الدّابة

ثمّ ماذا؟

 

…ثمّ تخرج من الأرض دابة لا هي من جنس البهائم ولا هي من جنس البشر. ويقول أحد مشائخ الطريقة أنّها تخرج من بحر الخزر. فتمكث عند سفح جبل العناكب ثلاثا وقد خلت من الشّهر عشر وليلة، حتّى إذا اكتمل بدره وانتصف ليله، خارت خوارا صُعق له النّاس وارتجت الأرض ويقال أنّ صداه بلغ إلى ما وراء النّهرين.

 
ثمّ ماذا؟

 
…ثمّ إنّ القوم ضجّوا وغلوا في أمرها حتّى أن رهطا من الزنادقة أغروا ضعاف العقول وقالوا أنّها تُعبد وأنّها من ذرية عجل السامري. وتبعهم في ذلك خلق كثير وتقربوا إليها بالقرابين والعطايا ومنهم من ذبح دجاجا على ندرته وغلاء ثمنه ومنهم من طبخ مرق الخضار وقد خلت الأسواق منه. وخيف على أهل الأرض كفرهم بعد إيمانهم.

 
ثمّ ماذا؟
…ثمّ طال عليهم الأمد حتّى هلك شيوخهم وخلف من بعدهم خلف اقتدوا بآبائهم. والدّابة ترفل في الحرير عند السّفح تطعم من خير طعامهم وتشرب من أطيب شرابهم ماضية على سنتها في الخوار. وهم على عادتهم يضعون لها نصيبها من قوتهم على مسافة منها أو يخلعون عليها خِلَعا من قمة الطود. فعظُم أمرها ودُعي لها في المنابر.

 
ثمّ ماذا؟

 
…ثمّ إنّ رجلا من أحباش “أكسوم” القديمة بلغ به الصيد أحراش القرية ورأى الدّابة وما يفعل في أمرها. وكان على دين الفطرة يعبد رمحه وما بلغ بصره. فعزم على صيدها وعقرها وظنّ أنّها إنّما بلغت تلك المنزلة لسر فيها وأنّ دمائها وشحومها شفاء من كلّ داء وأنّه إن عاد بكبدها إلى قبيلته جعلوه ملكا عليهم. فسنَّ رمحه وقعد لها كلّ مرصد حتّى تخير موضعا بين أجمة وصخرة رأى أنّه الأنسب. وانتظر منها غفلة فرماها فأصابها في مقتل.

 
ثمّ ماذا؟

 
…ثمّ إنّ الدّابة خارت خورتها الأخيرة قبل أن تهلك حتّى بلغت مشارق الأرض ومغاربها. وهُرع القوم إليها عجِلين بأعطياتهم فسبقتهم دماؤها سيولا حتّى زلق الكثير منهم وشجت رؤوسهم على صخر الوادي. وألفى من بلغ منهم الموضع الحبشي يقطع كبدها. فذهلوا وذهبت عقولهم ولم يدروا ما يفعلون. حتّى تقدّم كبير رهبانهم وخطب فيهم أنّ الحبشي ولد الدّابة وأنّها ولدته لتموت بعده لأنّه لا يجتمع إلاهان على قرية صغيرة كهذه. وختم أنّ ولد الدّابة يرث عرشها وألوهيتها. وأمرهم أن يبجلوه على أبنائهم فيرضى عنهم ولا تصيبهم السنون.

 

ثمّ ماذا؟

 
…ثمّ إنّ القوم هموا بطاعة راهبهم والانصياع لأمره حتّى قفز ساحر القرية إلى مرتفع من الأرض وصرخ فيهم أنّ الحبشي شيطان تمكن من آلهتهم وأنّ اللّعنة ستحل عليهم وعلى أرزاقهم إن لم يثأروا لها ويرجموه.
واختلف النّاس بين اتّباع الرّاهب أو السّاحر حتّى انقسموا شيعتين. وطال جدالهم وقعدوا عن أعمالهم حتّى جاع أطفالهم وضجرت نساؤهم. وبلغت بينهم العداوة مبلغا عظيما فاقتتلوا قتالا شديدا حتّى لم يبق منهم إلّا القليل وخربت القرية حتّى صارت أثرا بعد عين.
وتلك من الأحاديث. سارت به الركبان في فجاج الجهالة.

 

 

جانفي2019

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق