الحلقة المفقودة في ولادات متعسرة (2 من5 )

ثانيا / أصول التّخلف والسّؤال الحاسم: طبيعة بنى المجتمعات الّتي تمّ إدماجها في النّظام الرأسمالي العالمي؟

ارتباطا مع ما ورد أعلاه، وتطويرا في التّحليل النقدي في تفكيك الكثير من الفرضيات الّتي سادت وترسّخت حول نوع العلاقات الإنتاجيّة الاجتماعيّة الّتي كانت سائدة في المشرق خلال المرحلة الكولونياليّة  والإمبرياليّة، يؤكّد عصام الخفاجي على أنّ الكثير من التّفسيرات الخاطئة لبعض “المظاهر الرأسماليّة” كإجراءات إصلاح النّظام الاقتصادي، وبروز الصناعة إلى جانب سيطرة القطاع التّجاري…، هي الّتي سيدت اعتقادا خاطئا بأنّ المنطقة كانت تعيش في ظلّ العلاقات الإنتاجيّة الرأسماليّة. لكن رغم كلّ هذه المظاهر فإنّ ذلك  لا يعني سيادة الرأسمالية كنمط إنتاج، لأنّه لا وجود إطلاقا لرأسمال صناعي يفرض هيمنته في ظلّ انتشار وسيطرة الرأس مال التّجاري الّذي يرى مصلحته في تجارة المسافات البعيدة عوض الاهتمام بالسّوق المحلية وحمايتها، وفي ذلك يقول ماركس” كان رأس المال التجاري الشّكل التاريخي لرأس المال قبل أن يخضع رأس المال الإنتاج لسيطرته بوقت طويل… لقد تطوّر رأس المال على أساس نمط للإنتاج مستقل عنه وخارجه، وعليه فإنّ تطور رأس المال التّجاري يقيم علاقة عكسية مع التّطور العام للمجتمع”.17 وهذه الوضعيّة الأشبه بالمفارقة تزول غرابتها وتظهر على حقيقتها كبنى طبقيّة قبل رأسمالية حين يتمّ الإلمام بالمسارات التاريخيّة الاجتماعيّة الاقتصاديّة لكلّ من اليابان في القرن التّاسع عشر وكوريا الجنوبية والطايوان في القرن العشرين. بمعنى أنّ سرّ تخلفنا غير مرتبط بالإرادة السياسية للاستعمار الامبريالي ولا بالاندماج القسري، بما يفيد التّشويه والتّحريف للمنطق الدّاخلي لحركة تطور مجتمعاتنا، في السّوق الرأسمالي العالمي، بل هو وليد البنى الطبقيّة الّتي حالت دون التّطور الرأسمالي في كلّ من مصر سوريا لبنان والعراق… ” الأطروحة الّتي حاولت، وأحاول، عرضها تفسر الأمر بشكل مختلف جذريا مفاده  أنّ أيّ تشكيلة لا تنشأ من فراغ، وعليه فمن العبث التّساؤل إن كان المؤثر الرئيس على تطوّرها كان خارجيا أم داخليا. فالسّؤال الّذي ينبغي طرحه هنا هو: كيف ولماذا تتمكّن تشكيلة اجتماعيّة مّا تحويل العنصر الخارجي إلى عمليّة داخليّة وكيف بوسعها أن تمفصل تأثيرات ذلك العنصر بما يؤدي إلى تفعيل إمكانات التّأخر أو التّطور في داخلها؟” 18

يرى الكاتب بأنّ الضّغوط الإمبرياليّة مورست على الكثير من الدول، ليس فقط في إفريقيا، بل أيضا في أوروبا وآسيا، لكن نلاحظ كيف استجابت الإمبراطوريّة العثمانيّة والروسيّة واليابانيّة مثلا بشكل مختلف تجاه التأثيرات والاملاءات. حيث نجحت اليابان وروسيا في إصلاحاتهما، بينما عرف إصلاحات العثمانيين فشلا ذريعا بمعنى أنّ عصام الخفاجي لا يبرّر نهب ثروات العالم الثّالث ولا التّوسع الامبريالي، وإنّما يدعو إلى الانتباه إلى طبيعة بنى المجتمعات المتخلّفة، الشّيء الّذي جعلها بعيدة عن أن تكون في هذه الفترة رأسمالية.” لقد كانت في واقع الأمر شديدة الشبه بالعمليات الّتي شهدتها أوروبا الغربيّة والوسطى خلال القرنين السّادس عشر والسّابع عشر. تجلّت تلك العمليات في تعايش النّظم الزراعيّة قبل الرأسماليّة مع رأس المال التّجاري الصاعد الّذي لم يتناقض مع إمكانيّة إقامة بعض الصناعات إمّا من جانب الدولة التجاريّة المطلقة مباشرة أو من جانب التجار أو ملاك الأرض المدعومين من جانب الدولة.” 19 هكذا يتّضح الدور الهائل الّذي لعبته العوامل الداخليّة في ترسيخ أصول التّخلف وهي كامنة في شكل العلاقات المجتمعيّة للتركيب البنيوي الاجتماعي الّذي منع حدوث التّحول والتّغيير للعلاقات قبل الرأسماليّة، وهذا ما عجز عن تحقيقه ازدهار النّشاط التجاري . والكاتب يقدّم في هذا السّياق أمثلة كثيرة منها ما كان يعرف في الأدب الاقتصادي بالمرض الهولندي أو عن المدن التجاريّة الايطاليّة الّتي عرقلت صعود الرأسماليّة بسبب مصالحها الضيّقة الّتي حالت دون توحيد الفضاء الوطني ولا حماية السّوق الداخليّة. وتعميقا لأطروحته يغنيها بمناقشة بعض الاتّجاهات الّتي تتّخذ التّحليل الطبقي منهجا في التّحليل مع رفضها للرّؤى الاستشراقيّة حول عقلية شرق أوسطيّة، أو التّذرع بالإنتاجيّة الرّاكدة، لكن رغم رفضها لطروحات التبعيّة/ النّظام العالمي واعتمادها ” أولويّة الصراعات الطبقيّة في تحديد صعود علاقات الإنتاج الاجتماعيّة وانهيارها”20 فإنّها تسقط في نفس الرّؤى الّتي تنتقدها سواء من خلال قولها برأسماليّة الزراعة في كلّ من مصر وسوريا، أو في نظرتها إلى الدور الحاسم  للتّجارة في صعود الرأسماليّة، وهي لا تدرك ردّ الفعل المعاكس للبنى قبل رأسمالية إزاء حوافز السوق، أي في اختلاف استجابتها عن الاقتصاد الرأسمالي، أو في إسقاطها للتّفسيرات الخاطئة من حيث مقارنة آثار وانعكاس النّشاط التجاري في واقع تجربة رأسماليّة قائمة في أنجلترا(تجربة الصوف) على واقع بنى زراعيّة مصريّة (تجربة القطن) قبل رأسماليّة تهيمن فيها فئات ملاك الأراضي والتّجار الّذين لم تكن مصلحتهم مرتبطة بتوسيع السّوق المحلي ولا النّشاط الصناعي بقدر ما كانت مرتبطة بأسعار عالية للأرض، وبتخزين الثّروات في صورة نقود بعيدا عن جعلها مجرد وسيط للتّبادل. وهنا يكمن الخطأ الجسيم في الرّبط بين رأس المال التّجاري وبين صعود الرأسماليّة اعتقادا من أصحاب هذه الأطروحة أن توفّر الثروات والموارد من الخارج كتراكم ابتدائي لرأس المال لظهور التّحديث، لكن سرعان ما يكذب واقع استمرار التّخلف زيف هذه الأطروحة الّتي تقف حائرة تجاه الأسباب المسؤولة عن ذلك، فتكتفي بالأوصاف القدحية: “البرجوازيّة الطفيليّة” التابعة” الرثّة”….

” يرى ماركس أنّ أصول الرأسماليّة تكمن في تحوّل علاقات الإنتاج في الأرض لا في تدفق رأس المال بشكله النقدي. فإذا ” رأى كثير من معاصريه الامتناع عن الاستهلاك المصدر الأصلي للتّراكم…كان ماركس يرى أنّ التراكم الابتدائي ليس تراكما بهذا المعنى على الإطلاق. فبوسع الامتناع أن يقود إلى التّراكم إن كانت علاقات الإنتاج الرأسماليّة قائمة أصلا…”وفقا لتعبير ماركس: إذن فما يسمى بالتّراكم الابتدائي ليس إلّا العملية التاريخيّة لطلاق المنتج من وسائل الإنتاج…إنّ تجريد المنتج الزراعي، الفلاح من الأرض هو أساس العملية كلّها”21.

وفي هذا السّياق يناقش عصام الخفاجي أصحاب القراءة المزدوجة الخطأ للتّاريخ سواء تعلّق الأمر بالبرجوازيّة المشرقيّة الّتي وضعت في تناقض مبخس وفاشل تجاه البرجوازية الأوروبيّة، أو تعلّق الأمر بصعود الرأسماليّة في أوروبا. وبسبب هذه القراءة المغرضة والمغلوطة سادت مواقف إيديولوجيّة سياسيّة في صورة إنتاج نظري هائل يرى في الاستعمار والامبرياليّة السّبب الرئيس في تحريف تاريخ العالم الثالث والقضاء على منطق تطوّره الداخلي حيث صار عبدا لحاجات أجنبيّة خارجيّة، عكس البرجوازيّة الأوروبيّة الّتي استجابت لحاجاتها الداخليّة فازدهرت الرأسمالية. هكذا بقراءة خاطئة للصيرورة التاريخية للبرجوازية الأوربية في جعلها الطبقة الجريئة الّتي استطاعت الانتصار على الإقطاع وخلق الثورة المولدة لصعود علاقات الإنتاج الرأسماليّة فاتحة عهدا جديدا من التّقدم والازدهار، حصل استثناء تمجيد تاريخ البرجوازيّة الأوروبيّة في تاريخ تحوّل المجتمعات الإنسانيّة، في الوقت الّذي لم تكن فيه البرجوازيّة الأوروبيّة وراء كلّ هذا التّحول النّوعي على مستوى تثوير المجتمع وتحويله، ولا على مستوى تثوير الإنتاج لأنّ مصالحها كانت مرتبطة بالمصالح السّائدة في العلاقات قبل الرأسماليّة. لم تكن الثورات البرجوازيّة عمليات قامت بها طبقة رأسمالية تبلورت في ظلّ نظام إقطاعي ثمّ قرّرت إسقاط النّظام الّذي تسبّب في إثرائها. فالواقع أنّ ثورات الحداثة كانت معادية للنبلاء قدر معاداتها لتجار ورأسماليي الحضر الصناعيين والمصرفيين والمضاربين…فمن لعبوا ذلك الدور كانوا خليطا من المتدربين في الحرف وصغار الحرفيين والحفاة والعاطلين والمهمشين والمستأجرين والعمال الّذين وقفوا جنبا إلى جنب في فترات مختلفة للكفاح ضدّ المحتكرين والأرستقراطيين والبارونات والباشوات والمطارنة.”22

من هنا يتبيّن لنا حجم الخطأ في الاعتقاد بالاندماج في السّوق الرأسماليّة، أو في التّحريف الإرادي السياسي لقوى أجنبيّة للمنطق الدّاخلي لمجتمعاتنا، أو الاختلاف الوهمي الاستثنائي بين السيرورة التاريخيّة لولادة البرجوازيّة الرأسماليّة الأوروبيّة عن نظيرتها في المشرق الّتي لم تستطع تحقيق صعود نظام رأسمالي. التّحولات تتعلّق دائما بالبنى والصراعات الاجتماعيّة في سيرورة تاريخيّة طويلة، ” فلم تتشكّل بنى المحاصصة الزراعيّة القائمة على الملكية الكبيرة للأرض في المشرق وتفرض نفسها قانونيا وكأمر واقع، إلاّ ابتداء من النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر…فإنّ ما يثير الدّهشة لا سلبية فلاحي المشرق، بل نضوجهم المبكر وتزايد حدة مقاومتهم في فترة مبكرة. إنّ نظم الهيمنة الاجتماعية تتطلب قرونا حتى تنضج وتبلور تناقضاتها الكامنة. وتحدث الثورات الشاملة حين لا توجه الجماعات الخاضعة غضبها إلى مالك فرد” انحرف”  عما يجب أن يكون عليه الحال، بل حين تتوصل الأغلبية، لا مجرّد النّخبة، إلى اعتبار النّظام بكامله فاسدا إثر خوضها احتجاجات متعدّدة وقيامها بانتفاضات جزئيّة”23.

هكذا يتبيّن لنا أنّ القراءة المزدوجة الخطأ للتّاريخ لكلّ من مسارات المشرق أو لمسارات صعود الرأسماليّة في أوروبا، وجعل برجوازيتها ثورية في تحقيق التّغيير والتّحول المجتمعي، وهذا معطى تأملي تكذبه الكثير من الأدلّة الوضعيّة الّتي أتى الباحث عصام الخفاجي على تفصيلها ومناقشتها، وعلى أساس هذا الخطأ في القراءة تمّ تأسيس كم نظري هائل يتفاوت في التّبخيس والتّنقيص والتّحقير لشعوب منطقة كاملة سواء من زاوية المنهج الثقافوي والخصوصي بمختلف تلويناته، أو الأسطوري العدائي الإستشراقي من جهة، أو من جانب بعض تحليلات التبعية/النظام العالمي الّتي تمارس التّحليل الطبقي من جهة أخرى. وجذر الخطأ في كلّ هذا أن هذه القراءة  تحاكم الطبقتين البرجوازيّة الأوروبيّة، والبرجوازيّة المشرقيّة في وضعيتين مختلفتين: رأسماليّة بالنسبة للأولى، وقبل رأسماليّة بالنسبة للثانية، وبوضوح أكبر خارج إطار سيرورة تحوّل البنى الماديّة والصراعات المجتمعية. ” إنّ رأس المال التّجاري هو الّذي يحدّد المستوى العام للأرباح في ظل ما قبل الرأسماليّة، فإن الحالة تنقلب تماما في ظل الرأسماليّة. وهذا التّحول التاريخي الهائل لا يحقّقه الصناعيون أنفسهم، بل إنّه يتحقّق من خلال تغير البنية الاجتماعيّة الّتي ليس الصناعيون والتّجار إلّا نتاجا لها. لذا فمن السخف إضفاء صفات إيجابية أو سلبية على برجوازيّة هنا وأخرى هناك. ولا يمكن أن نختزل الأمور ونفترض أن رأس المال الصناعي هو عامل التّغيير في كلّ الأزمنة والأمكنة، إذ لا تصبح فئة من الصناعيين الجدد عاملا للتّغيير إلا حين يقود التّحول الاجتماعي النّاتج عن الصراعات، إلى جعل الاستثمارات في الصناعة أكثر ربحية بصورة عامة ويخلق بالتّالي ظروفا للتّصنيع في مجتمع معين”.24 فهذا النّص المكثف في دلالاته يحيط بكلّ زوايا المنظور الّذي يحرص على تفكيك البديهيات، من خلال إعطاء أهميّة للأسس الاقتصاديّة الاجتماعيّة التاريخيّة في دينامية تمفصل مستوياتها البنيويّة والصراعيّة، بعيدا عن الفكر النّمطي المأخوذ بسحر القوالب والمقولات الجاهزة، دون ممارسة حرقة الأسئلة للبحث العلمي، ومعانقة شقاء القراءة النّقدية في النّظر إلى تحوّلات المجتمعات.

ثالثا/ ما التّغيرات الّتي أنتجت نزاعات المصالح في تشكيلة مشرق الخمسينيات؟

يمكن للتّحليل النقدي السّابق للقراءة المزدوجة الخطأ للتاريخ الأوروبي والمشرقي أن تضيء رؤية الكثير من المعطيات خلال مرحلة العبور إلى الحداثة، خاصّة حول المضمون الاقتصادي والاجتماعي لحالة التّحضر في كلّ من أوروبا والمشرق دون السّقوط في التّفسيرات الخاطئة الّتي تقف عند غياب طبقة الصناعيين في المشرق مع حضور مكثّف للتّجار والمصرفيين وملاك الأرض، ممّا يسمح بهيمنة التّصورات الثقافويّة والخصوصيّة عن الرأسماليّة المشرقيّة. أو تلك الّتي تربط تعذر النّمو الصناعي بالإمبرياليّة، فتجعل من الاشتراكية ضرورة ملحة للانتقال إلى الرأسماليّة المستحيلة في ظلّ الوضع الامبريالي المهيمن على مصائر بلدان العالم الثالث. صحيح بأنّ الضغوطات الاستعماريّة كانت حاضرة بقوّة في إحباط عمليات التّصنيع، لكن لا يمكن تجاهل الدور الأساسي للتّركيب الاجتماعي لتشكيلة قبل رأسماليّة في فشلها الذريع في العبور إلى الرأسماليّة، و في كيفيّة مجابهتها للضّغوط الأجنبية والمصالح الضيقة لفئات الملاك والتجّار والصيارفة المحليين” وما كان بوسع القوى المعادية للأخيرة أن تطرح برامج مختلفة جذريا إلّا حين أخذت وظائف تلك البنى  بالتّحلل التّام، أو حين واجهت تلك البنى أزمتها القاضية. بتعبير آخر، بوسعنا القول أنّ أزمات التشكيلات السّابقة ولدت كما من الضحايا بات يفرض ضغوطا هائلة من اجل إسقاط النّظم القديمة.”25

بمعنى أنّ الشكل الاقتصادي الاجتماعي والسّياسي والإيديولوجي الّذي عرفته المدينة المشرقيّة في بنياتها وتقسيماتها المجالية الاجتماعيّة الحرفيّة والديمغرافيّة والدينيّة المذهبية الطائفية، والعرقيّة الانعزاليّة المتشظية في شكل من العلاقات الممتدة بكلّ السّمات والخصائص المتعلّقة بالبنيات الاجتماعيّة قبل رأسمالية، لم يكن هذا الشّكل من العلاقات المتبادلة بين مكوّنات المدينة المشرقيّة حالة خاصّة وخصوصيّة واستثنائيّة في التاريخ البشري مقارنة بما عرفته تحوّلات حركة تطوّر المدينة الأوروبيّة الّتي لم تولد حضرية مثالية إلّا في عقول الفكر السطحي الّذي يفتقر إلى الأسس المعرفيّة التاريخيّة الاجتماعيّة والخلفيات العلمية المنهجيّة في الطرح والتّفسير، كما يجهل المعطيات التاريخيّة الاجتماعيّة لحركة تحوّل المجتمعات. لذلك يقدم عصام الخفاجي مسحا نسبيا شاملا وتفصيليا لنشأة وتكون وتطوّر المدينة المشرقيّة في سيرورتها التاريخيّة مقارنة بمثيلتها الأوروبيّة خاصّة الفرنسيّة، الّتي هي سيرورة بنى وصراعات تشكيلة اقتصاديّة اجتماعيّة في تغير وتحوّل علاقات الإنتاج الاجتماعيّة بما يفيد السّيطرة والهيمنة لملاك الأرض الكبار والتجّار على أغلب الأرض وما تنتجه من خيرات معيشيّة وتجاريّة بفعل قوانين الإصلاح الزراعي في الخمسينيات، إلى جانب قيادتهم السياسيّة للشكل السياسي السّائد المدعم لمصالحهم الضيقة الّتي أنتجت حركة نزوح للفلاحين كمهاجرين باحثين عن شكل آخر للبقاء والوجود الاجتماعي في صورة جزر عزلاء تحيط بالمدينة من كلّ جانب وفق دينامية وحدة الاعتماد المتبادل بين هذه الجزر/ الأحياء، أي محقّقة لنوع من التّفاعل بين الجماعات يتجاوز البعد الديني والعرقي لواقع تقسيم العمل.” مع تبلور نظام المحاصصة الزراعي في المشرق ومع التّطورات الحاصلة نهاية القرن التاسع عشر، وضع التجار والبيروقراطيون الحضريون من مسلمين ومسيحيين، أيديهم على تلك الأراضي، دافعين الفلاحين وعامة أبناء تلك الطوائف إلى النّزوح إلى المدن”26.

ومن أجل تحديد دقيق لديناميات المدّة التاريخيّة الطويلة لتحوّلات بنى المدينة المشرقية  لم يكتف عصام الخفاجي بتعليق حالة التّشظي بالجوانب الدينيّة والعرقيّة والقبليّة الّتي تغري التّفسير الثقافوي، حيث بين الانقسامات الأفقيّة الّتي تخترق الجماعة الواحدة ومختلف أشكال التّضامن المصلحي العابرة أفقيا للجماعات المنغلقة والمتشظيّة، الشّيء يوضّح أهميّة التّغيير الاجتماعي في خلق قيم ثقافيّة واجتماعيّة تتجاوز وهم الهويات الطبيعيّة الجاهزة والناجزة مثل ما حدث بين المسيحيين والمسلمين في ثورة1919 المصريّة، أو بين السنّة والشيعة في ثورة1920في العراق….

فانطلاقا من هذه الوقائع وغيرها كثير يتبيّن أنّ حقائق شكل العلاقات الاجتماعيّة الّتي تأخذ نمط الثّوابت في نظر أصحابها هي ليست  سوى حصيلة صيرورة اجتماعية وبالتّالي ” فإنّ الهويات ليست معطى طبيعيا، بل إنّ ما يعينها هو بالأحرى مستوى تطور تشكيلة اجتماعيّة مّا. كما يعين مستوى التّطور هذا حدود توسّع كلّ جماعة وينظم الآليات السياسيّة الّتي لا بدّ من وجودها من أجل الحفاظ على الأداء المتوازن للمكوّنات المختلفة للمجتمع.”27 ومن ثمّة  تأخذ فرضيّة عصام الخفاجي حول مستوى التّطور التكنولوجي مصداقيتها المعرفيّة والتحليليّة في فهم الحراك الحضري على مستوى العلاقات المتغيرة بين الجماعات.

*********

الهوامش

17-  مرجع مذكور: ولادات متعسرة، ص 141.

18-  نفسه، ص 137.

19-  نفسه، ص140.

20- نفسه، ص 146.

21- نفسه، ص 158و159.

22- نفسه، ص 179و180.

23 –  نفسه، ص 184.

24- نفسه، ص 168.

25- نفسه، ص 201.

26- نفسه، ص 205.

27-  نفسه، ص 223.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق