، حال الفرد ذي الثّقافة. ليتضح مفهوم الثقافي كمقابل لمفهوم الطبيعة.[xxxiii] فالكلمة الفرنسية الّتي كانت تعني في القرون الوسطى “الطقوس الدينية” أصبحت في القرن السابع عشر كانت تعبر عن “فلاحة الأرض”، وفي القرن الثامن عشر اتخذت منحى يعبر عن التكوين الفكري عموماً، والتقدم الفكري للشخص خاصة، وعما يتطلبه ذلك من عمل، وما ينتج عن ذلك من تطبيقات. وفي الوقت الّذي تشمل فيه قواميس اللغة الإنكليزية جميعها على تعاريف سوسيولوجية أو أنثروبولوجية للثقافة تكون غالباً شديدة الوضوح، فإن نظير ذلك لم يكن متوفراً في القواميس الفرنسية، لتأثر علم الاجتماع الفرنسي بمصطلحات دوركهايم الّذي لم يستخدم كثيراً هذا المصطلح. ولم يصبح مصطلح الثّقافة شعبياً في فرنسا إلا بفضل الجيل الجديد من علماء الاجتماع الفرنسيين بعد الحرب العالمية الثانية وبتأثير من علم الاجتماع الأميركي .[xxxiv]

وانتقال الكلمة إلى الألمانية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، أكسبها لأول مرة مضموناً جماعياً، فقد أصبحت تدل بخاصة على التقدم الفكري الّذي يتحصل عليه الشخص أو المجموعات الإنسانية بصفة عامة. أما الجانب المادي في حياة الأشخاص والمجتمعات فقد أفردت له الألمانية كلمة “حضارة”. وقد دخل على المصطلح تحول آخر مع انتقاله إلى الإنكليزية، لا سيما في الأنثروبولوجيا، وتحديداً مع تايلور صاحب أشهر تعريف للثقافة، وقد وصلت الأنثروبولوجيا في الولايات المتحدة إلى الحد الّذي عرّفت فيه نفسها كعلم للثقافة.

وقد أدى تطور الدراسات الاجتماعية و الأنثروبولوجية في دراسة التثاقف، إلى إعادة النظر في مفهوم الثّقافة، فأصبحت الثّقافة تُفهم على أنها كل ميكانيكي متجانس (لكن في غير كمال أبداً) ومنسجم، إلى هذا الحد أو ذاك. إذ يؤكد دوركهايم أن المجتمع أولاً وقبل كل شيء، مجموعة من الأفكار والمعتقدات، والمشاعر المتنوعة، وما المجتمع في حقيقته إلا جذوة من النشاط الفكري والأخلاقي، ومن الأفعال وردود الأفعال الّتي يتبادلها الأفراد فيما بينهم حيث تنشأ حياة ذهنية جديدة، تنفل مشاعرنا إلى عالم، ما كان ليدور في خاطرنا أية فكرة عنه لو كنا نحيا حياتنا كأفراد منعزلين.[xxxv] لكن العناصر المكونة لثقافة ما لا تكون تامة الاندماج بعضها في بعض، أبداً، لأنها تنحدر من منابع متباينة في المكان والزمان. بتعبير آخر، ثمة فرجة في النسق، وخاصة أن الأمر يتعلق بنسق بالغ التعقيد. هذه الفرجة هي الفجوة الّتي تتسلل منها حرية الأفراد والمجموعات لمعالجة الثّقافة.[xxxvi]

وقد بقيت الأنثروبولوجيا حتى ليفي شتراوس، تقابل بين الطبيعي والثقافي، فكان الأهم دائماً هو الطريقة الّتي يستجيب بها الإنسان للحاجات الأولية، هذه الطريقة هي “الإجابة الثقافية” بحد ذاتها، فليس هناك ثقافة إلا بعد تجاوز الطبيعة، لذلك فالمهم هو التجاوز والمرور من الطبيعة إلى الثّقافة. ووسائل المرور كثيرة ومتنوعة أهمها اللغة كوسيلة للتواصل، إذ أصبح العامل البيولوجي شيئاً ثانوياً بالنسبة إلى علم الثّقافة. ولعل أوضح مثال بنيوي لهذا المرور من الطبيعة إلى الثّقافة، هو مثال المثلث الطبخي الّذي قدمه ليفي شتراوس، كنموذج ينتقل فيه النيئ إما إلى مطبوخ ثقافياً، وإما إلى متعفن طبيعياً، وبالتالي تمثل عملية الطبخ نشاطاً وسيطاً بين الطبيعي والثقافي.[xxxvii] إن الثّقافة وفق ذلك، تؤول الطبيعة وتحولّها. حتى الوظائف الحيوية تزودها الثّقافة بمعلوماتها: الأكل – النوم – التزاوج – السباحة ….. كل ممارسات الجسد. و قد تحدث العالم الاجتماعي مارسيل موس في دراسته عن تقنيات الجسد: نحن لا نجلس ونضطجع ولا نمشي ونشرب بالطريقة ذاتها من ثقافة إلى أخرى، فلا يمكن معاينة الطبيعة لدى الكائن البشري إلا وقد حولتها الثّقافة. [xxxviii]

وفي المقابل، كان هناك تيار أميركي عارض الفصل التجريدي بين الفرد كفاعل اجتماعي، والسمات الثقافية الّتي تحدد المنظومة الاجتماعية الّتي يحيا فيها. وكان عالم الاجتماع إدوارد سابير من أوائل من أسف لسلبية ما مثلته محاولات إعادة تركيب انتشار السمات الثقافية من إفقار للواقع. إن ما هو موجود، بالنسبة إليه، ليس عناصر ثقافية تنتقل، كما هي، من ثقافة إلى أخرى، في استقلال عن الأفراد، بل تصرفات أفراد ملموسة خاصة بكل ثقافة بإمكانها أن تفسّر هذا الافتراض الثقافي المعين أو ذاك.[xxxix] و هو ما عُرف بتيار “الثّقافة و الشخصية” الّذي استند في بعض أسسه إلى نتائج التحليل النفسي مع رد أصولها إلى المعطى الثقافي . و بالتالي، ووفقاً لهذا الاتجاه، لا تُعرف الثّقافة إلا من خلال الناس الّذين يعيشونها، ذلك أن الفرد والثّقافة يتصوران على أنهما حقيقتان متميزتان، ولكنهما لا ينفصلان، بل تفعل الواحدة منهما في الثانية بحيث لا يمكن أن نفهم إحداهما إلا في علاقتها بالأخرى. وعلى ذلك فإن أي فرد، ولكونه شخصاً ذا سمات متفردة (حتى و لو كانت نفسيته قد أستدمجت إلى حد كبير في الشخصية الأساسية “الاجتماعية”) وبوصفه كائناً بشرياً ذا استعداد أساسي للخلق والتجديد، يساهم في تغيير ثقافته بطريقة غير قابلة للإدراك، في الغالب، وبالتالي في تغيير الشخصية الأساسية “الاجتماعية”. بمعنى آخر: لكل فرد طريقته الخاصة في استبطان ثقافته وعيشها، منطبعاً بها بالغ الانطباع. إن تراكم التنويعات الفردية الخاصة باستبطان الثّقافة وعيشها، انطلاقاً من الموضوع المشترك الّذي تمثله الشخصية الأساسية، يمكّن من تفسير تطور الثّقافة الداخلي الّذي يتم غالباً، في إيقاع بطيء.[xl]

وفي الواقع فإن إحدى الطرق النافعة للتمييز بين الثّقافة والنظام الاجتماعي، هي في النظر إلى الأولى باعتبارها نظاماً مرتباً من المعاني والرموز، يتم بواسطتها التفاعل الاجتماعي، والنظر إلى الثاني بوصفه نمط هذا التفاعل الاجتماعي ذاته. فعلى المستوى الأول هناك إطار العقائد والرموز المعبرة والقيم الّتي يحدد بواسطتها الأفراد معالم العالم الّذي يعيشون فيه، ويعبرون عن مشاعرهم ويطلقون أحكامهم. وعلى المستوى الثاني هناك العملية المستمرة للسلوك التفاعلي، الّتي نطلق على شكلها الثابت اسم البنية الاجتماعية. بذلك تغدو الثّقافة نسيج المعنى الّذي بواسطته يؤول البشر تجاربهم ويسددون أفعالهم. أما البنية الاجتماعية فهي الشكل الّذي يتخذه هذا الفعل، أي هو الشبكة من العلاقات الاجتماعية القائمة فعلياً. و بالتالي تغدو الثّقافة والبنية الاجتماعية تجريدين للظاهرة ذاتها، فينظر أحدهما إلى الفعل الاجتماعي من زاوية معزى العمل بالنسبة إلى الّذين يقومون به، بينما ينظر إليه الآخر من خلال ما يقدمه إلى نظام اجتماعي معين. [xli]

المعنى البيوسوسيولوجي للثقافة

ترث الكائنات الحية بيئاتها بقدر ما ترث الجينوم الوراثي الخاص بنوعها. السمك مهيأ للحياة والأداء داخل الماء، والنمل مهيأ للحياة و الأداء داخل كثيبات الرمل . كذلك البشر مهيؤون للعمل في بيئة اجتماعية من نوع خاص، وبدونها لن ينمو صغارهم بشكل سوي اجتماعياً أو معرفياً. وإن هذا النوع من البيئة الاجتماعية هي ما نسميه “ثقافة” الّتي هي الموطن الملائم للتطور الفردي الّذي ينفرد به النوع ويعتبر نمطاً مميزاً له. [xlii] لذلك نرى أن الثّقافة البشرية هي حدث فريد. نعم هناك أنواع أخرى، كالشمبانزي، تكشف عن تباينات منظومية على مدى سلسلة طويلة من السلوكيات، توحي بوجود قدرة وثيقة الصلة بالثّقافة الّتي يمكن وصفها بالبدائية أو الأولية، ولكن خصائص الثّقافة البشرية، كمشاركة كل أعضاء الجماعة تقريباً في المهارات والقيم والمعتقدات و التعديل الدائم والمتراكم للممارسات والمعارف على مدى العديد من الأجيال، غير موجود لدى الأنواع الأخرى.

ويقال أن العقل المميز للبشر تطور باتجاه التكيف ليس مع الظروف الراهنة، بل مع حياة ضمت الجماعات الّتي عاشت فيما قبل التاريخ على القنص وجمع الثمار في علاقة مباشرة وجهاً لوجه مع بعضهم البعض داخل روابط تعاونية صغيرة النطاق. وترتبت على هذا نتيجة واضحة وهي أن النفس البشرية يمكن أن تكون غير متكيفة مع ظروف الحياة التنافسية في المجتمعات الغربية الحديثة الّتي غالباً ما تكون ظروفاً ضاغطة.[xliii] إن التعاون بين البشر يتضمن شبكة واسعة من الأفراد و تنوعا في السلوك يتفوق على أي نوع من الرئيسيات الأخرى. نحن نطور شبكة تعاون واسعة النطاق تتضمن الأقارب وغير الأقارب. وتتجاوز حدود العمر والجنس. إن شبكتنا من الأصدقاء والأقارب كبيرة جداً حتى أن العالم الاجتماعي “دوبنار” يؤكد أن أمخاخنا الكبيرة الحجم إنما تطورت لتساعدنا على الوعي بتسلسل هذه العلاقات. والجهاز العصبي لدى الإنسان يتطلب جرياناً مستمراً نسبياً للمثيرات البيئية، وهذا يكون شرطاً مسبقاً للكفاءة بالأداء. إن دماغ الإنسان لا يشبه آلة حاسبة تعمل بمحرك كهربائي يمكنها أن تبقى خاملة من دون إدخال معطيات جديدة لمدة غير محددة، بل هو يجب أن يُحافظ عليه طافئاً وعاملاً عن طريق إدخال معطيات منوعة باستمرار على الأقل خلال ساعات اليقظة، هذا إذا أردنا له أن يعمل بشكل فاعل.[xliv]

وإننا نستخدم اللغة كطريقة فعّالة لتشكيل روابط اجتماعية والحفاظ عليها. ويمكن أن تكون اللغة حقيقة واحدة من بين عدد من الآليات المعرفية الّتي طورناها لنسوس بها العلاقات التعاونية المعقدة الّتي تفترض عبئاً معرفياً يتضمن رصد عدد كبير من العلاقات وتحديد متى يكون التعاون، أو من الّذي من المحتمل أن يخدع، أو ما هو أفضل وقت لخداع شخص آخر.[xlv]

ومن المنظور الاجتماعي التطوري، يمكن للأفكار أن تنسخ نفسها عبر العقول، تماماً كما الجينات تنسخ نفسها بيولوجيا. على سبيل المثال: المزحة الجيدة ناسخة لأنها حين تقطن عقل شخص ما، تميل إلى جعله يقصها على غيره وبذلك تضمن استمراريتها بحيث تنسخ نفسها في عقول الأفراد، وقد ابتكر العلم البيولوجي “ريتشارد دوكنز” مصطلح “الميمات” للإشارة إلى الأفكار الّتي تنسخ نفسها، تماماً كالجينات الأفضل الّتي تنسخ نفسها على صعيد التطور البيولوجي. وعليه، تعني الميمة وفق بعض دارسي علم الاجتماع التطوري تمثيلاً رمزياً لأي حالة لشئون ما، والميمات حسب هذا المعنى، باطنية، حادثة داخل العقل، أو خارجية، تتجسد أو تتحقق في موضوع خارجي (غير ذهني). تتوضح الميمات الخارجية من خلال النشاطات الّتي يمكن الوصول إليها مباشرة (مشغولات فنية – منتجات – سلوك ..) والتحقق الخارجي لميمة هو النشاط المتضمن في إنتاج الموضوعات وأداء السلوك المجسد للميمات. أما الميمات الداخلية فهي أكثر تعقيداً وهي تتكافأ عادة مع المفاهيم المتناقلة. إن كل الأفكار طويلة الأمد تقريباً: كاللغات، والنظريات العلمية، والعقائد الدينية، والأعراف الاجتماعية، والقيم الثقافية الثابتة … هي ميمات. يقص الناس القصص المسلية بعضهم على بعض، منها الخيالي ومنها الحقيقي. إنها ليست نكاتاً، ولكن بعضها يصير “ميمات” أي قصصاً شائقة بالقدر الكافي لجعل سامعيها يرددونها على مسامع الآخرين، وبعض هؤلاء يرددونها بدورهم، لكنهم نادراً ما يتناقلونها على نحو حرفي، فلا يحتفظون بكل تفصيلة في محتواها، ومن هنا تسرد للوجود نسخ مختلفة من القصة الدارجة، وبالتأكيد سيُردد بعض هذه النسخ أكثر من غيره، لأن الناس يجدونه مسلياً، وعندما يصبح هذا هو السبب الرئيسي لترديد هذه النسخ، تصبح النسخ اللاحقة المتداولة أكثر تسلية. وهكذا نجد الظروف مواتية للتطور، دورات متكررة من النسخ غير المتقن للمعلومات يبادل بينها بالانتقاء، فتصبح القصة مع الوقت مسلية بالقدر الكافي لإضحاك الناس، فتكون نكتة واضحة المعالم قد تطورت. من الميمات الألحان والأفكار والشعارات والأزياء وطرق صنع الأواني وبناء القناطر…. وكما تنتشر الجينات في الجمعية الجينية عبر القفز من جسد إلى آخر بواسطة الحيوانات المنوية أو البيوض، تنتشر الميمات في الجمعية الميمية عبر القفز من دماغ إلى آخر بواسطة مسار يمكن تسميته بالمعنى الواسع “التقليد”. فعلى سبيل المثال: قد يقرأ العالم أو يسمع عن فكرة جيدة، فيعمد إلى نقلها إلى طلابه وزملائه، و يذكرها في محاضراته ومقالاته. وإن لقيت الفكرة النجاح، أمكن القول أنها تنتشر وتنتشر من دماغ إلى آخر، فالميمة هنا أشبه ببُنى حية – بالمعنى المجازي التقني- وعندما تزرع ميماً خصباً في عقلي، تتطفل على دماغي وتحوله إلى وسيلة لنقل الميم، تماماً كما تتطفل جرثومة على الآلية الجينية للخلية المضيفة. فميم الإيمان بالحياة بعد الموت على سبيل المثال، يتحقق مادياً ملايين المرات كبنية في الأجهزة العصبية للأفراد من البشر في جميع أنحاء العالم.[xlvi] الميم هنا أشبه بتصور اللاشعور الجمعي المتوارث جماعياً وفق التصور اليونغي والفرويدي. والواقع أن هناك أنواع قليلة، من بينها كثير من الفقاريات، طورت لديها القدرة على التعلم من أفراد آخرين، ونقل بعض معارفها إلى آخرين. ويمكن اعتبار هذه المعرفة الّتي تم تعلمها اجتماعيا ً “ميمة” أو ” مركباً ميمياً “. وقد تيسرت هذه القدرة لدى البشر على التعلم من آخرين بفضل طائفة أخرى من العمليات (كاللغة والمعرفة المركبة) الّتي تشكل في مجموعها أساساً جمعياً للثقافة.[xlvii]و معظم الأفكار ليست ناسخات، فهي لا تجعلنا ننقلها للآخرين.

والآلية الّتي تعمل فيها تطور الميمات هي أن الناس الأفضل في القدرة على المحاكاة (وبالتالي نسخ الميمات) لهم ميزة على سواهم لأنهم الأقدر على أن يكتسبوا بسهولة المهارات أو أي مصنوعات فنية جديدة ومفيدة، والأقدر كذلك بسهولة على تجميع الميمات القديمة معاً لإنتاج ميمات جديدة، بحيث نسمى هؤلاء “منابع الميمات”. وطالما توفر أساس “جيني” وراثي لما جعل منهم منابع الميمات في أول الأمر، فإن الجينات الداعمة للمحاكاة والنسخ الميمي، سوف تنزع إلى الانتشار (وفق التصور الدارويني المألوف).[xlviii] وبالتالي فإن الميمات الّتي تنجح في مضمار المنافسة الميمية تغير البيئة الّتي انتخبت فيها الجينات، وهذا يغير من طبيعة التطور الجيني نفسه. وبالتالي التطور الثقافي قد يغير طبيعة التطور البيولوجي وآلياته. لنأخذ مثال متعلق بميمة الفكر الديني، إن ميم “الرب” هو بالفعل مجموعة ميمات، تطورت عبر حوالي ألف سنة في تنافس مع مجموعة ميمات تعدد الآلهة. وافق علماء الأنثروبولوجيا طويلاً على أن الدين الإنساني بدأ كتوحيد بين عبادة السلف وعبادة روح الطبيعة. ومنه تطورت فكرة تعدد الآلهة، وقد أتى التوحيد إلى المشهد فيما بعد، من وجهة نظر نظرية الميمات، تطور التوحيد ليحل محل التعدد ليس بسبب أي قيمة حق، لكن ببساطة لأنه كان أكثر نجاحاً في الانتشار من عقل إلى عقل آخر،[xlix] ثم انتقل عبر موجات تطورية وبائية ثقافية. يقول دوكنز: ” ما لم نضعه في اعتبارنا من قبل هو الخصلة الثقافية قد تكون تطورت بالطريقة الّتي تطورت بها، لأنها ببساطة نافعة لنفسها “.[l] ويضيف قائلاً: “الواقع أنه يمكن اختصار معظم ما يُعتبر غير اعتيادي في ما يتعلق بالإنسان، بكلمة واحدة هي “الثّقافة”. وأشير إلى أنني لا أستخدم هذه الكلمة بمعناها الصلف وإنما بالمعنى الّذي يستخدمه رجل العلم، والجدير ذكره أن الانتقال الثقافي يشبه الانتقال الجيني من حيث أنه قد ينشأ  كشكل من أشكال التطور

  • وعليه يمكن النظر إلى الميمات باعتبارها متكاثرة (وحدات التكاثر، مثل الجينات)، أو الميمات باعتبارها فيروسات العقل (مثل فيروسات الدنا والرنا). ومثل الجينات، تسلك الميمات كما لو أنها أنانية، وأنانية هنا لا يقصد منها المعنى الحرفي القصدي، بل معنى الأنانية هنا استعاري وحسب، أي أن الميمات، كالجينات، تسلك كما لو كان هدفها الوحيد هو إنتاج المزيد والمزيد من نسخ من نفسها . إذا عرفنا أن الجينات والميمات هي فقط وحدات بالفعل من المعلومات يتم حملها في حوامل مختلفة تماماً، قد نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بالقول أنه في وجود أو طبيعة المعلومات أن تنشر نفسها.

    والفكرة الّتي نصل إليها هنا، هي أننا عندما نموت يمكننا أن نخلف وراءنا شيئين هما الجينات والميمات، فقد بٌنينا كآلات جينية و أوجدنا لننقل جيناتنا. لكن هذا الجانب منا سيصبح منسياً بعد ثلاثة أجيال. فابنك أو حتى ابن حفيدك قد يشبهك، ربما في بعض ملامح الوجه أو موهبته الموسيقية أو لون شعره. لكن مع مرور كل جيل، تتناقص جيناتك إلى النصف. ولن يمر وقت طويل قبل أن تصبح النسبة زهيدة جداً، فقد تكون جيناتنا خالدة، لكن مجموعة الجينات الّتي تشكل كل واحد منّا محكومة بالتلاشي، فلا يُفترض بنا أن نبحث عن الخلود في التوالد. لكن إن أنت ساهمت في ثقافة العالم، كأن طورت فكرة جيدة أو ألفت لحناً موسيقياً، أو كتبت قصيدة … فقد يبقى إنجازك على حاله بعد مرور وقت طويل على ذوبان جيناتك في الجمعية المشتركة. فربما لا يشتمل عالمنا اليوم على جينة حية أو اثنتين من جينات سقراط، ولكن من عساه يكترث؟ فالمركبات الميمية الخاصة بسقراط ودافنشي وكوبرنيكوس ونيوتن وفرويد … لا تزال تنتشر بقوة. لقد بُنينا كآلات جينية، وتثقفنا كآلات ميمية. [lii]

    التّمايز الاجتماعي والتّمايز الثقافي:

    إنّ دراسة الثّقافة، مهما كان تعريفها، يبرز بذاتها حقيقة تفردها، فالثقافات وفق هذا التصور تتنوع بتنوع الأمم، الجماعات العرقية، الشركات، والنوادي، وسائر التجمعات الأخرى بين الناس، بطريقة مختلفة ولو قليلاً عن غيرها، وتستخدم رموزاً متباينة إلى حد ما، فالثّقافة الفرنسية، مختلفة عن الثّقافة البريطانية، كذلك تختلف ثقافة شركة أودي، عن فورد، وعن تويوتا، لكن وبالرغم من أن للأمم و جماعات الجيرة، والقبائل، والأجناس، أنظمة متميزة من القيم، والعادات والمعتقدات، فإنه من الممكن حصر قناعاتهم حول الحياة، في عدد قليل من التحيزات الثقافية.[liii] والتوصيف الاجتماعي لمفهوم أو ظاهرة اجتماعية هو الّذي يكسبها طابعها الثقافي المميز، لكن هذا أيضاً قد يعزلها عن أصلها الوظيفي الّذي كانت تضطلع به. ولئن كان لمفهومي “ثقافة” و”هوية ثقافية” مصير مترابط إلى حد كبير، فإنه لا يمكن المطابقة بينهما دون قيد أو شرط. إذ يمكن للثقافة عند الاقتضاء، أن تكون من دون وعي هوياتي، في حين يمكن للاستراتيجيات الهوياتية أن تعالِج، بل وأن تعدّل ثقافة ما، بحيث لا يبقى لها الشيء الكثير مما تشترك فيه مع ما كانت عليه قبل. إن الثّقافة تخضع إلى حد كبير، لصيرورات لاواعية، أما الهوية فتحيل على معيار انتماء واع.[liv] مثلاً: فكرة الفن ليست مجرد اختراع حديث، بل هي اختراع غربي أيضاً. فالمجتمعات خارج الغرب لا تعرف الفئات الغربية المعاصرة لكل من “الفن” و” الفنان” و”العمل الفني”، ومن ثم فهي لا تملك بالمعنى الدقيق فناً، فالمجتمعات الغربية المعاصرة هي فقط بالتالي الّتي لديها “فن” لأن هذه المجتمعات وحدها هي الّتي تستخدم فئة “الفن ” نفسه  . واليوم عندما تعرض أشياء ثقافية من مجتمع غير غربي – كرسومات أبناء أستراليا الأصليين، أو غطاء الرأس للسكان الأميركيين الأصليين – في المتاحف الغربية على أنها ” فن ” فإن هذه الأغراض قد مرت بعملية إعادة تفسير منظمة بالنسبة إلى قيمتها ووظيفتها، بشكل مغاير لطريقة فهمها في سياقها الاجتماعي الأصلي، حيث أن هذه الأشياء في الأصل كان ينظر إليها من قيل الشعب الّذي صنعها و استخدمها كقطع ذات مغزى ديني أو احتفالي. أما عندما يطلق عليها التصنيف الغربي “فن” في سياق متحفي، فإنها بذلك تفقد معناها ووظيفتها الثقافية حيث أعيد تعريفها من وجهة النظر الغربية، وهذا يبين لنا أن الفن المعروض في المتاحف، وطرق عرضها وتقديمها ليست محايدة أبداً.[lv]

    إن الاختلافات الكبيرة والشاسعة بين البشر، في المعتقدات والقيم، وفي العادات والأعراف، وفي الزمان والمكان على حد سواء، لا تحمل أي أهمية في عملية تحديد طبيعة الإنسان، وما هي إلا تراكمات، بل تشويهات، تتنامى وتغطي وتُبهم الطبيعة الحقيقية للإنسان – أي الجوانب الثابتة والعامة والشاملة فيه.[lvi]  ورغم ذلك، لا توجد ثقافات بمعزل عن العلاقات الاجتماعية الّتي تكون دائماً، علاقات غير متساوية. هكذا إذاً، منذ البدء، هناك تراتب فعلي بين الثقافات (راقية ومنحطة) ينتج عن التراتب الاجتماعي، وإذا كانت كل الثقافات جديرة بالعناية من قبل الباحث، فهذا لا يعني أنها مُعترف لها كلها بالتساوي في القيمة الاجتماعية. وطالما لا توجد ثقافة حقيقية إلا ما كان من إنتاج أفراد أو جماعات يحتلون مواقع غير متساوية في الحقل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فإن ثقافات مختلف الجماعات تلقى نفسها، إلى حد كبير أو صغير، في موقع قوة أو ضعف في علاقة بعضها ببعض، ولكن حتى الأضعف لا يكون أبداً معدوم القدرة، على التأثير ضمن اللعبة الثقافية. إن الحديث عن ثقافة ” مهيمنة ” وأخرى “مهيمن عليها” هي ضرب من المجاز إذ إن ما يوجد واقعاً، هي مجموعة جماعات اجتماعية تربط بينها علاقات هيمنة وتبعية. وبالتالي هناك تأثير ثقافي فعال لا يمكن إغفاله عند التعامل مع أي تنظيم اجتماعي بشري، وعلى سبيل المثال: هناك فرز للأشخاص يقوم على تقييم ومعايير ثقافية بحيث أن هؤلاء الأشخاص يحتلون مراكز معينة في الجماعات المتمايزة، والّذين يحتلون أوضاعهم في البناء الاجتماعي إنما يفرض عليهم القيام بأدوار مرسومة في مواقف التفاعل المتنوعة الّتي يشاركون فيها مع غيرهم من أعضاء نفس الجماعة أو الجماعات الأخرى، هؤلاء الأشخاص إنما تحكمهم معايير محددة هي الّتي تعطي البناء الاجتماعي الّذي ينتظمهم جميعاً نوعاً من الثبات والنظام، وبدون هذه المعايير يصبح التفاعل بين هؤلاء الأشخاص أمراً على درجة عالية من الصعوبة والعفوية والخطورة، وبدونها أيضاً يواجه الأشخاص أعباء ثقيلة فيما بتعلق بعملية اتخاذ القرارات المناسبة في المواقف المختلفة، وذلك لأن تلك المعايير تعتبر بمثابة نوع من الضمان والتحديد الثقافي لتوقعاتنا في المواقف المتنوعة، خاصة المواقف الجديدة الّتي تفتقر إلى الشبيه أو المماثل لخبراتنا.[lvii]

    وهناك موقف عام عند معظمنا، يقوم على معرفة أن الآخرين يشاركوننا معظم خصوصياتنا، لكننا لا نعرف أن هناك خصوصيات كثيرة، نعتبرها شائعة لدى البشرية، هي في الواقع خاصة بعائلتنا، أو مجتمعنا، لكنها ليست على الإطلاق، أجزاء ضرورية في بنيتنا الإنسانية. وإن أحد أكبر الجهود الّتي يبذلها مجتمع في مؤسساته الثقافية والتعليمية، وأفكاره الدينية، هو خلق نمط من الشخصية الّتي تريد أن تفعل ما ينبغي أن تفعله، خلق شخصية ليست على استعداد فقط، بل حريصة أيضاً على القيام بهذا الدور المطلوب في ذلك المجتمع، بطريقة تضمن سلامة عمله. [lviii] وهناك احتمال بأن عملية غرس التقاليد تمت في كل مكان وزمان، ولم تخل حقبة زمنية أو حيز مكاني منها، لكن علينا أن نتوقع حدوث غرس للتقاليد بشكل أكثر كثافة وتكراراً عندما تؤدي سرعة التغيرات والتحول الاجتماعي إلى إضعاف (أو تدمير) الأنماط الاجتماعية الّتي قامت من أجلها التقاليد القديمة، أو ظهور أنماط مجتمعية جديدة لا تنطبق عليها التقاليد القديمة، أو تصبح التقاليد القديمة ومؤسسوها ومروجوها غير قادرين على إبداء المرونة و التكيف. ولما كانت التغيرات الاجتماعية قد أصبحت شديدة الكثافة خلال المائتين سنة الماضية، فقد أصبح من المنطقي أن نتوقع ظهور الكثير من التقاليد الجديدة في هذه الفترة. [lix]

    والأفكار حول الطبيعة، سواء أكانت المادية، أم البشرية، يتم بناؤها اجتماعياً ، فنمط حياة الأفراد، هو الّذي يحدد لهم ما هو طبيعي، وما هو غير طبيعي.[lx] والسجايا متمايزة، شأنها شأن الأوضاع الناجمة عنها. ولكنها أيضاً هي صانعة التمايز، إنها مبادئ موَلِدة ممارسات متميزة ومميزة، فما يأكله العامل، لا سيما طريقة تناوله، والرياضة الّتي يمارسها، وطريقة ممارسته إياها، والآراء السياسية الّتي يعتنقها، وطريقة إعرابه عنها، إنما تختلف اختلافاً منهجياً، عن سبل الاستهلاك، والمناشط المقابلة الّتي عند أرباب العمل الصناعي. ولكنها أيضاً اختزالات تصنيفية ، هي مبادئ رؤية وانقسام، وأذواق وفوارق، بين الجيد والسيئ، الراقي والمبتذل، ولكنها ليست كلها واحدة، وعلى هذا النحو.  فمثلاً السلوك الواحد، أو الخير الواحد، قد يبدو مميزاً لامرئ، وادعائياً لآخر، و منحطاً لثالث.[lxi] لذلك ورغم أن الثّقافة هي من الثوابت في المجتمعات البشرية، إلا أن محتواها لدى أية جماعة بعينها، هو متغير، لهذا السبب، فإن اكتساب الثّقافة في أية جماعة، وكذلك تأثيرها على ممارسات تلك الجماعة، مرتبطان بمحتواها، وبشكل عام، كان علماء الإناسة الأوائل، ينطلقون من نظرة موحدة، هي أن الثّقافة نشأت كرد على الظروف المحيطة، أي بعبارة أخرى، كانت الثّقافة حلاً لمشكلة كيف يمكن للجماعات أن تعيش في الظروف المادية والنفسية الّتي وجدت نفسها فيها، كذلك كانوا ينطلقون من نظرة موحدة، هي أن الممارسات الثقافية، تقوم بدور تكيفي، إذ يمكن أن تبدو ممارسات ثقافية ما، غريبة و ربما شاذة، في عين مراقب غريب عن الثّقافة، لكن من وجهة نظر من هم داخل الثّقافة، يُنظر إليها على أنها تخدم غرض ما.[lxii]

    وعند النظر إلى محاولات التغيير الاجتماعي من الداخل قد يكون العامل الثقافي الموروث،  عامل معيق أكثر مما هو مساعد على تحقيق الأهداف البعيدة المرغوبة لهذا التغير بل قد تعمل دور العقبة كأداء، فمثلاً نجد أن أغلب الجمعيات النسوية تجدد الدعوة إلى المساواة، ولكن ضمن السياق الثقافي الأبوي، وهم بذلك دون أن يدروا يتأثرون ويكرسون المعطى الثقافي العام الّذي يؤكد على الفصل التفوقي للذكر لاعتباره المثل الأعلى الّتي تسعة النساء إلى الاقتداء به والمساواة معه، رغم أن المطلوب يجب أن يكون ليس إلغاء الفوارق لكي تبدو المرأة رجلاً، بل إظهار أن الرجل من حيث هو كذلك، لا يمثل النموذج المثالي النهائي للنوع البشري (بيولوجياً وفكرياً وحضارياً …)، وفي مثل ذلك في كل الجمعيات والمنظمات الأخرى الّتي تنادي بتلك المساواة من منظور ثقافي أحادي (السود والبيض، الدول المتخلفة والمتقدمة ……). فعلى سبيل المثال: نجد أن الترفيه الشعبي، يرشدنا إلى حركة الإمتاع، وشفافية العلاقات الاجتماعية في حالات الكشف عن الذات، من خلال علاقة لطيفة مع الغير، فحين تقول أن الشعب ينتج لنفسه، وبنفسه، أدوات الترفيه عن نفسه، فمعنى ذلك سيسيولوجياً، أن نمطاً اجتماعياً للسلوك الثقافي هو في طور التكوين التحتي باتجاه البنية الثقافية للمجتمع، ومن خلال تطور الأنواع المعرفية، وتحول منظوماتها بتحول المنظومات السياسية الاجتماعية العامة، إن الشعب ينتج في أوقات فراغه، أو بالأحرى، يخرج من دائرة الضرورة إلى رحاب الفراغ والصدفة، والحرية، حيث يعيش مؤقتاً، خارج القوالب والقواعد، والمؤسسات، الّتي أنتجها بنفسه ولنفسه، وهذا الخروج، يتيح للشعب الفرصة الكبرى، لكي يرى نفسه في مرآة مختلفة ، لكي يتأمل وينتقد، لكي يفرح خارج الرتابة والتعقيد الاجتماعيين، فهل معنى ذلك أن الترفيه الشعبي هو ضرورة، نقيض داخلي لنمط المجتمع المؤسس؟ إلى حد ما، ربما. [lxiii] وعندما نناقش جدول التفضيلات البشرية، لا بد أن نأخذ بالحسبان، التصورات الثقافية الضاغطة الّتي تفعل فعلها مع تنوع الثقافات، وفي إطار الثقافات الواحدة، فالغربيون الّذين يقدمون المعونة إلى نيبال مثلاً، قد أفزعتهم رؤية القرويين الفقراء، ينفقون أموالهم ليس على تحسين إنتاجية حقول الأرز لديهم، ولكن على تجديد معبد القرية، وقد افترض مقدموا المعونات (البنك الدولي من خلال برنامج الحاجات الأساسية) أن الحاجة الأساسية للقرويين، هي توفير إمدادات كافية من الأرز، إلا أن الحاجة الأساسية للقرويين، تمثلت في تحسين العلاقة مع معبودهم، إذ يؤكدون أن المرء لا يستطيع شيئاً لزيادة مصدر غذائه دون تلك العلاقة الروحية.[lxiv] الّتي قد تلعب دورها الإيجابي الحقيقي في تحسين أداء العامل نفسه، وقدرته على العمل. كذلك تعرّف بيندكت، الشعور بالخجل، عند اليابانيين والغربيين، حيث يتم التحكم بالأفراد في المجموعة الأولى، من خلال التهديدات الموجهة لسمعة الشخص وشرفه، في حين أن الغرب يعمل بثقافة – الذنب – حيث يتم التحكم بالأفراد فيه، من خلال التحريم الداخلي لانتهاك معيار أخلاقي. كذلك يكون التركيز في اليابان موزعاً بالتساوي على الجوانب الجماعية، وديناميكية الجماعة – حيث الفردية منخفضة القيمة جداً في تلك المجتمعات – وعلى قرارات الإجماع، فيما يكون القادة أشبه بمديرين فعّالين، إذ يتوقع منهم الاهتمام للعلاقات بين أفراد الجماعة الّتي يقودونها، ويكونوا حساسين تجاه مشاعر أتباعهم، وأن يستثيروا الدعم الواسع النطاق للوصول إلى الهدف العام، ومن هنا، فإن الحصول على الاجماع، وليس القدرة على صنع القرار والسيطرة، هو علامة القائد الجيد.[lxv] لذلك يرى ماكس فيبر: أن العالم البشري يختص بوجود مثل عليا متنافسة بصورة لا يمكن اختزالها أو التقليل من حجمها، ولما كان لا يوجد مثل أعلى واحد، أو مجموعة من المثل العليا يمكن بالتحليل العلمي، في أية نقطة من التاريخ، إثبات أنها حق، أو باطل، فلا يمكن أن توجد أية أخلاق عمومية تبنى عليها الثّقافة.[lxvi] و نظراً لأن الإحساس الأساسي للناس بهويتهم، يتجذر بقوة عادة، في مشاعرهم ذات التميز الثقافي، فإن التفاعلات متعددة الثقافات، يمكن أن تكون مشحونة بسوء فهم مفعم بالتوتر، فالناس يشعرون بالإهانة بكل سهولة، لمجرد الإشارة إلى اختلافهم الثقافي، لكن في الوقت نفسه، يحتاج الناس للشعور بأن ثقافتهم متميزة، ومختلفة بالحقيقة. لهذا الشبب يمكن أن يعروا بالمهانة أيضاً إن أشير إلى أنهم غير مختلفين.[lxvii] لذلك ينبغي أن نطلق على سوسيولوجيا المعرفة اسم سوسيولوجيا المعنى، فالّذي يتحدد تحديداً اجتماعياً ليس طبيعة المفهوم، بل وسائل نقل المفهوم، ففي مجتمع يتناول قهوته السوداء دون قشدة، حين يحاول المرء أن يمدح فتاة بقوله “إنك قشدة، كريما قهوتي” فإنه سيعطي الانطباع الخاطئ تماماً.[lxviii]

    ومن الثابت، أن وراء القوى الاجتماعية، تكمن بالضرورة قوى اعتقاديه، وبالتالي فإن صراع القوى الاجتماعية، هو في أحد جوانبه، تعبير عن صراع قوى اعتقاديه، ولا داعي للتساؤل الفلسفي عن أسبقية الاعتقادي عن الاجتماعي، أو العكس، فسيسيولوجياً يمكن القول، أن الاعتقادي (الثقافي) والاجتماعي متلازمان تلازم إنتاج وبناء وصراع وتطور، فلا منظومة ثقافية خارج اجتماع بشري، كما لا وجود لمجتمع لا يمتلك ثقافة. وتؤكد بيندكت على أن كل مجتمع بشري، أياً كان موقعه، قام بعملية انتقاء بين مؤسساته الثقافية، وإن كل مجتمع، يبدو من وجهة نظر مجتمع غيره، أنه يغفل أموراً أساسية، ويستثمر أشياء لاعقلانية، فثمة ثقافة تكاد لا تقر بالقيم النقدية، في حين تتخذها ثقافة أخرى أساساً لها في جميع المجالات السلوكية، وثمة مجتمع يتجاهل التكنولوجيا على نحو لا يصدقه العقل، بينما مجتمع آخر يناظره في البساطة، زاخر بالانجازات التكنولوجية الّتي تبدو معقدة، و تلاءم مقتضى الحال على نحو محكم يثير الإعجاب.[lxix] لقد قام ليفي شتراوس بدراساته على أساس الافتراض القائل بأن لدى العقل الإنساني طريقة تسمح له بتصنيف الأشياء في ألفاظ و معان متقابلة، الأمر الّذي جعل الإنسان يميز بين نفسه وغيره، وبينه وبين الحيوان، وبين الطبيعة والثّقافة. هذه القدرة على التمييز هي جوهر الاختلاف بين الإنسان والحيوان، فهي سهلت قيام الإنسان بالتفاهم والتخاطب عن طريق استخدام مجموعة من التجريدات والرموز الّتي ساهمت في بلورة تشكيل نمط الثّقافة السائدة وتمييزها عن غيرها من الثقافات الإنسانية. وأياً كان طابع أو طبيعة الثّقافة، فإن اللغة تمثل العمود الفقري فيها بما تمثله من شبكة محكمة من التفاهمات الجزئية أو الكلية بين أعضاء الجماعات. إذ يرى شتراوس ثلاثة أنواع من أنظمة الاتصال بين الأفراد والجماعات وهي: تواصل الوسائل (اللغة)، وتواصل المنافع (الاقتصاد )، والتواصل الجنسي (الزواج).[lxx]

    لذلك يجب على علم الاجتماع، أن يحسب حساباً للأشياء، أو الأحداث الّتي تؤثر في نشاط الإنسان، لكن مجردة من المعنى الذاتي، هذه الظواهر (قد تكون عوامل طقسية – جغرافية – بيولوجية) هي ظروف السلوك الإنساني، أو شروطه، لكن ليس لها بالضرورة أية علاقة بأي هدف إنساني، لكن بمقدار ما تصبح ظواهر كهذه، مرتبطة بأغراض ذاتية إنسانية، تكتسب معنى، وتصبح عناصر ضمن الفعل الاجتماعي، إن مصنوعة يدوية مثل الماكينة، لا يمكن فهمها، إلا على أساس المعنى الّذي كان لإنتاجها أو استعمالها.[lxxi] وفي الثقافات الأولية البسيطة الّتي درسها الأنثروبولوجيون الأوائل، لم يكن مطروحاً للنقاش، مسائل، كمفهوم الفرد، وكيف يتلاءم مع ثقافته، أو الخيار الشخصي، على نطاق واسع، لكن العكس هو الصحيح في المجتمعات المعاصرة، فالخليط العجيب من الهوياتى الحيوية، والنفسية، والعرقية، والعنصرية، والدينية، والسياسية، والوطنية، والمهنية، الممائل في المجتمعات غير المتجانسة، على نحو متزايد، يقدم فرصاً لا سابقة لها، للخيار، والصراع، والحيرة. [lxxii] يرى بورديو أن المعرفة ذاتها توظف اجتماعياً، و هذا لا مهرب منه حتى في مجال الذوق السليم، ففي دراسة له عن “حب الفن” يبين أنه مرتبط بالشروط الاجتماعية الّتي تحدد نشأته، و ليس بطبيعة الإنسان الّذي يتذوقه، حيث إن تذوق هذه اللوحة أو عدم تذوق تلك، ينبع من تهيؤ مفاهيمي واستعداد ثقافي طبقي يخضع له الإنسان قبل أن يأتي لزيارة المتحف. و بذلك تكون نتيجة زيارة المتحف الّذي هو مكان عام ومفتوح للجميع، قد تحددت شروطها قبل دخول الزائر باب المتحف بالذات، أي أن الذوق الّذي سيقوم من خلاله بتقويم اللوحات المعروضة والشبكة المفاهيمية الّتي سيظهر من خلالها إلى اللوحات يجلبها معه الزائر من خارج المتحف. فهي نظاراته الخفية الّتي يشاهد من خلالها الإنتاج الفني المعروض.[lxxiii]

    نستنتج أذا وفق المعطيات، أن هناك علاقة قوية بين مستويات الصراع، والاستعدادات الثقافية النفسية، و كذلك التوجيهات حيال الذات و الآخرين، تلك الّتي تكتسب في وقت مبكر من العمر، وبصورة خاصة، يحتمل أن يكون الصراع في المجتمعات الّتي يُفتقد فيها التأهيل الاجتماعي، للدفء و العاطفة ، قاسياً جداً، وكذلك يكون الصراع على الهوية الذكورية، شديداً.[lxxiv] تبين لنا التقاليد الاجتماعية كم أن التاريخ حاضر في أذهان البشر وتصوراتهم ووعيهم. ويبين لنا كم أن الذاكرة الشعبية هي حاضرة في ممارسات و طرائق التذوق و الانفعال عند الناس في حياتهم العملية واليومية. التاريخ كمحصلة لتجارب البشر لم يعد بعداً للثقافة والمعرفة وحسب، بل أصبح جزءاً منها. وتنوع مصادر التقليد يجعل مصادر التأثير التاريخي مختلفة التجلي في وعي الإنسان، تارة نماذج الماضي هي واعية، عبر التراث، وتارة أخرى هي أقل وعياً ومقبولة بشكل عفوي، كما يحصل مع مختلف عناصر الثقافات الشعبية. [lxxv] إذ تؤكد الثقافات، لا سيما وقت الشدة، على ما هو مشترك بين أفراد الجماعة، وذلك بإعطائها وزناً عاطفياً أكبر للعناصر المشتركة، وتعزيزها بإيديولوجيا المصير المترابط الواحد، ولعل من الأفضل النظر إلى العملية كنوع من النكوص الثقافي النفسي، الّذي يبالغ في التأكيد على ما هو مشترك ضمن الثّقافة، فيما يتم تجاهل الاختلافات وإهمالها بصورة انتقائية، أما الإختلافات مع الآخرين، فيبالغ فيها كثيراً.[lxxvi]

    فالثّقافة إذاً، ليست مجموعة من القيم الثابتة وحسب، لقد وجدت لتعيد وبشكل دائم، تكيف الفرد مع المجتمع، وتكيف المجتمع مع تطوره، ونجاحاته، وإخفاقاته .[1]

    *******

    الحواشي

    [i] مجموعة من الكتاب: نظرية الثّقافة – ترجمة: علي سيد الصاوي، عالم المعرفة الكويت، عدد 223، 1997، ص 113.

    [ii]عبد الغني عماد: سوسيولوجيا الثّقافة، المفاهيم والإشكاليات من الحداثة إلى العولمة – مركز دراسات الوحدة العربية بيروت، ط1 2006، ص 116.

    [iii] مجموعة من الكتاب: علم النفس السياسي – ترجمة: عبد الكريم ناصيف، منشورات وزارة الثّقافة، دمشق 2007، ص 39.

    [iv] مجموعة من الكتاب: علم النفس السياسي – مرجع سابق، ص 118.

    [v]ميشيل توماسيللو: الأصول الثقافية للمعرفة البشرية – ترجمة: شوقي جلال، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، الإمارات، 2006، ص 22.

    [vi] مجموعة من الكتاب: نظرية الثّقافة – مرجع سابق، ص 176.

    [vii] مجموعة من الكتاب: نظرية الثّقافة – مرجع سابق، ص 223.

    [viii]كليفوردغيرتز: تأويل الثقافات – ترجمة: محمد بدوي – المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2009، ص675.

    [ix] مجموعة من الكتاب: نظرية الثّقافة – مرجع سابق، ص 235.

    [x] أنطوني جدنز: الرأسمالية والنظرية الاجتماعية الحديثة – ترجمة: أديب يوسف شيس، منشورات وزارة الثّقافة، دمشق،  2008، ص 80.

    [xi] مايكل كاريذس: لماذا ينفرد الإنسان بالثّقافة – ترجمة: شوقي جلال، عالم المعرفة، الكويت. عدد 229، 1998، ص 92.

    [xii] أنطوني جدنز: الرأسمالية والنظرية الاجتماعية الحديثة – مرجع سابق، ص 38.

    [xiii] مايكل كاريذس: لماذا ينفرد الإنسان بالثّقافة – مرجع سابق، ص 20.

    [xiv]عبد الغني عماد: سوسيولوجيا الثّقافة، المفاهيم والإشكاليات من الحداثة إلى العولمة – مرجع سابق، ص 27 – 28.

    [xv] إريك فروم: مساهمة في علوم الإنسان والصحة النفسية للمجتمع المعاصر – ترجمة: محمد حبيب، دار الحوار، اللاذقية، بلا تاريخ، ص 115.

    [xvi] بيير بورديو: العقلانية العملية – ترجمة: د عادل العوا، دار كنعان، دمشق، ط1، 2000، ص 110.

    [xvii]كليفوردغيرتز: تأويل الثقافات – مرجع سابق، ص 92.

    [xviii]تطور الثّقافة في ضوء منهج البحوث المتداخلة: تحرير: روبين دونبار– كريس نايت – كاميلا بارو، مرجع سابق، ص 57.

    [xix]ماكس فيبر:  مفاهيم أساسية في علم الاجتماع، ترجمة: صلاح هلال، المركز القومي لترجمة، القاهرة، ط1 2011، ص 32.

    [xx] دنيش كوش: مفهوم الثّقافة في العلوم الاجتماعية – ترجمة: منير السعيداني، مركز دراسات الوحدة العربية. المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2007، ص 31.

    [xxi] جيرار لكلرك: الأنثروبولوجيا والاستعمار – ترجمة: د جورج كتورة، معهد الإنماء العربي، بيروت، ط1 1982، ص 24.

    [xxii] دنيش كوش: مفهوم الثّقافة في العلوم الاجتماعية – مرجع سابق، ص 46.

    [xxiii]عبد الغني عماد: سوسيولوجيا الثّقافة، المفاهيم والإشكاليات من الحداثة إلى العولمة – مرجع سابق، ص 92.

    [xxiv]إميل دوركهايم: علم اجتماع وفلسفة – ترجمة: حسن أنيس، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، ط1 1966، ص 94.

    [xxv]أدغارموران: النهج – إنسانية البشرية. الهوية البشرية – ترجمة: هناء صبحي، هيية أبو ظبي للثقافة والتراث، أبو ظبي ط1، 2009، ص 45 – 46.

    [xxvi] دنيش كوش: مفهوم الثّقافة في العلوم الاجتماعية – مرجع سابق، ص 78.

    [xxvii]الثقافات وقيم التقدم: تحرير: لورانس إ هاريزون– صمويل ب هنتغتون، ترجمة: شوقي جلال، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط2، 2009، ص 362.

    [xxviii]كليفوردغيرتز: تأويل الثقافات – مرجع سابق، ص 493.

    [xxix] مجموعة من الكتاب: نظرية الثّقافة – مرجع سابق، ص 32.

    [xxx]تطور الثّقافة في ضوء منهج البحوث المتداخلة: تحرير: روبين دونبار– كريس نايت – كاميلا بارو، مرجع سابق، ص 24.

    [xxxi] مجموعة من الكتاب: علم النفس السياسي – مرجع سابق، ص 13.

    [xxxii]عبد الغني عماد: سوسيولوجيا الثّقافة، المفاهيم والإشكاليات من الحداثة إلى العولمة – مرجع سابق، ص 87.

    [xxxiii] دنيش كوش: مفهوم الثّقافة في العلوم الاجتماعية – مرجع سابق، ص 17 – 18.

    [xxxiv]عبد الغني عماد: سوسيولوجيا الثّقافة، المفاهيم والإشكاليات من الحداثة إلى العولمة – مرجع سابق، ص 29 – 30.

    [xxxv]إميل دوركهايم: علم اجتماع وفلسفة – مرجع سابق، ص 101.

    [xxxvi] دنيش كوش: مفهوم الثّقافة في العلوم الاجتماعية – مرجع سابق، ص 114.

    [xxxvii]عبد الغني عماد: سوسيولوجيا الثّقافة، المفاهيم والإشكاليات من الحداثة إلى العولمة – مرجع سابق، ص 49.

    [xxxviii] دنيش كوش: مفهوم الثّقافة في العلوم الاجتماعية – مرجع سابق، ص 74.

    [xxxix] دنيش كوش: مفهوم الثّقافة في العلوم الاجتماعية – مرجع سابق، ص 61.

    [xl] دنيش كوش: مفهوم الثّقافة في العلوم الاجتماعية – مرجع سابق، ص 70.

    [xli]كليفوردغيرتز: تأويل الثقافات – مرجع سابق، ص 321.

    [xlii]ميشيل توماسيللو: الأصول الثقافية للمعرفة البشرية – مرجع سابق، ص 107.

    [xliii]تطور الثّقافة في ضوء منهج البحوث المتداخلة: تحرير: روبين دونبار– كريس نايت – كاميلا بارو، ترجمة: شوقي جلال _ المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط1، 2005، ص 17.

    [xliv]

    [xlv]تطور الثّقافة في ضوء منهج البحوث المتداخلة: تحرير: روبين دونبار– كريس نايت – كاميلا بارو، مرجع سابق، ص 35.

    [xlvi]ريتشارد دوكينز: الجينة الأنانية – مرجع سابق، ص 313.

    [xlvii]الثّقافة من منظور دارويني: تحرير: روبرت أونجر– مرجع سابق، ص 161.

    [xlviii]الثّقافة من منظور دارويني: تحرير: روبرت أونجر– ترجمة: شوقي جلال، المشروع القومي للثقافة، القاهرة، ط1 2005، ص 51.

    [xlix]دافيد ن ستاموس: التطور والأسئلة الكبرى (الجنس والعرق والدين وأمور أخرى) – ترجمة: عزت عامر، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2014، ص 313 – 314.

    [l] دافيد ن ستاموس: التطور والأسئلة الكبرى (الجنس والعرق والدين وأمور أخرى) – مرجع سابق، ص 311.

  • ريتشارد دوكينز: الجينة الأنانية – ترجمة: تانيا ناجيا، دار الساقي، بيروت، ط1، 2009، ص 309.

    [lii]ريتشارد دوكينز: الجينة الأنانية – مرجع سابق، 322.

    [liii]مجموعة من الكتاب: نظرية الثّقافة – مرجع سابق، ص 36.

    [liv] دنيش كوش: مفهوم الثّقافة في العلوم الاجتماعية – مرجع سابق، ص 148.

    [lv]سيسيولوجيا الفن، طرق للرؤية: تحرير: ديفيد إنجليز، جون هغسون– ترجمة: ليلى الموسوي.عالم المعرفة، الكويت، عدد 341، 2007، ص 34.

    [lvi]كليفوردغيرتز: تأويل الثقافات – مرجع سابق، ص 134.

    [lvii]محمد عبده محجوب: الاتجاه السوسيوأنثروبولوجي في دراسة المجتمع – وكالة المطبوعات، الكويت، لا تاريخ، ص 17.

    [lviii] اريك فروم: مساهمة في علوم الإنسان والصحة النفسية للمجتمع المعاصر – مرجع سابق، ص 24.

    [lix] اختراع التقاليد: تحرير إيريك هوبزبام، تيرينس رينجر – ترجمة: أحمد لطفي، هيئة أبو ظبي للثقافة، إصدارات، ط1 2013، ص 10 .

    [lx] مجموعة من الكتاب: نظرية الثّقافة – مرجع سابق، ص 65.

    [lxi] بيير بورديو: العقلانية العملية – ص 23.

    [lxii] مجموعة من الكتاب: علم النفس السياسي – مرجع سابق، ص 15.

    [lxiii] د خليل أحمد خليل: نحو سوسيولوجيا للثقافة الشعبية – دار الحداثة، بيروت، ط1، 1979، ص 163.

    [lxiv] مجموعة من الكتاب: نظرية الثّقافة – مرجع سابق، ص112.

    [lxv] مجموعة من الكتاب: علم النفس السياسي – مرجع سابق، ص 282.

    [lxvi] أنطوني جدنز: الرأسمالية والنظرية الاجتماعية الحديثة ، ص 219.

    [lxvii] مجموعة من الكتاب: علم النفس السياسي – مرجع سابق.

    [lxviii]كليفوردغيرتز: تأويل الثقافات – مرجع سابق، ص 433.

    [lxix] مايكل كاريذس: لماذا ينفرد الإنسان بالثّقافة – مرجع سابق، ص 42.

    [lxx]عبد الغني عماد: سوسيولوجيا الثّقافة، المفاهيم والإشكاليات من الحداثة إلى العولمة – مرجع سابق، ص 62.

    [lxxi] أنطوني جدنز: الرأسمالية والنظرية الاجتماعية الحديثة – مرجع سابق، ص 237.

    [lxxii] مجموعة من الكتاب: علم النفس السياسي – مرجع سابق، ص 29.

    [lxxiii]عبد الغني عماد: سوسيولوجيا الثّقافة، المفاهيم والإشكاليات من الحداثة إلى العولمة – مرجع سابق، ص 184.

    [lxxiv] مجموعة من الكتاب: علم النفس السياسي – مرجع سابق، ص 222.

    [lxxv]عبد الغني عماد: سوسيولوجيا الثّقافة، المفاهيم والإشكاليات من الحداثة إلى العولمة – مرجع سابق، ص 157.

    [lxxvi] مجموعة من الكتاب: علم النفس السياسي – مرجع سابق، ص 65.

    قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

    أضف تعليق